اللهمّ لك أذلّ، وبك أعز، وإليك أشتاق، ومنك أفرق، وتوحيدك أعتقد، وعليك أعتمد، ورضاك أبتغي، وسخطك أخاف، ونقمتك أستشعر، ومزيدك أمتري، وعفوك أرجو، وفيك أتحيّر ومعك أطمئنّ، وإياك أعبد، إيّاك أستعين، لا رغبة إّلا ما نيط بك، ولا عمل إّلا ما زكّي لوجهك، ولا طاعة إّلا ما قابله ثوابك، ولا سالم إّلا ما أحاط به لطفك، ولا هالك إّلا من قعد عنه توفيقك، ولا مغبوط إّلا من سبقت له الحسنى منك.
إلهي، من عرفك قاربك، ومن نكرك حرم نصيبه منك، ومن أثبتك سكن معك، ومن نفاك قلق إليك، ومن عبدك أخلص لك، ومن أحبّك غار عليك، ومن عظّمك ذهل فؤاده عند جلالك، ومن وثق بك ألقى مقاليده إليك.
إلهي، ظهرت بالقدرة فوجب الاعتراف بك، وبطنت بالحكمة فوجب التّسليم لك، وبدأت بالإحسان فسارت الآمال إليك، وكنت أهلًا للتّمام فوقفت الأطماع عليك، وبحثت العقول عنك فنكصت على أعقابها بالحيرة فيك، وذلك أنّ سرّكلا يرام حوزه، وشأنك لا يحول كنهه، وفعلك لا يجحد تأثيره؛ لك الأمارة والعلامة، وبك السّلامة والاستقامة، وإليك
[ ٨ / ٥ ]
الشوق والحنين، وفيك الشّكّ واليقين.
هذا الجزء - أبقاك الله - هو الجزء الثامن من كتاب البصائر، بصائر أهل العلم والأدب، والحكمة والتجربة، نسأل الله تعالى تمام الكتاب، فإنّه قد حوى معاني سابقةً إلى النفوس بالقبول، وأغراضًا جاريةً مع الفهم، وأسرارًا خفيّةً في العلم، فارغب فيه رغبة عاشق، ولا تسل عنه سلوة قالٍ، ولا يزهدّنّك فيه مللٌ عارض، وسخفٌ متوسط، فإنّ العاقبة فيهما غير ما لاح لك منهما، واعلم أنّك مداوىً بهما وبغيرهما، واختلاطك ينتفع بكل ما تسمع وتعي، ومزاجك يعتدل بكلّ ما ترى وتروي، ولو كنت صرفًا لعشت بالصّرف، ولو كنت صفوًا لكمل أمرك بالصّفاء، ولكنّك مؤلفٌ من نقص وكمال، ومقرونٌ بعجزٍ وقوة، ومقلّبٌ بين العطب والسّلامة، ومحمولٌ على النّزاع والسآمة، ولكلٍّ منك نصيب، ولك في كلّ منه حظّ، وأنت في هذه النقيبة مرشّحٌ لطهارةٍ لا نجاسة معها، ومسوقٌ إلى غايةٍ لا آفة فيها، فانتبه للخافية التي فيك، والحظ المعنى الذي يوفيك تارةً ثم يستوفيك، واعجب من فناءٍ يثمر البقاء، ومن كدرٍ يورث الصّفاء، ومن كدٍّ ينقطع إلى راحة؛ وتعبٍ ينتهي إلى استراحة، ومن إبهامٍ يؤدّي إلى إيضاح، ومن ضرورةٍ تتعلّق باختيار، ومن حاجةٍ تتصل بغنىً، ومن رقٍّ يشرف على حرّية، ومن سخطٍ يرقيك إلى رضىً، فليس للتعجّب موقعٌ أحسن من هذا الاعتبار. وعذ بالله تعالى عند خوفك، وثق به عند أمنك، وانتسب إليه انتساب من كان به، وبقي بإبقائه، ووجد بإنشائه، وعرف بتعريفه، ووقف بتوقيفه، ولزم حدود أمره، وانتهى إلى معالمه، وراقبه في سرّه وجهره. واعلم أنّك منقولٌ عن قليل إلى حالٍ لا تشهد فيها إّلا ما قدّمت من إحسانك وإساءتك.
