قد قلنا: إن الأشياء تبين بذواتها لمن تبين، وتعبر بمعانيها لمن اعتبر، وإن بعض بيانها ظاهر، وبعضه باطن، ونحن نذكر ذلك ونشرحه فنقول: إن الظاهر من ذلك ما أدرك بالحس كتبيننا حرارة النار، وبرودة الثلج على الملاقاة لهما، أو ما أدرك بنظره العقل التي تتساوى العقول فيها مثل تبيننا أن الزوج خلاف الفرد، وأن الكل أكثر من الجزء والباطن ما غاب عن الحس، واختلفت العقول في إ ثباته، فالظاهر مستغن بظهوره عن الاستدلال عليه والاجتماع عليه لأنه لا خلاف له، والباطن هو المحتاج إلى أن يستدل عليه بضروب الاستدلال، ويعتبر بوجوه المقاييس والأشكال. والطريق إلى علم باطن الأشياء في ذواتها والوقوف على أحكامها ومعانيها من جهتين هما: القياس، والخبر، وحجتنا في القياس (أن الله - ﷿ - قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ وذلك الأمثال التي جاءت في كتابه كمثل كذا وكذا في مواضع كثيرة، وذلك كله تشبيه وقياس. وأيضًا فقد قاس) في كتابه فقال لمن حرم وحلل وهو جاحد للرسل الذي يأتون بالتحليل والتحريم: ﴿أَمْ كُنتُمْ
[ ٦٥ ]
شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ وقال: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ فلما لم يمكنهم أن يدعوا أن الله سبحانه شافههم بذلك، وكان في قولهم واعتقادهم إبطال الرسل الذين يؤدون عن الله - ﷿ - أمره، تبين لهم أن الذي شرعوه لأنفسهم ضلال وبهتان من غير حجة ولا سلطان، فقال لهم بعد أن تبين ذلك لهم: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ومن الحديث ما حدثه زبيد، الأيامي يرفعه قال: قال رسول الله - ﷺ - "كل قوم على بينة من أمرهم ومفلحة عند أنفسهم يردون على من سواهم" والحق في ذلك يعرف بالمقايسة عند ذوي الألباب وأما الخبر فحجتنا فيه من الكتاب قول الله ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ولم يكن ليأمر بمسألتهم إذا لم يعلم، إلا وأخبارهم تفيدنا علمًا وتزيل عنا شكًا.
ومن الأثر قول رسول الله - ﷺ: "نضّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها" وقوله: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب"، ولم يأمر بذلك إلا وإبلاغ الشاهد الغائب يوجب الحجة، واستماع الغائب من الشاهد يكسب علمًا وفائدة.
[ ٦٦ ]
ذكر القياس
والقياس في اللغة التمثيل، والتشبيه، وهما يقعان بين الأشياء في بعض معانيها لا في سائرها، لأنه ليس يجوز أن يشبه شيء شيئًا في جميع صفاته فيكون غ يره، والتشبيه في الأشياء لا يخلو من أن يكون تشبيهًا في حد أو وصف، أو اسم، فالشبه في الحد هو الذي يحكم لشبهه بمثل حكمه إذا وجد فيه فيكون ذلك قياسًا صادقًا وبرهانًا واضحًا، والشبه في الوصف هو الذي يحكم لشبهه به فيكون في بعض الأشياء صادقًا، وفي بعضها يكون كاذبًا.
