قال أبو الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب الكاتب: قد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا نعمة الله - ﷿ - على عباده فيما ألهمهم إياه من الكتابة، ودللنا على حكمته سبحانه في ذلك، وأنه أراد إتمام منافعهم، وإيجاب الحجة عليهم، فإنه لولا الكتاب الذي قيد علينا أخبار من مضى من الرسل، ونقل إلينا ما أتوا به من الكتب لما قامت - لله سبحانه - حجة علينا إذ كنا لم نشاهدهم، ولم نسمع حججهم، ولم نعاين آياتهم. وانقرضت العلوم والروايات بانقراض أهلها، وموت من تحملها، ولم يبق في أيدي الناس من ذلك، ومن أخبار الماضيين، وآثار المتقدمين إلا اليسير مما يلقاه الخلف عن السلف، وكم عمي أن يكون ذلك، وما يرى أن نبلغ من العلوم الحالية، والأخبار الماضية، فلما أعطاهم هذه الموهبة قيدوا بها ذلك أجمع، وحفظ فصار من قرأ كتب الأولين وتأمل أخبار الماضيي، كمن عمر معهم، وكان في أيامهم، وأخذ عنهم، وسمع منهم، ولذلك قيل: "الكتاب أحد اللسانين لأنك إذا قرأت كتابًا كأنك قد سمعت لفظ صاحبه. وقيل القلم أبقى أثرًا واللسان أكثر هذرًا.
[ ٢٥٤ ]
وقالوا: "اللسان مقصور على الشاهد، والقلم ينطق في الشاهد والغائب".
وقال بعضهم: "استعمال القلم أجدر أن يحضر الذهن عن تصحيح الكتاب، من استعمال اللسان على تصحيح الكلام" والكتاب يقرأ بكل مكان، ويدرس في كل زمان، واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوز إلى من بعده، وقد بين الله - ﷿ - فضيلة الكتاب والخط ومعوتهما على الحفظ والضبط فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ ثم بين العلة في أمره بذلك فقال: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ وإنما وضع الجناح في ترك كتب التجارة الحاضرة، لأنه ليس يجري فيما يكون مؤجلًا، ولما كان هذا موقع الكتاب في النفوس بين المعونة على الحفظ والنفي للشك خاطب الله - ﷿ - الناس من ذلك بما يعرفون، فقال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ فقال: ذلك على المجاز والتعارف، وإلا فهو غير محتاج في علم ما كان ويكون إلى كتاب من ينسى ويغفل، والله - ﷿ - لا ينسى ولا يغفل وقد شرف الله - ﷿ - منزلة الكتاب وأحوج الناس إليهم، وأمرهم بمعاونة من استعان بهم، فقال: ﴿وَلا يَابَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ولو لم يكن فضل الكتابة إلا أن الله سبحانه مدح الملائكة بها فقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا
[ ٢٥٥ ]
كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ والكتاب خمسة: كاتب خط، وكاتب عقد، وكاتب حكم، وكاتب تدبير؛ [وكاتب لفظ] ولكل واحد من هؤلاء مذهب من الكتابة يخالف مذهب غيره، ونحن نذكر منها ما يحضرنا ذكره.
كاتب الخط:
أما كاتب الخط فإنه إما أن يكون وراقًا أو محررًا، وهما موصوفان ينقل الألفاظ وتصورها، ويحتاجان إلى أن يجمعا مع حلاوة الخط وقوته وسواد المداد وجودته، وتفقد القلم وإصلاح قطته، إلى جودة التقدير والعلم بمواقع الفصول، وأن يعرفا من النحو المقصور والممدود والمؤنث والمذكر، وحكم الهجاء مايسلمان معه من اللحن والخطأ، ثم يحتاج المحرر إلى إطالة سن قلمه، فإنه أصفى لكتابته، وأن يعفي قلمه فلا يلح على شحمه لأن ذلك أقوى لخطه، وكذلك سائر ما يكتب بالمداد. فأما ما يكتب بالحبر فيخاف على الشحم فيه ليقل ما يحمل من الخبر، ويحتاج الوراق إلى تحنيف قطة قلمة، والمحرر إلى أن يجعلها بين التحنيف والاستواء، فإن ذلك أحسن لخطه، وكلما كان اعتماد الكاتب وراقًا كان أو محررًا على سن قلمه الأيمن كان أقوى لخطه، وأبهى بخطه، ويختار الوراق ألا يكتب في الجلود والرق بالحبر المثلث، فإنه قليل الليث فيهما سريع التفرك منهما، وأن يكتب فيهما بالحبر المطبوخ، وفي الورق بما أحب، ويختار المحرر أن يكتب عن السلطان في أنصاف الطوامير وفي الأدراج المنصورية العريضة، وعن نفسه وعن سائر الناس فيما
[ ٢٥٦ ]
أحب بعد أن يكون ذلك ألطف مقدارًا من مقادير كتب السلطان ووزرائه، فأما جودة التقدير، فإن يكون ما يفضله من البياض أو القرطاس أو الكاغد أوالورث عن يمين الكتاب وشماله، وأعلاه وأسفله على نسب متساوية وأن تكون رؤوس السطور وأواخرها متساوية، فإنه متى خرج بعضهاعن بعض قبحت وفسدت؛ وأن يكون تباعد ما بين السطور على قسمة واحدة إلا أن يأتي فصل فيزاد في ذلك، والفصل إنما يقع بعد تمام الكلام الذي يبتدأ به واستئناف كلام غيره، وسعة الفصول وضيقها على مقدار تناسب الكلام فإن كان القول المستأنف مشاكلًا للقول الأول، أو متعلقًا بمعنى منه جعل الفصل صغيرًا، وإن كان مباينًاله بالكلية جعل أكثر من ذلك، فأما الفصل قبل تمام القول فهو من أعيب العيوب على الكاتب والورَّاق جميعًا، وترك الفصل عند تمام الكلام عيب أيضًا إلا أنه دون الأول.
وأما النحو فقد ذكر النحويون منه، ومن حكم المقصور والممدود، والمؤنث والمذكر والهجاء ما فيه كفاية، إلا أننا نذكر جملًا من ذلك لئلا يخلو كتابنا من سائر ما يحتاج إليه البيان. ونبتدي بذكر النحو فنأتي منه بما يكون إعرابه بالحروف وتعيين أشكالها دون الحركات التي لا تبين في الكتاب، وإنما يعرف بالشكل إذ كان الكتاب لا يشكلون، وإنما الشكل للوراقين؛ ولهم فيما قد سطره النحويون في كتبهم من حكم الإعراب ما يغنيهم عن كتابنا هذا؛ فنقول: إنه ليس يعرب من الكلام إلا الاسم المتمكن، والفعل المستقبل، وما سواهما مبني غير معرب، وليس في المبنيات ما تتغير صورته في الكتاب بتغير الأعراب فيه؛ وإنما يقع ذلك في بعض الأسماء المتمكنة، والأفعال المستقبلة؛ فمن ذلك
[ ٢٥٧ ]
ما رفعه من الأسماء بالواو، ونصبه بالألف، خفضه بالياء، وهي خمسة أسماء: أبوك وأخوك وفوك وذومال تقول، جاءني: أخوك ورأيت أخاك ومررت بأخيك. ومن ذلك الاثنان، والجمع الذي يسمى جمع السلامة، وهو الذي يسلم فيه بناء الواحد، وتزاد عليه علامة الجمع، فإن علامة رفع الاثنين الألف، وعلامة رفع الجمع الواو، وعلامة النصب والخفض فيهما الياء، إلا أن ياء الجمع مكسور ما قبلها، وياء الاثنين مفتوح ما قبلها، تقول: مررت بالمسلَمينَ والمسلمَينْ، ومن ذلك الألف التي تدخل في النصب بدلًا من التنوين في الاسم العلم المنصرف، كقولك رأيت زيدًا، والألف التي تبدل من النون الخفيفة نحو قولك: اضربا زيدًا، وما لا ينصرف لا يدخله التنوين، فليس تبدل في منصوبه ألف، وخفضه بالفتح كنصبه، فإذا أضيف أو دخلته الألف واللام صرف، ومما لا ينصرف: ما لا ينصرف في معرفة ونكرة، ومنه ما ينصرف في النكرة، ولا ينصرف في المعرفة فمما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة خمسة أشياء منها: كل نعت على أفعل وأنثاه على فعلاء نحو: أحمر وحمراء، ومنها كل نعت كل فعلان أثناء فعلى نحو عطشان وعطش، ومنها كل اسم في آخره ألف تأنيث ممدودة نحو أربعاء وكل جمع في آخره هذه الألف نحو فقهاء، ومنها كل اسم في آخره ألف تأنيث مقصورة نحو: حبلى، وكل جمع كذلك نحو: صرعى، وكل جمع لا نظير له في جموع الأسماء، وهو ما كان في وسطه ألف قبلها حرفان وبعدها ثلاثة أحرف، أو حرفان أو حرف مشدد، نحو دنانير، ودراهم ودراب. واما ما لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة، فكل اسم فيه زيادة من زيادات الأفعال المستقبلة، نحو: أحمد وتغلب ويشكر وأصبح وكل اسم لمؤنث فيه هاء التأنيث أو ليست فيه هاء التأنيث، إلا ما كان على ثلاثة أحرف وسطه ساكن، ليست فيه هاء تأنيث، فإنه ينصرف نحو هند ودعد، وأسماء السور والبلدان والقبائل إن اردت بها البلد والرجل ذكرت وصرفت، وإن أردت بها السورة والقبيلة والمدينة أنثت ولم
[ ٢٥٨ ]
تنصرف. وكل اسم في آخره ألف ونون زائدتان على أي بناء كان نحو كيسان، فإن كانت النون من أصل الكلمة انصرف نحو: تبان من التبن: وكل اسم أعجمي نحو عج وكنج ويعقوب وزكريا لا ينصر ف في المعرفة، وكل اسم معدول نحو: عمر من عامر، وزفر من زافر، وثلاث من ثالث ورباع من رابع، فكل ذلك لا ينصرف في المعرفة، وينصرف في النكرة فهذه جمل ما [لا] ينصرف، وكل شيء بعد ذلك منصرف. ومما يعرب فيتغير بتغير الإعراب الأسماء التي في أواخرها ياء ساكنة قبلها كسرة، فإن رفعها وخفضها بإسكانها، وحذفها لسكونها، وسكون التنوين والاجتزاء بالكسرة والتنوين منها، ونصبها بالفتح، وإظهار الياء لأنها قد تحركت فزال الحذف، تقول: رأيت قاضيًا وغاديًا فإن أضيفت أو دخلتها الألف واللام صحت على كل حال، لأن التنوين يفارقها فلا تحذف؛ تقول: جاءني قاضيكم، وجاءني القاضي، ومررت بقضايكم وبالقاضي.
ومن ذلك خمسة أمثلة من الأفعال المستقبلة وهي: تفعلين وتفعلان ويفعلان ويفعلون وتفعلون، رفع هذه بثبات النون، ونصبها وجزمها بحذف النون. والحروف الناصبة والجازمة مذكورة في كتب النحويين.
ومن ذلك كل فعل مستقبل قبل آخره واو أو ألف أو ياء سواكن فإن ذلك يحذف في الجزم، لأن إذا أسكن اجتمع والساكن الذي قبله، وهم لا يجمعون بين ساكنين، فتقول في تقوم: لم تقم وفي تنال لم تنل وفي تبيع لم تبع. وإذا كان آخر الفعل حرفًا ساكنًا حذفته نحو يدعو ويقضي ويخشى، تقول: لم يدع، ولم يقض، ولم يخش. وإن كان آخره همزة قبلها ألف أسكنت الهمزة للجزم، وأسقطت الألف لئلا يجتمع ساكنان، فقلت لم يشأ وإذا أمرت غائبًا أدخلت في الأمر اللام
[ ٢٥٩ ]
فقلت: ليقم زيد، وكذلك إذا أمرت فيما لم يسم فاعله كقولك: ليُدفع إليه ألف درهم، وليخرج من الدار.
وأسماء الإشارة تجري في بعض أحوالها هذا المجرى، وهي: هذا، وهذه وذلك، وتلك، لا يبين الإعراب في واحدها ولا جمعها، ويبين في تثنيها، نقول: ذانك الرجلان جاءا، ورأيت ذينك الرجلين [وتثنية هذا "هذان" وجمعه "هؤلاء" وتثنية هذه وجمعها ذانك وأولئك، وتثنية ذانك وجمعه تانك وأولئك] فالذال والألف، والذال والهاء في هذا وهذه إن ثنى المشار إليه قلت هذان وهؤلاء، الهاء لا تثنى ولا تجمع، وكذلك الذال والألف في ذلك، والتاء واللام في تلك أسماء المشار إليه، والكاف للمخاطب، فإذا أردت أن تثني المشار إليه وتجمعه خاطبت واحدًا قلت: ذلك، وأولئك، فإذا أردت أن تثني المخاطب وتجمعه، وتفرد المشار غليه قلت ذلكما، وذاكم فإن أردت أن تثنيهما جميعًا قلت: ذانكما، وإن أردت أن تجمعهما قلت: أولئكم، وكل ذلك قد جاء في القرآن.
وأما أسماء المكى: فهي أيضًا تتغير بتغيير إعرابها في بعض الأحوال دون بعض، فتكون التاء المضمومة، وأنا للمتكلم في الرفع ذكرًا أو انثى، وتثنية أنا وجمعه نحن، وتثنية التاء وجمعها بالنون والألف الساكن ما قبلها، تقول: في قمت قمنا في الاثنين والجمع، والنون والياء، وإياي للمتكلم المنصوب، وتثنية النون والياء بالنون والألف
[ ٢٦٠ ]
محرك ما قبلهما نحو: قولك ضربنا، والياء للمتكلم المخفوض ذكرًا كان أو انثى، وتثنيتها وجمعها بالنون والألف موصولًا بحرف الخفض أو الإضافة، وأنت المخاطب المذكر المرفوع مفتوح التاء [وتثنيته] وجمعه أنتما وأنتم، وأنت للمؤنث المخاطبة بكسر التاء، وتثنيته وجمعه أنتما وأنتن، وكذلك التاء المفتوحة في قوله: ضربت وقمت، والمكسورة في قمت وذهبت وتثنية المذكر وجمعه قمنا وقمتم، وتثنية المؤنث [وجمعه] قمتما وقمتن وإياك مفتوحة الكاف، والكاف وحدها إذا كانت مفتوحة للمخاطب المنصوب، وتثنيته إياكما، وجمعه إياكم، وإياك مكسورة الكاف، فالكاف وحدها إذا كانت مكسورة للمؤنث وتثنية إياك وجمعها إياكما وإلاكن، وتثنية الكاف وجمعها ضربكما وضربكن، والكاف المفتوحة للمخاطب المخفوض إذا كان مذكرًا، كقولك: مر بك زيد، وتثنية ذلك وجمعه بكما وبكم، والكاف المكسورة للمؤنث، وتثنيتهما وجمعهما: بكما وبكن. وهو وما في الفعل من ذكر الفاعل إذا أضمر للغائب المذكر المرفوع نحو هو قام، وهما، وهم، وقام وقاما وقاموا. والتاء الساكنة وهي للغائب المؤنث المرفوع نحو قامت وقامتا وقمن، وهي وهما وهن والفعل في سائر الأحوال واحد، وإنما يثنى ويجمع دلالة على الفاعلين وجمعهم، وإلا فالفعل على الحقيقة واحد، ولذلك لا يثنى ولا يجمع إذا تقدم الأسماء، لأنه لا ذكر
[ ٢٦١ ]
فيه منها، ويثنى ويجمع إذا تأخر عنها، لأن فيه ضميرًا منها. والهاء المضمومة وتثنية إياه وجمعه: إياهما وإياهم، وإياه للغائب المنصوب إذا كان مذكرًا نحو قولك: إياه ضرب وضربته، وتثنية ضربته وجمعه ضربتهما وضربتهم، وكذلك الهاء والألف وإياهما للمؤنث الغائب، وتثنية ذلك وجمعه: إياهما وإياهن وضربتهما وضربتهن، والهاء المكسورة للمكنى الغائب، نحو مررت به، وتثنيتهما وجمعهما بهما وبهن. وإذا جمعت بين الفاعل والمفعول به في الكتابة كان الفاعل بعد الفعل لأنه أحق به، وكان المفعول بعد ذلك نحو ضربته وضربتهما وضربتك، وإن وقع الفعل على مفعولين جئت بهما أيضًا بعد الفاعل، كقولك: كسرتكه وأعطيتكه، وأعطيتها إياه، وكفيتموه، وسيكفيكهم الله، وتقول للرجلين من أجل واحد: فسيكفيكما الله، وللاثنين من أجل رجال فسيكفيكهماهم الله، ولنسوة من أجل رجال فسيكفيكهم ولنسوة من أجل نسوة فسيكفيكهن الله، فإن كان الخطاب واقعًا على غائب من أجل مخاطب قلت: سيكفيه الله إياك، وإن كان واقعًا من أجل اثنين قلت: سيكفيهما الله وإن كان واقعًا على جماعة من أجل جماعة قلت: سيكفيهموكم الله، موإن كان واقعًا على مؤنث من أجل مذكر قلت: سيكفيهاك الله، وللاثنين، فسيكفيهماك الله وللمثلث فسيكفيكهن الله إياك، فقس على هذا كل ما يأتى في هذا الباب.
والأسماء المبهمة: الذي والتي، وما ومن إذا كانا بمعنى الذي والتي، وأي إذا كانت بمعنى الذي أيضًا، فكل هذه نكرات مبهمة لا تقع على
[ ٢٦٢ ]
شخص بعينه، بل على كل نوع، وأنواع كل جنس، وإنما يعرفها ويفسرها صلاتها، ولا فائدة فيها قبل أن توصل، وهي وصلاتها بمنزلة الاسم الواحد، فما و"من" و"أي" لا يثنين ولا يجمعن، و"الذي" يثنى في الرفع بالألف، وفي النصب والخفض بالياء، فيقال اللذان واللذين وفي سائر أحوال الجمع بالياء فيقال الذين. ولابد في صلات هذه الأسماء من عائد يعود عليها، إما مظهر وإما مضمر، وإلا لم تقع بها فائدة، و"أي" من بينها تعرف وباقيها مبني غير معرب. وإذا أردت أن تعلم موضع الاسمين من الإعراب فاردد الكلام إلى نفسك، فإن كان اسمك فيه بالتاء أو بانا أو بالنون والألف ونحن، فهو مرفوع، نحو قولك قمت، فإذا رددت إلى غيرك قلت: قام زيد، وكذلك قمنا، وقام القوم، وإن كان اسمك فيه بالنون والياء أو بإياي أو بإيانا أو بالنون والألف فهو منصوب، نحو قولك: ضربني زيد، فإذا رددته إلى غيرك قلت: ضرب عمرًا زيد، وإن كان اسمك فيه بالياء فهو مخفوض نحو مر بي زيد، فإذا ردت إلى غيرك قلت مر زيد بعمرو، فلا يغلطنك في ذلك قولهم لعلي وأني فإن أصل ذلك لعلني وإنني، وإنما أدغمت النون في النون وفي اللام وقد قال حاتم.
(أرِيِني جوادًا مات هزلًا لعلني أرَي ماترين أو بخيلًا مُخلدا)
[ ٢٦٣ ]
فأخرجه على الأصل فهذه في معرفة موقع الاسم من الإعراب، وفيما يبين الإعراب في حروفه تدل ذا اللب على ما يحتاج إليه.
وينبغي لمن لم يقو في علم اللغة إذا وقع في كلامه ما لا يدري كيف إعرابه أن يدعه، ويفعل في مكانه ما يعرفه، فإن الكلام واسع، وليس يضطر أن يأتي بذلك اللفظ بعينه، بل يجوز له أن يأتي بالمعنى الذي يريده بلفظ آخر أقل إشكالًا عليه.
وأما المقصود والممدود: فمنها ما يعرف بالقياس، ومنها ما يأتي مختلفًا فيتبع فيه السماع من العرب ويحفظ عنهم، فما يعرف فيه بالقياس من المقصور كل فَعْل على فَعِلَ يَفْعَلُ، والاسم منه على أفعل فإن مصدره مقصور نحو: عَمِي يَعْمىَ فهو أَعْمىَ ومصدره عَمىً، وكذلك إن كان الاسم منه فعلان نحو صَدىَ يصدى صدىً وهو صديان. وكل مفعول بني من فعل زائد على ثلاثة أحرف في آخره ألف فهو مقصور نحو معطى من أعطيت ومقصى من أقصيت، وكل مفعول من فاعلت في آخره ألف فهو مقصور مثل عاقيت وهو معافى، وكل ما كان جمع فُعلة أو فِعلة على فُعَل أو فِعَل نحو عروة وعرًا، ولحية ولحى، وما كان مجموعًا على فعلى نحو: جرحى وصرعى أو على فعالى نحو سكارى فهو مقصور، وكل اسم على بناء هذين الجمعين نحو المبدى والحبارى فهو مقصور، وما كان في المثنى من آخره ألف نحو القهقرى والخوزلى. ومما يدرك بالقياس من الممدود كل مصدر من أفعل في أوله زيادة نحو أعطى إعطاء واستدنى استدناء،
[ ٢٦٤ ]
وما كان مصدرًا من فاعلت نحو: وآليته ولاء، وما كان من المصادر على التفعال نحو الترماء والتقصاء، أو على الاستفعال مثل الاستدناء، والافتعال كالانتهاء والانفعال نحو الانقضاء. وما جاء من الأصوات نحو الدعاء والرغاء والغناء، وكل ما كان جمعه من الأسماء على أفعِلة نحو كساء وأكسية، وغطاء وأغطية. وما جمع من فُعَل على فعال نحو ظبي وظباء، وكذلك مايجمع من فَعْل على أفعال نحو أحياء وآباء وأبناء، وما كان جمعًا لفعله نحو قشوة وقشاء، وركوة وركاء، فأما قرية وقرى فإنه شاذ لا يعمل عليه. وما جمع على أفعلاء نحو أصفياء وأنبياء، وكل ما كان على فعلاء ومذكره على أفعل نحو حمراء وبيضاء، وكل هذا ممدود يطرد فيه القياس، وما سوى ذلك فإنما يؤخذ سماعًا، وقد ذكر الفراء وابن السكيت وغيرهما من ذلك ما يغنينها عن تكلفة وجمعه.
فأما حكم المقصور والممدود في الخط فإن الممدود كله يكتب بالألف، وإذا ثنيته زدت عليه ألفًا للتثنية قلت: رداءان كساءان، وإن شئت اختصرت على ألف وهمزة، فإن كانت المدة للتأنيث قلبت الهمزة واوًا
[ ٢٦٥ ]
فقلت: حمراوان، وإذا نسبت إلى الممدود قلت كسائي، فإن كانت المدة للتأنيث جعلتها واوًا، فقلت: بيضاوى. وماكان من المقصور علىثلاثة أحرف وكان منذوات الياء فاكتبه بالياء، وذوات الياء ما ظهر في تثنيته من الأسماء الياء، أو في تصريفه من الأفعال الياء، كقولك: في فتى فتيان، وفي قضى قضيت أقضى، وما كان من ذوات الواو فاكتبه بالألف كقولك في غزا يغزو، وفي تثنية عصا عصوان. وما كان على أربعة أحرف، وما جاوزها فاكتبه كله بالياء، نحو اعتدى والتوى في الفعل، ومعزى وذكرى في الاسم. وما كان من ذوات الياء واتصل به مكنى فاكتبه بالألف نحو هذه رحاه وهذا فتاه. وكل ما كان قبل آخره ياء فاكتبه بالألف نحو الدنيا والمحيا؛ ولم يأتك في هذا الباب شيء شاذ إلا يحيى اسم رجل بالياء. وإذا أشكل عليك المقصور، فلم تدر أمن ذوات الياء هو أم من ذوات الواو فاكتبه بالالف، لأنها الأصل. وإذا نسيت إلى المقصور قلبت الألف واوًا فقلت: رضوى وقروى.
وأما المذكر والمؤنث فإن الأفعال كلها مذكرة، وإنما يحلقها التأنيث دلالة على تأنيث فاعلها، فإذا قلت: قامت هند دللت بالتاء على أن القائمة مؤنثة، والقائم في نفسه مذكر اللفظ.
فأما الحروف فتذكر وتؤنث، تقول: هذا ألف، وهذه ألف وكذلك إلى آخر حروف المعجم، فأما الأسماء فأصلها التذكير أيضًا، والتأنيث داخل عليه، ألا ترى أنك تقول للشخص هو قبل أن تتبينه، والشخص والشيء مذكران وهما واقعان على كل شيء يخبر عنه، فإذا اجتمع المذكر والمؤنث في هذا الباب غلبت التذكير فقلت: عندي عشرة رجال ونساء.