أما ترى - أيّدك الله - كيف أتخلّص من حديثٍ إلى حديث، وأركّب معنىً على معنىً، عجزًا عن إتمام ما أبدأ به، وقلقًا إلى ما لا أصل إليه؛ وليتني لم أناد بنقصي في هذا الكتاب بين النّاس، فقد والله تمرّست بأمرٍ
[ ٨ / ٦ ]
قصاراي فيه أن أجبه بالتّعنيف، وأواجه باللائمة، وإن جلفت بالقذع وذكرت بالشّنآن، ومن لي بحاكمٍ منصف، وصديقٍ ملطف، وعدوًّ مبقٍ، وصاحبٍ مشفق، بل من لي بمداهنٍ لا يكاشفني، ومنافقٍ لا يوافقني، وجارٍ لا يرتصد عثرتي، ورفيقٍ لا يجهل عليّ، بل من لي بشامتٍ يرحم، وظالمٍ يتندّم، وهل مكلّمك وسامعك إّلا من إن بعد رجم، وإن دنا نحض، وإن تمكّن استأصل، وإن عاقب أسرف، وإن ملك أباد، وإن قدر انتقم، وإن انتقم أتى على الدّقّ والجلّ، وذهب بالحرث والنسل، ولكن أضرّ بي ما أرى من فساد الزمان، واضطراب الوقت، وانتكاث مرائر الدّين، وتصوّح رياض الدّنيا، ودروس أعلام التوحيد، وانقراض أهل العلم، وتحاسد أبناء الفضل، وتنابذ ذوي الآداب، وتداعي رباع الجميل، وتأوّد أغصان الخير، وتهادر شقائق الشّيطان، وتخاذل أهل التحّرج.
فوالله ما شين وجه التّقى، ولا استحال بال المؤمن، ولا أخرس لسان الورع، ولا قصر زند المجاهد، ولا قسا قلب الراحم، ولا جفّت أقلام كفّ الباذل، ولا عرق جبين السائل، ولا خابت حقيقة المستبصر حتى خلت عراص الشريعة من قوّامها، وآذنت الدّنيا أهلها بالسّيف، وخاض أهل العلم في الباطل، واستعين في الحكمة بالسّفه، وتوصّل بالطاعة إلى المعصية، وسلك بالأمانة طريق الخيانة، واغتّر بالدّنيا المشبّهة بالماء الملح، والبرق الّلامع، والسّحاب الخائل، والظل الزّائل، وأحلام النائم، والعسل المدوف بالسّم.
[ ٨ / ٧ ]
واعلم أن الله تعالى جعل للمؤمن نورين: أحدهما ظاهر، والآخر باطن، فظاهره آلةٌ لباطنه، وباطنه عدّةٌ لآخرته ومعاده. فمن أفاعيل الظاهر طلب معاشه، واستصلاح أموره، ودفع المضارّ عن بدنه، والتحفّظ من الموارد المخوفة في عاجلته؛ ومن أفاعيل الباطن طهارة قلبه، وإخلاص نيّته لربّه، وتوهّم ما وعده على طاعته من ثوابه، واختيار العفو في الانتقام، والأناة على الإقدام، ونفي الأحقاد، وإطفاء نار الجسد، وإيثار الصّدق وإن ظنّه لا ينجيه من عدوّه، والوفاء لمن وثق به، والحياء من كشف أحدٍ عن ذنبه، وخلع طاعة الشّهوات، وقمع حومة الشّهوة، واستشعار القناعة، ورفض معاشرة الحرص، وإجلال العلماء، وتفضيل العلم، وأخذ النّفس بوظائف الكرم وفرائض الذّمام؛ وهذا النّور الرّوحانيّ على حسب ما يعطي الإنسان منه يكون مرغبه في العمل الصالح، وحبّه للسلامة من الأدناس، وتمسّكه بمحاسن الخصال.