والشبه في الاسم غير محكوم فيه بشيء إلا أن يكون الاسم مشتقًا من وصف؛ ونحن نمثل ذلك فنقول: إن حلول الحركة في المتحرك لما كانت حدًا له، وجب أن يكون كل ما حلت فيه الحركة متحركًا، وهذا حق لا نطعن فيه. فأما السواد الذي هو من أوصاف الحبشي فليس حيث وجدناه حكمنا لحامله بأنه حبشي، ومتى قلنا ذلك كنا مبطلين، ولكنا إذا قلنا: إن بعض من يوصف بالسواد حبشي صدقنا، وأما زيد الذي هو من الأسماء فليس بموجب أن يكون بينه وبين غيره ممن اتفق هذا الاسم له مماثلة ولا مشابهة إلا أن يكون الاسم مشتقًا من وصف فيلحق الوصف ما شاركه من ذلك الاشتقاق ما يلحقه، مثل الأبيض الذي يسمى به كل (ما كان البياض فيه) لأنه مشتق منه. والاشتباه في الأسماء لا يوافق بين معانيها إذا اختلفت ذواتها، فإن الهوى الواقع على هوى
[ ٦٧ ]
النفس مخالف للهواء الذي بين السماء والأرض وإن اتفقنا في الاسم، وكذلك اختلاف الأسماء إذا اتفقت المعاني لا يوجب اختلافًا في المعاني كالنأي والبعد، وكلاهما واقع على معنى واحد، فمن أراد أن يحكم الأمر في القياس فليصحح الكلام، ويتفقد أمر الحد والوصف ويتأمل ذلك تأملًا شافيًا حتى لا يجعل الوصف الذي يوجب الحكم الجزئي في موضع الحد الذي يوجب الحكم الكلي، وأن يتثبت في القضاء ولا يعجل في الحكم فإن العجل موكل به الزلل، وقد قالت القدماء: إن أحد أسباب الخطأ في القضية، قصر مدة الروية، وأكثر من غلط في القياس إنما غلط في سوء التمثيل، ومسامحة النفس في ترك التحصيل، والمبادرة في الحكم بغير روية ولا فكر.
وليس يجب القياس إلا عن قول يتقدم فيكون القياس نتيجة كقولنا: إذا كان الحي حساسًا متحركًا فالإنسان حي، وربما كان ذلك في اللسان العربي مقدمة أو مقدمتين، أو أكثر على [قدر] ما يتجه من إفهام المخاطب. فأما أصحاب المنطق فيقولون: إنه لا يجب قياس إلا عن مقدمتين لإحداهما بالأخرى تعلق، والقول على الحقيقية كما قالوا، وإنما يكتفى في لسان العرب بمقدمة واحدة على التوسع وعلم المخاطب.
والنتائج ثلاث: إحداها ما صدر عن قول مسلم في العقل لا خلاف فيه، فتكون النتيجة عنه برهانًا كقولنا: إذا كان الزوج ما ركب من عددين متساويين فالأربعة زوج، والأخرى ما صدر عن قول مشهور إلا أنه مختلف فيه، فتكون النتيجة عنه إقناعًا كقولنا: إذا كان حق الباري
[ ٦٨ ]
- ﷿ - واجبًا علينا، لأنه على لوجودنا، فقد وجب حق الوالد أيضًا وصحة هذه النتيجة إنما تقع بالاحتجاج لمقدمتها حتى يعرف بها من لا يعرف ثم تصح. والثالثة ما صدر عن قول كاذب وضع المغالطة، كقولنا: إن اللصوص يخرجون بالليل [للسرقة] ففلان سارق لأنه خرج بالليل، وهذا باطل، لأن السارق ليس هو سارق من أجل خروجه بالليل، وإلا فكل من خرج بالليل فهو سارق.
والحد مأخوذ من أصل الشيء الذي منه كونه، وفصله الذي به بتفصل من غيره، فإن حد الحي هو الجسم الحساس المتحرك، فالجسم أصله، والحساس والمتحرك فصلاه اللذان ينفصل بهما من غيره من الأجسام التي لا تتحرك ولا تحس، وكذلك حد الديار فإنه مأخوذ من المدينة والمحلة اللتين هي منهما، ومن الجهات التي تنفصل بها من غيرها، وليس يتجه الحكم في سائر المذاهب على شيء غير محدود، ولا منفصل؛ ألا ترى أنه متى شهد شاهدان على رجل بحق عند قاض احتيج إلى أن يشهد الشهود جنسه الذي هو أصله وبعينه واسمه اللذين هما فصلاه اللذان يتفصل بهما من غيره، فإن عرفوا ذلك وشهدوا به، وإلا لم يمض القاضي حكمًا عليه، وكذلك الحق في نفسه فإنه يحتاج إلى أن يذكر أصله من الورق أو الذهب، وفصله من النقد والوزن فيقال: ورقًا أو عينًا وزن سبعة مثاقيل، فإذا فعل ذلك كان الحكم ماضيًا بيقين من القاضي أنه قد أصاب الحكم فيما
[ ٦٩ ]
أمر به.
وأما الوصف فهو ذكر بعض الأشياء التي تخص الشيء وليست ثابتة على حد كما يقال في الدار: إنها الواسعة، أو الضيقة أو المبنية بالجص أو الآجر كما يقال في الرجل الطويل الأسمر الأقنى، وكل هذه أوصاف لا تأتي على الحد بل يشرك الموصوف بها غيره فيها، ومثل ذلك التحلية التي تستعملها الكتاب والحكام فيمن لم يعرفوه باسمه وعينه ونسبه، فيكون من الاحتياط إذا لم يجدوا سبيلًا إلى غير ذلك.