والتأنيث والتذكير في الأسماء على ضربين: أحدهما ما استحق التذكير والتأنيث بالطبع، والآخر ما استحقهما بالوضع، فأما ما استحق
[ ٢٦٦ ]
التذكير والتأنيث بالطبع فهو الحيوان الذي خلقه الله تعالى منه ذكرًا وأنثى؛ وأما التأنيث والتذكير بالاصطلاح والوضع فكالنجوم والجبال والشجر والدواب، وما أشبه ذلك مما ليس فيه [ذكر] ولا أنثى على الحقيقة. وما كان من الحيوان فهو على ضربين: أحدهما ما يعرف شخص الذكر فيه من الأنثى بالمعاينة، فما كان هكذا فقد فصلت العرب فيه بين الذكر والأنثى لمخالفة الأسماء فقالوا: رجل وامرأة، وديك ودجاجة، وحمار وأتان، وبعير وناقة، وكبش ونعجة، وأشباه ذلك؛ وما اشتبه من ذلك في العيان، فقد فصلوا فيه بالهاء فقالوا: ثعلب وثعلبة، وغلام وغلامة، وفصلوا بين المذكر والمؤنث وأوصافهما بالتاء في قامت، والنون في قمن، والمدة في حمراء، والألف في حبلى والهاء في ظريفة. وأما ما لا يستحق التذكير والتأنيث بطبعه فالأصل فيه التأنيث، والتذكير داخل عليه، فإذا اجتمع المذكر والمؤنث من هذا الباب غلبت التأنيث، كما قال الله ﷿: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وقد قسمت العرب ما كان من هذا الباب فأنثت بعضًا وذكرت بعضًا، وعدلت في ذلك بين الشيء ونظيره، فأنثت الشمس وذكرت القمر، وأنثت الأرض وذكرت الجو، وأنثت الناب وذكرت الباب، وأنثت العقاب وذكرت الغراب، وليس يوصل إلى علم المذكر والمؤنث من هذا الباب إلا بالسماع دون القياس، إلا فيما ظهرت فيه علامات التأنيث التي قدمناها من الهاء والياء والمدة والألف، وما ظهرت في تصغيره مثل نار ونويرة وعين وعينية
[ ٢٦٧ ]
وأذن وأذينة، وشمس وشميسة، وما بعد هذا فإنما يؤخذ من أفواههم، ويؤدى كما حفظ، وقد يؤتى منه في كتب القراءة وغيرها ما يغني ذكرنا إياه، وتكلفنا جمعه إن شاء الله.
وإذا أتاك ما لا تعرف أمذكر هو أم مؤنث، وكان مما يستحق التذكير والتأنيث بالطبع فاكبته بالتذكير فإنه الأصل. وإذا أتاك من ذلك ما تذكيره وتأنيثه بالوضع لا بالطبع فاكتبه على التأنيث، فإنه أصله كما قدمنا.
وأما الهجاء فهو على ضربين: ضرب للسمع وضع لإقامة وزن الشعر ولا يثبت في الخط، كالحرف المشدد الذي هو في الشعر حرفان والممدود الذي هو كذلك، والمدغم الذي هو كذلك، وأشباه هذا.
وضرب للخط، فالأصل فيه أن يكون على حروف الكتابة كالرحمن الذي أثبت فيه اللام، وإن كان الإدغام في اللفظ قد أسقطها، لأن الأصل رحمان دخلت عليه الألف واللام اللتان للتعريف. فاصل الكتاب أن يكون هجاؤه على الحروف، إلا أن الكتاب زادوا في بعضه ما ليس فيه ليفصلوا بذلك بين متشابه، ويفصلوا منه ما هو فيه تحقيقًا؛ ولأنهم لم يخافوا لبسًا، وخالفوا اللفظ في بعض ذلك لأسباب دعتهم إلى المخالفة له، ووصلوا في وضع ما قطعوه في موضع آخر لمعان فصلت بين ذلك، فأما ما زادوه ليفصلوا به بين متشابه، فواو عمرو التي أدخلوها فيه فرقًا بينه وبين عمر، وأسقطوها في النصب لأنهم جعلوا الألف عوضًا عنالتنوين [الذي] لا يدخل عمر لأنه لا ينصرف، فاجتزءوا بالألف في النصب من الفرق بينهما، وواو أولئك التي أدخلوها فرقًا بينه وبين إليك. وألف مائة التي فرقوا بينها وبين ميه والألف في ذهبوا وكفروا التي فرقوا بينها وبين واو الجمع وواو العطف إذا كان في الكلام كفر وفخر وما أشبه ذلك،
[ ٢٦٨ ]
وأما يدعو ويغزو وذوي فالاختيار ألا تثبت فيها الألف لئلا يشبه الواحد الاثنين المجزومين والمنصوبين، وقد أثبتها قوم من الكتاب.
وأما ما حذف اختصارًا أو لأنهم آمنوا اللبس فألف بسم الله في هذا الموضع فقط لكثرة الاستعمال وقلة اللبس، فإذا قلت: باسم ربك أو ما شاكل ذلك رددتها إلى الأصل، وألف ابن إذا كان نعتًا لاسم علم معرفة مضاف إلى اسم علم معرفة، نحو قولنا: زيد بن عمرو. فإذا ابتدئ أو وقع موقع الخبر أثبت فيه الألف، وإن كان مضافًا إلى كنية أو نعتًا لكنية، فإثبات الألف فيه أحسن، ويجوز إسقاطها. والألف التي للتعريف إذا دخلت عليها لام الإضافة نحو قولك: هذا للرجل، والألف التي في دراهم إذا كان قبلها عدد يدل على الجمع، فإذا لم يكن عدد لم تحذف، لئلا يشبه الجمع بالواحد، وألف صالح إذا كان اسمًا، فإن كان نعتًا أو خبرًا ثبتت. وألف سلام والسلام لكثرة الاستعمال أيضًا، ومنها حذف الواو الثانية من رءوس وكان حقها أن تكتب بواوين، ومنها حذف ألف "ما" إذا كانت استفهامًا، ووقعت بعد حروف الخفض فرقًا بينها وبين الخبر، كقولك فيم عتبت؟ ولم جئت؟ وفرقوا في ذلك بين الاستفهام وبين الخبر كقولهم، مما عتبت عتبت، ولما أمرتني به جئت.
لام الذي أسقطت وكان الأصل أن تكتب بلامين، وإنما فعلوا ذلك لأنها لم تأت منفردة من لام التعريف فلم يخشوا ذلك في هذا فرقًا بينه وبين الذين.
وأما ما خولف اللفظ فيه، فكل فعل صار إلى حرف واحد، فإنك تزيد في الخط كقولك: عه من وعيت، وقه نفسك من وقيت، والصلاة والزكاة والربا والحياة فتكتبه بالواو اتباعًا للمصحف، لأن الذين كتبوه على التفخيم وكانت بلغتهم التفخيم، ومن الكتاب من يكتبه
[ ٢٦٩ ]
كله بالألف، فإذا أضفت ذلك كتبته بالألف على كل حال، ومن ذلك المدغم إذا كان الحرفان يتولد عنهما في الإدغام حرف غيرهما مثل مذكّر، والأصل مذتكر منالتذكير.
ومن الهجاء حكم الهمزة، وهي إذا كانتأول الكلمة كتبت ألفًا على أي حركة كانت نحو إنكم وأحمد، وأصبع وإذا كانت في آخر الكلمة، وقبلها حرف ساكن لم تثبت لها صورة نحو الجزء والخبء والدفء، وإذا أضيفت كتبت على حركتها فجعلت الضمة واو، والفتحة ألفًا والكسرة ياء، فقلت: هذا جزاؤك، وقرأت جزأك، وقرأت في جزئك، وإذا كانت آخرًا وكانت قبلها فتحة كتبتها ألفًا على كل حال، نحو هو يقرأ وإن كانت آخرًا وقبلها ضمة كتبتها واوًا نحو قولك بطؤ يبطؤ، وإن كان قبلها كسرة كتبت ياء نحو يستهزئ، وإذا وليها مضمر كان سبيلها سبيل ما قدمنا من كتبها على حركتها، وإذا وليها وقبلها كسرة فإن شئت كتبتها ياء وأثبت الواو بعدها، وإن شئت أسقطتها فاكتفين بالواو مثل يستهزئون يكتب بالياء وبغير ياء، وإذا كانت الهمزة وسطًا وقبلها فتحة كتبت على حركتها، فتكتب إن كانت مضمومة بالواو نحو لؤم فلان، وإن كانت مفتوحة كتبت ألفًا نحو سأل، وإن كانت مكسورة كتبت ياء نحو سئم فلان، فأما يسأم ويسأل فلان قبل الهمزة ساكنًا فالاختيار لا تثبت لها صورة قياسًا على الجزء وغيره.
ومن الهجاء ما يوصل ويقطع لمعان تفرق بين الموصول والمقطوع فمن ذلك [إلا] إذا كانت استثناء كتبت موصولة، وإذا كانت إن التي للجزاء ووليها لا التي للجحد فقلت: إن لا نقلم أقم فصلتها، وكان ذلك الاختيار،
[ ٢٧٠ ]
وقد وصلها قوم على نية الإدغام، وكذلك كلما، وكأنما، وإنما، إذا أردت بها حروف الأدوات وصلتها فإن جعلت ما التي فيها بمعنى الذي قطعتها فقلت: كل ما علمت صواب، وإن ما أعطيتني بعض استحقاقي وأشباه ذلك، وإنما وصلت حروف الأدوات، لأنه لا يجوز الوقف على بعض حروف الأدوات، وقطعت هذه لأنه يجوز الوقف على كل، وإن ما أشبهها، فهذا ما في الهجاء. وإذا أشكل عليك الشيء من الهجاء فلم تدر كيف اصطلاح الكتاب فاكتبه على لفظه فإنه الأصل.
ما يحتاج المحرر إلى استعماله:
ثم يحتاج المحرر بعد هذا إلى مراتب المكاتبين، واستحقاقات كل واحد منهم من الأدعية والرسم في عنوانات الكتب إليهم، وأصناف التحرير وما يليق بكل صنف منها من الخطوط.
فأما مراتب المكاتبين فهي ثلاث مراتب: مرتبة من فوقك، ومرتبة نظيرك، ومرتبة من دونك، والمرتبة العليا تنقسم ثلاثة أقسام:
فأعلاها مرتبة الخليفة ووزيره، ومن كان نظير الوزير عنده. ثم مرتبة الأمراء ومن جرى مجراهم (ممن هو دون) الوزراء، ثم مرتبة الرؤساء بعد هؤلاء من العمال وأصحاب الدواوين.
والمرتبة الوسطى تنقسم ثلاثة أقسام: وأعلاها طبقة الصديق إذا كان شريفًا أو عالمًا، أو شيخًا.
والثانية طبقة الصديق إذا كان ذا رحم أو ممن يؤنس به، والثالثة طبقة الصديق إذا خلا من هذه الأحوال:
والمرتبة السفلى ثلاثة أقسام:
فأعلاها طبقة من قارب محله عقلك، وإن كان دونك، ثم طبقة من جرت
[ ٢٧١ ]
لك رياسة عليه أو وليت عملًا هو من رعيتك فيه، ثم طبقة الحاشية وممن جرى مجراهم من الخدم والأولياء. ولكل طبقة من هذه الطبقات مرتبة في المخاطبة، ومنزلة من الدعاء متى زيد عليها، أو قصر به عنها وقع في ذلك الخلل والخطأ، وعاد بالضرر والأذى، وذلك أن الرئيس متى قصر به عما يستحقه أغضبه ذلك وأحقده، والتابع [إن] زيد على استحقاقه أبطره ذلك وأفسده، اللهم إلا أن يكون قد أتى في الخدمة ما يستحق به رفع المنزلة، فيجعل الزيادة له في المكاتبة، والرفع في المخاطبة ثمرة فعله وليس في الطبقات من الأتعاب زيادته على مقدار استحقاقها إلا الصديق، فإن كل ما تخاطبه مما تريد أن تستخرج مودته به، وتمكن منابينك وبينه باستعماله الجميل، وقد قال شيخنا أبو علي الحسن بن وهب - ﵀ - وكان قدوة في الأدب: "كاتب رئيسك بما يستحق، ومن دونك بما يستوجبه، وكاتب صديقك كما تكاتب حبيبتك، فإن غزل المودة أرق من غزل الصبابة". وقال
[ ٢٧٢ ]
أبو أيوب - ﵁ وكان إمامًا في الكتابة -: "طرق الصداقة أملح من طرق العلاقة، والنفس بالصديق، آنس منها بالعشيق"؛ فسرق أبو تمام هذا القول منهم فنظمه فيهم فقال:
(وأجد بالخليل من بُرَحاء الشَّوق وِجدانَ غيره بالحبيب)
وقد كانت المكاتبة في القديم على ترتيب مرتبة الناس، واستحسنوا غيره، وجرت بذلك عادتهم، ثم خولف بعض ذلك في زماننا هذا. ولم يكونوا في الزمان القديم يستعملون كثرة الدعاء، ولا المخاطبة بالسيادة، وكان أول من خاطب بالسيادة في كتبه أو أيوب ﵀، وحدثني الباقطاني قال: قالت لي أمي: رأيت بين يدي أحمد بن إسرائيل كتابًا في صدره: يا سيدي ومولاي، أطال الله بقاءك، ولم أكن أعرف ذلك، فقلت: ما هذا يا سيدي؟ فقال: ملق آل وهب وكانوا يدعون للخلفاء والأمراء وولاة العهود والوزراء بإبقاه الله، وأكرمه الله
[ ٢٧٣ ]
وأعزه الله، ونحو هذا، حتى كان أول من غير هذا ورتب فيه الترتيب الذي اقتفى أثره، وجعل سنة من بعده أبو أيوب - ﵀ - فإنه قال:
إذا قلت أمير المؤمنين أعزه الله، أو أكبره الله، أو أيده الله، فإنه قيل له عزيزًا، والله قد أكرمه بخلافته، ولربما ينبغي أن تسأله له إدامة ما وهب له، فتقول أدام الله تأييده وعزه وكرامته. واستحسن الناس ذلك من قوله، وأخذوا به من بعده، ورتبوا الدعاء على ما رتبه، فجعلوا أطال الله بقاءك أول الدعاء، لأن أول ما يسأل الله - ﷿ - الإنسان البقاء، فمن كانت رتبته عالية كانت مكاتبته أطال الله بقاءه، ومن كانت مرتبته دون ذلك كانت مكاتبته بـ "مد الله في عزك"، ومن كانت مرتبته دون ذلك كانت مكاتبته بـ أبقاك الله. وإنما صارت أبقاك الله دون ما تقدمها لأنه يسأل له بقاء قل أو كثر، فصارت مد الله في عمرك أكثر من ذلك، لأنه قد سأله أن يمد له في ذلك، وقد يمد مدًا لا يطيله، فإذا سأله أن يطيل بقاءه فقد سأله أكثر ما يسأل في البقاء. ثم يلي ذلك بأدام عزه لمن مرتبته عالية، وبأعزه الله لمن مرتبته دون ذلك، وجعل الإنسان العز تاليًا للبقاء، لأن أول ما ينبغي أن يسأل الله - ﷿ - للإنسان بعد البقاء العز، ولذلك قيل: الموت في قوة وعز، خير من الحياة في ذل وعجز. فإن كان المكاتب من أهل العز، فإنما ينبغي أن يسأل الله - ﷿ - أن يديم له ما منحه منه، وإن كان من غيرهم جعل مكان أدام عزه أعزه، ثم يلي ذلك بالتأييد على هذا الترتيب، وجعل السلطان وحده أولياءه الذين يحتاجون إلى التأييد ويقع لأمثالهم، ولا يجعل لغيرهم، وأسقط من مكابتات النساء وإن جل محلهن، ومن مكاتبات أهل الذمة؛ لأن التأييد من الله - ﷿ - لا يقع لأمثالهم.
ثم يلي ذلك بالكرامة والسعادة، ثم النعمة والزيادة في الإحسان وتتابع الآلاء، وجميل البلاء، وجزيل القسم والمواهب، ويستعمل
[ ٢٧٤ ]
في كل واحد من ذلك ما مثلناه قبل وكان هذا رسم الصدور فيما استعملوه. وكانوا لا يكتبون: وأتم نعمه عليك، وزاد فيها عندك، أو وأدامها لك، إلا لمن دون طبقات النظراء، ومن في المرتبة العليا من الطبقة السفلى، وكانوا لا يخاطبون بجعلني الله فداك، وقدمني قبلك إلا للنظراء، ولا يخاطبون بهما الرؤساء؛ ويجعلون في كتب الاتباع ومن جرى مجراهم: جعلت فداك، وقدمت قبلك، وكان عندهم: وجعلني من كل سوء ومكروه فداك، فوق وجعلني فداك [وجعلني فداك] فوق وجعلني من السوء فداك. وكانت كتبهم إلى السلطان وولاة العهود: لعبد الله فلان بن فلان، أو للوزير فلان بن فلان، وللأمير فلان بن فلان، إلى قوطم: صلى الله، ويثبتون في آخر الكتاب: أتم الله على أمير المؤمنين نعمته، وهناه وكرامته، وألبسه عفوه وعافتيه، وأمنه وسلامته، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. وعلى العنوان: إلى أمير المؤمنين، بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله أبي فلان بن فلان، وإلى الوزير: للوزير أبي فلان بن فلان بن فلان. فأما الكتب عنهم فتبدأ في الكتاب عن الخليفة باسمه، فيقال: من عبد الله فلان ابن فلان إلى فلان بن فلان، سلام عليك، وإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، إلى آخر الصدر، ويقال في العنوان: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله فلان الفلاني، هذا عن يمنة الكتاب، ويقال عن يسرته إلى فلان بن فلان، فإن كان الوزير ملقبًا، أو الأمير ولي عهد نحا بهما هذا النحو. ولا يدعي لأحد في الكتب المكتتبة من أمير المؤمنين إلا الوزير وولي العهد، فإنه يدعي لهما بأمتع الله أمير المؤمنين بك، فهذا رسم الخلفاء والملقبين من الوزراء، وولاة العهود من الأمراء في مكاتبتهم ومكاتبة أصحابهم لهم وعمالهم، والإطلاقات فإنه يسقط منها
[ ٢٧٥ ]
التقدير، ويقصر فيها الدعاء وذكر الحاجة أو الخبر. وقد ترك الآن في مكاتبة الوزراء وولاة العهد ما ذكرناه، واقتصر بالوزير ملقبًا كان أو غير ملقب على أن يخاطب بالوزارة، ويدعي له الدعاء التام، وربما اقتصر من الدعاء على إطالة البقاء، ودوام العز والتأييد، وخوطب مع الوزارة والسيادة فقيل: أطال الله بقاء سيدنا الوزير، وأدام عزه وتأييده. وليس يصلح أن يخاطب بسيدي الوزير، إلا من خص عنده من ولد، ومن ساوت منزلته من أمير، وعلى العنوان ما قدمناه.
فإن كان من الرعية أو خدم الوزير وصنائعه كتب: من خادمه فلان، ومن صنيعته، أو من غرسه، أو من عبده بحسب ما يليق بمحله؛ وعبده أشد في تنظيم المكاتبة من خادمه، وعبده وخادمه من خادمه أجل من خادمه وصنيعته وغرسه، وصنيعته وغرسه أجل من وليه. وإن أحب الحاشية والخدم والعمال أن يسقطوا اسم الوزير من العنوان ويكتبوا يسرة الكتاب عبده أو خادمه أو عبده وخادمه، أو غير ذلك مما قدمنا ذكره، وعليه عمل الناس في هذا الوقت. ومكاتبة الوزير عماله وأصحابه مكاتبة الطبقة السفلى.
أما الطبقة الثانية من المرتبة العليا فقد وقع اصطلاح الناس في هذا الوقت على مكاتبة الأمراء منهم ثلاثة أدعية: فأعلاها: أطال الله بقاء سيدنا الأمير. والثاني: سيدي الأمير، والثالث: الأمير بلا سيادة، فإن قلت سيدنا الأمير اختصرت الدعاء وأما من ليس بأمير وله رياسة تداني الوزارة أو الإمارة أو كان وزيرًا أو أميرًا فصرف فمخاطبته سيدنا وبالهاء، فيقول: أطال الله بقاء سيدنا وأدام عزه. وكل ما عظم محله يقصر الدعاء له، ودون
[ ٢٧٦ ]
هذا: أطال الله بقاء سيدي وإن شئت أن تزيده في الدعاء زدته وخاطبته أيضًا بالهاء؛ ودون هذا أطال الله بقاء السيد، ثم يا سيدي وموالي ورئيسي، وهذان يخاطبان بالكاف.
وإن كان المخاطب قاضيًا خوطب بالقاضي، وبالهاء، فقيل أطال الله بقاء القاضي وأدام عزه، فإن نقصت منزلته عن ذلك خوطب بأطال الله بقاءك أيها القاضي. والعنوان إلى [من] خوطب بسيدنا الأمير: للأمير ابن فلان بن فلان بلا دعاء، من فلان بن فلان، أو من عبده فلان ابن فلان، وإن شئت اقتصرت على أن تكتب يسرة الكتاب: عبده وخادمه فلان؛ وإلى من خوطب بسيدي الأمير: لسيدي الأمير أبي فلان ابن فلان، وتدعو له الدعاء التام، من فلان بن فلان؛ وإلى من خوطب بأيها السيد وبالكاف. فعبدك أو خادمك أو وليك. وإلى من خوطب بسيدنا وبالهاء: عبده أو خادمه أو عبده وخادمه، على مقدار محل المكاتب له منه. وإلى من خوطب بيا سيدي ومولاي ورئيسي بأن يجعل يمنة الكتاب: حضرة سيدي أبي فلان بن فلان، أطال الله بقاءه والدعاء التام إلى نعمته، ثم يكتب في يسرة الكتاب: عبدك فلان أو خادمك أو وليك.
ولا يخاطب هؤلاء أحدٌ من أهل الذمة، فإن ذلك مما لم يجر عادة الكتاب به، وإنما تركوه لقول الله ﷿: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ وخاطبوهم بالسيادة، لأن الله تعالى قد حكى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾.
والعنوان إلى القاضي إذا كان رفيع المحل وخوطب بالهاء للقاضي
[ ٢٧٧ ]
أبي فلان بن فلان بن فلان بن فلان بلا دعاء، وإذا خوطب بالكاف: للقاضي أبي فلان بن فلان، يدعي له من فلان. ولم تكن القدمءا بستجيزون أن يكتبوا إلى القاضي لسيدنا القاضي، ولا يكتبون على عنواناتهم إليهم عبده ولا خادمه، وكانت القضاة تنكر على من يفعل ذلك، ولا تقبله حتى كوتب بذلك أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف فقبله، ورأيت جماعة من القضاة يكتبون به.
ومخاطبة جميع هذه المرتبة في الحاجة: "فإن رأيت" فإن كان ممن يخاطب بالهاء من سائر أصنافها قيل له: "إن رأى أن يفعل كذا فعل إن شاء الله"، وإن كان ممن يخاطب بالكاف قيل له: "فإن رأيت فعلت إن شاء الله".
وأما المرتبة الوسطى: فالدعاء للطبقة العليا منها بيا سيدي ومولاي، أو شيخي وكبيري، على قدر استحقاقه في العلم أو السن أو الشرف.
والطبقة الثانية: بيا سيدي ومولاي، وإن زدت شقيقي وخليلي أو أعز الخلق علي وأقربهم إلي، وآثر الناس عندي وأجلهم لدي، فعلت من ذلك ما توجبه القرابة والمؤانسة، فإن كل ذلك حسن جميل، واستعماله مليح غير مستنكر ولا قبيح.
والطبقة الثالثة من هذه المرتبة: يا سيدي أطال الله بقاءك، ودونه، يا سيدي وأخي، ودون ذلك: يا أخي.
والعنوان إلى الطبقة العليا من هذه المرتبة بسيدي ومولاي، ورئيسي أبي فلان أطال الله بقاءه، والدعاء إلى نعمته، وفي يسرة العنوان:
[ ٢٧٨ ]
من فلان إلى فلان، وتحته: سيدي ومولاي ورئيسي أبو فلان بن فلان أدام الله عزه، وإن شئت اقتصرت على عبدك فلان بن [فلان]، وليس يصلح أن يخاطب أهل هذه الطبقة بخادمك.
وإلى الطبقة الثانية: بسيدي ومولاي أبي فلان والدعاء تاما. وفي يسرة الكتاب: من فلان بن فلان، وتحته: سيدي مولاي، أبو فلان بن فلان أيده الله، وإن شئت لأبي فلان والدعاء تاما؛ وفي يسرة الكتاب من فلان ابن فلان، وتحته: أبو فلان فلان بن فلان أدام الله عزه. وإن شئت اقتصرت على أن تكتب يسرة العنوان: عبد إخائك أو شاكر تفضلك، أو أخوك أو ما شاكل ذلك.