وإذا استحكم علم الإنسان، ودقّت رويّته، كان جلّ سعيه فيما يحرز به نصيبه من الكدّ الذي لا نهاية له، ويبلغ ما يقيم بدنه وإن قلّ قدره، لعلمه بزوال اللذّات، وتصرّم الشهوات، وأنّه وإن رخص في المواتاة لم تكن لذلك نهاية، لا يملّ ما يطرف به، ويستطرف ما في يد غيره، وهذا ينفد الأوقات، ويستغرق الأعمار، ولذلك وجب على ذي اللّبّ والمعرفة رفض الدّنيا، والأخذ منها بالبلغة، والانشغال بجميعه في إحراز حظّه الذي يستريح بالوصول إليه من الألم، ووجب عليه الصبر على مكابدة النّوائب النازلة، والفجائع الواردة، إذ علم أنّ لها انقطاعًا لا محالة، وأنّ الدولة تسلبها، والأيام تزيلها وتغيّبها، فإذا صحّح هذا عنده اليقين استخفّ المكاره، واستحقر بعزائه المصائب، ولم يعرّج من الدنيا إّلا على بلغة، ثم يكون كالغريب المحتبس عن أهله ووطنه، الأسير في يدّ عدوّه، لا يتهنّأ بشيء من عيشه، ولا يستريح إّلا إلى الحيل في التخلّص ممّا حلّ به من الذّل والأسر.
[ ٨ / ٨ ]
ليس هذا الفصل من كلامي، ومن لي بهذه الديباجة الخسروانيّة، وبهذه الحكمة الرّوحانية! قدري مخفضّ عن هذا وما ضارعه، لكنّي وجدته منسوبًا إلى الحسن بن سهل، ولعله أخو ذي الرياستين، فرسمته في هذا الكتاب حتى كأنّي ناهبت ونافست، وادّعيت الكمال وأشرت إلى العصمة.
وأرجو أن يكون اختلاف كلامهم في معاتبتي صادرًا عن صدورٍ نقيّة، فقد والله أتعبوني، وأكلوني وشربوني، فمن قائلٍ: ما أحسن هذا الكتاب لولا ما حواه من السّخف والقاذورة، وذكر الهنات وألفاظ السّفلة؛ وقال آخر: كلّ ما فيه حسنٌ لو خلا من اللغة والنحو، فليس هذا الموضع الجدّ لا يمتزج بالهزل، والعلم لا يختلط بالجهل، والحكمة لا تنزل في جوار السّفه، والرّشد لا يتّصل بالغيّ؛ ومن قائلٍ: جميع ما فيه أحسن من كلامك؛ ومن قائلٍ: ما مزيّة هذا الكتاب على جميع ما تقدّم من الكتب، وهل فيه فنٌّ إّلا وهو متقضىً في معدنه، مأخوذٌ من أهله على أحسنه، وهل ينتدب إنسانٌ لجمع كلامٍ وتأليف كتابٍ - مع هذا الاحتفال - إّلا وهو يحبّ الزّيادة على النّقص، ويودّ رفع جهلٍ قد ثبت، ويقصد رقع واهيةٍ قد تركت - وكلامٌ كثير قد أهملت روايته على وجهه، وبرمت باعتقاده فضلًا عن إثباته، وجميع ما قيل موهوبٌ لهم رعايةً لآدابهم، ومحافظةً على ذمام الحكمة بيني وبينهم، ومسائلتهم قبول الاعتذار إليهم. ولما احتجت إلى هذا السّلم - علمًا بأن حجّتي داحضةٌ، وبرهاني مدخولٌ، وبياني قصيرٌ - ثقةً بأنّ الزمان يديل، والفلك دوّار، وأنّ اللائمة ستشمت، والاستقصاء سيفرّق، والظلم سيصرع، والإساءة ستندّم.