وأما الاسم فليس يقع به حكم البتة إلا أن يكون مشتقًا من وصف كالأبيض، فإنا نسمي بهذا الاسم كل من غلب البياض على لونه، والاشتقاق والوصف يعمل فيهما على الأغلب والأكثر، ألا ترى أن الزنجي حامل البياض في ثغره وفي بياض عينه، وأن الرومي حامل السواد في حدقتيه وشعره، فلا يسمى الزنجي أبيض بما فيه من البياض، ولا الرومي أسود بما فيه من السواد، لكن يسميان بالأغلب على ألوانهما، وإن دعت ضرورة إلى ذكر ما في الأسود من البياض، أو في الأبيض من السواد لم يطلق ذلك لهما حتى ينسب إلى العضو الحامل له، فيقال: الأبيض الثغر، والأسود الشعر.
واعلم أن القول المنفي ليس بموجب حكمًا غير حكم النفي، وليس يحصل منه تشبيه ولا تمثيل يقع بهما قياس، وذلك كقولنا: زيد غير قائم، وعمرو غير قائم؛ فقد نفينا عنهما جميعًا القيام ولم نثبت لهما اجتماعًا في معنى آخر،
[ ٧٠ ]
لأنه قد يجوز أن يكون أحدهما قاعدًا والآخر نائمًا وكلاهما غير القيام، وكذلك إذا نفينا عن جسمين البياض، فلم نثبت لهما اجتماعًا في لون آخر من الحمرة أو الصفرة أو السواد، ولو شهد شاهدان عند حاكم بأن فلانًا لم يبع ضيعته من فلان لم يكن ذلك بموجب الا يكون فلان ملكها عليه، لأن للملك وجوهًا أخرى غير المبيع، ولذلك قالت القدماء: إن صفات الباري - ﷿ - إنما ينبغي أن تكون بالسلب، يعنون النفي، لأنه لا يحصل في النفي ما يقع به تشبيه.
واعلم أن كل مطلوب فإما أن يكون موجودًا أو غير موجود، وأن الموجود إما أن يكون موجودًا بالحس كالمبصرات والمذوقات والأجسام والأشكال وما أشبه ذلك، وإما أن يكون موجودًا بالعقل كوجودنا ما غاب عنا، وكوجودنا الجوهر والباري - ﷿، وإنما وجودنا بالعقل من الأشياء الغائبة التي لا تحس في ذواتها فإنما تتلقط مبادئ المعرفة بها من الحس فيعرف الجوهر من الأعراض المحمولة فيه كما يعرف ذو اللون باللون، وذو العدد بالعدد، وكما يعرف البارئ - ﷿ - بموضوعاته وآثار فعله، وأن ما يظهر من ذلك عند التأمل له دليل على أن الأشياء لم تكن بالاتفاق، وأنها من قصد حكيم دبرها، وأحكم صنعه منها، ودلالة الشيء [على غيره] تكون بأحد أربعة أشياء.
إما بالمشاركة [وقد ذكرنا جملًا منها] وإما بالمضادة، فإن الضد يكسب
[ ٧١ ]
معرفة الضد، فإنا إذا عرفنا الحياة، وعلمنا أنها بالحس والحركة [وعرفنا ضدها الذي هو الموت وأنه بعدم الحس والحركة]، وإذا انتفى الحكم في أحد الضدين وجب في الآخر ضرورة إذا كان الضدان لا واسطة لهما كالموت والحياة، والحركة والسكون، والضياء والظلام، فأما إذا كان بينهما واسعة فليس الأمر كذلك، وذلك كالسواد والبياض اللذين بينهما الحمرة والصفرة والخضرة، وكالقيام والقعود اللذين بينهما الاضطجاع والركوع والسجود، فنحن نعرف بالسواد الذي هو البياض، وبالقيام ضده الذي هو القعود، وإن نفينا السواد عن شيء لم يجب له البياض ضرورة كما كنا إذا نفينا عن الشيء الحياة وجب له الموت ضرورة، لأن الحياة والموت لا واسطة بينهما، وهذه أضداد لها واسطة.
وإما العرض كما يعرف الجسم بالطول والعرض والسمك، وإما بالفعل كما يدل الولد على الوالد، وكما يدل الباب على النجارة.