وإلى الطبقة الثالثة: إذا كان الصدر بأخي وسيدي: لأخي وسيدي أبي فلان وتدعو له وتسقط من الدعاء النعمة، وتكتب يسرة العنوان تحت اسمك: أخي وسيدي أبو فلان بن فلان أعزه الله، ولا تذكر اسمك، واقتصر على ذلك. وإلى من تخاطبه في الصدر بأخي: لأبي فلان، وتدعو له وتسقط ذكر النعمة، وتجعل اسمه يمنة الكتاب بلا كنية، وتدعو له بأعزه الله.
ومخاطبة أهل هذه المرتبة على صنفين: فإن كان في أعلاها خوطب: بإن رأيت وبفعلت، وإن كان في أدونها: فبأحب وبإن شاء الله.
وأما الطبقة السفلى فأعلى طبقاتها في الدعاء: أطال الله بقاءك: وأعزك وأيدك؛ ودون ذلك: وأعزك وأكرمك؛ ودونه: وأعزك؛ ودونه: أطال الله بقاءك. وقد تستعمل أطال الله بقاءك مفردة في الرقاع للرؤساء إذا كانت ممن بحضرتهم من كتاب المجالس وغيرهم، وتستعمل أيضًا في الخروج وما يجري مجراها. ودون ذلك: أدام الله عزك، ودونه: مد الله
[ ٢٧٩ ]
في عمرك، ودونه: أعزك الله ومد في عمرك. ودونه: أكرمك الله وأبقاك ودونه: أكرمك الله، ودونه: أبقاك الله، ودونه: تولاك الله بحفظه، ودونه: عافانا الله وإياك من السوء.
وأعلى طبقات الدعاء في العنوانات لهؤلاء: لأبي فلان أطال الله بقاءه، وأدام عزه وتأييده، وتجعل اسمه في يمنة الكتاب، وتدعو له بأعزه الله، ودونه: أطال الله بقاءه. ودونه: أدام الله عزه، ودونه: أعزه الله، ودونه: أكرمه الله، ودونه: أبقاه الله، وتجعل اسم المكتوب إليه في جميع ذلك يمنة الكتاب، ولا يدعي له. وقد يقتصر بهذه الطبقة إذا كان الكتاب توقيعًا مختومًا، أو يجري مجرى التوقيع في يمينه: أبو فلان فلان بن فلان، ويدعي له بحسب استحقاقه من الأدعية التي قدمناها.
ومخاطبة أهل هذه المرتبة في الأمر على ضربين: فأعلاهم محلا يخاطب برأيك، ويقال بعد انقضاء ما يؤمر به موفقًا إن شاء الله، وإنما ينصب ذلك على تقدير رأيك موفقًا إن شاء الله. وإلى أدناهم محلًا بافعل ذلك، واعلم ذلك، واعمل به، وما شاكل هذا إن شاء الله.
ولما كانت الدول في كثير من الأزمان، وبخاصة زماننا هذا، قد غلب عليها النساء، وصار الرؤساء فيها الخدم والإماء، وكانت لهم أوضاع في المكاتبات، وسنن في الدعاء والمخاطبات، متى خالفها مخالف نسبوه إلى قلة الفهم، ونقص العلم، احتجنا إلى ذكر جمل من ذلك، وإضافتها إلى هذا الباب، فمن ذلك أنه لا يدعي لهن بالكرامة ولا السعادة، لأن كرامة المرأة وسعادتها موتها عندهن، ولا يقال لهن: وتمم الله نعمته عليك، لأنهن يتصون أن يكون شيء عليهن، ولا يخاطبن يجعلني فداكِ، ولا قدمني قبلكِ لأنهما يجريان مجرى المغازلة والمهازلة، ولا يقال بلغني أملي فيكِ ولا كان هذا تقديري فيك، لاستقباحهن أن يكون شيء فيهن.
[ ٢٨٠ ]
وقد رأيت شيخنا أبا الحسن علي بن عيسى - ﵀ - بكاتب أم المقتدر فيتخلص في مكاتبها من هذه الألفاظ المنكرة عندهن، لما ظهر من إنكارهن ذلك على حامد وأمثاله، والسعيد من اتعظ بغيره.
الخط:
وأما الخط فله أجناس قد كان الناس يعرّفونها أولادهم على ترتيب، ثم تركوا ذلك وزهدوا فيه كزهدهم في سائر العلوم والصناعات، وكان أكبرها وأجلها أمر الثلثين وهو الذي تكتب به السجلات بما يقطعه الأئمة ويوزعونه ويسمى قلم السجلات، ثم ثقيل الطومار، والشامي، وكان يكتب بهما في القديم عن ملوك بني أمية، ويكتب إليهم في المؤامرات بمفتح الشامي، ثم استخلص ولد العباس قلم النصف فكتب به عنهم، وترك ثقيل الطومار والشامي، ثم إن
[ ٢٨١ ]
المأمون تقدم إلى ذي الرياستين بأن تجمع حروف قلم النصف، ويباعد بين سطوره ففعل ذلك، وسمي الرياسي، فصارت المكاتبة عن السلطان بقلم النصف الرياسي، والمكاتبة إليهم بخفيفهما، والمكاتبة من الوزير إلى العمال بقلم الثلث، ومن العمال إليهم بصغيره، وكتب الوزير إلى السلطان بقلم المنثور عوضًا عن مفتح الشامي، وبصغير المنثور وسميا قلم المؤامرات وقلم الرقاع، وهو دون صغير الثلث للحوائج والظلامات والجوامع التي تعرض على السلطان، وقلم الحلية وعيار الحلية وصغيرهما للأسرار، والكتب التي تنفذ على أجنحة الأطيار. وأكثر أهل هذا الزمان لا يعرفون هذه الأقلام، ولا يدرون ترتيبها، وليس في أيديهم منها في هذا الوقت إلا قلم المؤامرات، وصغير الثلث، وقلم الرقاع وقد اقتصر كل كاتب على ما وقف عليه خطه من صغر أو كبر، أو ضعف أو قوة، أو وخامة أو حلاوة، كاقتصارهم في سائر أمورهم على البخوت والحظوظ، فهذا ما يحتاج إليه المحرر.
ثم إن في الكتاب أشياء من باب اللغة ينبغي أن نذكرها، لأن الكاتب غير مستغن عن ملها، فمنها قولهم: مددت الدوات، إذا خلطت فيها مدادًا، كما قال الله - سبحانه -: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، أمددتها: إذا زدتها مدادًا، فإذا أمرت من مددت قلت: مد الدواة، ومن أمددت: أمدد وأمد، وتقول: ألقت الدواة فأنا أليقها
[ ٢٨٢ ]
إلاقة، فإذا أمرت قلت ألق الدواة، ومعناه أدر كرسفها. وتقول: بريت القلم بالياء ولا يقال برأته، ويقال لما يسقط البراية، وإذا أمرت قلت: ابر يا رجل. وتقول: أحددت السكين، وحد هعو إذا صار حادًا، وسكين يحد، فإذا أمرت قلت: أحِدّ السكين. وتقول: أنشأت الكتاب أنشئه من قولك: أنشأ الله الخلق، فإذا أمرت قلت أنشئ الكتاب يا رجل، وتقول: أعجمت الكتاب: إذا نقطته، أعجمه، فإذا أمرت قلت: أعجم الكتاب. وتقول: أخطأت في الكتاب، فالهمزة. وتقول: وهمت في الكتاب، إذا سهوت فيه، فإذا أسقطت منه شيئًا قلت: أوهمت، وإذا نهيت عن الوهم قلت: لا توهم، وإذا نهيت عن الإسقاط قلت: لا توهم، مثل لا توبق، وتقول: عرضت الكتاب بغير ألف، فإذا أمرت قلت أعرض الكتاب. وتقول: محوت الحرف بالواو، فإذا أمرت قلت امح. وتقول: وقعت في الكتاب، فإذا أمرت قلت: وقع، وعلمت فيه وإذا أمرت قلت: علم، وتقول: وكدت الكتاب وأكدته لغتان جيدتان فإذا أمرت قلت: وكد وأكد، وتقول: ورخته وأرخته وإذا أمرت قلت: ورخ وأرخ، وسحيت الكتاب وسحوته: إذا قشرت منه سحاة، ومنه سميت المسحاة لأنه يقشر بها الأرض، فإذا أمرت من ذلك قلت: أسح وسحيت الكتاب إذا شددته بسحاء فإذا أمرت قلت سح وتربت الكتاب أتربه تتريبا، وإذا أمرت قلت: ترب، وطينت الكتاب أطينه
[ ٢٨٣ ]
وأطينه، وإذا أمرت قلت: طين الكتاب وأطينه، وختمت الكتاب بغير ألف أختمه، وإذا أمرت قلت: اختم، ويقال: عنونت بالكتاب: وقد قيل عنونته، والعنوان مشتق من عنيت به كذا وكذا، وكأنك أعلمت بالعنوان ما عنيت به في الكتاب، والعلوان مشتق من الإعلان، كأنك أعلمت بما كنيت به على العنوان ما فيه، وإذا أمرت من العنوان قلت عنونه، ومن العلوان قلت علونه؛ لهذه جوامع ما يحتاج إليه كاتب الخط.
كاتب اللفظ:
فأما كاتب اللفظ فهو المترسل، وقد مضى من ذكر الرسائل والخطب ما فيه كفاية لذوي الأدب، وإذا استشعر الكاتب ما أتينا به هناك، وأخذ محاسنه، وجانب معايبه، رجوت أن يبلغ من هذه الصناعة مبلغًا. وكل ما حسن في الشعر حسن في القول، ولا بأس باستعمال الشعر. وإدخاله في الكتب اقتصارًا وتمثيلًا، وأن يقصد بذلك مكاتبة النظراء، ومن دون النظراء المتوسطي المحل من الرؤساء، ولا يستعمل في الكتب إلى السلطان ووزرائه، لأن محلهم يكبر عن ذلك.
الشعر:
واعلم أن الشعر أبلغ البلاغة، لأنه كلام بليغ موزون مؤلف. وقد قال أبو تمام: "البلاغة بعض الشعر" وحكى عنه [أبو] أيوب - ﵀ - أنه قال له يومًا وقد أطلع في كتاب يكتبه: يا أبا أيوب: "كلامك ذوب شعري وإذا استعمل المترسل في كتبه التمثيل بآداب الأوائل والاستشهاد بالقرآن، كان ذلك أحلى لمنطقه، وأحسن عند سامعه.
وقد ذكر أبو أيوب - ﵀ - وحسبنا بقوله في هذه الصناعة
[ ٢٨٤ ]
رجلًا بالبلاغة فأني في ذكره بأوصافها، وما يستحسن منها فقال: كان والله بارع المنطق، جزل الألفاظ، فصيح اللسان، ليس بالهذر في منطقه، ولا المتعسف في مقصده، معناه إلى القلب أسبق من لفظه إلى السمع. فجمع في هذه الألفاظ اليسيرة جميعه ما وصفنا به البلاغة، وذكرنا به أهلها، وأمرنا المتعاطي لها أن يستعمله فيها، فمن تهيأ له أن يكون فيها كما وصف، فهو أكتب الناس لسانًا، وأحسنهم [بيانًا] ولو لم نتقدم من ذكر البلاغة إلا بهذا القول من شيخنا - ﵀ - لكفى وأجزأ.
كاتب العقد:
وأما كاتب العقد فهو كاتب قد ذكره - ﷿ - في كتابه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ وقال: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ وقال: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وعلم الخاصة والعامة والعقلاء والجهال بمنفعة الحساب، وإقرارهم بالحاجة إليه في سائر أمور معايشهم، وأمر دنياهم وآخرتهم يغنينا عن ذكر فضله، والتشاغل بوصف نفعه، وليس في العلوم كلها ما لا يختلف فيه أهله، ولا تتباين فيه آراء علمائه غيره. وليس في العلوم كلها ما إذا أخطأ المخطئ فيه أو أصاب علم بإصابته أو خطئه المرتضاون فيه كما يعلمه المتمهرون فيه غيره. وإذا تبين متبين أصل تركيبه وجد الحكمة التي فيه، وإتقان الصنعة التي في تركيبه يدلان على أن الله - ﷿ - هو الذي تولى تركيبه، وأنه ليس من صناعات المخلوقين، فإنك إذا فكرت فيه وجدت كل عدد قل أو كثر
[ ٢٨٥ ]
يعادل نصف عدد حاشيته إذا جمعتا بعدتا أم قربتا، وذلك مثل الخمسة التي حاشيتاها القريبتان الستة والأربعة، فإن حاشيتيها إذا جمعتا كانتا عشرة، ونصفها خمسة، وكذلك الحاشيتان اللتان هما أبعد من هاتين، وهما السبعة والثلاثة، وكذلك الثمانية والاثنان، وكذلك التسعة والواحد، وهذا مطرد في سائر الأعداد إلى آخر ما يمكن ضبطه منها. ثم إن الواحد أول الأفراد فليس بعدد، ولكنه مبتدأ العدد. وحد العدد إنما هو ما تركب من الآحاد، فإذا أضفت هذا الفرد الأول إلى الفرد الثاني وهو ثانيه، كان من ذلك أربعة هو أول الأعداد المجذورة، وجذره اثنان، وهما أول العدد الزوج، وإذا أضفت إلى الأربعة الفرد الثالث. خمسة اجتمع من ذلك تسعة، وهو ثاني الأعداد المجذورة، وجذره ثلاثة وهو ثاني الأعداد، وإذا أضفت إلى التسعة الفرد الرابع وهو سبعة كان من ذلك ستة عشر، وهو ثالث الأعداد المجذورة، وجذره أربعة، وهي ثالث الأعداد، وكذلك يجري في تركيب الأفراد، وتولد الأعداد منها بجذور الأعداد المجذورة المتركبة من اجتماعها إلى آخر ما يمكن ضبطه من الحساب، وفي ذلك دليل على الفردانية وقدم الواجد، وتنبيه للعقول عليه، على أن الأشياء عن الواحد - ﷿ - تكونت وهو العلة فيها، ولو رمنا استقصاء أعاجيب صنع الله - ﷿ - وآثار حكمته في هذا الباب، لطال به الكتاب، وإنما سنذكر منه ما يشوق المبتدئ إلى قراءة كتب الأوائل والنظر فيما جمعوه، فإنه يهجم به على رياض مونقة، وأحوال معجبة إن شاء الله.
كاتب الحساب:
وكتاب الحساب ثلاثة: كاتب مجلس، وكاتب عامل، وكاتب جيش،
[ ٢٨٦ ]
والذي يعم هؤلاء أنهم غير محتاجين إلى معرفة اللغة والإعراب لاجتماع الناس في هذا الوقت على تركهما في الحساب، ويحتاجون إلى أن يكونوا عارفين بالتقدير حتى يعلموا مواقع الجمل والتفصيلات، وما ينبغي أن يخرجوه من الرءوس في التقديرات، وما ينبغي أن يكون في حشو الحكايات، وأن يكونوا محتاطين ف ألفاظ حكاياتهم حتى تصح معانيها، ولا يقع عليهم تأول فيها، وأن يكونوا ضابطين لما يشرعون فيه من فنونه الحساب حتى لا يقع عليهم خطأ فيه، وأن خفّت أيديهم في العقود وأسرعت كان ذلك زائدًا في كمالهم. والحساب الذي يحتاج إليه الكتاب هو خمسة أشياء: الجمع، التفريق، التضعيف، والتصريف، والنسبة.
فأما الجمع: فهو تركيب الآحاد من الواحد إلى التسعة، ثم تصير العشرة من العشرات بمنزلة الواحد من الآحاد إلى تسعمائة، ثم يصير الألف من الألفين بمنزلة الواحد من الآحاد إلى تسعة آلاف، وكذلك إلى مبلغ. وأكثر ما يمكن ضبطه باليد من الحساب تسعة آلاف، وتسعمائة وتسعة وتسعون، فإذا زاد على ذلك واحدًا، وما زاد صار حفظ ما يجتمع بالقلب دون اليد. وإنما جعل الهند الحروف الهندية لضبط ما لا تضبطه اليد من الحساب، ولا يتسع القلب لحفظه، ولإحصاء ما يدق من ضرب الكسور في الكسور، وجعلوه تسعة أحرف لما قدمنا من ذكر الآحاد وتركيبها، وأن العشرات والمئين والألوف بمنزلتها.
وأما التفريق: فهو تجريد الجمل بالتفصيل والقسمة؛ إن التفصيل قد تكون بعض أجزائه أكثر من بعض، وذلك مثل مائة درهم دفعناها،
[ ٢٨٧ ]
وذكرنا أنها جاري عشرة من الرجال، ثم فصلناها، فقلنا: جاري فلان عشرة دراهم، وجاري فلان عشرون درهمًا، وجاري فلان خمسة دراهم، وجاري فلان خمسة دراهم، وجاري فلان سبعة دراهم، وكذلك حتى نأتي على تفصيلها. والقسمة لا يجوز أن تكون بعض أجزائها أكثر من بعض، بل تكون متساوية وذلك كقسمتنا مائة على خمسة، فيكون منها عشرون جزءًا متساوية، وإن قسمناها على عشرة كان منها عشرة أجزاء متساوية.
وأما التضعيف: فهو الضرب، ومعنى الضرب تضعيف العدد بمقدار ما تضربه فيه من العدد الصحيح، وذلك كقولنا: كم عشرة في عشرة، فإنما معناه كم تصير العشرة إذا ضوعفت عشرات، فتقول مائة، وكذلك الاثنان في الاثنين إنما معناه كم الاثنان إذا ضوعفا مرتين؟ فتقول: أربعة، وكذلك الواحد في الواحد إنما معناه كم الواحد مرة واحدة؟ فيقال: واحد، فهذا الضرب في العدد الصحيح، فإذا ضرت العدد الآن في الكسور فإنما معناه أن تأخذ من ذلك العدد بمقدار الكسر كقولنا [عشرة] في نصف، فإنما معناه كم نصف في نصف العشرة؟ فيقال: خمسة، وكم تسعة في ثلث؟ فيقال ثلاثة، لأنك إنما سألت عن ثلث التسعة، وكذلك سائر الباب، فإذا قلت: كم نصف، فإنما معناه كم نصف النصف، فتقول: ربع، وكم ثلث في الثلث فإنما معناه: كم ثلث الثلث؟ فيقال: تسع، وكم ربع في ربع؟ فإنمايرادكم ربع الربع؟ فيقال: نصف ثمن.
وأما التصريف: فهو تثمين العين والورق والوزن بالعين، أو تصريف الغلات بعضها ببعض، فإذا فرغت قسمة الدينار في العدد الذي تريده فما
[ ٢٨٨ ]
اجتمع فهو قيمة الدنانير، وذلك قولنا: إذا كان الدينار أربعة عشر درهمًا فكم لنا بخمسة دنانير؟ فتضرب أربعة عشر في خمسة، فيكون سبعين درهمًا، وإن أردت أن تعرف قيمة أقل من دينار، فاعلم أن الدينار ستون حبة والدرهم ستون عشيرا، فإذا كان الدينار بأربعة عشر درهمًا، فحبة منه بأربعة عشر عشيرا، وهو دانق، وأربعة أعشرة، وإن سألك عن أقل من حبة أو أكثر فحساب ذلك، وإن أردت أن تعرف كم ثمن الورق من العين، وكان ذلك بأكثر من قيمة الدينار بأربعة عشر درهمًا فكم ثمن سبعين درهمًا، فيقسم السبعين على أربعة عشر، فتكون خمسة، فهو الذي تريد، وإذا كان الورق أقل من قيمة الدينار فانسبه إلى قيمة الدينار بأربعة عشر درهمًا، فكم لنا بسبعة دراهم؟ فتنسب السبعة إلى الأربعة عشر، فتكون نصفا، فتقول: نصف دينار، وكذلك سائر الباب.
وأما تصريف الغلة فإنهم يستعملونه في العبر ومعاملات التحصيل للتقريب، وهو تعديل القيم في الغلات، فيجعلون الكر في السمسم وما شاكله أربعة أكرار شعيرا، والكر من الحنطة وما شاكلها كرين شعيرا والشعير بحاله، وإنما يستقيم هذا التصريف في أثمان الغلات بالسواد لأن سعر الشعير هناك أبدًا مقارب لسعر نصف الحنطة، وربع السمسم، فأما في الشام وغيرها فليس يصح ذلك؛ وأما الأكرار فالذي يعمل عليها منها في السواد المعدل والفالج، وهو خمسا المعدل، والنصف هو نصف المعدل، فأما سائر النواحي فتختلف أكرارها كاختلاف أوزاننها، وإن رمنا ذكر جميع ذلك طال
[ ٢٨٩ ]
به الكتاب، فهذا ما في التصريف، فأما النسبة فقد جعلها الحساب في أعمالهم من سنين، وليس يستعمل الكتاب نسبة شيئين إلا في تصريف العين بالورق والورق بالعين، فأما غير ذلك فإنما يستعملون فيه الدوانيق إلى الربع قالوا: ثلاثة دوانيق، وخمسة أعشراء، وإذا [ارادوا] أن ينسبوا السدس والعشر قالوا: دانق وستة أعشراء وكذلك سائر الأجزاء.
وإنما ذكرنا هذه الجوامع إذ؟؟؟؟؟ بها لمن علم، ومطالعة بها لمن لم يعلم، فأما شرح أبواب الحساب [فهو] مجموع في كتب الحساب، وقد أتوا منه على ما يحتاج إليه، وهاهنا أشياء تخص كل واحد من كتاب الحساب يحتاج إلى معرفتها فيما هو سبيله دون غيره.
فمن ذلك أن كتاب المجلس محتاج إلى أن يكون حاذقًا باقتصاص الكتب وترتيب أبوابها في المعاملة على ما يقتضيه ترتيب وقوع الجماعات والموافقات، لتقابل بذلك عند وروده، وتخريج ما فيه من خلف في المؤامرة التي يعملها للعامل، ويحكم في ذلك بما يوجبه حكم الكتابة. وأن يكون عالمًا برسوم العين المحوجة إلى التكميلات، وما يجوز أن يكثر به في ذلك مما يلزم العمل به، وأن يعرف أحكام الخراج، وما يجب رده على العمال من النفقات
[ ٢٩٠ ]
ومردود الجاري والاحتسابات، وما ينبغي أن يحسب لهم، وأن يعلم ما ينبغي أن تحمد فيه آثار العمال، وما تقبح به آثارهم، وأن يكون في ذلك عدلًا [لا] يميل به الهوى في بعض العمال إلى التأول له، ومسامحته بما تفسد عند الكتاب صناعته، ولا يحمله الانحراف عن بعضهم على التأول في أمره ومما حكته بما يعيب عند أهل الصناعة في كتابه، ولا يرخص لنفسه في إخراج شيء لنفسه من الديوان بعد أن قد ثبت فيه، ليزيل بذلك حجة عمن تلزمه الحجة، ولا أن يثبت له شيئًا لا أصل له ليقيم به حجة لمن ليست له حجة، فإن مقام الكاتب مقام العدل الذي متى عرف منه، أو جرب عليه ميل مع الهوى، أو قلة أمانة سقطت عدالته، ولم تقبل شهادته.
وسمعت أبا الحسن علي بن محمد بن فرات - ﵀ - يومًا وهو يقول: الكاتب فوق الشاهد، قال: لأني وسائر الوزراء نحكم بقوله وبما يخرجه من ديوانه، والقاضي لا يحكم بقول شاهد واحد حتى ينضاف إليه غيره.
كاتب العامل:
وأما كاتب العامل فيحتاج إلى أن يكون متحرمًا بعلم الزرع والمساحة لكثرة ما يجري في عمله وحساباته من ذلك، وأصل ما نمسح به الأرضون: أشل، وباب، وذراع، فالأشل: حبل طوله ستون ذراعًا، والباب قصبة طولها ستة أذرع، والذراع التي يمسح بها السلطان مسائحه اثنتان وثلاثون
[ ٢٩١ ]
أصبعًا وتسمى الذراع الهامشية، والسوداء أيضًا والتي تمسح بها الدور وغيرها أربع وعشرون إصبعًا، وتسمى الذراع الحديد، والتي تمسح بها الأنهار والرياض ستون إصبعًا، وتسمى الميزان، والأشل عشرة أبواب. والباب ستة أذرع، وأشل في أشل جريب، وأشل في باب قفيز، لأنه أشل في عشر أشل، فيكون عشر الجريب، والجريب عشرة أقفزة، وأشل في ذراع عشير وثلثا عشير، لأن واحدًا في ستين ستون، والعشير ستة وثلاثون ذراعًا، لأنه من باب في باب فتكون الستون عشيرا وثلثي عشير، وباب في باب عشير كما قلنا، وباب في ذراع سدس عشير، وذراع في ذراع ربع تسع عشير، والأشكال التي تقع عليها المساحة في الأصل ثلاثة أشكال، وهي المربع، والمثلث، والمدور. والمربع خمسة أصناف: مربع متساوي الأضلاع، ومربع مستطيل [الأضلاع] ومربع مختلف الأضلاع، ومربع معين، ومربع مشبه بالمعين، فأما المربع متساوي الأضلاع، فإذا ضرت أحد أضلاعه في نفسه كان ما يجتمع تكسيره، وذلك مربع متساوي الأضلاع كل ضرع منه عشر أذرع، فتسكيره مائة ذراع، وكذلك المربع المستطيل، وأما المربع المختلف الأضلاع فإن المساح يجمعون طوليه وعرضيه، ويضربون نصف الطولين في نصف العرضين، وما اجتمع فهو التكسير عندهم، وفي هذا عند الحساب غلط يسير، إلا أنا لما كنا إنما نصف ما يستعمله المساح والعمال لم نكن
[ ٢٩٢ ]
بنا حاجة إلى ذكر ما يقوله الحساب في الحساب في ذلك، وأما [المربع] المعين فإن استخراج تكسيره بضرب أحد قطريه في نصف الآخر، فما اجتمع من ذلك فهو تكسيره، وأما الشبيه بالمعين، فيقطع مثلثات ومربعات، وتمسح كل قطعة منها على حسابها وتجمع.
