وهو الاعتقاد
قد قلنا: إن الأشياء إذا تبينت بذواتها للعقول، وترجمت عن معانيها للقلوب، صار ما ينكشف المتبين من حقيقتها معرفة وعلمًا مركوزين في نفسه. وهذا البيان على ثلاثة أضرب: فمنه حق لا شبهة فيه، ومنه علم مشتبه يحتاج إلى تقويته بالاحتجاج [فيه]، ومنه باطل لا شك فيه.
فأما الحق الذي لا شبهة فيه، فهو علم اليقين، واليقين ما ظهر عن مقدمات قطعية، كظهور الحرارة للمتطبب عند توقد اللون، وسرعة النبض، واحمرار اللون؛ أو عن مقدمات ظاهرة في العقل، كظهور تساوي الأشياء إذا كانت متساوية لشيء واحد، وكظهور زيادة الكل على الجزء؛ أو عن مقدمات خلقية مسلمة بين جميع الناس كظهور قبح الظلم، وكل خبر أني على التواتر من العامة أو التواتر من الخاصة، أو سمع من الأنبياء والأئمة، وكل هذا يوجب العلم، ومن شك في شيء منه كان آثمًا، ولذلك صار من شك في الباري - ﷿ - كان كافرًا لأن نتيجة المعرفة به عن مقدمات ظاهرة للعقل. وكذلك من شك فيما تواترت به الرواية أو تضمنه الكتاب الذي نقله من تجب بنقله الحجة.
فأما المشتبه فيهو الذي يحتاج إلى التثبت فيه، وإقامة الحجة على
[ ٨٦ ]
صحته، فكل نتيجة ظهرت عن مقدمات غير قطعية، ولا ظاهرة العقل بأنفسها، ولا مسلمة عند جميع الناس، بل تكون مسلمّة عند أكثرهم، ويظهر للعقل تغيرها فتغير الفحص عنها، والاستدلال عليها؛ وذلك كرأي كل قوم في مذاهبهم، وما يحتجون به لتصحيح اعتقاداتهم ونحلهم، وكل خبر أتى به الآحاد والجماعات التي لا يبلغ خبرهم أن يكون متواترًا، بل يجوز على مثلهم - في العادة - الاجتماع عن الكذب والاتفاق عليه، إذا كانوا عدولًا، ولم يخالف قولهم ما جرى به العرف والعادة، وذلك مثل روايات كل قوم فيما اعتقدوه، وأخبارهم عن أهل العدالة عندهم فيما اجتنبوه، وكل ظن قويت شواهده، وكان الاحتياط في الرأي والدين تغليبه، وكل هذه الأمور التي عددناها فإنما يأتي العلم بها على طريق التصديق لا على اليقين، والحجة على معنى الإقناع لا البرهان، وهي توجب العمل ولا توجب العلم، وليس على من شك فيها إثم ولا لوم، وذلك كالحكم بالشاهدين وتصديقهما في الحقوق، وإن كنا لا نعلم حقيقة قولهما، ولا تشهد بصحته عينهما، لأنهما قد يجوز أن يكونا كاذبين إلا أن علينا العمل بما شهدا به إذا كانا عدلين مرضيين، وكذلك ما أتانا من الأخبار في الأحداث التي تنقض الوضوء من الدم السائل، والقهقهة في قول العراقيين، والملامسة للذكر في قول أهل الحجاز، فإن ذلك كله يوجب العمل على من صحت عنده عدالة المخبر له، وليس يوجب العلم، ولا يكون من شك في ذلك وجحده آثمًا.
وأما الظن فإنه إذا قويت شواهده، وعضده من الرأي ما يوجبه، فإنما يجب العمل عليه، ولا يجب العلم بحقيقته، والفرق بينه وبين ما نحن فيه يأتي من الإخبار عن الآحاد، ومن القياس المقنع أن ذلك مقبول
[ ٨٧ ]
على ظاهره، فإنا نقبل كل آت به، ولا نتهمه بكذب، وكل نتيجة ظهرت عن مقدمة يجوز استعمالها عند أهل النظر، وإن لم يشهد بصحة ذلك، ولسنا نقبل الظن على ظاهره، ولا نعمل عليه إلا إذا شهد له غيره، فهو كخبر الفاسق أو الكافر الذين لا يكذبان ولا يصدقان فيه إلا أن يظهر لسامعهما ما يوجب التصديق أو التكذيب فيعمل عليه. وأما الباطل الذي لا شبهة فيه فما ظهر عن مقدمات كاذبة مخالفة للطبيعة مضادة للعقل، أو جاء في أخبار الكاذبين الذين يخبرون بالمحال، وما يخالف العرف والعادة، وذلك مثل اعتقاد السوفسطائيين أنه لا حقيقة لشيء من الأشياء، وأن الأمور كلها بالظن والحسبان، واعتقادهم حقيقة ما يقولونه دليل على أن للأشياء حقائق في أنفسها، فإنهم مبطلون دعواهم؛ وكإخبار النصارى عن المسيح -﵇ - بأنه كان بشرًا فصار إلهًا، وكان محدثًا فصار قديمًا، وأن الواحد الذي هو جزء للثلاثة ثلاثة من غير تفريق، وأن الثلاثة التي هي كل للواحد واحد من غير جمع [وتركيب]: وإتيانهم في ذلك بالمحال الذي لا يعقل. ولما أن كان الله - ﷿ - قد أمرنا أن نعتقد الحق، ونقول به، وألا نعتقد الباطل ولا ندين به، فقال الله - ﷿ - ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾، وعرفنا زهوق الحق، وخسران أهله، فقال ﷿:
[ ٨٨ ]
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، وقال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ وجب أن يحتاط العاقل لنفسه ودينه، فلا يعتقد إلا حقًا، ولا يكذب إلا بباطل، ولا يقف إلا عند شبهة، حتى لا يكون ممن شهد بما لم يعلم، أو كذب بما لم يحط به علمه.