والمعقول من الموجودات التي لا تحس لا يحد، لأن الحد مأخوذ من الأصل والفصل كما قلنا، والأشياء المعقولة التي لا تقع تحت الحس ليست لها مادة تكون أصلًا لها، ولا تنفصل أيضًا عن غيرها من المعقولات انفصالًا طبيعيًا فيستعمل ذلك في حدها فإنما تعرف بأسمائها، وتوصف بأوصاف غير محيطة بحدودها فيقال [في] الجوهر: إنه الذي يحمل
[ ٧٢ ]
المتضادات في أنواعه من غير تبدل يلحقه في ذاته، ويقال في البارئ - ﷿ - إنه القديم الذي هو علة لمصنوعاته وأشباه هذا، ألا ترى أن موسى - ﵇ - لما سأله فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ولما قال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ فوصفه بأفعاله ولم يحده لامتناع الحد في ذاته.
والأشياء التي يقع الوصف بها تسعة أشياء: وهي أعراض كلها، منها الحال كقولك: زيد ظريف، ومنها العدد كقولنا: المال درهمان، ومنها المكان كقولنا: زيد خلفك، ومنها الزمان كقولك: جاءني زيد أمس، ومنها الإضافة كقولنا: هذا ابن زيد، ومنها القنية كقولنا: هذا مالك وغلامك ومنها النصبة كقولنا: زيد مضطجح وقاعد، ومنها الفاعل كقولنا: زيد يضرب ومنها المنفعل كقولنا: زيد مضروب، ولا يكون وصف بغير هذه الوجوه التسعة. والحال قد تكون لازمة، فتسمى هيئة كبياض القطن وسواد الفحم، وتكون غير لازمة فتختص باسم العرض كصفرة الوجل، وحمرة الخجل.
والعدد منه منفصل ومنه متصل؛ فالمتصل ما كان له واسطة تجمع بين طرفيه، وكان متصلًا بالمادة كالدرهم والدرهمين، وكالأشكال والأماكن؛ والمنفصل ما انفصل من المادة، ولم تكن له واسطة تجمع بين طرفيه، كالواحد والاثنين، وكالزمان الذي هو حركة الفلك المنفردة، والإضافة نسبة شيء إلى شيء يدور كل واحد منهما إلى
[ ٧٣ ]
صاحبه، فإن الصديق، صديق صديقه، والجار جار جاره، والقنية وهي الملك وهي تشبه المضاف من جهة الإضافة، إلا أنها تخالفه بأنها لا تدور على الشيء، فإنا إن قلنا في المال إنه مال زيد، فليس يجوز أن نقول. في زيد: إنه زيد المال، كما قلنا في المضاف، وضد القنية العدم، وليس يستحق المعدم اسم العدم إلا بعد استحقاقه اسم القنية لأنا لا نسمي الطفل فقيرًا، ولا جرو الكلب أعمى لأن الطفل لم يستحق بعد أن يملك شيئًا يعدمه، وكذلك جرو الكلب لم يستحق أن يكون بصيرًا فيعمى.
والنصبة: تشارك الحال، وهي انتصاب الجسم، وما يشاهد عليه من قيام أو قعود وانحراف إلى بعض الجهات المحيطة به، وهي ست جهات، وهي فوق، وتحت، وأمام، وخلف، ويمين، وشمال.
والفاعل: هو الموقع فعله بغيره، وفعله ربما كان باقي الأثر كأثر النجار في السرير، أو غير باقي الأثر، كضرب زيد عمرًا.
والمنفعل: هو القابل لوقوع فعل الفاعل [به] وتأثيره فيه، وقد يفعل الشيء بطبعه، ويفعل باختياره. فالفاعل بالطبع لا يمتنع من الفعل في كل أوقاته، وعلى كل أحواله، كالنار التي تحرق كل شيء ما لاقاها في سائر الأوقات، وعلى كل الأحوال.
والفاعل بالاختيار: هو الذي يفعل الشيء إذا أراد فعله، ويمتنع منه إذا أراد الامتناع منه، كالكاتب الذي متى شاء كتب، ومتى شاء أمسك عن الكتابة، ويقال في المختار، إذا أمسك عن الفعل وهو قادر عليه متى هم به: فاعل بالاستطاعة وبالقوة، كالكاتب الذي يسمى بهذا الاسم،
[ ٧٤ ]
وإن كان ممسكًا عن الكتابة، لأنه مستطيع لها متى هم بها، فإذا فعل الكتابة كان كاتبًا بالفعل.