أنشدني بندار بن غانم الحلواني الكاتب لنفسه في حالٍ التاثت بينه وبين منافسٍ له في الرّتبة، حاسدٍ له على النعمة يقال له عمرو: المنسرح
يختار عمروٌ عداوتي سفهًا وأبتغي سلمه ويمتنع
[ ٨ / ٩ ]
كله إلى بغيه سيصرعه فالدهر بيني وبينه جذع
على أنّي ما أخليت هذا الكتاب - مع التقصير - من حجّةٍ إن سمعت أشرق وجهي، وأضاء بصري، وتقوّم منآدي، ونمى قدري، ومن عذر إن تفضّل بقبوله حسنت حالي، واطمأنّ بالي، وسقط ما علّي، وثبت ما لي، ولكنّ الإنصاف معدومٌ في الوهم والحلم، فكيف يلتمس في التحقيق واليقظة؟ وإذا علم الله صلاح النيّة وشرف العزيمة فكلّ ما عداه جلل.
قال أحمد بن الطّيّب، في كتاب وضعه، قولًا متى سقته هاهنا كان لي عذرًا عن الخصم إن آثر البقيا، ولم ينتهز الفرصة في العداوة، وأحبّ لي السّلامة بعد العثرة، كما تمنّى لنفسه الاستمرار بعد التوفيق؛ قال: واعلم أنّ قومًا سيقولون: من واضع هذا الكتاب؟ فإن قيل: أحمد بن الطّيّب قالوا: ومن أحمد بن الطّيّب؟ فإن قيل لهم: السّرخسيّ مولى أمير المؤمنين، قالوا: ومن السّرخسيّ مولى أمير المؤمنين؟ فتكون مسألة السائل كأنّها بحالها، وقد استفرغ المجيب جهده. وأحمد بن الطّيّب لا يحبّ أن يخطّي به أحدٌ اسمه واسم أبيه وولاءه والبلد الذي فيه مولده ومولد أبيه، ثم بعد ذلك قيمته ومقداره من العلم، بعد أن يكون المقوّم منصفًا غير جائر، وسليم الطبع غير حسود، فإنّ عليًّا ﵁ يقول: قيمة كلّ امرئٍ ما يحسن؛ وقال: قال أصحابنا: لم نر كلمةً أحصّ على طلب العلم من هذه
[ ٨ / ١٠ ]
الكلمة، فمن نظر في كتابنا هذا نظرًا ظاهرًا أمتعه ولذّه وألهاه وسرّه، وصار له جليسًا فصيحًا، ومحدّثًا بيّنًا، وأنيسًا مخلصًا، يحفظ سرّه، ويأمن غيبه، ويسقط باب التحفّظ عنه.
قيل لعمر بن عبد العزيز: ما بقي من لذّتك؟ قال: محادثة جليس.
وقال عليّ ﵁: شرّ الإخوان من تكلّف له.
شاعر: المجتث
لو قيل لي خذ أمانًا من أعظم الحدثان
لما أخذت أمانًا إّلا من الإخوان
قال سهل بن هارون: ما زلت أدخل فيما يرغب بي عنه حتى استغنيت عمّا يرغب لي فيه.
قال الأحنف بن قيس: الحديث شجون، والشّجون: الرّواضع التي تأخذ من معظم النهر، فشبّه تلك الرّواضع من نهر ماءٍ بعوارض الحديث إذا افتن.
قال: إذا طال القول حتى يبعد أوّله من آخره، فقد وجد السامع عذرًا في التّقصير عن فهمه، وإذا كان العتب بين السامع والقائل، وصحّ العذر للسامع في عدم العذر والفهم رجع العتب إلى القائل.
قال: وقيل لبعض اليونانيين - هكذا رأيت بخطّ ابن السيرافي بفتح الياء -: لم تسمع أكثر مما تتكلّم؟ فقال: إنّما خلق الله تعالى لي لسانًا واحدًا وأذنين ليكون كلامي أقلّ من استماعي.
[ ٨ / ١١ ]
ويقال: الأحمق إذا حدّث ذهل، وإذا تكلّم عجل، وإذا حمل على القبيح فعل.