وإذا نظرنا في الثلاثة الأضرب التي قدمنا ذكرها وجدنا من الواجب أن نعتقد صحة جميع ما ذكرنا أنه يقين وحق لا شبهة فيه، ونشهد بصحة ذلك فلا تلجلجنا الشكوك فيه، فإنا متى شككنا في شيء منه أخطأنا وأثمنا. كما قلنا قبل هذا الموضع، وأن ننظر فيما أتى من الصنف الثاني الذي قد وقع الاشتباه فيه، وادعى كل قوم إصابة الحق فيه، فإن كان مما أتى من جهة القياس احتفظنا فيه بتصحيح المقدمات التي انتجته وحراستها من المغالطة التي قدمنا ذكرها، فإذا صحت ميزناها على كلم المقال إن كانت مما يقع لفظه على معان كثيرة، وننظر إلى أي وجه منها هو مراد المتكلم في قوله، فإذا ميزنا ذلك استخرجنا فصولها التي تنفصل بها غيرها، حتى يظهر الحد الذي يفرق بينها وبين ما يباينها، فإذا فعلنا ذلك صححنا التشبيه وألحقنا كل شيء بما يشبهه، فإذا أتينا بذلك على هذا الترتيب والتحصيل صح لنا ما نريد تصحيحه بالقياس إن شاء الله. وإن كان ما أتى من جهة الخبر عن الآحاد والجماعات القليلة العدد احتيط في ذلك أولًا بعرضه على العقول، فإن باينها وضادها فهو باطل، وإن لم
[ ٨٩ ]
يباينها، وكان مما يجوز في العقل وقوع مثله يتثبت في أمر نقلها حتى لا نؤخذ إلا ممن ظهرت عدالته، ولم يتهم بكذب، ولا وهم في خبره، ولم يكن فيما أخبر به جارًا إلى نفسه، ولا دافعًا عنها، ولم يعارضه خبر مثل خبره يبطل ما أخبر به وبجميع ما ذكرناه قد جاء القرآن، وجرت الأحكام، فقال الله - ﷿ - ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقال: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وأجمعت الأمة على ألا تقبل دعوى أحد لنفسه، ولا شهادته فيما جر إليها أو دفع عنها، وعلى أن الأخبار إذا تكافأت بطلت. ثم إن كان الخبر في أمر الدين عرض على كتاب الله - ﷿ - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن وجد مخالفًا خلاف مضادة علم أنه ليس من رسول الله - ﷺ - لأن رسول الله - ﷺ - لا يضاد كتاب الله - ﷿ - وإن كان الخلاف من جهة خصوص وعموم، وناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، ومجمل ومفسر، كان ذلك معمولًا عليه مأخوذًا به على الشرائط التي ذكرناها في كتاب التعبير. وإن لم يوجد لذلك أصل في كتاب الله - ﷿ - وكان مما يجوز التعبير به، فليس ينبغي أن يدفع لأن الله - ﷿ - قد شرع على لسان رسوله - ﷺ - شرائع لم يثبتها في كتابه، منها: رجم الزاني المحصن، واليمين مع الشاهد، وتحريم كل ذي ناب ومخلب، وأشباه لذلك، ولذلك قال رسول الله - ﷺ-: "أوتيت الكتاب ومثله معه"، أي من السنن التي شرعها الله - ﷿ - على يده، وقد روى عنه - ﷺ - أنه قال: "لا ألفين
[ ٩٠ ]
أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: لا أدري، ما وجدت في كتاب الله - ﷿ - عملت به، بل يؤخذ بذلك إذا أتى عن الثقات، وكان مما يجوز أن يتعبد الله - ﷿ - عملت به" بل يؤخذ بذلك إذا أتى عن الثقات، وكان مما يجوز أن يتعبد الله - ﷿ - به عباده، ولم يضاد العقل والكتاب فإذا أتت أخبار الثقات بالشيء وضده، ولم يكن في نقلة المخبرين من يتهم بقلة ضبط ولا وهم، ولم يكن الخلاف في ذلك من جنس ما قدمنا، إلا أن من رواية الشيعة عن الأئمة - ﵈ - فقد علم أنهم - صلوات الله عليهم - لا يأمرون بالشيء وضده لأنهم حكماء، والمناقضة عن الحكماء منفية، احتاط العالم بأن سبب الخلاف في ذلك إنما هو خروج الجواب في أحد الحالين على سبيل التقية، والتقية إنما هي فيما خالف فتيا العامة، فلذلك أوصوا - ﵈ - فيما يؤثر عنهم، ولا يختلف فيه علماؤهم بأن نعمل فيما تضادت به الرواية عنهم بما يخالف فتيا العامة وعملها. وإن نقل إلينا أصحابهم عنهم - ﵈ - ما لا يعلم مخرجه [وقفنا فيه] ووكلناه إلى عالمه، ولم نعتقد في شيء منه تصديقًا ولا تكذيبًا إلى أن يتبين لنا ما يوجب أحدهما فنعتقده، إذ كان اعتقاد الباطل عندنا كدفع الحق، وبذلك أمرونا فقالوا: الأمور ثلاثة، فأمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غية فاجتنبه، وأمر اشتبه عليك فكله إلى عالمه وهذا ما في الاعتقاد [وبالله التوفيق والسداد].
[ ٩١ ]
باب