أنواع البحث والسؤال:
وأنواع البحث والسؤال تسعة أنواع:
فأولها: البحث عن الوجود بهل تقول: هل كان كذا أو كذا؟ فيقال: نعم أو لا.
والثاني: البحث عن أنواع الموجودات بما؛ تقول: ما الإنسان؟ فيقال: الحي الناطق، وما رأيك في كذا؟ فيقال: رأيي الفلاني.
والثالث: البحث عن الفصل بين الموجودات بأي، تقول: أي الأشكال المربع؟ فيقال: [هو] الذي يحيط به أربعة خطوط.
والرابع: البحث عن أحوال الموجودات بكيف، تقول: كيف الإنسان؟ فيقال: منتصب القامة.
والخامس: البحث عن عدد الموجودات بكم، تقول: كم مالك؟ فيقال: عشرون درهمًا.
والسادس: البحث عن زمن الموجودات بمتى، تقول: متى كان هذا؟ فيقال: في زمن الرشيد.
والسابع: البحث عن مكان الموجودات بأين تقول: أين زيد؟ فيقال: في الدار.
[ ٧٥ ]
والثامن: البحث عن أشخاص الموجودات بمن يقال: من خرج؟ فيقال: زيد، ومن لا تستعمل إلا في المسألة عمن يميز ويعقل.
والتاسع: البحث عن علل الموجودات بلم، وليس يقع الجدال والحجة إلا في العلة ولا يجب الحق والباطل إلا فيها، ونحن نذكر اعتبار العلل، والواجب منها والفاسد إذا صرنا إلى ذكر الجدل في كتابنا هذا إن شاء الله.
فهذه جمل في وجوه الاستدلال والقياس تدل ذا اللب على ما يحتاج إليه، ومن أراد استيعاب ذلك نظر في الكتب الموضوعة في المنطق فإنها جعلت عيارًا على العقل ومقومة لما يخشى ذَلَلُه، كما جعل البركار لتقويم الدائرة، والمسطرة لتقويم الخط، وجعل الميزان مثالًا للقياس والموازنة بين المتشابهين، لئلا تقع المجازفة والبخس في الحقوق، وليكون الإنسان على يقين من الإصابة في ذلك، وقد أتى المتقدمون في جميع هذه الأحوال بما فيه كفاية لمن فهم إن شاء الله.
الخبر:
وأما الخبر فمنه يقين، ومنه تصديق.
فاليقين: منقسم ثلاثة أقسام:
أحدها خبر الاستفاضة والتواتر الذي يأتي على ألسن الجماعة المتباينة
[ ٧٦ ]
هممهم وإرادتهم وبلدانهم، ولا يجوز أن يتلاقوا فيه ويتواطئوا عليه، فذلك يقين يلزم العقل الإقرار بصحة، وبهذا النوع من الأخبار ألزمنا الله - ﷿ - حجج الأنبياء - ﵈ - ونحن لم نشاهدهم [ولم نر آياتهم] ولم نسمع احتجاجهم على قولهم، وذلك من تسخير الله - ﷿ - الناس حتى تقوم الحجة، وإلا فكل أحد من الناس يجوز عليه الكذب، فإذا تواترت أخبارهم كان ذلك زائدًا حقًا، لما قدمناه، وليس التواتر فعلهم، فيجوز أن يفعلوا ضده، وإنما هو شاهد لصدقهم ودليل عليه، والدليل غير المدلول عليه، فقولهم: محتمل الصدق والكذب لأنه فعلهم، وهم ممكنون مختارون، والتواتر والاستفاضة معنى آخر ليس من فعلهم ولا من اختيارهم، وهو دليل الصدق إذا وجد، وليس هذا في أخبار العدول دون الفساق، ولا المؤمنين دون الكفار، لكنه في أخبار الجماعة كلها، ولو كان لا يقبل من التواتر إلا ما أتى به أهل الإيمان لم يكن لأحد من المخالفين علوم ينقلونها، ولا أخبار يرثونها، وقد تكلمنا في هذا الباب في كتابي "الحجة، والإيضاح" بما أغنى عن إعادته، وليس يخالفنا فيه أحد من أهل ملتنا، [وأكثر المخالفين لنا] محتاج إلى زيادة في الشرح له، والاحتجاج فيه.