وأما المثلث فهو ثلاثة أصناف مثلث متساوي الأضلاع، ومثلث متساوي الضلعين، وهذا على صنفين أحدهما قائم الساقي، والآخر منفرج الزاوية، ومثلث مختلف الأضلاع.
فأما المثلث إذا تساوت أضلاعه أو تساوت اثنتان منها، فإن عموده مضروبًا في نصف القاعدة تكسير، وذلك مثل مثلث عموده عشرة أذرع، ونصف قاعدته خمس أذرع، فإن تكسيره خمسون ذراعًا، فأما استخراج ذراع العمود من قبل الضلع، فإنه أن نضرب الضلع في نفسه، ونقص منه نصف القاعدة مضروبًا في نفسه، وتأخذ جذر ما بقي فهو العمود، وإن أردت استخراج الضلع من قبل العمود ضربت العمود في نفسه، ونصف القاعدة في نفسها وجمعتهما وأخذت جذرهما، فهو الضلع. وإن أردت استخراج نصف القاعدة ضربت الضلع في نفسه، ونقصت من ذلك العمود مضروبًا في نفسه، وأخذت جذر ما بقي فهو نصف القاعدة، ومثال
[ ٢٩٣ ]
ذلك مثلث كل واحد من ضلعيه عشرة، وقاعدته اثنا عشر، إذا أردنا أن نستخرج عموده ضربنا نصف القاعدة في نفسها فكانت ستًا وثلاثين، ونقصناها من الضلع مضروبًا في نفسه وهو مائة فبقي أربعة وستون وجذره ثمانية وهو العمود، وإذا ضربنا العمود وهو ثمانية في نفسه كان أربعة وستين، وضربنا نصف القاعدة في نفسها كانت ستًا وثلاثين، فإذا جمعناهما كانا مائة، وجذر مائة عشرة، وهو الضلع، وإذا ضربنا العمود في نفسه كان أربعًا وستين وضربت الضلع في نفسه كان مائة، وحططت الأربع والستين من المائة كان ما تبقى ستًا وثلاثين، وجذره ست، وذلك نصف القاعدة، فهذا ما في المثلث المتساوي الأضلاع، وذي الضلعين المتساويين، فإذا اختلفت أضلاع المثلث، فإن باب مساحته أن تجمع الأضلاع الثلاث، ونأخذ نصف ما يجتمع معك من ذلك فتحفظه، ثم تنظر ما بين كل واحد من الأضلاع وبين هذا النصف فتضرب بعضه في بعض، ثم في هذا النصف تأخذ جذر جميع ذلك فهو تكسير المثلث، ومثال ما قلناه مثلث أحد أضلاعه خمس عشرة ذراعًا، والأخرى أربع عشرة والأخرى ثلاث عشرة، بابه أن تجمع الخمس عشرة والأربع عشرة والثلاث عشرة فيكون ذلك اثنين وأربعين، وتأخذ نصف ذلك فيكون إحدى وعشرين، ثم تنظر كم بين الخمس عشرة والإحدى والعشرين، فتكون ستًا، وكم بينها وبين الأربع عشرة فيكون سبعًا، وكم بينها وبين الثلاث عشرة فيكون ثمانية، فتضرب ستًا في سبع فيكون اثنين وأربعين، ثم في ثمان فيكون ثلاثمائة وستًا وثلاثين، ثم تضرب ذلك في إحدى وعشرين فيكون ثمانية
[ ٢٩٤ ]
آلاف وستًا وخمسين ذراعًا، فنجذر ذلك وهو أربع وثمانون ذراعًا تكسير المثلث.
وأما المدور فإن استخراج تكسيره بضرب قطره في مثله، وإسقاط سبع ما يجتمع معك، فنصف سبعه، وذلك مثل مدور قطره أربع عشرية ذراعًا، فإنك تضرب أربع عشرة في مثلها فيكون مائة وستًا وتسعين ذراعًا ويكفي من ذلك سبعة ونصف سبعة ومبلغه اثنان وأربعون ذراعًا فنبقي مائة وأربع وخمسون ذراعًا، وهو تكسير المدور [وإن عرفت تكسير المدور] ولم تعرف القطر وأردت أن تستخرجه من التكسير فاضرب التكسير في أربعة عشر واقسمه على أحد عشر، فما خرج فخذ جذره فهو القطر. وإن أردت معرفة المدور ضربت القطر في ثلاثة وسبع فما اجتمع فهو المدور.
ويحتاج كاتب العامل مع هذا أن يكون مشفقًا محترسًا من حيل الزارعين والعاملين، فهما بوجوه سرقاتهم وحيلهم في تلف الغلة ومغالطاتهم في إقطاع المساحة، عالمًا بأحكام المظالم والتحييل وغيرهما، مما يرفد به أصحاب الخراج والمقاسمة حتى لا يجري عليه غبن منهم، ولا يتم عليه صاحبه حيلة من جهتهم.
كاتب الجيش:
وأما كاتب الجيش فإنه يحتاج مع العلم بالحساب وضبطه إلى أن يعرف الأطماع وأوقاتها والحلي وأحكام أخذها. والأرزاق وما يتوفر منها:
[ ٢٩٥ ]
والطمع: هو الوقت الذي يستحق فيه الجاري، والحلية هي وصف الرجل الذي يفصل به بينه وبين غيره ممن يوافق اسمه اسمه، والأصل في أرزاق الجند والمقاتلة المساواة بينهم، وكذلك قسم رسول الله - ﷺ - ووضع الديوان عمر، وفضل بعض الناس على بعض ولم يخالفه في ذلك أحد بعده غير أمير المؤمنين - ﵇ - فإنه رد الأمر إلى ما كان عليه في أيام النبي - ﷺ - فنقم في ذلك عليه من خالف عليه، ثم رجع الناس بعد مضيه إلى سنة عمر - رضوان الله عليهما - وكان الجند فيما تقدم يفضلون في الأرزاق وشهورهم واحدة، وكانت استحقاقاتهم تتوافى في وقت واحد، فمتى تأخذ عنهم ما لهم اجتمعت كلمتهم على الطلب، ولقي معاملهم ملأ من الشغب، فلما تقلد شيخنا أبو القاسم عبيد الله بن سليمان ﵀ [وزارة] المعتضد بالله لطف لتفرقة أرزاقهم، والمخالفة بين أوقات استحقاقاتهم، بأن زاد من أخر رزقه بمقدار الزيادة في الأيام واقتصر، بمن قدم رزقه على ما لا يقصر عن مئونته، فسلم بذلك من شغبهم، وذمهم، وجمع ما صنع ترفيه نفسه وسلطانه، لأن معظم الأموال والأرزاق الوافرة إذا تأخرت إلى أمد بعيد يحمل في مثلها أموال النواحي، ويلحق فيها الغلات درت الأرزاق، وقل الخلاف وتفرقت مع ذلك كلمة الجند باختلاف أوقات أطماعهم، ولم يكن
[ ٢٩٦ ]
لمن لم يجب له رزق أن يشغب مع من وجب رزقه، ولا أن يطالب بما لم يستحقه، وإذا تفرقت الكلمة وتشتت الجماعة انكسرت الشوكة، وقلت المئونة، وجعل أقرب الأطماع النوبة، وهي في المشاهرة في كل ثلاثين يومًا أرزاق الحشم، وهي في كل أربعين يومًا، ثم أرزاق المماليك من الخدم والغلمان الحجرية ومن جرى مجراهم في كل شهر ثم أرزاق المختارين في كل خمسة وسبعين يومًا، ثم التسعينية وأرزاقهم في كل تسعين يومًا، ثم الأحرار العظم في كل مائة وخمسية أيام، ثم الأحرار الحليين في كل مائة وعشرين يومًا، ثم الموسابادية وأصحاب الرقاب في كل مائة وثمانين يومًا، يجري الأمر على هذا، وعلى انتخاب الأولياء، واختيارهم ومطالبتهم بالعرض في السلاح التام وعلى الخيل الفرهة ووسمها عليهم لئلا تكون عارية أو كراء، وكتب اسم السلطان [و] ولي عهده على المجان والترسة والامتحان لهم فيما يعالجونه من السلاح، فمن كان في المحنة مرضيًا وكانت أداته كاملة، وفرسه فارها وبزته جميلة على مقدار رزقه أمضى أمره إلا حلق على اسمه، ووفر رزقه، فلم يزل الأمر جاريًا على
[ ٢٩٧ ]
ذلك لا تخالف فيه هذه الأوضاع والسنن إلى أن وقع التخليط، ونضبت الذمامات وأثبت، الجند بالرشى واستعملوا للهوى لا للكفاية والغناء وصاروا يبايعون الأسماء على نقبائهم بيعًا ظاهرًا مكشوفًا، ففسدت طبقات الأولياء، ودخل فيهم من لم يحمل السلاح، ولم يشهد الحروب ساعة قط. وكانت نتيجة هذا الإهمال، وثمرة هذه الأفعال، أن خرج السلطان في جيشه على أحسن زينة، لقتال غلام من غلمانه، فقتل وحده من بين أهل عسكره، وتفرق عنه الباقون، ورجعوا موفورين.
ومن ترك سياسة رعيته وأولائه بما يوجبه الرأي كان يمثل ما جرى عليه جديرًا وبه حقيقًا.
وأما التحلية فأولها أن يذكر اسم الرجل في يمنة الورقة، وينسب إلى بلده أو ولائه، فيقال: فلان الرومي، أو فلان المقتدري، أو ما أشبه ذلك ثم يذكر جارية تحت اسمه، ويفصل فصل يسير، ثم يكتب عن يسرة الورقة بعد ذلك الفصل سنه، شاب أو كهل أو مراهق، هذا ما أخذ الناس فيه - والذي كان عليه في القديم كثير من الناس - الآن، فأن يذكر اسم الرجل وولائه وحليته في يمنة الورقة، وجاريه في يسرتها، ولا يذكر في الحلية في الجيش شيخ ولا صبي، فإن كانا ممن يحلى قيل للشيخ كهل مجتمع، وقيل للصبي غلام أمرد، وإنما أسقط ذكر الشيخ والصبي من ديوان الجيش لضعفهما، والطمع الذي يلحق أمثالهما، ثم يذكر قده، فإن كان طويلًا قيل ربعة إلى الطول، وإن كان قصيرًا قيل ربعة إلى القصر، وإن كان ربعة قيل مربوع، وإنما لم يقل طويل وقصير على الإطلاق، لأن الطول والقصر من باب المضاف، والطويل إنما يكون طويلًا بالإضافة إلى من هو أقصر
[ ٢٩٨ ]
منه، وكل طويل فهو قصير إذا أضيف إلى من هو أطول منه، وكان قولهم ربعة وإلى الطول أو إلى القصر أحوط في تصحيح المعنى، ثم يذكر لونه، فيقال أسود أو آدم، أو أحمر تعلوه حمرة إذا كان أشقر أو أبيض، ولا يقولون أبيض ولا أشقر، لأن البياض والشقرة مما كانت العرب يعبر [به] بعضها بعضا، وتسميهم العبيد والحمران، وبني حمراء العجان وصهب السبال، وتهجين من كان منهم؛ ثم يذكر الجبهة بأوصافها من ضيق أو رحب، وإن كان أجلح أو أصلع أو ذا فروة أو أغم ذكر ذلك، وإن كان في جبهته غضون ذكرت، ثم يذكر الحاجبان بما فيهما من قرن أوبلج، ثم العينان بما فيهما من كحل أوزرقة أو شهل أو حوص أوحور [أو] جحوظ، أو غثور أو حول أو بياض، ثم الأنف بما فيه من قنى أو فطس أو ورود أرنبة أو انتشار مناخر،
[ ٢٩٩ ]
ثم الأسنان بما فيهما من درد أو شفا أو فلج أوقلح أو انقلاع بعضها، أوسواد بعض. فإن ذكر الشامات والخيلان وآثار الحديد والفروح، وغير ذلك مما في البدن ويدين وغيرهما فلا بأس، والأعمدة من هذه الحلي ما لا يتغير مثل الفطس والزرقة، والطول والقصر وأشباه ذلك، فإن اقتصر مقتصر عليها أجزأت وأغنت إن شاء الله.
وإذا استحق الجند أخرج الكاتب الجرائد باستحقاقهم، فذكر الطمع في وسط الرقعة فقال في وسطها: المختارين والمماليك أو غيرهم، ثم قال في سفلها الأيمن: فلان الفلاني، وجعل جارية تحته، ثم ذكر حليته في الشق الأيسر بعد فصل يسير، إلى آخر الورقة، أو جعل اسمه وحليته يمنة الورقة وجاريه يسرتها، وإن كان الرجل المذكور قائدًا. أو أميرًا لم يذكر حلبته، واقتصر على اسمه، وذكر جاريه لأنه ربما يحلى من لا يعرف، ومن يخشى أن تقع حلية في اسمه، أو يدخل دخيل مكانه، فأما من عرف باسمه وعينه ونسبه فلا حاجة بالكاتب إلى تحليته. ثم يذكر عددهم، ومبلغ جاريهم في آخر الجريدة، ويكتب إلى الخازن. يحمل مالهم إلى مجلس العطاء، ويخرج الجرائد بالأسماء، والحلي ومبلغ الجاري إلى المنتفعين مع المال، فيتولد عرضهم، ويقبض عن صحت حليته منهم، ورفع الحساب بما ينفقونه
[ ٣٠٠ ]
وذكر ما يوفرونه من جاري من لم يصح عرضه من البدلاء والدخلاء والأموات والغياب إلى ديوان الجيش، ورفع الحجج إلى الخزان بما يحملونه إليهم.
هذا جملة ما يحتاج إليه كاتب الجيش، وهو آخر ما يحتاج إلى ذكره في أمر كاتب العقد.
كاتب الحكم:
وأما كاتب الحكم: فهو كاتب الحكام، وليس شيء من أمور الدين وأعمال السلاطين هو أعظم خطرًا ولا أجل قدرًا، ولا أبقى على الأيام أثرًا من الحكم، وكيف لا يكون كذلك وهو خلافة النبوة، وأمر الله في الفروج والدماء والأموال، الباقي على تصرف الأحوال والأزمان، ولذلك جعل الله تعالى الحكومة إلى العدل دون غيرهم، فقال - جل من قائل -: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وجعل الشهادة أيضًا في العدول، فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ وأعلمنا - ﷿ - أنه إنما يوفق من الحكام من حسنت نيته، وكان الصلاح طويته فقال - ﷿ -: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾، وأمور الأحكام من ملة الإسلام الجارية على أربعة أوجه: أحدها وهو أعظمها حكم القضاء، ثم حكم المظالم، ثم حكم الديوان، وهو حكم الخراج، ثم حكم الشرطة، والذي يعم جميع هؤلاء أنهم لا يستحقون تقلد شيء من هذه الأحكام إلا بأن يكونوا عدولًا في أنفسهم، عالمين بما توجبه مراتب أعمالهم، غير متعدين لرسوم أحكامهم، يرحمون المظلوم، ويخشنون على الظالم، ويؤثرون الحق، ولا يميلون مع الهوى، ولا يشرهون إلى حطام الدنيا ثم على القاضي أن
[ ٣٠١ ]
يختار لنفسه كاتبًا يكون مثله، يقاربه في النزاهة والأمانة، والعفة والعدالة والعلم بالحلال والحرام، والسنن والأحكام، وما توجبه أقسام الكلام، ودليل على أنه يشترط عدالة الكاتب - قوله تعالى -: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ ووجه الدليل أنه لا يكتب بالعدل، لأن الفاسق متهم، ويحمله فسقه على خلاف المصلحة والعدل المأمور به، فوجب أن يكون كما ذكرناه، وإذا كان كذلك فترد إليه كتب الشروط والإقرارات والمحاضر والسجلات، ويجعله مؤتمنًا على خزن ذلك وحفظه. ولإخراج ما يحتاج إليه في وقت الحاجة إلى إخراج. وقد ذكر الناس في كتاب الشروط والمحاضر والسجلات ما يغني من نظر فيه، إلا أننا لا نحب أن كتابنا [يخلو] من مثال لكل ما نذكره، لتكون معانيه كاملة فيما قصد له؛ فجملة الشروط أن يذكر المشترط والمشترط عليه ويعرفهما بأسمائهما وأنسابهما وبتجارتهما إن كانا تاجرين أو بضاعتهما إن كانا صانعين، أو أجناسهما أو أسماء بلدانهما، أو أنسابهما في العرب أو العجم، ثم يذكر الشيء الذي يجمع الشرط فيه، فإن كان بيعًا ذكرت البيع ووصفته وحددت المبيع إن كان مم يحدد كالأرضين والدور، أو يجنسه ووصفت عينه، إن كان مما لا يحد كالرقيق والدواب وعروض التجارات، ثم تذكر الثمن ومبلغه وتصف بعده ووزنه، ثم يذكر التقابض منهما والتفرق بعد الرضا، ثم يضمن البائع الدرك للمشتري، وإن كان إجارة ذكرت الإجارة ومدتها، والشيء الذي استؤجر ونعته، وحددت ما يحدد منه، وصفت ما لا يحدد، وذكرت مدة الإجارة، وجعلتها على شهور العرب
[ ٣٠٢ ]
دون غيرها، وذكرت مال الإجارة، وأوقات وجوبه، وذكرت قبض المستأجر ما استأجر ورضاه به، وتفرقهما بعد الرضا، وإن كان فيما استؤجر نخل أوشجر استثنيت بذلك، وبمواضعه من الأرض من الإجارة، وجعلته في آخر الكتاب معاملة ومساقاة بجزء من الثمر، فإنه لا يجوز في الأحكام غير ذلك، وضمنت المؤجر الدرك المستأجر. وإن كان صلحًا ذكرت الشيء الذي صولح عليه: وإن كان براءة وصفت ما تبرئ من، وإن كانت البراءة بعرض ذكرت العرض، وإن كان إقرارًا ذكرت مبلغه، وهل هو حال أو مؤجل، وإن كان مؤجلًا ذكرت أجله، ووقت حلوله، وحددت ذلك بشهور العرب، وإن كان وكالة سميت الوكيل ونسبته، وذكرت ما وكل فيه من خصومة ومنازعة وقبض أو صلح، أو قسمة أو بيع أو شراء أو غير ذلك من الأشياء التي تقع الوكالة في مثلها، وقررت الوكيل بالقبول؛ وإن كان رهنًا ذكرت أولًا الدين في صدر الكتاب، ووقت، محله ثم ذكرت قسمته ووصفته وحددته وحددت ما يحدد منه، ثم قررت المرتهن بقبض ذلك، وإن وكله في بيعه عند المحل ذكرت الوكالة بذلك بعد فراغك من أمر الدين والرهن، وإن كانت وصية قررت الموصي بعد تسميتك إياه في صدر الوصية، بشرائع الإسلام، ثم ذكرت أنه أوصى بكذا وكذا.
وبدأت بالدين وقررته بمبلغه، ثم ذكرت الوصية بعد الدين فيما يوصى به، وليس له أن يوصي في أكثر من ثلث ماله، ثم سبلت
[ ٣٠٣ ]
ذلك في الوجوه التي نذكرها، ثم ذكرت الموصى إليه، وسميته وقررته بالقبول إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا فلا بأس، وهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، ثم يؤرخ جميع هذه الكتب بالشهر والسنة اللذين أتت فيهما من شهور العرب وسنى الهجرة، ثم توقع الشهادة على المشترطين والمشترط عليهم، وتقريرهم بأن ما عقدوه على أنفسهم في صحة منهم وجواز أمر، وأنهم قد أقروا به طوعًا بعد تفهمهومعرفته ما فيه.
وأما المحاضر فإن الكاتب يكتب إذا حضر عند القاضي رجلان، فادعى أحدهما على صاحبه حقًا فأقر له به: حضرة القاضي ويذكر اسمه ونسبه في ويم كذا من شهر كذا في سنة كذا، فلان بن فلان، وفلان بن فلان، فعرفهما بأسمائهما ونسبهما، وإن لم يكن يعرفهما بأسمائهما ونسبهما قال رجل: ذكر أنه فلان بن فلان، ويصفه ويحليه، ورجل ذكر أن اسمه فلان بن فلان، ويصفه ويحليه أيضًا، فادعى فلان أو الذي ذكر أنه فلان، أو على الذي ذكر أنه فلان كذا وكذا، فأقر له بذلك؛ وإن كانت وكالة قال: قد ذكر أنه وكل فلان بن فلان، ويذكر ما وكله به، ويقول حضر فلان بن فلان فقبل ذلك منه، وتولاه له فإن أحضر المدعي كتابًا يريد أن يثبته بحق أو يبيع غير ذلك قال: وأحضر معه كتابًا ادعى فيه على فلان بن فلان أو الذي ذكر أنه فلان بن فلان ما فيه نسخته، وينسخ الكتاب ثم يقول: وأحضر معه من الشهود فلان بن فلان، وفلان بن فلان، وادعى شهادتهما قبل تضمنه الكتاب الذي أحضره، فسألهما القاضي عما عندهما، وأشهدهما على نفسه في صحة منهما، وجواز أمر مما سمى ووصف فيه فقيل القاضي شهادتهما بذلك وأمضاها؛ وإن أراد القاضي أن يسجل بذلك، وليس يجوز أن يسجل إلا على من عرفه فليذكر في
[ ٣٠٤ ]
صدر الكتاب، إشهاد القاضي ويسميه وينسبه في مجلس حكمه وقضائه، وهو يلي القضاء لعبد الله فلان بن فلان، ويذكر لقبه، والناحية التي استقضاه عليها، ويذكر حضور من حضره، ونسخة الكتاب الذي ادعى عنده بما فيه، ويذكر بعد ذلك شهادة الشاهدين ولا يسميهما، بل يقول: رجلان عرفهما القاضي بما قبل معه شهادتهما، ثم يقول: فأنفذ القاضي الحكم بما ثبت عنده من إقرار فلان بن فلان بجميع ما سمي، ووصف في الكتاب المنسوخ في صدر هذا الكتاب بشهادة الشاهدين المذكورين فيه، وحكم به وأمضاه، بعد أن سأله فلان بن فلان ذلك، وقد جعل القاضي فلان بن فلان كل ذي حجة على حجته، ثم يشهد على نفسه بإنفاذ ذلك، ويؤرخ الكتاب بالوقت الذي يسجل فيه [فهذه] جملة في الشروط مقنعة. وإذا أضاف إليها علم الكاتب باختلاف الفقهاء والعلماء حتى يحتاط على ألفاظه، ويخرجها من الخلاف إلى الإجماع، فيحوطها من تأول يبطلها، وذلك مثل قولهم، لا شرط فيه ولا خيار، وقوله: وتفرقا جميعًا بعد عقد البيع بينهما عن تراض بذلك، وقوله: وتخابرا فيما وقع عليه عقد هذا البيع فثبتا على إمضائه؛ وإنما ذلك لما قد روي في باب الخيار من الاختلاف، وأنه قد جاء البيع صفقة أو خيارًا، وجاء أن الخيار إلى ثلاث، وجاء البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فقوله: لا شرط فيه ولا خيار يوجب الصفقة؛ وقوله: وتختاج بعد عقد هذا البيع فبما وقعت عليه عقدة هذا البيع، فثبتا على إمضائه يزيل الخيار في ترك الثلاث، وقوله: وتفرقا بعد عقده هذا البيع عن تراض منهما يزيل هذا التأويل في قوله: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فتكرار هذه الألفاظ قد أخرج البيع عن شروط الخيار كلها، وأوجب صحته، وكان مع
[ ٣٠٥ ]
علمه بمذاهب الفقهاء وخلافهم عالمًا بوجوه الكلام، مميزًا لما تحتمله الألفاظ الخواص والعوام، حتى يأتي في لفظه، ويعلم قوله بحراسة الشروط من الاشتباه في المعاني والاشتراك فيها، وذلك مثل استعمال كثير من أصحاب الشروط في موضع ذكر التسليم قولهم: بغير دافع ولا مانع، وظنهم أن غير لما كانت جحدًا في بعض أحوالها أنها تقوم مقام لا، وليس الأمر كذلك، لأن لا حرف جحد، ولا يجوز أن ينصرف في معناه في هذا الموضع إلى معنى آخر، وغير قد تكون بمعنى الكثرة، فيقال: لقيت فلانًا غير مرة وجاءني غير واحد من أصحابنا، بمعنى لقيته أكثر من مرة، وجاءني أكثر أصحابنا، فإذا قلت: بغير دافع جاز أن يحتمل معنى القول أنك [تريد] أكثر من دافع، وإذا قلت: بلا دافع [لم يجز] شيئًا من ذلك، فإذا فهم هذا الاشتراك والاشتباه، [وأخرج لفظه عن التأويل والاشتباه] وأخرج لفظه عن التأويل والاحتمال، مع إخراجه إياه عن الحادث الذي يوجبه الفقه كان بالكفاية موصوفًا، وبالحذق في صناعته معروفًا، إن شاء الله تعالى.