قال: وقال عمرو بن هشام: تحدّثنا عند الأوزاعي ومعنا أعرابيٌّ من بني عليم لا يتكلّم فقلنا: بحقّ ما سمّيتم خرس العرب ألا تتحدث مع القوم؟ فقال: إنّ الحظّ للمرء في إذنه، وإنّ الحظّ في لسانه لغير، وقد ذكرنا ذلك للأوزاعي فقال: وأبيه لقد حدّثكم فأحسن.
وقيل للفرزدق: ما صيّرك إلى القصار بعد الطّوال؟ قال: لأنّي رأيتها في الصّدور أولج، وفي المجافل أبلج.
وقالت مليكة بنت الحطيئة بأبيها: ما بال قصارك أكثر من طوالك؟ قال: لأنّها في الآذان أمضى، وبأفواه الرّواة أعلق.
قيل لسراقة البارقي: لم تترك الإطالة في محافل الخطابة؟ فقال: إذا أحطت معناك، وأصبت مغزاك، كان الفضل تكلّفًا.
وقال أبو سفيان بن حرب لعبد الله بن الزّبعرى: لو أسهبت! قال:
[ ٨ / ١٢ ]
حسبك من الشرّ غرّةٌ لائحة، أو سمةٌ فاضحة.
وذكر خالد بن صفوان رجلًا فقال: قاتله الله، أما والله إنّ قوافيه لقلائد، وإنّ ألفاظه لعلائق.
قال أحمد بن الطّيّب: ونحن نعلم أنّ الشعراء يقولون دائمًا، والخطباء يخطبون أبدًا، والناس يتمثّلون كثيرًا، والقول كثير، وفي كلّ وقتٍ خبرٌ طائر، وسنّةٌ محدثة، وسياسةٌ جديدة، وآراء مختلفة، وأهواء مبتدعة، ومحنٌ من الله كما يريد، لا يمنع منها، ولا يسأل عنها، فليس لمذهبنا هذا في كتابنا رباطٌ يربط به، ولا نهاية يوقف عندها.
هذا آخر كلام أحمد، ولنا به أسوة، ومن جملة ما قاله عذر.
وتعود إلى العادة في نشر البصائر غير مكترثين لما يقال، ولا عابثين بما يتكلّف، فإنّ من أعار الناس أذنه حشوها شرًّا، وأوسعوه غيظًا، ولم يصغوا له إّلا بعار الأبد، وخسران الدّهر، وفوت الدّنيا، وذهاب الدّين. نسأل الله ربّ السّماء والأرض، وخالق الماء والهواء، أن يكلف ويوكل بك عينًا حانية، ويدًا ناصرة، إنه وليّ الإجابة.
[ ٨ / ١٣ ]
١ - قال قيس بن عاصم: وفدت إلى رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، فقلت: عظنا يا رسول الله عظةٍ ننتفع بها، فإنّا قومٌ نعيش في البادية، فقال رسول الله ﵌: " يا قيس، إنّ مع العزّ ذلًاّ، وإنّ مع الحياة موتًا، وإنّ مع الدنيا آخرة، وإنّ لكلّ شيءٍ حسابًا، وإنّ على كلّ شيءٍ رقيبًا، وإنّ لكلّ حسنةٍ ثوابًا، وإنّ لكلّ سيّئةٍ عقابًا، وإنّ لكلّ أجلٍ كتابًا، وإنّه لا بدّ لك يا قيس من قرينٍ يدفن معك، هو حيٌّ وأنت ميّت، فإن كان كريمًا أكرمك، وإن كان لئيمًا أسلمك، ثم لا يحشر إّلا معك، ولا تبعث إّلا معه، ولا تسأل إّلا عنه، فلا تجعله إّلا صالحًا، فإنّه إن صلح أنست به، وإن فسد لم تستوحش إّلا منه، هو عملك ".
٢ - قال أعرابيّ: زكاة اللسان تعليم البيان.
٣ - قال لي بعض الفقهاء: ما أشبّه الدّنيا وخداعها إّلا بقحبةٍ حسناء تغازلك وتشير إليك وترغب فيك، حتى إذا أجبتها ودنوت منها صاحت بالوالي، وصرخت بالناس، وأسلمتك إلى الفضية، وزوّدتك الندم وعضّ الأنامل من الغيظ.