والثاني خبر الرسل - ﵈ - ومن جرى مجراهم من الأئمة الذين قد قامت البراهين والحج من العقل عند ذوي العقول على
[ ٧٧ ]
صدقهم وعصمتهم، وظهور المعجزات التي لا يجوز أن تكون بنوع من الحيل، وليس في طبع البشر الإتيان بمثلها على أيديهم، فدلت من ليس علم المعقولات والتميز بين المتشابهات من شأنه، على أن هذه الأشياء إنما جرت على أيديهم ليعلم أنهم عن الله - ﷿ - نطقوا، وعليه في إخبارهم عنه قد صدقوا، فتعم الحجة بهم الغافل والجاهل، والمميز والعاقل، فلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولو لم تكن أخبارهم حجة توجب في عقل من شاهد الأنبياء والأئمة، أو نقلت إليه أخبارهم نقلًا يوجب الحجة تصديقها لما قال - ﷿ -: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ولما أمرهم الله - ﷿ - بطاعتهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ لأن الله - ﷿ - لا يأمر بطاعة من يعلم أنه يعصيه، أو يكذب عليه. وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب "الإيضاح" بما أغنى عن إعادته والإطالة فيه.
والثالث: ما تواترت أخبار الخاصة به مما لم يشهده العامة فإن تواترهم في ذلك نظير تواتر العامة، وقد بين الله تعالى لزوم ذلك، ووجوب التصديق به فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فجعل علم العلماء - وهم الخاصة به - حجة على العامة.
وأما خبر التصديق فهو الخبر الذي يأتي به الرجل والرجلان [والأكثر] فيما لا يوصل إلى معرفته من القياس والتواتر، ولا أخبار
[ ٧٨ ]
المعصومين ولا يعلم إلا من جهة الآحاد، وذلك مثل الفتيا في حوادث الدين التي ابتلى بها قوم دون آخرين، فسألوا عنها فخبروا بالواجب فيها، فنقلوا ذلك ولم يعرفه غيرهم، وليس يقع ذلك في أصول الدين التي يتساوى الناس فيها وفي فرضها، والناس محتاجون إلى الأخذ بهذه الأخبار في معاملاتهم ومتاجراتهم ومكاتباتهم، فإن ذلك أجمع مما لا يقوم البرهان على صدق المخبر به من عل ولا تواتر ولا خبر معصوم؛ وإنما يعمل في جميعه على خبر من حسن الظن به، ولم يعرف بفسق، ولم يظهر منه كذب.
وقد أبى قبول خبر الواحد قوم من أهل الملة مع إقرارهم بأن النبي - ﷺ - وآله قد بلغ من نأى عنه بالواحد من أصحابه والاثنين، وبلغ النساء المخدرات اللواتي ليس من شأنهن البروز بما ألزمهم إياه من قبول أخبار أزواجهن، آبائهن وأبنائهن وكل هؤلاء آحاد، وقد استقصينا الكلام في هذا في كتاب "الحجة".
وقد استنبط علم باطن الأشياء بوجه ثالث، وهو الظن والتخمين فيما لا يوصل إليه بقياس، ولا يأتي فيه خبر، وفي الظن حق وباطل.
ولذلك قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وقال ﷿ في مواضع أخر. فأخرجه مخرج اليقين: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ﴾ وقوله ﷿ في سورة الكهف: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾، وذلك يقين منهم وظن كل امرئ على مقدار
[ ٧٩ ]
علمه وعقله، فإن من كان عقله صحيحًا، وكان تمييزه معتدلًا، وعلمه ثابتًا، وسلم من متابعة الهوى فيما يواقع الظن فيه فقد صدق ظنه، وقد قيل: ظن الرجل قطعة من عقله، وقيل: إذا ازدحمت الظنون على سر أظهرته، وقال أردشير: "الظنون مفاتيح اليقين"، وقال الشاعر:
(الألمْيَعِيّ الذي يظن بك الظن كأنْ قد رأي وقد سَمضا)
وقال آخر:
(تناصَرَت الظنون عليك عِندي وبعضُ الظن كالعلم اليَقينِ)
وقد حكم عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - في القوم الذين قاسمهم أموالهم بهذا النحو، فإنه قاسمهم على الظن فيهم، ولو قد تبين خيانتهم أموال المسلمين لما وسعه أن يأخذ بعض ذلك، ويدع عليهم بعضه، لكنه لما ظهر له منهم ما يوجب التهمة، ولم يقو في نفسه قوة اليقين قاسمهم.