كاتب صاحب المظالم:
وأما كاتب صاحب المظالم فهو مثل كاتب القاضي في جميع أوصافه وعمله بواجب الكلام وممتنعه ومحتمله، ومعرفة الشروط وما يوجبه الحكم فيها، غير أنه لا يحتاج إلى الكتب والشهادات لأنه لا يحكم بشيء يسجل به، وإنما إليه أن يخرج الأيدي الغاصبة، ويثبت الأيدي المالكة، ويلزم الناس الحقوق بالخبر الشائع والشهرة والاستفاضة وشهادة صلحاء المجاورين، وأهل الخير من المستوردين، وليس إليه تعديل شاهد،
[ ٣٠٦ ]
ومتى تكافأت الشهادات عنده ممن هذه سبيله في الستر والخبرة، وتوازنت الاستفاضة والشهرة، حتى لا يوجد في أحدهما من القوة على صاحبه، ومشابهة الحق في بعض أحواله، ما يجوز له أن يغلب على الخير ويحكم به، وأعجزه مع ذلك أن يوقع بين الخصوم في منازعتهم صلحًا يرضون به ردهم إلى القاضي ليقطع بينهم المحادثة باليمين التي جعلت عوضًا من البينة، فليس بين كاتب صاحب المظالم، وبين كاتب القاضي كبيير فرق يذكر فنستقصيه.
كاتب الديوان:
وأما كاتب الديوان فيحتاج مع ما قدمنا من الأوصاف أن يكون جيد الفهم، صحيح الذهن، عارفًا بأحكام الديوان، غير جاهل مع ذلك بأحكام الديوان، غير جاهل مع ذلك بأحكام ذلك الحكام، ويكون مع هذا قد عرف أصول الأموال التي تحمل إلى بيت المال وأقسام وجوهها، وكيف كان السبب فيها، وأحكام الأرضين في وظائفها وأملاك أهلها، وما يجوز للإمام أن يقطعه منها ووجه تفرقة الأموال وسبيلها، وما يجوز في جميع ذلك مما لا يجوز، ونحن نذكر بابًا بابًا من ذلك بأخصر ما أمكننا فيه إن شاء الله.
وجه الأموال:
وجوه الأموال ثلاثة: فيء، وصدقة، وغنيمة، أما الفيء فمعناه ما رجع على المسلمين نفعه، وهو مأخوذ من فاء يفيء، بالعشي إذا رجع،
[ ٣٠٧ ]
ومنه قول الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ وهو ينقسم أقسامًا كثيرة، فمنه ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين مما يوجب في مدنهم بعد فتحها، فقسم بين المسلمين، فليس فيه خمس وذلك مثل كنز النخيرجان الذي وجد بعد فتح الأهواز وما يجري مجراه، ومنه ما أفاء الله سبحانه على رسله - ﷺ - من أهل المدن والقرى التي أجلاهم الرعب، فلم يقاتلوا، ولم يوجب عليهم بخيل ولا ركاب، فذلك لا يخمس ويفرق بين المسلمين كما ذكر الله - سبحانه - في سورة الحشر.
ومنه الأرضون التي صالح أهلها عليها بشيء يؤدونه في كل سنة، فذلك أيضًا فيء لا يخمس.
ومنها الأرضون التي فتحت عنوة، وأقرت في أيدي أهلها، وجعلوا عمالًا للمسلمين بها، وضرب عليهم فيها الخراج، كما فعل عمر - ﵁ - بالسواد، فذلك فيء لا يخمس. ومنه جزية رءوس أهل الذمة، وما يؤخذ من نصارى بني تغلب عوضًا عن الجزية. وأما الصدقة فليست تلزم عند الشيعة إلا في سبعة أصناف: العين، والورق، والبر، والشعير، والتمر، والزبيب، والمواشي السائمة. وأما غيرهم فنحن نذكر قوله.
[ ٣٠٨ ]
ومما يلحق بذلك الركاز وهو ما وجد من دفائن الجاهلية، وفيه الخمس وقاس أهل العراق المعادن عليه، وقال أهل الحجاز منها الصدقة معجلة. فأما الغوص، وسيب البحر فلا زكاة فيه على مذهب أكثر الفقهاء، ومنهم من يقيسه بالركاز، فالصدقة إذن ضربان: زكاة وخمس، والزكاة تجب في كل سنة إذا حال عليها الحول على المال، فإن كان ورقًا كان في كل مائتي درهم خمسة دراهم، وما زاد فبحساب ذلك، فإن كان عينًا ففي كل عشرين دينارًا نصف دينار، وما زاد فبحساب ذلك، وما نقص عن هذين العددين فلا شيء فيه، وليس عند الشيعة في المائتين إذا زادت زيادة على الخمسة الدراهم حتى تبلغ مائتين وأربعين درهمًا، فيكون فيها ستة دراهم، وكذلك ما زاد في كل أربعين درهمًا درهم، وما نقص عن ذلك فلا شيء فيه، وهو بمنزلة الأشناق والأوقاص وليس عندهم في الزيادة في العشرين دينارًا شيء حتى تبلغ ثلاثين دينار، فيكون فيها نصف وربع، وما زاد فبحساب ذلك، وما لا يجب الزيادة فيه ربع دينار فليس يلزم فيه شيء.
والتجارة فيها الصدقة بحساب ثمنها إذا كانت مما تجب فيه الزيادة، فإن بقيت سنين في يد صاحبها، فقد اختلف الناس في ذلك، فقال قوم:
[ ٣٠٩ ]
يزكيها لما مضى عليها من السنين، وقال قائلون: ليس عليه غير زكاة واحدة وهي المعمول عليه، وليس على الحلي زكاة إلا عند الشافعي وأهل الحجاز، ولا على المواشي العاملة غير السائمة، ولا على الخيل ولا على الحمير صدقة، وإنما الصدقة في الشاء والإبل، والبقر السائمة. وفي كل خمس من الإبل شاة، ثم ما زاد على ذلك ففي كل خمس شاة إلى خمس وعشرين، فإذا صارت ستًا وعشرين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، فإذا بلغت ستًا وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستًا وأربعين ففيها حقه إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها بنتًا لبون إلى تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت ففيها جذعتان، ثم بحساب ذلك في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وفي كل ستين جذعة ومن الفقهاء من يستأنف الفريضة بعد المائة والعشرين فيجعل في كل خمسين شاة إلى آخر الفرائض، وليس بين الأشناق صدقة، وهو ما بين الفريضتين في الإبل وواحدها شنق. وأما البقر ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، وما زاد فبحساب ذلك، والوقص في البقر مثل الشنق في الإبل، وهو ما بين الفريضتين. وأما الغم فليس فيما دون الأربعين صدقة، فإذا صارت أربعين ففيها شاة حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، فإذا بلغتها ففيها شاتان إلى مائتي شاة وشاة، فإذا بلغتها ففيها ثلاث شياه، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ أربعمائة، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه، وما زاد بعد ذلك ففي كل مائة شاة شاة.
[ ٣١٠ ]
فأما زكاة الأقوات فإن الفقهاء يقولون إن كل ما افتاته الناس من البر والشعير والذرة والحمص والعدس واللوبيا والدخن، وما أشبهه مما يؤكل ويعتمد في القوت عليه من الحبوب، أو يدخر من الثمار الجافة مما هو قوت كالتمر والزبيب ففي كل خمسة أوسق منه العشر، وفيما سقته السماء أو شرب بعلا أي بعرقه، وما سقى بالناضح والدولاب ففيه نصف العشر. والوسق ستون صاعًا، والصاع عند أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وعند أهل العراق ثمانية أرطال، وعند الشيعة تسعة أرطال، وقد ذكرنا قول الشيعة فيما يلزمه الزكاة عندهم من ذلك. وما كان من الأبازير مثل الشونيز، والسمسم، والخردل، ومن الفواكه مثل العنب والتين، والغبيراء، والعناب، والنبق، والفستق، والجوز فلا صدقة فيه. ومن الزكاة زكاة الفطر، وهي واجبة على كل مسلم من ذكر أو أنثى ممن قدر على أدائها، فمن كان حرًا بالغًا فعليه أن يؤديها عن نفسه، ومن كان عبدًا أو طفلًا أداها عنه مالكه أو وليه، وهي صاع من كل طعام يكون قوتًا للإنسان على مذهب أهل الحجاز والشيعة، أما أهل العراق فيخرجون في ذلك نصف صاع حنطة أو صاعًا، من شعير أو وبر، أو زبيب، ومن لم يجد فأدى ثمن ذلك على أعدل قيمة، أو أخرج خبزًا
[ ٣١١ ]
أو غير ذلك أجزاء على مذهب العراقيين والشيعة، ولم تجز عنه على مذهب أهل الحجاز.
فأما الغنيمة فهو ما غنمه المسلمون من عسكر المشركين، ففي ذلك الخمس؛ تجمع الغنائم فتقسم أخماسًا، فيأخذ للسلطان الخمس فيفرقه أخماسًا على ما رتبه الله - ﷿ - في سورة الأنفال فيجعل سهم الله والرسول للإمام، وأربعة أخماس، الخمس الباقية لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ويجعل باقي الغنائم لمن شهد الحرب فيقسم بينهم فيعطي الفارس سهمين، والراجل سهمًا على مذهب الحجازيين والشيعة، ويدفع على مذهب أهل العراق إلى الفارس سهم وسهمان لفرسه وإلى الراجل سهم.
حكم الأرض فيما يجنى منها:
أما من افتتح من الأرضين عنوة، فالإمام فيها مخير إن شاء قسمها بين أهلها المستحقين لها، وأخذ الخمس منها فقسمه على أهله، كما فعل رسول الله - ﷺ - في بني النضير، فإذا فعل ذلك صارت أرض عشر، وملكها أهلها، وكان ما يؤدون عنها صدقة، وإن شاء أن يقرها في أيدي أهلها بخراج يضربه عليهم، أو مقاسمة، أو معاملة إن كانت نخلًا وشجرًا، ويكون ذلك فيئًا يقسمه على أهل الفيء مع ما يقبضه من جزية رءوس أهل الذمة فعل ذلك، وقد أقر عمر - رضوان الله عليه - بمشورة من
[ ٣١٢ ]
الصحابة الخراج في أيدي أهله، وضرب عليهم الخراج لكل جريب درهم وقفيز، وأحسب ذلك قد كان رسمًا في أيام الإمام، فأقره عمر لأن زهيرًا وكان جاهليًا يقول:
(فتغلل لكم مالا تُغِلّ لأهلها قرىً بالعراق من قفيزٍ ودرهمِ)
وجعل على أهل الذمة الجزية طبقات، وإنما كانت تؤخذ منهم في أيام النبي - ﷺ - لكل حالم دينار قيمته من المعافر، فجعل هو الطبقة العليا أربعة دنانير، والوسطى دينارين، والسفلى دينارًا واحدًا. وللإمام أن يزيد في الخراج والجزية، ويقبض منها على حسب ما يراه أعمر للبلاد، وأرفق بالعباد، وهذا مذهب أكثر الفقهاء. وأصل أراضي العنوة للمسلمين مشاع بينهم، وإنما يتبايع الناس فيها السكنى، وقيمة الأبنية والنخل والشجر وغير ذلك.
فأما الأرض التي صالح عليها أهلها بشيء معلوم يؤدونه في كل سنة فهو على ما صولحوا عليه، ولا يزاد فيه عليهم ولا ينقصون منه، وعلى
[ ٣١٣ ]
الإمام أن يفرض ذلك على سائر الأرض، [ولا] يعدل بين عامرها وغامرها فيخفف عن الغامر ويزيد على العامر، ويتفقد ذلك في كل مدة من الأزمان، فقد يعمر الغامر، ويخرب العامر، فيرد فضل ذلك على بعض، حتى لا تضعف أحوال بعض رعيته، وهذا هو أصل القوانين في أرض الصلح، وهذه الأرضون لأهلها، يتبايعونها ويملكونها وإنما عليهم فيها وظيفة الفائين.
وأما الأرض التي أسلم أهلها عليها مثل مخاليف اليمن والطائف ففيها الصدقة، وكذلك المدن التي اختطها المسلمون مثل البصرة، وما شاكلها من جميع ذلك الصدقة من العشر ونف العشر كما ذكرنا [وهي]، ملك لأهلها؛ وقد اختلف الناس فيها إذا ملكها الذمي بعد المسلم، فقال قوم: عليه فيها العشر، لأن الحق إنما يجب على الأرض. وقال آخرون: بل عليه الخراج لأن الحق عليه في أرضه، وإنما وجب على المسلم الصدقة لأنها ممن يجري عليه حكم الشريعة، وأما ما جلا أهله عند فلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فالإمام أيضًا مخير فيه، إن شاء قسمه على سائر المسلمين، وإن شاء أقره وجعل غلته مقومة عليهم.
[ ٣١٤ ]
وقد فعل النبي - ﷺ - في خيبر - مثل ذلك. وأما الصوافي التي كانت للملوك الكفار هي للأمام يقطع منها ذوي البلاء وأولى العناء، ويستعين بلغتها في نوائب المسلمين، ويصرفها في مصالحهم، وقد اقطعت الأئمة مما جرى في هذا المجرى أشياء، وعلى المقطع لها فيها الصدقة، فأما ما خرج من هذا من أراضي العنوة أو الصلح أو العشر، أو ما لا يملكه الإمام؛ فإنما هو لجماعة المسلمين أو لأهله من أهل الذمة، وأهل العهد فلا يجوز إقطاعه.
وأما الأرض الموات، وهي التي لا مالك لها فهي لمن أحياها واستخرج لها شربًا، وعليه فيها إن كان مسلمًا الصدقة، وإن كان ذميًا، الخراج؛ ويجوز أن يقطع الإمام من أرض الموات قبل أن تحيا ما شاء لأنها لا ملك عليها لأحد، وكذلك أرض الجوامد والمعادن والقبوض والآجام والجزائر وما أشبه ذلك. وأما نصارى
[ ٣١٥ ]
بني تغلب فإن عمر - ﵁ - أعفاهم من الجزية، وضاعف عليهم الصدقة لأنه خشي مع أنفتهم من الصغر وإعطاء الجزية أن يصيروا إلى أرض العدو فيزيدوا في شوكته. وكان أمير المؤمنين - ﵇ - يقول: إن في فيهم رأيًا لو فرغت لهم.
فأما الوجوه التي تصرف فيها هذه الأموال، فإن الفيء لأهل هذه الآيات: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ إلى آخر الآية، ثم فسر أنها في كل زمان، ولكل قرن فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى آخر الآية فنص بهذه الآية، على المهاجرين فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ﴾ إلى آخر الآية، فنص بهذه الآية على الأنصار، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخر الآية فنص بها على كل من أتى بعدهم من المهاجرين، فليس أحد من المسلمين إلا وله في الفيء حق، ولم يزل مال الفيء في أيام الصحابة رضوان الله عليهم يحمل، فيقسم على المقاتلة والذرية والصغير والكبير، ويرضخ منه للعبيد وضربهم، ولا يجمع منه شيء إلا أن خولف ذلك
[ ٣١٦ ]
وجعل مال الفيء لأرزاق الجند، وجعل ما فضل عن ذلك مجموعًا في بيت مال المسلمين للحوادث والنوائب، فمال الفيء الآن في هذا الوقت لأرزاق الأئمة وأعوانهم وحلفائهم وحكامهم وعمالهم وللمقاتلة، ومن يجري مجراهم من سائر ولاة أمورهم وأموالهم، والفتوق التي تتفتق عنهم، فأما الصدقات فهي لأهل السهمان الثمانية التي نص عليها فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والفقير: الذي ليس له مادة وله قوت، والمسكين: الذي ليس له قوت؛ والعامل عليها: هو المتولي لجبايتها، والمؤلفة قلوبهم: هو المستمال إلى الإسلام الذي كفت أو خفيت عاديته وشره من وجوه المشركين والمنافقين وأهل الخلاف.
وقد ذكر قوم أن ذلك قد سقط وزال لظهور الإسلام؛ وقال آخرون إنه قائم ثابت، وأن للإمام أن يعطي من يريد تألفه من مال الصدقات ما رأى بغير ألا يتجاوز الثمن، وفي الرقاب: في فك الرقاب من الأسر؛ والغارمين: المغرقين بالدين إذا لم يستدينوه في معصية، أو كانوا قد حملوا حمالات في الدماء، واحتاجوا منها إلى أخذ الصدقة، وفي سبيل الله:
[ ٣١٧ ]
كل ما أريد به وجه الله من سائر وجوه البر؛ وابن السبيل: كل منقطع في بلد غربة فهو ابن سبيل، فهذه وجوه الصدقات التي يصرف ما لها فيها وليس لأهل الرسول - ﷺ - فيها شيء، لأن رسول الله - ﷺ - حرم ذلك عليهم، إذ كانت الصدقة أوساخ الناس، فنزههم عنها.
وأما الغنائم فإنها لمن ذكره الله - ﷿ - في سورة الأنفال حيث يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فتقسم الغنائم على خمسة أسهم: فيجعل أربعة منها لمن شهد الحرب من المسلمين، ثم يقسم الخمس خمس أخماس، فيجعل سهم الله لذوي الأمر للقائم بأمل الله بعد النبي - ﷺ - ثم يقسم أربعة أخماس الخمس بين ذوي القربى والمساكين وابن السبيل: وذوو القربى بنو هاشم، وبنو المطلب دون غيرهم من سائر بني بطون عبد مناف.
وقد زعم قوم أن الخمس يقسم على ستة أسهم، فيكون سهم لله - ﷿ - مفردًا عن سهم رسوله، ويكونان لذي الأمر، وهذا قول شاذ. وذكر آخرون أن سهم ذوي القربى قد سقط، وما ذلك بعجب من زعمهم، وكيف يسقط من بين سائر السهام، وأي آية نسخته، أم أي سنة أسقطته، وكيف يحرمونه وإنما جعل عوضًا لهم مما نزهوا عنه من مال الصدقات، والله المستعان. فهذه وجوه جبايات الأموال ووجوه تفرقها.
[ ٣١٨ ]
أحكام الخراج:
فأما أحكام الخراج فكثيرة لا يحتمل كتابنا هذا استيعابها ولا فرق ينها وبين سائر الأحكام إلا فيما نحن ذاكروه، وهو أن صاحب الديوان يحكم بالخطوط التي يجدها في ديوانه ويلزم من أسندت إليه بها الأموال إذا عرفت، والحكام لا يفعلون ذلك؛ ويمضي ضمان الثمار والغلات وأبواب المال، وسائر وجوه الجبايات، وذلك لا يمضيه الفقهاء والحكام، لأن تضمين الغلة قبل أن تحصد هي المخابرة التي نهى عنها، وبيع الثمار، قبل أن يبدو صلاحها هو بيع الغرر، وبيع ما ليس عندك، وقد نهى النبي - ﷺ - عنهما وحرمها.
وأبواب المال من الجوالي وغيرها أيضًا باطل، لأن الجوالي مال على رقاب بأعيانها تجب في أوقاتها على أعيانها ومتى مات الواحد قبل محل ما عليه أو أسلم بظل ما عليه.
ووجوه الجبايات من الأسواق والعراص والطواحين، وعلى الأنهار التي ينفرد بملكها إنسان من المسلمين دون سائرهم باطل أيضًا عند الحكام، وجميع ذلك جائز عند الكتاب، وعلى مذهب أحكام الخراج، والمتألهة من الكتاب يجلعون مكان تضمين الثمار المساقاة، ومكان تضمين الغلات تضمين الأرض، وكانوا يتأولون في ضمان الأرحاء أن ماءها ماء الخراج
[ ٣١٩ ]
فيجعلون الجباية خراجًا، وكذلك في الأسواق فإنهم كانوا يجعلون الهدية فيما لما كانت مشتركة بين سائر المسلمين كإخراج الذي منفعته لسائر المسلمين، وكذلك في سائر ما يحملون به من الأحكام المخالفة لأحكام الفقهاء وأصحاب المظالم، وإنما اختاروا أن يؤرخوا ضماناتهم بسنى الخراج لأنها أبدًا على حال واحدة، ولا ت دور فتصير شهور الشتاء فيها صيفًا، والصيف شتاء، لأنها جارية على حساب الشمس. فأما سنو العرب فإنها تدور للفصل الذي بين السنة الهلالية والسنة الشمسية، فتصير شهور الشتاء في بعضها صيفًا، والصيف شتاء، والربيع خريفًا، والخريف ربيعًا، فسنة الخراج أصح عندهم في أوقات الخراج وإدراك الغلات، وبلوغ الثمرات، ووجوب أموال الضمانات، ولذا استعمل متألهة الكتاب الاحتياطات في ضماناتهم بذكر سنة الخراج، وأن يقولوا بعد ذلك: ويوافق ذلك في شهور العرب شهر كذا من سنة كذا، فيكون ذلك ماضيًا على حكم أصحاب الدواوين والقضاة، وإنما كان أصحاب الدواوين يفعلون هذا في الأوقات التي كان العدل فيها فائضًا، والجور مستقبحًا، فأما الآن فقد سهل الأمر في ذلك، وألف الجور والظلم حتى ما يحتاج متأول منهم إلى تأول والله المستعان.
صاحب الشرطة:
فأما صاحب الشرطة فينبغي أن يعلم أن صاحبه إنما نصب لشيئين
[ ٣٢٠ ]
أحدهم معونة الحكام، وأصحاب المظالم والدواوين في حبس من أمروه بحبسه، وإطلاق من رأوا إطلاقه، وإشخاص من كاتبوه بإشخاصه، إخراج الأيدي أو إقرارها، والشد عليها ولذلك جعل له اسم المعونة؛ والآخر النظر في أمور الجنايات، وإقامة الحدود والعقوبات، والتفحص عن أهل الريب والعناد، والعبث والفساد، وقمعهم والأخذ على أيدي اللصوص والسرّاق، والمقامرين والفساق، وتعزيز من وجب تعزيزه منهم، وإقامة الحد على من استحق الحد منهم، وإنما اشتق له اسم الشرطة من زيه، لأن من زي أصحاب الشرطة نصب الأعلام على مجالس الشرطة، والأشرطة. الأعلام، ومنه قيل: أشراط الساعة أي أعلامها ودلائلها، فلما دل صاحب الشرطة على نفسه بالأعلام التي نصبها على موضع قعوده سمي بذلك. وشرطة الخميس الذين كانوا مع أمير المؤمنين - ﵇ - من هذا اشتق لهم اسمهم، لأن الجيش الخميس، ولما شهروا أنفسهم من بين سائر الجيش بالتبع له، وبالقتال معه، وصاروا أعلامًا في ذلك قيل شرطة الخميس.
فينبغي لهذا الكاتب أن يجعل له مع المعرفة بأحكام الله - ﷿ - في الحدود الويات والخراج والجبايات الرقة على المستورين وذوي الهيئات، والحرص على سير المسلمين من أهل المروءات، فقد جاء: أقيلوا ذوي العثرات عثراتهم، وأن يكون العفو أحب إليه من العقوبة ما لم تقم بينة على حد، فقد جاء: "ادرأوا الحدود بالشبهات، فأما إذا قامت بينة على وجوب حد فينبغي أن يحرص على إقامته، وألا تأخذه
[ ٣٢١ ]
رأفة لصاحبه، ولا تعطله رقة على مرتكبه، فإنه ليس بأرحم من الله - ﷿ - بعباده، ولا أولى بالتفضل عليهم، ولو علم الله - سبحانه - أن الصلاح في تعطيل الحدود ورحمة أهلها لما أمرنا بإقامتها، ولا قال: ﴿وَلا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، ولا قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ولا تحمله القسوة على أصحاب الحدود أو غيرهم من المفسدين على أن يزيد في حدودهم، أو يتعدى بهم أمر الله - ﷿ - فيهم، فإن الله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ وحسب الإنسان أن يقف حيث وقف به حكم الله، فلو علم الله - ﷿ - أن الزيادة في العقوبة على ما حد هو أروع لأهل المعاصي لزاد فيها.