٤ - كاتب: فلا زلت مشمولًا بالنّعم، مغمورًا بالكرم، حتى يكون كلّ يومٍ من أيامك موفيًا في الفضل على أمسه، مقصّرًا عن فضيلة غده، ووصل الله تعالى لك إلهام الصبر على ما زرئته، بإيزاع الشكر على ما منحته، لينجز لك بالأوّل موعوده، ويوجب لك بالثاني مزيده.
٥ - قال أعرابيّ: روّحوا الأذهان كما تروّحوا الأبدان.
[ ٨ / ١٤ ]
٦ - قيل لعقيل بن علّفة: لم تهجو قومك؟ قال: إن الغنم إذا لم يصفّر بها لم تشرب.
٧ - لمّا أخذ عبد الحميد بن ربعي وأتي به المنصور ومثل بين يديه قال: لا عذر لي فأعتذر، وقد أحاط بي الذّنب، وأنت أولى بما ترى، قال المنصور: إنّي لست أقتل أحدًا من آل قحطبة، أهب مسيئهم لمحسنهم، قال: إن لم يكن فيّ مصطنعٌ فلا حاجة بي إلى الحياة، ولست أرضى أن أكون طليق شفيعٍ وعتيق ابن عمّ، قال: اخرج فإنّك جاهل، أنت عتيقهم ما حييت.
٨ - عدا كلبٌ خلف غزالٍ فقال له الغزال: إنك لا تلحقني، قال: لم؟ قال: لأني أعدو لنفسي، وأنت تعدو لصاحبك.
٩ - قال فيلسوف: أحيوا قلوب إخوانكم ببصائر نيّاتكم كما تحيون موات البلد بنوامي البذر، فإنّ نفسًا تنقذ من الشّبهات أفضل من أرضٍ تصلح للنّبات.
قال بعض البلغاء: فضل العلم المسموع على المال المجموع
[ ٨ / ١٥ ]
كفضل النّصل الصنع على الغمد الوضيع.
قال أعرابيّ: من كان مولى نعمتك فكن عبد شكره.
قال الحكيم بن عيّاش الكلبي: الطويل
صلبنا لكم زيداّ على جذع نخلةٍ ولم أر مهديًّا على الجذع يصلب
وقستم بعثمانٍ عليًّا سفاهةً وعثمان خيرٌ من عليٍّ وأطيب
بلغ قوله جعفرًا الصادق، ﵁، فرفع يديه إلى السماء وهما ترعشان فقال: اللهمّ إن كان عبدك كاذبًا فسلّط عليه كلبك. فبعثه بنو أميّة إلى الكوفة، فبينما هو يدور في سككها إذ افترسه الأسد، واتصل خبره بجعفرٍ فخرّ لله ساجدًا وقال: الحمد لله الذي أنجزنا ما وعدنا.
قال أعرابيّ: جليس الملوك ينبغي أن يكون حافظًا للسّمر، صابرًا على السّهر.
قلت لأبي النّفيس الرّياضي: كيف رأيت الدهر؟ قال: وهوبًا لما سلب، سلوبًا لما وهب، كالصبيّ إذا لعب.
[ ٨ / ١٦ ]
رأى فيلسوفًا إنسانًا سمينًا فقال له: يا هذا، ما أكثر عنايتك برفع سور جسمك.
وقيل لفيلسوف: إنّ فلانًا يحكي عنك كلّ سوءٍ، فقال: لأنه لا ينتهي إلى الخير فيحكي.
قال أعرابيّ: نفسك راحلتك، إن رفّهتها اضطلعت، وإن نفّهتها انقطعت.
كاتب: اتصل بي خبر الفترة في إلمامها وانحسارها، ونبأ الشّكاة في حلولها وارتحالها، فكاد يشغل القلق بأوّله عن السّكون لآخره، وتذهل عادية الحيرة في ابتدائه عن عائدة المسرّة في انتهائه، وكان التصرّف في كلتا الحالتين بحسب قدرهما: ارتياعًا للأولى، وارتياحًا للأخرى.