ومن الظن العيافة والقيافة والزجر والكهانة، واستخراج المعمى، والمترجم من الكتب، فكل ذلك إنما ابتداؤه الظن والتطير؛ فمرة يجعلون الغراب دليلًا على الغربة، والبان على البين، والقضب على قضب النوى، فيزجرون على الأسماء واشتقاقها دون
[ ٨٠ ]
المعاني، كما قال الشاعر:
(رأيت غرابًا ساقطًا فوق قَضْبَةٍ من القَضْب لم يَنبت لها ورق خضر)
فقلت:
(غرابُ لاغترابٍ، وقَضْبَةٌ لقضب النوى، هذي العيِافةُ والزَّجرُ)
ومرة يزجرون على الأحوال فيكرهون الأعضب والأعور والناقص الخلق لما فيهم من التقصير عن التمام، ويكرهون الشيخ لإدبار عمره والأحدب لظهور عاهته، كما قال الشاعر:
(ولم أغدُ في أمر أُؤمّلُ نجحَه فقابلني إلا غُرابٌ وأرنبُ)
(فإن كان من إنسٍ فلا شك كافرٌ وإلا فشيخٌ أعوَرُ العَينِ أحدبُ)
وإنما يتشاءمون بالأرنب لقصر يديه فكأنه إذا مد يديه إلى شيء يريد نيله فقابله أرنب - وهو قصير اليد - فقد بين له أن يده تقصر عن نيل ما أراده، ومد إليه يده، وقد روي أن رسول الله - ﷺ - سمع بعض القافة وقد رأى رِجل أسامة بن زيد ورِجل أبيه - يقول: هذه أقدام بعضها من بعض فسرّ بذلك. وحكم أهل الحجاز بقول القافة في الولد ابن الأمة إذا جحده أبوه، أو شك فيه.
فإذا أردت أن يصدق ظنك فيما تطلبه بالظن مما لا تصل إلى معرفته بقياس ولا خبر فأقم الشيء الذي يقع ظنك إلى سائر أقسامه في العقل، وأعط
[ ٨١ ]
كل قسم حقه من التأمل، فإذا اتجه لك أن الحق في بعض تلك الأقسام على أكبر الظن، وأغلب الرأي جزمت عليه وأوقعت الوهم على صحته، وذلك مثل أن تظن بإنسان عداوة لك، ولا يتبين ذلك في تغيير وجهه لك، ولا نبو طرفه عنك، ولا في شيء مما يظهر في فعله بك فتحظر الأشياء التي توقع العداوة بين المتعادلين، وهي الشركة والمناسبة والمنازعة، والميراث والجواز والصناعة، والمنزلة والمشارعة، والخلاف في الديانة، والحقد و؟؟؟؟، والإساءة المقدمة، وما أشبه ذلك من الوجوه الموجبة للعدالة، وثم ننظر فإن اجتمعت بينكما تلك الأحوال أو أكثرها أوقعت وهمك على أنه لك عدو، وكان قوة التوهم منك في ذلك على حسب كثرة ما يجتمع بينكما من الأحوال الموجبة للعداوة، فتجنبه وعامله معاملة العدو الذي قد بان أمره وإن وجدته ينفرد ببعضها استبريت صحة الظن، بأن تنظر هل جمعكما بعض ما يوجب اللطف والمودة، ويزيل ثلبة تلك الخلة، من موافقة في مذهب، أو إحسان متقدم، أو غير ذلك، ثم وازنت بين الخلال الموجبة للعداوة، والخلال الموجبة للصداقة، وكنت في حيز الأقوى من الصنفين. وإن لم تجد بينكما ما يوجب العداوة أزلت عن قلبك باب الظنة، وكنت على ما لم تزل عليه لصاحبك من الثقة.