وأقل الحد حد السكران، وهو أربعون جلدة، ثم إن عمر - ﵁ - جعله، ثمانين، وعليه الناس في هذا الوقت، والسكران هو الذي لا يضبط نفسه ولا يحصل شيئًا من فعله وقوله؛ ثم حد القاذف وهو ثمانون، وإنما يجب على من قذف حرًا أو حرين مسلمين، فإن قذف عبدًا أو أمة أو مشركًا لم يكن عليه حد؛ ثم حد الزاني والزانية، وهو - إن كانا بكرين - جلد مائة وتغريب عام، وإن كانا ثيبين فجلد مائة، والرجم على قول أهل العراق، والرجم وحده على قول أهل الحجاز والشيعة. والبكر من الرجال الذي لا زوجة له، ومن النساء التي لا زوج لها، والثيب من الرجال من كانت له زوجة مسلمة، والثيب من كان لها زوج حر مسلم.
ثم حد السارق وهو القطع ليده اليمنى إذا سرق من حرز وبلغت
[ ٣٢٢ ]
قيمة ما سرق ربع دينار فصاعدًا على قول أهل الحجاز والشيعة، وعشرة دراهم على قول أهل العراق. والقطع من الرسغ على قول الفقهاء جميعًا، ومن أصول الأصابع على قول الشيعة، وليس على مختلس ولا خائن قطع، وإذا قطع الرجل ثم سرق قطعت رجله اليسرى، فإن سرق لم يقطع على قول الشيعة وبعض الفقهاء، وخلد في الحبس، وقال آخرون تقطع يده اليسرى ثم رجله اليمنى.
ثم حد القاتل عمدًا وهو القتل إذا طلب أولياء المقتول القود، فإن عفوا وقبلوا الدية فذلك، ومن لا ولي له فللإمام إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية وعفا. وحد الجارح أو القاطع بعض أعضاء الإنسان عمدًا القصاص، العين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، كما قالله الله - ﷿ -. ولا يجب الحد إلا بإقرار أو بينة، ولا يقبل إقرار الزاني على نفسه حتى يشهد أربع شهادات، وكل من أقر على نفسه بما يوجب حدًا، وكان صحيح العقل قبل إقراره، وأقيم الحد عليه، فإن رجع وأكذب نفسه قبل أن يقام الحد عليه درئ الحد عنه، وإن قامت بينة بشهادة شاهدين في سائر الحدود، وبشهادة أربعة في الزنى أقيم الحد على من تقوم البينة عليه، فإن رجع بعض الشهود أو تتعتع وتوقف درئت الحدود، لأنا أمرنا أن ندرأها بالشبهات، فهذه جوامع ما في الحدود.
فأما الجنايات فهي تنقسم قسمين: عمدًا وخطأ، وقد ذكرنا ما في العمد بما أغنى عن إعادته، وأما الخطأ فينقسم قسمين: خطأ محض، وخطأ شبيه بالعمد؛ فأما الخطأ المحض فهو أن يرمي غرضًا فيصيب إنسانًا
[ ٣٢٣ ]
أو طائرًا فيقتل رجلًا، فهذا خطأ محض. فأما الخطأ شبه العمد فأن يقصد الرجل بالرمية وبالضربة اللتين ليس مثلهما يقتل فيموت، فذلك الخطأ الذي يشبه العمد، وفيه وفي العمد إذا عفي عن القود مائة من الإبل أثلاث: ثلاثون حقه، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة وتسمى هذه الدية المغلظة. وعلى القاتل خطأ بعد الدية الكفاءة، تحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين. وفي المحض مائة من الإبل أخماسًا: فعشرون منها حقاق وعشرون جذاع، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون وعشرون بنو لبون. وديات النساء على النصف من ديات الرجال، وديات أهل الكتاب على الثلث من ديات المسلمين، ودية المجوس، وعابد الوثن ثلثا عشر الدية، والدية على أهل العين ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم عند قوم، وعند قوم آخرين اثنا عشر ألف درهم، وفي الرقيق قيمتهم. ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا حر بعبد، ولا والد بولد، ويقتل الذكر بالأنثى في قول جميع الفقهاء، إلا الشيعة فإنهم يأخذون نصف الدية من أولياء المرأة، ثم يقتل الرجل، وقولهم في ذلك أقيس، وإن كانوا لا يلون القياس. وكل شيء في بدن الإنسان منه واحد كالأنف والذكر وما أشبه ذلك ففيه إذا جنى عليه بصلمه الدية كاملة، وكل ما كان أكثر من واحد فبحساب ذلك، ففي فرد العين نصف الدية، وفي الأذن الواحدة نصف الدية، ومن أبطل على الإنسان نظره، أو سمعه، أو لسانه كان في ذلك الدية وإلا فبحساب ما يسمع في الحروف أو يبينها بلسانه، أو بحساب ما ينظر. والأصابع والأسنان بحسابها، فيكون في كل واحد من الأصابع خمس من
[ ٣٢٤ ]
الإبل، وفي كل واجد من الأسنان ثلاث من الإبل، وبعض الفقهاء يجعل في أصابع اليدين الدية كاملة، وفي أصابع الرجلين الدية كاملة، ويحسب على ذلك، فيكون له بكل إصبع عشر من الإبل. والشيعة تجعل الدية في الأصابع والأسنان على قدر المنفعة فيفضلون بعض ذلك على بعض، وهو في كتب الديات المنصفة للملكي ولحسين بن سعيد، وغيرهما مبين، وكل ما تعمده صاحبه من ذلك ففيه القصاص، والحد فيما يجب فيه الحد، وعلى صاحب الشرطة أن ينهيه إلى الإمام فإذا أمره أن يقيد أو يقتص فعل ذ لك، وتجري الحق في القصاص وتحريره من الخطأ فيه وسير الجراح بالأميال وغيرها حتى يوقع القصاص على حقيقته، أو على غاية ما يمكنه من الاجتهاد في إصابته وكل ما لا دية فيه من خدش وشجة وغير موضحة ففيه حكومة، والشجاج التي لا دية فيها وهي دون الموضحة: الدامية، والباضعة، والخارصة، والدامغة. والتي فيها الدية. والموضحة وفيها خمس من الإبل، والهاشمة. والمأمومة وهي التي تبلغ إلى أم الدماغ، والجائفة ثلث الدية في كل واحدة منها.
[ ٣٢٥ ]
أقل من الحد على مذهب أكثر الفقهاء، وقال مالك: ذلك إلى الإمام إن شاء زاد في الحد، وإن شاء نقصه، هذا ما فيه الحدود والديات والقصاص في الجنايات.
وينبغي لصاحب الشرطة أن يرسم بكل ربع من أرباع عمله صاحبًا له، عفيف الطعمة، عارفًا بأحكام الشرطة، ويقرن به عارضًا يكتب قصص المرفوعين إليه، وفي أي شيء رفعوا وأي صاحب مسلحة رفعهم، ويعمل ما يجتمع من هذه القصص التي يرفعها عراض الأرباع إليه في كل يوم جامعًا يعرضه على من فوقه من أمير أو إمام، فيوقع تحت ذكر كل رجل فيما يراه في أمره من تأديب أو حبس أو إطلاق أو إقامة حد إن كان الموقع إمامًا، وأن ينسخ هذه الجوامع والقصص والتوقيعات وما يخرج بها من الإمام من إقامة حد، أو إيقاع قصاص في ديوان الشرطة، وكذلك ما يخرج من صلح بين المترافعين، ومبارأة من مطالبة، فإن الذي يثبت من ذلك في مجلس الشرطة نظير ما يثبت من المحاضر، ونسخ السجلات في ديوان الحكم. وليس ينبغي لصاحب الشرطة أن يقدم بالتعزيز إلا على من عرف بالريب وألف منه العبث، وكان قد عرف غير مرة في مثل ما اتهم به فأما المقامر والشاطر والمؤاجر ومن يجري مجراهم من نباذ وخمار وقواد فيعزرون ويؤدبون وينهون عن المعاودة، فإن عاودوا حبسوا، وإذا تابوا وضمنوا ألا يعودوا أطلقوا ولا ينبغي له أن يحبس أحدًا بقذف ودعوى
[ ٣٢٦ ]
إلا إذا كان ظنينًا في خيرته متهمًا عند أهل الخبرة، فهذه جمل ما يحتاج صاحب الشرطة وكاتبه إلى استعماله في عملها.
كاتب التدبير:
وأما كاتب التدبير فهو ويزر السلطان، وأخص أصحابه به، ولولا الرعية لم يكن سلطان ولولا العامة لم تعرف الخاصة، ومنزلة السلطان من رعيته كمنزلة الروح من جسدها الذي لا حياة له إلا بها، ومنزلة الرعية منه كمنزلة الجسد الذي لا يظهر للروح عمل إلا فيه، فحاجة الرعية إلى صلاح سلطانها كحاجة الجسم إلى بقاء روحه، وحاجة السلطان إلى إصلاح رعيته كحاجة الروح إلى صحة جسدها، والدين والسلطان مربوطان كل واحد منهما بصاحبه، فلولا ما أمر به الدين من طاعة السلطان لكان أمره واهيًا، ولولا ما عليه السلطان من أخذ الناس بشرائع الدين لكان الدين متروكًا، فمتى دخل الدين خلل وهي من السلطان بقدره، ومتى عرض من السلطان وهن ضاع من الدين بحسبه، وكذلك قال أردشير في عهده: اعلموا أن الملك والدين أخوان توأمان لا بقاء لاحدهما إلا بصاحبه، فالدين أس والملك حارس إلى آخر الكلام. وليس يكون السلطان عزيزًا إلا بالأعوان، ولا تستقيم طاعة الأعوان إلا بالكفاية، وإلا كانوا مسلطين أو مسخرين، والضرر بهذين الصنفين أكثر من النفع، ولا يتهيأ أن يكفوا إلا بالأموال، ولا تكثر الأموال وترخوا إلا بعمارة البلدان ولا تعمر البلدان إلا بالعدل، ولا يكون العدل تامًا حتى تكون نية السلطان في صلاح رعيته كنيته في صلاح جسده، بل يكون في بعض أحواله مؤثرًا لصلاحها على صلاحه، فقد قال أردشير. "وقد كان من الملوك قبلها: من كان صحة ملكه أحب إليه من صحة جسده، "ومن أولى ما ينظر السلطان فيه اختيار الوزير الصالح
[ ٣٢٧ ]
فإن أعماله واسعة، وأشغاله كثيرة، ومتى أراد مباشرة جميعها بنفسه أوضاع أكثرها، فقد قيل: إذا ألزم الراعي نفسه مباشرة ما ينبغي أن يفرضه إلى الكفاءة، وفوض ما ينبغي أن يباشره بنفسه إلى غيره ضاع أمره، والسلطان يزيد برأي وزيره استبصارًا كما يزيد المصباح بالدهن ضياء، وإنما يظفر للسلطان من الراحة واللذة والأمن والاستبانة بمقدار ما يظفر به من الوزير الصالح، ولو لم يكن في البيان عن الحاجة إلى الوزير الصالح إلا قول موسى - ﵇ - وهو نبي، ويكلمه الله - ﷿ - وحيه، ولو استغنى أحد عمن يؤازره لا يستغني هو لموضعه من ربه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾. وليس ينبغي للسلطان أن يختار من الوزراء إلا الذي يجمع مع الصلاح أدبًا وحكمه، ومع العقل تجربة وحنكة ومن يجري على عرق في الخير معروف، وديدن في ذلك من آبائه مألوف، وأن يكون من بيت رياسة، فإن ذلك مما يعنيه على صحة السياسة، لأن العروق عليها ينبت الشجر، وقل أصل طاب إلا طاب فرعه. فإن اتفق له من يجمع الفهم والدراية بنفسه، وينزع إلى رياسة في أصله، فقد تم له ما يريده، وإلا طلب من يجتمع له العقل والدراية، ولا عليه ألا يكون من أصل شريف، ونسب معروف، فإنه قد يكون الإنسان بفضله نسبًا لمن بعده من أهله، ويكون آخر شين أصله فضيحة لمن ساد من أهله، وأن يكون من ذوي المودة للسلطان والاعتقاد لولايته، ومن لا يذيع له سرًا، ولا يحابي في رأي يراه صوابًا له أحدًا، فإذا وجد ذلك فوض إليه، واعتمد عليه. وينبغي للوزير أن يعلم أن الله - ﷿ -
[ ٣٢٨ ]
قد أعطاه منزلة لم يعطها أحدًا بعد السلطان غيره، فيقابل نعمة الله عنده في ذلك بما يستحقه من الشكر عليها، وتأدية الأمانة فيها إلى أهلها، فإنه يجمع بذلك الفوز عند الله - ﷿ -، والذكر الجميل في العاقبة، وإن كان ممن [لا] يعتقد إمامة من سلطانه، ويرى أنه غاصب على ما في يده، فليس اعتقاده ذلك مما يطلق له غشه، ولا يرخص له في ترك نصحه لأحوال منها:
أنه قد قبل نعمته، وشاركه في أمره فوجب عليه المكافأة على النعمة، وأن يعلم أن وزره في معاونته، والدخول معه فيما غضب عليه، أعظم من الوزر في تأدية الأمانة إليه؛ ومنها أن الله ﷿ قد أمر بتأدية الأمانات إلى أهلها أمرًا عامًا، لا يجوز تخصيصه إلا ببيان منه. وقد روي عن الصادقين - ﵈ - ما يدل على أن الأمر بذلك عام، وهو قولهم: أدوا الأمانة ولو إلى قتلة أولاد الأنبياء؛ ومنها أنه لا بد للناس مع فقد أئمة العدل من السلطان، لأنهم لو فقدوا السلطان مع عدم الأئمة لأكل بعضهم بعضًا، لكن مثل السلطان وإن جار، كمثل المطر الدائم الري، وإن كان يضر بالأبنية، ويقطع المسافر وذا الحاجة، فما ينفع الله به من إخراج الثمرات، والزيادة في الأقوات أكثر. وقد روي عن أمير المؤمنين - ﵇ - أنه قال في حديث طويل، ولابد من إمارة برة أو فاجرة"، قيل له: هذه البرة قد عرفناها، فما الفاجرة؟ قال: "يقال بها العدو، ويجبى بها الفيء، ويؤخذ بها على يد الظالم" في قول كثير قبل ذلك وبعده. ثم إن الوزير محتاج إلى معاملة طبقات من الناس، فمنهم سلطانه، ومنهم حكامه، ومنهم جنده، ومنهم عماله، ومنهم خاصته،
[ ٣٢٩ ]
ومنهم رعيته، وأوصاف بعض هؤلاء تخالف أوصاف بعض، ولكل طبقة معاملة غير معاملة الطبقة الأخرى.
معاملة الوزير لسلطانه:
أولى ما ينبغي أن يعامل به السلطان توقيره وتعظيمه، والشكر له على ما رفعه إليه بالنصيحة له، والتقرب إلى قلبه بكل ما يجد السبيل إليه، مما لا يثلم دينًا، ولا يسقط مروءة، والصبر على ملازمته، والاجتهاد في خدمته، ثم عليه إذا رآه قد أراد أمرًا وأمر به وكان صوابًا أن يشجعه عليه، ويزينه له، ويبصره بما فيه من الذكر الجميل، والقول الجزيل حتى يزيد علمًا بصواب رأيه، وسرورًا بما وفق له، وإذا رآه قد أراد أمرًا أو أمر به، وكان خطأ عنده بصّره ما في عواقبه من الشين، وما في تركه من الزين، ويبين له الخطأ فيه بأبهى خطاب وأرفقه، فكما أنه ليس له أن يكتمه النصيحة، وإن خالف هواه، فكذلك ليس له أن يخرج كلامه في ذلك مخرج التأديب له، والتقويم، فإن الوزير العاقل لو شاء أن يبصر بسلطانه جميع عيوبه بالأمثال التي يضربها، والعيوب التي يذكرها من غيره حتى يعرف عيبه بعيب غيره، لفعل، وقد قيل:
من كتب السلطان نصحه والأطباء مرضه، والإخوان سره، خان نفسه وروي عن رسول الله - ﷺ - وقوله أحق بالتقدمة: "إنما الدين النصيحة لله ولرسوله ولذوي الأمر وكافة المسلمين".
معاملة حكامه:
وأما معاملته ح كامه. فأول ذلك أن يختار منهم ذوي العلم والسنن
[ ٣٣٠ ]
والفرائض والأمر والنهي والحظر والإباحة، وأولى المعرفة بدقائق الأحكام وأصول الحلال ولا حرام، والعلم بما توجبه أقسام الكلام، وينتخب ممن هذا وصفه من هو معروف بالستر والصيانة، والعدل والديانة، فيذكره لسلطانه، ويشير عليه باستكفائه الحكم بين رعيته، ثم يعهد إليه من السلطان بألا يحتج عن الناس، وأن يكون مجلسه متوسطًا لمصره، وأن يعدل بين الخصمين إذا حضراه في نظره إليهما، وخطابه لهما في مجلسهما، ولا يقلقن أحدهما حجته، وألا يفتى في علمه، وأن يتجنب القضاء في الأوقات التي يتغير فيها طبعه بغضب أو هوى أو جوع أو عطش أو نعاس أو شبق، وألا يعجل الحكم في الشيء حتى يتبين الحق فيه، فإذا أتاه ما يتشبه الحكم فيه عليه، شاور الفقهاء فيه، وأخذ بآرائهم، ولم يستغن برأيه عنهم، وإن لم يجد عندهم في ذلك ما يقنعه، ويليق بالحق والصواب عنده أنهاه إلى السلطان، وأخذ فيه برأيه، وإن جعل في العهد آيات من كتاب الله - ﷿ - في الأمر بالعدل، والزجر عن الجور كان ذلك أحسن وأوكد إن شاء الله. ثم ينبغي أن يعلم الحكام منه شدة في ذات الله ﷿، وحرصًا على إقامة الحق، وإنصاف المظلوم، وظلفًا عن أموال الناس، وأن يوقر في نفوسهم أن المحمود منهم عنده من ظهرت عفته، وطابت طعمته، وحسنت سيرته، وثبتت أمانته ونزاهته، وبرئ من معاملة الهوى، وترك الرشى ثم إن ظهر أن أحدًا من حكامه على طبقاتهم التي صنفناها من القضاء وأصحاب المظالم، وكتاب الدواوين، وأصحاب الشرط جار حكم، أو مال مع خصم، أو خرج مما جعل إليه، أو تعداه إلى غيره نكل به وجعله أدبًا لغيره، وعظة لمن بعده
[ ٣٣١ ]
ثم لم يستعن به في شيء من أمره، فإذا فعل ذلك أوشك أن تستقيم طرائقهم وتصلح خلائقهم، ولا يميل بهم الشر إلى إسقاط أنفسهم.
معاملة الجند:
وأما معاملته الجند فينبغي أن يختار منهم ذوي البطش والقوة، والحيلة والحنكة، ممن قد عرف الحرب وجربها، ومارسها وصُلي بها ممن يحسن حمل السلاح ويعمل به، ويضع الإقدام موضعه، والانحياز موضعه، ولا يجمع به الغضب والبسالة إلى التهور في الهلكة، ولا يحمله حب الحياة على الفرار، والرضا بما يورث العار، فإذا ظفر بمن هذه صفته تمسك به، وقدمه على غيره من جنده، وإن ظفر بمن له الجلد والقوة، ولم تكن له الحنكة والتجربة، قارن به ذوي الحنكة وأمره أن يطيعهم، ويتصرف في أمرهم، فإن أمير المؤمنين - ﵇ - قال: "موقف الشيخ في الحرب أعجب إلي من مشهد الغلام". وإن ظفر بذي الحنكة والتجربة والرأي والمكيدة، وكان عادمًا للجلد، جعل بين يديه من هذا الصنف من يتدبر بتدبيره، ويتصرف على إرادته، لتجتمع له الحالان من جماعة إن عدمها من واحد. ثم ينبغي له أن يجمل الغرض في سياستهم، أن يجتمع له في صدورهم المحبة والهيبة، وأن يكون بعضهم في موافقة بعض، والتآلف معه كأعضاء الجسم في تآلفهم وتعاونهم، وأن يتفقد من أمورهم ما يعود عليهم بفضله، ويكفون به مئونة أنفسهم، ومن يلزمهم أمره، وأن يزيد ذا البلاء منهم، والطاعة في مرتبته ومنفعته، ليستدام بذلك ما حمد منه، وارتضى من فعله، وينافسه من لا له فيما يرى من الزيادة والمنفعة
[ ٣٣٢ ]
فيباريه في إبلائه، ويسابقه إلى رضا سلطانه، ومتى أساء واحد منهم أو قصر تلقاه بالاستيعاب الرقيق، والاستصلاح الجميل من غير اعتبار ألته، ولا كف لغامض عورته، فإنه لا يصلحهم من لا يغضى عن فلتات زللهم، من حيث لا يملي لهم، ويزاد في احتمالهم، فيعود بذلك بتمرنهم على الخطأ، وتجرئتهم على ركوب الهوى، ولا يستفرغ وسعهم حتى لا يكون لهم جمام يمترى به نشاطهم، فيكل بذلك حدهم، ولا يزيد عليهم في ذلك حتى يصير فراغًاَ يدعوهم في ذلك إلى استعمال ما فيتنهم ويفسدهم، وألا يؤخر عنهم أطماعهم في وقت حلولهم ليقطع بذلك عذرهم، ويستقيم به أمرهم، وأن يقبض أيديهم عن ظلم الرعية وأخذ أموالها، والتنزل عليها، والتعرض لأولادها وحرمها، ويعرفهم إنما أقيموا لحماية الناس من مثل هذه الأحوال.
ثم متى ظهر أن أحدهم قد قارف شيئًا من ذلك، أو فعله أحسن تأديبه ليرتدع به غيره، ثم ليكن أول تدبره في حروبه حروبه كتمان سره وتحصينه من سائر أهل عسكره، حتى لا يقف له عدوه على خبر، [وعليه] بإذكاء العيون والجواسيس على عدوه، حتى لا يخفى عليه أثر، ثم ليجعل الحذر رأس مكيدته، ولا يغتر بضعف من عدوه، فإن صرعات الاغترار لا تستقال، وليستعد له بأكثر من قدره، فإنه إن لقيه صغيرًا
[ ٣٣٣ ]
وقد أعد له كثيرًا لم يضره ذلك، وإن وقع الأمر بضد ذلك فلا خفاء بما يلحقه منه. ولينتهز الفرصة إذا أمكنته، فإنها تمر مر السحاب، كما قال أمير المؤمنين - ﵇ -: "قلّ من ضيع فرصة قد أمكنته وأخرها حتى تفوته، فظفر بمثلها"، واعلم أن التأني عند إمكان الفرصة يعود من الضرر بمثل ما تعود به العجلة قبل إمكانها، وليأخذ بالأناة ما استقامت، ولا يعجل بمناجزة العدو ما وجد إلى الحيلة سبيلا، فإن أهنأ الظفر ما كان بالمخاتلة دون المخاطرة، وأحزم الناس من لم يلتمس من عدوه القتال، وهو يجد إلى غيره سبيلا، وقد قيل: إذا كان وزير السلطان من يأمره بالمحاربة فيما يقدر فيه على حاجته بالمسالمة، فهو أشد عداوة له من عدوه. ولا ينبغي أن يضجر بمطاولة عدوه، والإبطاء عن لقائه، حتى تمكنه الفرصة، وتبدو له العورة، وليكن الظفر بالطاعة أحب إليه من الظفر بالغلبة، فإن في ذلك وفور أصاحبه وسلامة دينه، وإذا ظهر على عدون، وضع أوزار الغضب عنهم، مع أوزار الحرب، وتبدل بالقسوة رحمة، فإنهم يصيرون حينئذ رعية بعد أن كانوا مقاومين. ولا يقاتل عدوه إلا بعد (الإعذار) إليه، وإقامة الحجة عليه، وتبصيره الخطأ فيما ركبه، فإن قبل وأناب سر برجوعه، وتقبل ذلك منه، وإن أبى وأصر وأقام على الشقاق حاربه؛ فإن كان العدو من المشركين فالسنة في قتاله بعد الدعاء والإعذار ألا يقبل منهم غير الإسلام، فإن اسلم وإلا قوتل حتى يقتل أو يظفر به، فإذا ظفر به كان الإمام بالخيار
[ ٣٣٤ ]
في أمره إن أحب قتل، وإن أحب فادى، وإن أحب منّ، وكل ذلك قد فعله رسول الله - ﷺ - وكانت نساؤهم وذراريهم رقيقًا للمسلمين. وإن كان العدو من أهل الكتاب لم يقبل منه غير الإسلام، فإن أبى طلبت منه الجزية عن يد وهو صاغر؛ فإن أباها قوتل حتى يقتل أو يظفر به، ومن أسر منهم وسبى من حرمهم وذراريهم فسبيلهم سبيل من قبلهم.