قال بعض السّلف: الأحمق إن تكلّم فضحه حمقه، وإن سكت فضحه عيّه، وإن عمل أفسد، وإن ترك ضيّع، لا يغنيه علمه، ولا ينتفع بعلم غيره، ولا يستريح زاجره، تودّ أمّه أنّها ثكلته، وتتمنى امرأته أنّها فقدته، يأخذ جليسه منه الوحشة، ويتمنّى جاره منه الوحدة، إن كان أصغر أهل بيته عنّى من فوقه، وإن كان أكبرهم أفسد من دونه.
[ ٨ / ١٧ ]
كان جرير بن إسماعيل جوادًا بماله معطاءً، فلامه روح بن حاتم المهلّبي على ذلك وقال له: إّني أخاف عليك الفقر وتعس الدّهر، فقال جرير: إّني أكره أن أترك حقًا قد وقع، خوفًا لأمر لعله لا يقع.
دخل أبو حنيفة على الأعمش وهو عليلٌ فجلس وأطال، ثم قال: لعلّي قد أثقلت عليك، فقال الأعمش: والله إنّي لأستثقلك وأنت في منزلك فكيف وأنت في منزلي؟! قال عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري: لا أماري صديقي، إمّا أن أكذبه وإمّا أن أغضبه.
قال أعرابيّ لسيّد قومه: أنت للأحرار غياثٌ ومفزع، ولأهل النّعم محلٌّ وموضع، ولذوي الحاجات موادٌ ومنتجع.
قال فيلسوف: كما أنّ البدن الخالي من النفس تفوح منه رائحة النّتن، كذلك النفس العديمة للأدب يظهر منها دليل النّقص.
وقال فيلسوف: ليس المؤمن من ينقص على النفقة ماله.
[ ٨ / ١٨ ]
قال فيلسوف: لتكن عنايتك بحسن استماع ما تفهمه في وزن عنايتك بحسن استعمال ما تكسبه.
قال الواقدي: أبو حنيفة النعمان بن ثابت مولى تيم الله بن ثعلبة بن بكر بن وائل؛ قال له رجلٌ من خيار بني تيم الله: ألست مولاي؟ قال أبو حنيفة: أنا والله لك أشرف منك لي.
ولد أبو حنيفة سنة ثمانين، ومات سنة خمسين ومائة، وعاش أبو حنيفة سبعين سنة، ومات ببغداد، وصلّى عليه الحسن بن عمارة.
قال أحمد بن الطيّب، قال بعض أصحابنا: بتّ ليلة بالبصرة مع جماعةٍ من المسجديين، فلما حان وقت السّحر حرّكهم واحدٌ فقال: كم هذا النوم عن أعراض الناس؟ قيل لعبيد ابن أبي محجن: أليس أبوك الذي يقول: الطويل
[ ٨ / ١٩ ]
إذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفني بالفلاة فإنني أخاف إذا متّ أن لا أذوقها
فقال: بل قوله أجمل من هذا حين يقول: البسيط
لا تسألي القوم عن مالي وكثرته وسائلي القوم ما ديني وما خلقي
هل يعلم القوم أنّي من سراتهم إذا تطيش يد الرعديدة الفرق
أعطي السّنان غداة الرّوع حصّته وعامل الرّمح أرويه من العلق
عفّ الإياسة عمّا لست نائله وإن ظلمت شديد الظّلم والحنق
وأكشف الماقط المكروه غمّته وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
قيل لعبّاد بن الحصين، وكان أشدّ أهل البصرة: في أي عددٍ تحبّ أن تلقى عدوّك؟ قال: في أجلٍ مستأخر.