[ ٨٢ ]
وقد استخرج أمير المؤمنين - ﵇ - أشياء من الأحكام لما عدم البينات فيها، وتجاهل أهل الدعوى ولزموا الإنكار بهذا النوع من الاستخراج، فمن ذلك أنه لما أتى بامرأتين وصبي، وادعت كل واحدة منهما أن الصبي ابنهما أعمل فكره وظنه، فعلم أن من شأن الوالدة الرقة على الولد، والمحبة لدفع الآفة عنه فقال قنبر: خذ السيف واقطع الولد نصفين، وادفع إلى كل واحدة منهما نصفه، فلما سمعت الوا لدة بذلك أدركها الإشفاق فقالت: أنا أسمح بحصتي لصابحتي، فعلم أنه ابنها فسلمه إليها. وكذلك فعل بالرجلين اللذين ادعى كل واحد منهما أن الآخر عبده، فإنه علم ما يتداخل النفس من الجزع عند معاينة الموت، وأن تلك الحال تذهب عن لزوم الدعوى، وتشغل عن طلب الحجة، فقد مهما ومد أعناقهما، وقال لبعض أصحابه: اضرب عنق العبد، فثنى العبد عنقه حذرًا من السيف، فظهر، بذلك أنه العبد دون الآخر، فسلمه إلى صاحبه.
وكل هذه الأحوال التي عددناها إنما تقع أوائلها بالظن، فإن شهد لها ما يخرجها إلى اليقين صارت يقينًا، وإلا كانت تهمة وظَنة وإثمًا، ألا ترى أنك تظن بالترجمة أنها حروف فإذا أردتها في سائر المواضع التي تثبت صورها فيها، وامتحنتها فوجدتها مصدقة لظنك، حكمت بصحتها، وإذا خالفت علمت أن ظنك لم يقع موقعه، فأوقعته على غير تلك الحروف إلى أن يصح.
ويشهد لما قلناه - من أن الظن إذا لم يشهد له ما يقويه ويحققه، فليس ينبغي أن نلتفت إليه - قول رسول الله - ﷺ -: "ثلاث
[ ٨٣ ]
لا يسلم منهن أحد: الطّيرة، والظن، والحسد. قيل. فما المخرج منهن يا رسول الله؟ قال: إذا تطيّرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ".
وقد حصل الآن لنا من علوم ما تبين عنه الأشياء بذواتها "يقين": وهو ما تعترف العقول بصحته، ويلزمها الإقرار به؛ و"تصديق"، وهو ما تقتنع النفوس به، وإن كان من الممكن أن يقع غيره أوكد من موقعه؛ "وظن" قد احتيط فيه حتى وقع موقع اليقين عند مستعمله.
وقد شبهت القدماء اليقين من هذه العلوم بحكم القاضي، والتصديق بحكم صاحب المظالم، والظن بحكم صاحب الشرطة، وطلبوا في الأشياء اليقين؛ فإذا وجدوه تركوا غيره، فإذا عدموه طلبوا الإقناع الذي يقع به التصديق، فإن وجدوه أخذوا به، وإن لم يجدوه أعملوا الظن حتى يستخرجوا به علم ما يحتاجون إليه. وكذلك الحقوق إنما تطلب من الحكام بالبينات العادلة، والشهادات القاطعة فيما يحضره العدول، فإن كان الحق مما لم يشهده العدول، وطلب من أصحاب المظالم الكشف ومسألة أهل الخبرة من المشهورين، والمجاورين؛ فإن كان مما لم يشهده أحد وآخر سرًا طلب من صاحب الشرطة فيوقع الظن على أهل التهمة ومن قدر جرت عادته بالريبة، فيبسط عليهم، ويحتال في تقريرهم إلى أن يظهر ما عندهم؛ وقد يجوز أن يكون فيمن توقع التهمة عليه من هو برئ
[ ٨٤ ]
إلا أنه لا يتوصل إلى استخراج الحقوق من اللصوص وأشباههم إلا بمثل هذه الحال، ولو طلب في ذلك البينة من العدول المرضيين، أو أخبار المستوردين من المجاورين ما تهيأ استخراج سرقة أبدًا، فليس في هذه الأحكام الثلاثة، إذا خرج كل واحد منها من معدنه وجرى على ترتيب ما وضع له ما ينسب إلى ظلم وجور، ولكن إن اختلفت مواقعها ومخارجها فقضى القاضي بالكشف والمسألة، وقضى صاحب المظالم بالظن والتهمة، وقضى صاحب الشرطة بالعدول والبينة، نسب كل واحد منهم إلى الجور لعدوله عما توجبه رتبته، وخروجه عن الرسم الذي رسم له، وكما لا يستغني بواحد من هؤلاء الحكام الثلاثة عن باقيهم، فكذلك لا يستغني في استخراج بواطن العلوم بواحد من هذه الوجوه التي ذكرناها عن سائرها، وهذا فيما أوردنا ذكره من الاعتبار مقنع إن شاء الله.
[ ٨٥ ]
باب