وإن كان من المتلصصة، وقطاع الطريق ومن جرى مجراهم من المحاربين على غير تأويل، فالسنة في قتالهم بعد الوعظ والزجر أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يظفر بهم، فإن تابوا من قبل أن يقدر عليهم عفا عنهم، وإن لم يفعلوا حتى ظفر بيهم لم تقبل توبتهم، وكان الإمام مخيرًا في قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو قلتهم، أو صلبهم، أو نفيهم من الأرض، وهو على قول كثير من المفسرين تخليدهم في الحبوس. وليس للمسلمين أن يسترقوا ذراريهم، ولا أن ينكحوا نساءهم، لأن الشهادة وظاهر الملة تجمعنا وإياهم.
وإن كان من البغاة والمتأولين على الأئمة وعظوا، فإن فاءوا قبل منهم، وإن لم يقبلوا الوعظ استأنى بهم حتى يبدأوا بالقتال، ويجاهروا بالخلاف وحمل السلاح، فإذا فعلوا ذلك وبدروا بالقتال قوتلوا حتى يكفوا عن بغيهم، ومن أسر منهم أطلق، ولم يتبع منهم مدبر، ولم يجهز على جريح.
[ ٣٣٥ ]
وليكن الوزير في حروبه على غاية الأكماش، والإقبال على النظر في وجوه الحيل والتدبير اللذين يصرف بهما عن نفسه ورعيته المعرة، ويوقع بهما على عدوه المضرة، وترك التشاغل عن ذلك بلذة أو بنوم، فليس أخو الحرب بالنؤوم ولا السئوم، وإنما يضيع في هذا الباب إذا أضاع الحزم فيه لنفسه وخاصته، وسائر من تحت يده، فهذه جملة ما ينبغي للوزير أن يسوس بها جنده، ويجري عليها أمره في حربه.
معاملة الوزير للأعوان والعمال:
وأما معاملته الأعوان والعمال فأول ذلك أن يختارهم في أماناتهم وثقتهم وعملهم بما يسند إليهم، ودربهم فيه حتى يكونوا أفضل من ييسره الوقت إليه من نظرائهم، وألا يؤثر بالعمل من وجب حقه وتأكده حرمته إذا لم يكن منه كفاية من عمله، بل يسع هذا الصنع من الناس ماله، فيقضي به حقوقهم عنه، ولا يضيع أمر سلطانه بأن يسندها إلى من لا يضطلع، وليكن من يختاره من الكفاة ذوي النزاهة والطب دون ذوي الشره والنطف وليكن باختيارهم أعنى منهم بجمعهم، فإن زجاء الأعمال ليس بكثرة الأعوان، ولكن بصالحي الإخوان، وليس ما ينفع بالأعوان حتى يكونوا لمن هم معه وأدين، وعلى نصيحته مثابرين، ولا ينتفع بالمحبة والنصيحة
[ ٣٣٦ ]
إلا مع الرأي والعفة. وأعمال السلطان كثيرة، ومن يحتاجون إليه فيها من العمال كثير، ومن يجمع لهم كل ما يحتاجون إليه قليل. والوجه الذي يستقيم به تدبير الوزير في أمرهم أن يعرف ما عند كل واحد منهم من الرأي والغناء والأمانة، وما فيه من العيوب، ثم بوجه لكل عمل من أعماله من قد عرف أن له من الرأي والقوة ما يحتاج إليه في ذلك العمل، وأن ما فيه من العيب لا يضر به وأن يتفقد أمورهم بعد ذلك حتى لا يخفى عليه إحسان محسن، ولا إساءة مسيء، ثم عليه ألا يدع محسنًا بغير وثاب، ولا مسيئًا بغير تأديب وعقاب، فإنه إن ضيع ذلك منهم تهاون المحسن واجترأ المسيء، وفسدت الأمور؛ وأن يتهم بعضهم على بعض، ويعرف مخرج النصيحة من مخرج السعاية، فقد تتشابه مخارجها على من لم يلطف ليتميز ما بينهما، ومتى وجد بعض أصحابه طريقًا إلى إهلاك بعض أو تهجينه أو تغطية محاسنه لم يأل في ذلك جهدًا، إما للبغي والحسد، وإما للمنافسة في المحل، وليعلم عماله منه أن الخير لا يصاب من جهته إلا بالمعونة على الخير، وأن الشر لا يلحقهم من جهته إلا بالمعونة على الشر، فإنهم إذا علموا ذلك منه وافقوه عليه، وتصنعوا به له، والمتصنع خير من أنت واجده بعد الموافق ثم ليعلم أنه ليس من أحد خلا من العيوب ولا من الفضائل، بل في كل واحد من الآخرين جميعًا منافسون له فلا يطرح ذا العيب الواحد حتى لا يستعين به، ولا يخشى ذا الفضلة حتى يركن إليه، بل يتوفى عيب هذا، ويستمتع بما فيه من الفضائل، ويستمتع بفضل هذا ويتقي
[ ٣٣٧ ]
ما فيه من العيوب، وليعلم أن كثيرًا من الأعوان والعمال ربما تجمعوا عند السلطان لجمع المال وتوفيره، وركبوا في ذلك ظلم أهل الخراج فبالإغضاء لهم، والإحسان إليهم، والعدل عليهم يتوفر ماله، وبالتقصي عليم، والظلم لهم يكن ذهابه، فمن تزين عند سلطانه بما يخرب به مملكته ويفسد من أجله سلطانه، ويقرب إليه بعاجل يفسد به الآجل، فإن عقوبته الإبارة به، وقد كانت الأكاسرة تقتل أمثال هؤلاء، وتقطع أيديهم وأرجلهم، وتمثل بهم، وكان المأمون يقول: ما استغزر الفيء بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الجور فمن وجد من عماله قد أتى من ذلك ما وصفناه، فإنما أتى بما يعود بالضرر على الكافة، وتنتقض به عرا المملكة، فليبالغ في عقوبته وتأديبه، ومن رآه مستقصيًا لحقوق عمله من غير إضراب رعيته ولا تحيف لمن تحت يده، مؤثرًا للعدل، عاملًا بما يعود بالعمارة وصلاح الأحوال، ورفاهة العيش، فليعلم إنما حلب حلبًا للسلطان شطره، وعمل بما يعود عليه في سلطانه نفعه، فليحسن إليه، وليتبين جميل أثره عليه، فهذه جملة ما ينبغي للوزير أن يسوس به عماله.
فأما نظره في أمور الأموال، فهو أن يطالب منها بالواجب دون ما لا يجب، وألا يرهق الرعية في المطالبة بها بل يتحلبها، وقبل ميسورهم فيها، فإن ذلك أردم للأحوال، وأرجى للأموال، فقد نرى الحالب إذا ألح في الحلب انقطع اللبن، وإذا ترفق لم
[ ٣٣٨ ]
يزدد الضرع مع الحلب إلى غزارة. وإذا صار المال إليه أحسن تقديره وابتدأ بإزاحة علل السلطان في نفقاته ومئونته، وجميع مصالحه، ثم ثنى بالأعمال (بين) الجند والحكام والكتاب والعمال وسائر الأولياء على طبقاتهم ومراتبهم فأزاح عللهم، ووقاهم حقوقهم، ثم قبض لنفسه، ولمن في جملته ما رسمه سلطانه له، ثم جعل ما يفضل من ذلك عدة لفتق ينفتق على المملكة من عدو محتاج إلى محاربته، أو فتق تدعو الضرورة إلى سده، أو بلد يطيف به العدو فيحتاج إلى تحصينه، أو ما أشبه ذلك.
الصدقة:
وأما الصدقة فأربعة أخماس: الخمس في الغنائم، فلا تقع في يده على شيء منها إلى ريثما يصرفه إلى أهله، ويفرقه في سبيله، وليجعل ما ينفقه أقل مما يجتنيه، فإنه متى كانت نفقة الإنسان أكثر من دخله عد فقيرًا، والسلطان من أحوج الناس إلى ضبط ماله، وتقدير ما فيده وينفقه، فقد تكون الرعية بلا مال، ولا يكون السلطان بلا مال، وجماع أمر المال أربعة أشياء وهو:
فائدته من أجمل وجوهه، ثم حفظه، ثم تثميره، ثم إنفاقه فيما يعود بعاجل النفع وآجله، فمن أضاع شيئًا من هذه الاربعة الوجوه لم يستقم له أمر ماله، إن هعو لم يفد لم يكن له مال، وإن أفاد من الجهات المذمومة لم يكن ما يعتقده عوضًا من سوء الثناء وغليظ الجزاء، وإن أفاده من الجهات المحمودة، ثم لم يحفظ ما يفيده أو شك أن يبقى
[ ٣٣٩ ]
بغير مال، وإن حفظه ولم يثمره لم تمنعه قلة النفقة والتقتير فيها من سرعة الفساد، كالكحل الذي إنما يستعمل منه مثل الغبار وهو مع ذلك سريع فناؤه لبثه، وإن هو أفاد وحفظوا ثمر ولم ينفق كان الفقير الذي لا مال له، إذ ليس يصل إليه من نفع ماله شيء في عاجله ولا آجله، ولم يمنع ذلك ماله من أن يفارقه، ويذهب عنه كالماء الذي يجتمع من مسيل الأودية والأشجار، فإذا لم يكن له مغيض يخرج منه بمقدار ما ينبغي تحلب وسال من جوانبه، وربما انبثق منه البثق العظيم، فذهب الماء ضياعا.
والذي به فائدة السلطان عمارة البلاد، وغزو الأمم المخالفة، فإن بعمارة البلاد يكثر الفيء، وبالغز وتكثر الغنائم. وأما الوجوه المحمودة فهي لزوم العدل في جميع ذلك، وشريعة الدين. وأما التقدير في النفقة فأن يكون الإنفاق دون الفائدة، فهذا أصل ما يتوفر به مال السلطان ويستقيم عليه حاله إذا ساس به الوزير أمره.
معاملة الوزير لخاصته:
وأما معاملته لخاصته، فإن خاصة الوزير أربعة، وهم: صاحب سره ومشورته، وصاحب خبره، وكتابه، وحاجبه. أما صاحب السر والمشورة فينبغي أن يكون أوثق أصحابه في نفسه، وأشدهم مشاركة له، وصحبته لا تقتصر منه على المحبة والمشاركة حتى يكون ممن يجمع معها رأيًا وجودة معرفة، واجتهادًا في النصيحة. فقد قيل: شاور نصيحًا أو عاقلًا،
[ ٣٤٠ ]
وأنا اقول: ولا تشاور إلا من جمع النصيحة والعقل، فإن نصيحة من لا عقل له غير نافعة، وعقل من لا نصيحة له ربما أوقع في ورطة. وقال بعضهم: لا تشاور أحدًا في شيء له خيره وعيله شره، فإنه ربما أذهله الخوف أو الطمع من تصفح ما تسبق إليه النفس، ولكن شاور فارغًا عاقلًا محبًا للصواب معنيًا به، لا يبالي إن كان ذلك لك أو عليك، فرد هذا القول أحمد بن الطيب وقال: "هذا عندي فاسد، لأن مشاور العاقل المحب إذا كان شريكًا في الأمر أحرى بالصواب، ولأن الحاجة تبعث الحيلة، وليشاور فيما يحتاج إلى المشاورة فيه ذا الرأي والنصيحة من ثقاته وبطانته، ولا يضره أن يعم المشورة فيما لا يبالي بإظهاره من أراد أن يخلطه بثقاته، ويعرفه أنه قد جعله في منزلة من يستشيره ويستنصحه ويعمل برأيه، فأما ما تكره إذاعته فالتذكره عند الضرورة إلى المشورة فيه للبطانة واللموثوق بها دون غيرها، ولكن ذكره له بالنظائر والأشباه، لا بالتصريح والإفصاح وكانوا يكرهون أن يشاوروا في الحروب خوفًا من ظهور السر أو بدو العورة، ولذلك قيل: ما استطعت أن نحترس في الحرب بكتمان سرك ممن تقاتل فافعل.
إذاعة السر:
واعلم أن إذاعة السر من وجوه: منها المستشار، ومنها وضع الثقة في غير موضعها، ومنها الاستهانة بمن يحضر السر من صغار الخدم، ومن لا يؤبه له من العجم، ومنها لحن القول، ومنها الفراسة، ومنها تعقيب
[ ٣٤١ ]
مخارج الأمر والنظر فيه، فليحترس الوزير من ذلك أجمع، يستقم له أمره، ويتكلم عليه سره. وإن ظهر من مشير على أنه لم ينصح له فلا يكشفه عن مذهبه، فإنما هو أحد رجلين: إما رجل تعمد الغش، فذلك أهل لأن تسقط منزلته، ولا تستعتب فيما أتاه، لأنه إنما يستعتب من يراد إصلاحه، وإما رجل اجتهد فأخطأ، فليس ينبغي أن يعنف على خطأ لم يعتمده؛ وهذا من أوصاف المستشار، والمشورة مع ما تقدم كاف.
صاحب الخبر:
وأما صاحب الخبر فينبغي أن يكون من أصح عماله ديانة، وأكملهم أمانة، وأظهرهم صيانة، لأنه مأمون على الدماء والأموال، وهو عين الوزير التي ينظر بها في رعيته، ورائده في مصالح من تحت يده، فليس ينبغي أن يتقدمه أحد في الصدق والثقة والأمانة غير القضاة ومن جرى ومن جرى مجراهم، ومتى نصب الوزير لرفع الأخبار من يخالف هذه الصفة فقد غش نفسه، وأضاع الحزم في سياسته، وخان الأمانة في رعيته. وعلى الوزير أن يوسع على صاحب الخبر في رزقه، ويشتري بذلك دينه وأمانته، ويعلمه أنه إنما فعل ذلك به من بين نظرائه لئلا تشره نفسه إلى أموال الرعية، ولا يحتاج إلى استئكالهم أو التكسب منها، ثم يعلم أنه متى ظهر على أنه ولد خيرًا في خاصي أو عامي، وكذب فيه لانحرافه عن إنسان، أو هواه فيه، أو لغرض يفيده بما يأتيه، وأتى من عقوبته ونيله بالمكروه في نشره ما يؤدب به أمثاله من أهل طبقته، ليتفقد أحواله، ويفحص في السر والعلانية عنه، فمتى وجده قد أتى شيئًا مما نهاه عنه، وزجره عن فعله حقق له ما يواعده به.
[ ٣٤٢ ]
وأما الكاتب فينبغي أن يكون مقبول الصورة، حسن الأدب، خفيف الظل، مفتنا فيما رسمناه من أبواب الكتابة، لحاجة الوزير إلى ملابسة جميع هذه الأبواب، والنظر فيها والاستعانة بالكاتب الذي بين يديه في جميعها، فإنما يظفر الوزير من الراحة بمقدار ما عند كاتبه من الكفاية، كما أن السلطان إنما يظفر من الراحة بمقدار ما عند وزيره منها، وعلى الكاتب الصبر على الملازمة والاجتهاد في النصيحة، والوفاء للوزير في حال الدولة والنكبة، والمواساة له بنفسه في حال اليسرة والعسرة، والرخاء والشدة، وكتمان أسراره وطي أخباره، ويزين أموره بكل ما يجد السبيل إليه، ومتى ظفر الناس بعيب من عيوب صاحبه اجتهد في ستر ذلك وتغطيته، والتأول فيه حتى يخرجه من العيب فيه، كما يحكى عن بعضهم وقد قال [له] بعض رسل الملوك إني رأيت في مذهبكم مساكين يشكون الجوع، ويسألون الناس في الطريق، فقد كان ينبغي لملككم أن يغنيهم عن ذلك، فقال له: إن ملكنا لرأفته برعيته ومحته لمنافعهم أغنى في رعيته قومًا في أموالهم حقوق لله - ﷿ - لا يستحقون من الله - ﷿ - التواب في الآخرة إلا بإخراجها، فلو أغنى المساكين لما وجد الأغنياء الذين في أموالهم الحقوق من يدفعون ذلك إليه، فكان يوابهم يبطل، فترك ملكنا هؤلاء المساكين على أحوالهم إنما هو لهذا المعنى، ولتعرض الأغنياء للثواب بمواساتهم، فتأول لملكه فيما عابه به رسول عدوه تأولًا حسنًا أخرجه من العيب به، فلذلك ينبغي أن
[ ٣٤٣ ]
يكون كاتب الوزير له فيما يجمل به أمله، ويزيل به عيبًا إن لحقه.
وليس الكاتب أن يوقع توقيعًا، ولا أن يكتب كتابًا عن الوزير إلا بعد إذنه واستطلاع رأيه، إلا أن يكون قد فوض ذلك إليه، وأمره أن يوقع ويكتب عنه بما يراه. وعلى الوزير إذا فعل الكاتب جميع ما ذكرناه، ولزم ما وصفناه يكفيه مئونته، ويزيد على الكفاية بالإحسان إليه، والإفضال عليه، فإن الله - ﷿ - يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ والحسنى المكافأة، والزيادة، هي الزيادة على الاستحقاق في المجازاة.
الحاجب:
وأما الحاجب فهو المؤتمن على الأعراض، وأداء الأمانة في الأعراض، أوجب منها في الأموال، لأن الأموال وقاية للأغراض، ولهذا نرى الأحرار يرضون بذهاب أموالهم، ويأنفون من أن ينالوا بضرر في أعراضهم. فكذلك ينبغي للوزير أن يجعل حاجبه من صح عقله وغريزته، وحسن خلقه ولانت كلمته، وأن يخظر استعمال المجازاة في الإذن عليه، أو الحجبة عنه، ويعرفه أنه قد ائتمنه على أعراض من يغشاه، وإنما أعراضهم أقدارهم، ويأمره أن يفرها عليهم، ويوفيهم حقوقهم، ولا يتجاوز بامرئ فوق حده، ولا ينقصه عن قدره، وأن يتوقى الجور في ذلك، فإنه متى رفع إنسانًا فوق قدره وضع نظيره وظلم من فوقه، لأنه [إن] لم يرفع نظيره كما رفعه فقد وضع منه، وألحق من فوقه بمن لا يلحقه فقد ظلمه، ومتى وضع إنسانًا دون قدره فقد ظلمه ووضع منه، ورفع نظرائه عليه؛ وأن يتلقى من يحجبه عنه بالعذر الموجب ذلك بالبشاشة واللطافة وإظهار الود، حتى يكون
[ ٣٤٤ ]
انصرافه مع حسن لقاء الحاجب يقوم مقام وصوله وقضاء حوائجه، ثم متى وقف على أن حاجبه قد خالف وصيته، أو تعدى ما رسمه له، أو استعمل في إيصال الناس إليه أو حجبهم عنه ما يستعمله الناس في هذا الدهر من التقدمة من كرمهم ونفعهم، وتأخير من قبض يده عنهم ومنعهم أدبه وصرفه عن حجبته. فهذه جملة ما ينبغي للوزير أن يسوس بها خاصته.
معاملة الرعية:
وأما معاملته للرعية، فأصل ما تساس به الرعية العدل، وقد قيل: خير السلاطين أعدلهم على الرعية، وخير الرعية أصلحها على عدل السلطان. فإذا عدل الوزير فيهم، وقام بالقسط في كافتهم، فليجمع إلى عدله رأفة عليهم، وعفوًا عن جاهلهم، وتبصيرًا له، وشدة على مفسدهم وتقويمًا له، وأن يخلط أمر اللين بالشدة، والرأفة بالغلظة، ليستقيم على كل واحد منهما من لا يستقيم إلا بذلك، فيصلح على الرأفة والرقة واللين أهل الحياء والفضل والدين، ويصلح على القسوة والغلظة والإبعاد أهل الجهل والشر والفساد. وقد قال صاحب المنطق: "الرياسة لا تقوم إلا بطريقين مختلفين، وذلك أن سفل الناس إنما يذعنون للسلطان بالخوف، فلابد من الشدة عليهم، وأما الأفاضل فيذعنون بالمحبة والرضا، فقد يحتاج السلطان إلى الرفق بهم حتى
[ ٣٤٥ ]
يجتمع له الناس طوعًا وكرهًا، وبهذا الأدب أدب الله سبحانه نبيه - ﷺ - وبهذه السياسة أمره بأن يسوس أمته فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. وينبغي للوزير أن يكون أشد الناس على الظالم من رعيته، وإن كبر عنده وخص بسلطانه حتى يقمعه، ويأخذ الحق منه، وألطفهم بالمظلوم منها، وإن صغر محله وخمل ذكره حتى ينصفه ويأخذ له بحقه. ومتى وجد الرعية على سبيل تحزب وتلفف وتجمع فرقهم وشردهم، ولم يدعهم وذلك في أمرهم، فإذا رآهم ينظرون في أمر الدين مع نقص عقولهم وبعد إقامتهم [نهاهم عنه]، ورضاهم مع ذلك عن أنفسهم. وإعجابهم برأيهم سبب لكل شر، وداعية إلى كف فساد وضر، ومتى حضروا لشهادة تبرعًا من غير أن يستدعوا، أو نصبوا أنفسهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير أن يأذن لهم في ذلك سلطانهم، وتشاغلوا بذلك من مهنهم وأسواقهم وتجاراتهم ورأوا الترؤس، ورفع من أرادوا، وحط من أرادوا نكّل بهم، وبولغ في معاتبتهم، ولم يرقهم السلطان ووزيره على ذلك من رأيهم وفعلهم، فقد روي عن أمير المؤمنين - ﵇ - أنه استعاذ بالله من شرهم، فقال: "أعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا لم
[ ٣٤٦ ]
يملكوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا. وقال واصل بن عطاء: "ما اجتمعت العامة إلا ضرت، ولا تفرقت إلا نفعت" قيل: قد عرفنا مضرة اجتماعهم، فما منفعة افتراقهم؟ ! فقال: يرجع الطيان إلى تطيينه والحائك إلى حياكته، والفلاح إلى فلاحته فيكون ذلك مرفق المسلمين، ولهذا كانت الأكابر تمتحن العامة، من وجدته فارغًا أكسبته شغلًا، وجعلت له عملًا، لأن الفراغ مبعثة الفكر الرديئة، والهمم المنكرة، وفي العمل زوال هذه الفكر والشغل عنها ورفاهة العيش وحسن الحال، فالمكتسب الذي يستفاد بالعمل، وكان عمر بن عبد العزيز إذا نظر إلى الطغام والحشو من العوام قال: قبح الله هذه الوجوه التي لا ترى إلا عند كل شر. وتمثل المنصور وقد رأى جماعة منهم، وقد قفوا للنظر إليه في بعض أيام ركوبه فقال:
(كما قال الحمار لسهم رامٍ لقد جمعت من شتى لأمرٍ
(حديدة صيقل في عود نبعٍ ومتن خلالة وجناح نسرِ)
ثم أمر بتفريقهم فتفرقوا. وقال الكندي بغض العامة للسلطان كبغض الصبيان للمعلم، فليس ينبغي أن يجازيهم على ذلك بالبغض لهم، ولكن بالتأديب
[ ٣٤٧ ]
والتقويم فإنهم إذا تقوموا عرفوا فضل ما أريد بهم، كما أن الصبي إذا كبر وعقل عرف فضل الأدب.
وينبغي للوزير أن يتفقد رعيته، وينزل كل أحد منزلته، فإنما يستخرج ما عند الرعية ولاتها، وما في الدين علماؤه، وما عند الجنود قادتها. وليوسع على الكريم منهم، وليضيق على اللئيم، ويسقط رتبته، فإن الكريم إذا احتاج خيف ضره، واللئيم إذا شبع ظهر شره، وقد قال أردشير: "إن العاقل المحروم يسل عليكم لسانه، وهو أقطع سيفيه، وإن أشد ما ضركم به من لسانه ما صرف القول فيه والحيلة إلى الدين، فكان بالدين يحتج، وله فيما يظهر بغضب، فيكون للدين بكاؤه، وإليه دعاؤه، وهو أحدج التابعين والمصدقين والمناصحين منكم لأن بغضة الناس وموكلة بالملوك ومحبتهم ورأفتهم موكلتان بالضعفاء، ثم قال:
"وقد كان من قبلنا يحتالون للطعانين على الملوك بالدين فيسمونهم المبتدعة، فيكون الدين هو الذي يفلهم، ويربح الملك منهم، ولا ينبغي للملك أن يعترف للعباد والنساك بأنه [ليس أعرف] بالدين ولا أحدب عليه ولا أشد تقصيًا له منه، وألا يدعهم من الأمر والنهي في نسكهم ودينهم، فإن خروج النساك من أمر الملوك ونهيه عيب عليه وثلمة في سلطانه. وينبغي للوزير أن يأمر الرعية بعد منعه إياهم من الاختلاف في الدين
[ ٣٤٨ ]
والتعصب والتلفف بإجماع الكلمة واتفاق النية، والائتلاف فيما بينهم، فبذلك أمر الله - ﷿ - حيث يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وحيث يقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ وقد قالت القدماء: بالجماعة تمام أمر الدنيا، وعليها مدار الغلبة، ومن دواعيها وتوابعها الأمن والسلام، ومن توابع الفرقة الخوف والهلكة والفتنة، فما مثل الفرقة إلا مثل الموت المفرق بين الروح والجسد، ولا مثل الألفة إلا مثل الحياة الجامعة لهما، المظهرة لأفعالهما ومنافعهما، ألا ترى أن الشعرات المتفرقة تكون في نهاية الضعف والدقة، فإذا قتلت كان منها الحبال التي تصوع بها الجواميس والفيلة؛ وإنا لنجد الدواب والطير قد كاست وأبصرت الصلاح في الجماعة، فهي تألفها وتنفر من الوحدة وتهرب عنها، وكفى بالإنسان فندا وجهلًا أن يقصر فهمهم عما أبصرته النملة، وفهمته النحلة، وما أشبهها.
والجماعة لا تكون إلا برئيس جامع لها، وإلا قل لبث اجتماعها وتفرقت كلمة أهلها ولا رياسة إلا بطاعة، ولا طاعة إلا لشريعة، ومتى خالف الذي يأخذ الناس بالشرع شريعته كان المأخوذون بها إلى الخلاف لها أسرع وليعلم الوزير أن التودد من الذليل يعد ملقًا، والتودد من العزيز يعد تواضعًا ونبلًا، فيتودد إلى العامة ينل بذلك محبتهم، وشرف الذكر فيهم ولا يقتصر على التودد إليهم دون إيداع الهيبة صدورهم، وغلا لم يكن للتودد موقع عندهم، فإنه إذا ساس
[ ٣٤٩ ]
رعيته هذه السياسة صحت له عليهم الرياسة، وصلحت أخلاقهم، واستقامت طاعتهم، وأقبلوا على منافعهم، وتركوا ما لا عائدة فيه عليهم، ولا فائدة في استعماله لهم، وانتفعوا وانتفع بهم إن شاء الله. فهذه أبواب الكتابة الظاهرة.
فأما الكتابة الباطنة: فإن القول لما كان فيه ما يحتاج الإنسان إلى ستره وكتمانه، ورمزه لنوع من أنواع الرأي في استعمال ذلك، ووجه من وجوه المصلحة المقصودة فيه، حتى لا يقفع عليه إلا من وثق به، وسكنت النفس إليه، وجعلت الترجمة والتعمية في الكتاب بدلًا من اللحن والرمز والإشارة، وسائر ما ينبغي به القول، فعمي وترجم به الكتاب ما أريد ستره وكتمه، كما رمز وعمي من القول ما أريد ستره.
وقد قلنا: إن الكتابة تتغير في كل مكان، يتغير أوضاع أهلها، وحروفها المستعملة كثيرًا في اللسان العربي تسعة وعشرون حرفًا، منها ثمانية وعشرون حرفًا لها صورة معلومة غير الألف، فإنها لما كانت ساكنة أبدًا، وكان لا يوصل إلى النطق بساكن وصلت باللام لتكون حركة اللام مفتاحًا للنطق بها، فجعلت "لام ألف" فأما الألف التي في أول حروف المعجم فليست ألفًا على الحقيقة، وإنما هي همزة تسمى الألف الحقيقية على الاستعارة.
وقد تقع في لغات العرب التي يستعملها بعضهم حروف لا صورة لها مثل همزة بين بين، والألف الممالة إلى الياء، والألف المفخمة بالواو، والشين التي كالجيم، والصاد التي كالزاي، والجيم التي كالكاف، وكان من الواجب أن يفرد كل حرف من حروف المعجم بصورة، لكنهم استثقلوا ذلك، فجمعوا حروفًا كثيرة، وحرفين بصورة واحدة كالباء
[ ٣٥٠ ]
التي صورتها وصورة التاء والثاء واحدة، وكالسين التي صورتها صورة الشين واحدة، وكذلك سائر الحروف المشتركة الصورة فصلوا بينها بالنقط، وكان ذلك أخف عليهم، فصارت الصور ثماني عشرة صورة لتسعة وعشرين حرفًا، فمن الناس من قد جعل النغمة والتعمية على عدد الحروف، ومنهم من قد جعلها على عدد الصور، ومنهم من قد زاد في ذلك ونقص، وأنا أذكر من وجوه الحيلة في استخراجه ما يحضرني إن شاء الله.
فأقول: إن كل قول مترجم أو معمىّ: فإما أن يكون شعرًا منظومًا، أو كلامًا منثورًا، وإن التعمية غير الترجمة، والترجمة ما ترجم به عن شكل الحرف، إما بشكل حرف آخر غيره يبدل منه، أو بصورة تخترع له ليست من صور الحروف، فأما ما ترجم بحرف مثله فهو كوضعنا العين مكان الجيم، والألف مكان الواو، وقد استعمل ذلك في الترجمة البسطامية، وهما مسهورتان، وقد يكون هذا النوع من الترجمة في بعض الحروف، وقد يكون في سائرها فأما ما ترجم عنه بصورة مخترعة له فهو كثير من الترجمة، ولكل إنسان أن يخترع منه ما أحب، ومنه ترجمة لآل مقلة، ولأبي الحسن علي بن خلف بن طباب ﵀.
[ ٣٥١ ]
فأما التعمية فهي تنقسم ثلاثة أقسام: أحدها التعمية بالمعاني المشتقة، كتعميتنا الطاء باسم الطير، والواو باسم الوحش، والعين باسم العطر، وهذه التعمية بالأجناس؛ وغما أن يوضع لكل حرف اسم من أسماء الناس أو الوحش أو الطير، كتصيير هم النون فتخة، واجيم بطة، والكاف رمان، والصاد رند وأشباه ذلك، والأولى أغلق من هذه. والثاني من وجوه التعمية أن تعمي الكلمة بتغيير مراتب حروفها، فتجعل آخرها أولها وأولها آخرها، وترتيب سائر حروفها على هذا الترتيب مثل تصييرنا الهاء أول اسم الله - ﷿ - والألف آخرها، والصورة "هللا"، وهذه التعمية التي يتغير مراتب الحروف تنقسم أقسامًا: منها ما ذكرناه، ومنها أن يجعل أول حرف من الكلمة في أول السطر، وثانيها في آخر السطر وثالثها يلي أولها في أول السطر، ورابعها إلى جانب ثانيها في آخر السطر، وكذلك إلى أن تلتقي الحروف في وسط السطر؛ وإما أن تجعل آخر حرف من الكلمة تاليًا لأولها، ثم تجعل ثاني الكلمة تاليًا لهما، والذي قبل آخرها تاليًا للثالث، وكذلك إلى آخر التعمية، وقد يسلك هذا المسلك في التعمية لمن يترجم عن ذلك إما بإبدال الحروف، وإما بإخراج الصور فيكون أغلق، وربما جعلت مراتب الحروف على غير هذا على حسب ما يتفق للإنسان.
والوجه الثالث من وجوه التعمية بالزيادة والنقصان، اما الزيادة فأن تزاد حروف إغفال بين الحروف المعماة، أو المترجمة لا تحتسب بها،
[ ٣٥٢ ]
يراد بذلك أن يشكل المستخرج كزيادتنا [تاء] بعد ميم محمد، وكافًا بعد حائه، وجيمًا بعد ميمه، وصادًا بعد داله، فتصير صورته متحكمجدص، وربما فعل هذا وترجم عنه بنوع من نوعي الترجمة، ويجعل لكل حرف من حروف المعجم صورة مفردة، ولا يقتصر بها على الاشتراك الذي يحصل في صورة المشتركات منها.
وأما النقصان فأن يجعل للحروف المقترنة مثل مع، وعن، ومن، وما، وهل، وأشباه ذلك صورة مفردة، فيجعل بكل حرفين منها حرف واحد، وأن يجعل لاسم الله - ﷿ - صورة واحدة، ولا يجعل لكل حرف من ذلك صورة ليعمي بذلك على من يريد استخراج الكلام، إذ كان أكثر ما يتضح من الكلام إنما هو بأمثال هذا، وأن يجعل للحروف التي تشترك في الصورة شكلًا واحدًا، كالجيم والحاء والخاء، والعين والغين وأشباه ذلك. وصورة التعمية أكثر من أن تحصي، لأنها بالوضع والاصطلاح، وليست بالطبع، ووجوه الوضع والاصطلاحات ليست مما تحصر فيها الصنعة الطبيعية، بل هي بلا نهاية. ومما يحتال به في استخراج المعمى والمترجم إذا طال أن يعد كل ما فيه من كل صورة من صورة الحروف، أو نوع من أنواع ما يترجم به منها، تكتب كل واحد من ذلك على عدده الأول فالأول حتى تأتي على آخره، فإن كانت الأشكال في تسعة وعشرين، فقد جعل لكل حرف صورة وإن كانت أكثر يزيد فيها أغفال، وإن كانت أقل وكانت زائدة على ثمان عشرة، فقد جعل للحرفين منها وللثلاثة صورة واحدة، وإن
[ ٣٥٣ ]
كانت ثمان عشرة بلا زيادة فقد جعل لكل الحروف المشتركة في الصورة صورة واحدة مشتركة بينها على ما وضعت عليه حروف المعجم، ثم ينظر إلى أكثر حروفها، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، فتقضي على كل واحدة من الجمل مما سنذكره منها وهدته التجربة، وهو أن أكثرها وقوعًا في هذا المسلك الألف، ثم اللام، ثم الميم، ثم الياء، ثم الواو، ثم الباء، ثم النون، ثم الراء، ثم العين، ثم الفاء والكاف، فهما لشيء واحد، ثم الدال، ثم الفاء، ثم النون، ثم القاف، ثم الحاء، ثم الجيم، ثم الذال، ثم الصاد، ثم الشين، ثم الضاد، ثم الخاء، ثم الزاي، ثم الطاء، ثم العين، ثم الظاء.
وهذا النوع يصدق فيما طال من المعمى أو المترجم لتكون الحروف فيه ووقوع جميعها في نظمه. فأما السطر والسطران ونحوهما فلا يصدق هذا فيه وإذا كان ذلك فينبغي أن يستعمل في استنباطه حيلة أخرى، وهي أن تعرف ما يأتلف من الحروف في اللسان العربي، وما لا يأتلف، فإذا وقع الظن على حرفين نظرت هل هما مما يأتلف أم لا، فإن كانا مما يأتلف طلبت كل واحد منها في موضع آخر، ونظرت أيضًا هل هي مما يقترن أو لا يقترن، ثم [إن وضح] ذلك فافعل حتى تظهر لك الألفاظ بحقائقها. ومما يستشهد به أيضًا في هذا النوع الحروف التي يكثر اقترانها في هذا اللسان مثل من، ومع، وعن، وما، وفي، والألف، واللام، فإن صورها تأتي معًا في مواضع كثيرة، فيدل ذلك على استنباط الحروف بعد الأصلين اللذين قدمناهما، ومما يعين على الاستدلال
[ ٣٥٤ ]
على هذه الحروف إذا طلبت، وهي على صورها، أو أفرد كل اثنين منها بصورة، معرفة ما يقع منها في هذا اللسان أكثر، وما يقع منها فيه أقل، فأكثرها، ما فيه لا، ثم من، ثم إن، ثم ما، ثم في، ثم لم، ثم عن، ثم هو، ثم هم، ثم إذ، ثم ثم، ثم هي، ثم أو، ثم لو، ثم بل، ثم هل، ثم كل، ثم أي، ثم لن، ثم كم، ثم مع، وأم، وذي، ثم ذا، ثم لي وذو، ورب، ثم مذ، وهن، فهذه مراتب الحروف المقترنة، في الأعداد.
ومما يستدل به على استخراج المعمى أيضًا التدلالًا قويًا فواتح الكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) وكالتحميد والتمجيد في أوائل الكتب وكالصدور التي قد كثر استعمالها من أهل الدهر مثل أطال الله بقاءك، ويا سيدي أطال الله بقائك، وأطال الله بقاء الوزير، وأطال الله بقاء سيدنا الأمير، ومن عبد الله أبي فلان لعبد الله أبي فلان، وأما بعد في أوائل الكتب، وأشباه هذا. وإذا اتفقت الشهادات ووجدتها في التكرار تصح فاقض باليقين فيها، فإن هذا من جنس ما يستخرج الحق فيه بالظنون مما قدمنا ذكره في أول الكتاب.
فأما الحروف التي تقترن وتأتلف في هذه اللغة مع كل حرف فهي حروف المد واللين، وهي الواو والألف والياء.
مخارج الحروف:
ثم إن مخارج الحروف ثلاثة عشر مخرجًا: أولها من بين الشفتين مخرج الواو والباء والميم والفاء، وهي حروف الشفة، ومن طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا مخرج الثاء والظاء والذال، وهي حروف النفث،
[ ٣٥٥ ]
وأدخل من ذلك قليلًا بإطباق اللسان على أصول الثنايا مخرج التاء والدال والطاء، وهي حروف الإطباق، وأدخل من ذلك قليلًا إلى ظهر اللسان مخرج الصاد والسين والزاي، وهي حروف الصفير، ومن طرف اللسان مخرج الراء والنون واللام، ومن أحد جانبي اللسان مخرج الضاد، ومن الناس من يخرجها من الشق الأيمن، ومنهم من يخرجها من الأيسر، وفيما بين وسط اللسان وجانبه يخرج الياء والجيم والشين، وفوق ذلك إلى اصل اللسان مخرج الكاف، وفوقه من أصل اللسان القاف. ثم حروف الحلق من ثلاثة مخارج: أولها مما يلي الفم مخرج الخاء والغين، ومن وسطه مخرج العين والحاء، ومن أقصاه مما يلي الصدر الهمزة والألف، وهي أدخلها إلى الصدر، ومن الخياشيم مخرج النون الخفيفة، فكلما تقارب مخرج الحرفين كانا أثقل على اللسان منهما إذا تباعدا. ومن شأن العرب استعمال ما خف وتجنب ما ثقل، ولذلك لا يكادون يجمعون بين حرفين من مخرج واحد، أو مخرجين متساويين، وإذا اجتمعا أدغموا أحدهما في الآخر، والأصل في الإدغام أنه إذا اجتمع حرفان من مخرج واحد أو على صورة واحدة وسبق أحدهما بالسكون وكانا متجاورين أدغمت أحدهما في الآخر لا غير، وذلك مثل قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ وقوله: ﴿عَصَوْا وَكَانُوا﴾، وإن كانا في كلمة واحدة لم يجز غير الإدغام نحو قوله: ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، وإذا سكن الثاني لم يجز الإدغام نحو قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ﴾ ومثله مددت ورددت وكللت. وإذا اجتمع حرفان متجاوران من مخرج واحد، أو على صورة واحدة وهما مترحكان كنت بالخيار إن شئت
[ ٣٥٦ ]
أظهرت وإن شئت أدغمت، كقولك ضرب بكر عمرًا، أو ضرب بكر (وكقوله: "الذي جعل لكم" و"جعل لكم").
فإن كان الحرفان من كلمة واحدة، وهما متحركان نظرت لما كان من ذلك في الاسم فأظهرته، نحو العدد والمدد، وكقوله: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾، وإذا كان من فعل أدغمت نحو: مدَّ، وردَّ، ولا نقل مدد وردد، وذلك لخفة الأسماء وثقل الأفعال، فكذلك حكم اللام والراء لأنهما من مخرج واحد في الإدغام، وحكم الدال والسين في قوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ لتقارب مخارج الحرفين. فحروف الحلق لا تأتلف ولا تقترن الهمزة والألف منها، لأنهما من حروف الزوائد، وإحداهما من حروف المد واللين، فهما يجتمعان مع سائر الحروف، ولا يجمعون بين القاف والكاف في أصل بناء كلمة، فإن كانت الكاف زائدة التشبيه جاز ذلك فقالوا: كقولك ليس هذا مقارنة، وإنما هي مجاورة، وأما الجيم والشين والضاد فلأن بعضها أطول مدى في المخرج من بعض، وأن مراتب بعضها دون مراتب بعض في مخرجها تقارنت في بعض أحوالها، فقارنت الجيم الضاد بتقديم الضاد في الضجيع ولم تقارنها بالتأخير، وقارنت الشين الجيم بالتقديم، والتأخير، فقيل جش وشج، ولم تقارن الضاد الشين بتقديم ولا تأخير لتقارب مخرجهما.
وأما حروف الصفير فإن بعضها لا يقارن بعضًا، وحروف النفث لا يقارن بعضها بعضًا. وأما حروف الانطباق فتقارن، لأن مخارجها وإن كانت متساوية فإنها متباينة، وأكثر العرب تدغم ما يتقارن منها، فيقال في متطهر مطهر، وفي عنيت عنت، قال الله - ﷿ - ﴿إِنَّ اللَّهَ
[ ٣٥٧ ]
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾. [أما] الحروف التي تخرج من طرف اللسان فليس يكادون يجمعون اثنين منها إلا أدغموا أحدهما في الآخر، كقولهم: الرحمن والنجوى، فإذا تأخرت اللام فربما أظهروا الحرفين، وربما اكتفوا من الحرف المتقدم وأسقطوه فقالوا في [بني] الحارث بالحارس، وفي من الأشياء ملأشياء. وحروف الشفة يأتلف بعضها مع بعض لخفتها، وقلة الكلفة على اللسان فيها. فهذه جمل القول في مخارج الحروف وما يأتلف من حروف كل مخرج وما لا يأتلف، فأما استيعاب جمعيها فيطول فإذا بدأت بالتاء من حروف المعجم فأضفها إلى سائر الحروف بالتقديم والتأخير، ثم ما بعدها على الترتيب، تبين لك ما يأتلف منها وما لا يأتلف، وغنينا عن الإطالة بذكره إن شاء الله.
وإذا وجدت التعمية أو الترجمة حروفًا موصولة فاعلم أنها بإبدال الحروف، فإن وجدت أكثر كلماتها الموصولة على ثلاث أحرف وأربعة أحرف، ووجدت في الإفراد فيها ما تجاوز الأربعة فاعلم أنه لم يزد فيها حرف إعفال، وإن وجدت أكثر ما فيها من الكلمة يتجاوز الأربعة وزيد على الستة والثمانية، فاعلم أنه قد زيد فيها حروف إغفال، لأنا قدمنا أن
[ ٣٥٨ ]
أكثر ما يجيء من الأسماء السالمة على خمسة أحرف، وأن أكثر ما يجيء من الأفعال على أربعة، وأن ما زاد على ذلك فقد لحقته الزيادة، وبينا وجوهه. فإذا صحت لك الحروف وقامت في نفسك، ولم يصح لك نظمها علمت أن ترتيب الحروف في تلك التعمية قد غيرت، واستعملت التقديم والتأخير والقلب والإبدال أبدًا حتى يصح لك، وهذا أتعب باب في التعمية.
ثم اعلم أن أسهل كلام العرب وأكثر ما تستعمله من الحروف ما كان بطرف اللسان أو الشفتين، وليس يكاد يكون اسمًا أو فعلًا مبنيين من أربعة أحرف فما زاد إلا وفيه أحد هذه الحروف أو اثنان منها إلا الشاذ كإسحاق، وعلم هذا دليل عظيم على استنباط المعمي والمترجم إذا كان لكل كلمة منه فصل، فإذا امتحنت فصول الكلمات وقست بعضها إلى بعض وقلت: إن بعض هذه الحروف فيها أو جميعها إذا [كانت] أكثر الكلام نظرت أكثرها فيها فهو أكثر في اللسان العربي كما ذكرنا، ثم الذي يليه في الكثرة، ثم الذين يليه، حتى يؤتى على آخره، فهذا [ما] جاء في المنثور من الكلام.
فأما الشعر فاستخراجه أيسر، وذلك لأن الشعر موزون مقفى، فوزنه وقافيته يعينان على استخراجه، وطريق ذلك أن تنظر إلى حرف القافية أين هو من التعمية والترجمة، ثم تعد الحروف من أول البيت إلى آخره، فإن كان من أربعة عشر حرفًا ونحوها وما فوقها ودونها، فهو من الأرجاز، وقصير الشعر، وإن كان فيما بين ذلك فهو من متوسطه، وإن رأيت حرف القافية يلي بيت العدد بتقديم أو تأخير من حيث
[ ٣٥٩ ]
لا يبعد فالبيت مصرع. فإن وجدت بيتًا أنقص من بيت في عدد حروفه فلا يغلطنك، والعم أنه ربما لحقه الخرم والزحاف، وهما نقص في حروف الشعر، وربما كان في الكلام الحرف الممدود أو المشدد، وكل واحد منهما في الشعر حرفان، وهو في الكتابة واحد، فلهذا ربما نقص بيت عن بيت في عدد حروفه، ثم أعدد الحرف إن كانت الكلمات مفصولة واعرضها على الأوراق، فإذا وافقها استنبطت الحروف بالحيل التي قدمناها. فإذا خرج من ذلك ما يتفق أن يكون كلامًا موزونًا مقفى، وعاد مثله من الحروف في الأبيات فانتظم: ولم يختلف فقد أصبت استخراجه.
وأوزان العروض السالمة ثمانية، منها خماسيان وستة سباعية، فالخماسيان فعولن، وفاعلن، والستة السباعية: مفاعلين، ومستفعلن، وفاعلانن، ومفاعلنن ومفاعلن، ومفعولانن، فإذا وقفت على وزن بيت وأردت أن تدري من أي نوع من العروض فانظر فإن كان أوله فعولن أو مواحفة، فهو من الطويل أو من المتقارب، وإن أردت أن تعلم من أيهما فهو فانظر ما يلي فعولن، فإن كان فعولن أو مزاحفة فهو من المتقارب، وإن كان مفاعلين أو مزاحفة فهو من الطويل، وليس في العروض بيت أوله فاعلن. وإن كان أوله مفاعيلن أو مزاحفة فهو من الهزج (أو المضارع، فإن أردت أن تعلم من أيهما هو فانظر إلى ما بعده، فإن وليه مفاعلين أو مزاحفة فهو من الهزج)، وإن وليه فاعلاتن أو مزاحفة فهو من المضارع، وربما كان مزاحف الوافر مفاعيلن، ومحنة ذلك أن تنظر فإن رأيت الأوزان كلها مفاعيلن، ولم يكن في نصف البيت فعولن فهو من الهزج، وإن كان
[ ٣٦٠ ]
فيها مفاعيلن أو في نصف البيت فعولن فهو من الوافر. وإن كان أول البيت مستفعلن أو مزاحفة فهو من البسيط، أو الرجز، أو السريع، أو المنسرح أو المجتث، فإن أردت أن تعلم أيها هو فانظر إلى ما يليه، فإن كان فاعلن أو مزاحفه فهو من البسيط، فإن وليه مستفعلن أو مزاحفة فهو من الرجز أو السريع، إلا أن ثالث السريع فاعلن، وثالث الرجز مستفعلن، وإن وليه مفعولات أو مزاحفة فهو من المنسرح، وإن وليه فاعلانن أو مزاحفة فهو من المجتث. وإن كان أول البيت فاعلاتن أو مزاحفة فهو من المديد أو الرمل أو الخفيف، أو المقتضب، فإن أردت أن تعلم من أيها هو فانظر إلى ما يليه فإن كان فاعلن أو مزاحفة فهو من المديد، وإن كان الذي يليه فاعلاتن أو مزاحفة فهو من الرمل، وإن كان الذي يليه مستفعلن أو مزاحفة فهو من الخفيف، وإن كان الذي يليه مفتعلن فهو من المقتضب. وإن كان أول البيت مفاعلتن أو مزاحفة فهو من الوافر. وإن كان أول البيت متفاعلن أو مزاحفة فهو من الكامل. فهذه جمل وإشارات فدل ذا القريحة ممن تخرج بالعروض ونظر فيها وبغيته في معنى ما أوردنا الدلالة عليه من استخراج المعمي في الشعر إن شاء الله. وقد اشتهر في أيدي الناس بيت قد جمعت فيه حروف المعجم وهو هذا:
(قد ضج زَحْرٌ وشَكَا بثه مذ سخطت غصن على الأنط)
استعملوا التعمية فيه، فإذا أرادوا الألف: قالوا الحرف الرابع من الرابع، وإذا أراجوا الحاء قالوا: الحرف الثاني من الثالث، وإذا أرادوا
[ ٣٦١ ]