قصد قومٌ من الطّفيليين وليمةً فقال رئيسهم: اللهمّ لا تجعل البوّاب لكّازًا في الصّدور، دفّاعًا في الظّهور، طرّاحًا للقلانس، هب لنا رأفته ورحمته ويسره، وسهّل علينا إذنه؛ فلمّا دخلوا تلقّاهم فقال متكلّمهم: غرّةٌ مباركة، موصولٌ بها الخصب، معدومٌ معها الجدب؛ فلمّا جلسوا
[ ٨ / ٢٠ ]
الخوان قال: جعلك الله كعصا موسى، وخوان إبراهيم، ومائدة عيسى في البركة؛ ثم قال لأصحابه: افتحوا أفواهكم، وأقيموا أعناقكم، وأجيدوا اللّف، وأترعوا الأكفّ، ولا تمضغوا مضغ المتعلّلين الشّباع المتخمين، واذكروا سوء المنقلب، وخيبة المضطرب، كلوا على اسم الله تعالى.
قال عبد الله بن المبارك: كتبت عن أفقه الناس أبي حنيفة، وأعبد النّاس الحسن بن صالح، وأزهد النّاس الثّوري، وأورع الناس عبد العزيز بن أبي رواد.
قال ابن المبارك: كان أبو حنيفة آيةً، قيل: في ماذا؟ قال: اذكروا فيه من الخير ما شئتم؛ قال بعض أهل العصبيّة: إنّما أراد الشرّ، قيل له: فقال الله تعالى: " وجعلنا ابن مريم وأمّه آيةً " وما أراد الله الشر، فقبله.
قال عمر بن سليمان العطّار: كنت بالكوفة أجالس أبا حنيفة، فتزوج زفر فحضر أبو حنيفة فقال له: تكلّم، فقال في خطبته: هذا زفر بن الهذيل، وهو إمامٌ من أئمة المسلمين، وعلمٌ من أعلامهم في حسبه وشرفه
[ ٨ / ٢١ ]
وعلمه، فقال بعض قومه: ما يسوءنا أن غير أبي حنيفة يخطب حين ذكر خصاله ومدحه، وكره ذلك بعض قومه وقال: حضر قومك وأشراف بني عمك، مثل أبي حنيفة يخطب؟! فقال: لو حضرني أبي لقدّمت أبا حنيفة.
اشترى محمود الورّاق جاريةً، وكانت بطنها واسعةً، فلما ركب صاح: الغريق! فقالت له أخرى: أخرج المرديّ وأنت على الشطّ! تباعد ما بين يحيى بن خالد وعليّ بن عيسى بن ماهان، فوجّه عليّ أبا نوحٍ ليعرف ما في نفس يحيى، فكتب يحيى على يد أبي نوح: عافانا الله وإياك، كن على يقينٍ أنّي بك ضنين، وعلى التمسّك بما بيني وبينك حريص، أريدك ما أردتني أريدك ما نبوت عنّي، ما كان ذلك بك جميلًا، فإن جاءت المقادير بخلاف ما أحبّ نم ذلك لم أعد ما تحمد، ولم أتجاوز إلى شيءٍ مما تكره، هاجتني على الكتابة إليك مسألة أبي نوحٍ إياي إعلامك رأيي وهواي، فما تبدّلت ولا حلت، فجمعنا الله وإياك على طاعته.
ولد أبو بكر الأنباري سنة سبعين ومائتين، ومات سنة ثمانٍ وعشرين وثلاثمائة.
[ ٨ / ٢٢ ]
قال وهب: صفة المؤمن إيمانٌ في تقىً، وحزمٌ في يقين، وقصدٌ في لين، وقورٌ في الرّخاء، شكورٌ في البلاء صبور، إن أنعم عليه شكر، وإن ابتلي صبر، لا يحقر من دونه، ولا يزري على من فوقه.
قال وهب: المؤمن من يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو لينعم.
قال وهب: كانت مريم عند زكريا، فلمّا نبا بطنها وحملت قال لها زكريا: هل يكون الشّجر من غير مطر؟ وهل يكون الزرع من غير بذر؟ وهل يكون الولد من غير ذكر؟ قالت: نعم، الله خلق الجنّة بغير مطر، وخلق البذر قبل أن يخلق الزّرع، وخلق آدم من غير ذكر.
قال الشّعبي: الجاهل حصر، والحكيم حاكم، ولم يعرف قدر الجاهل من لم يجرّعه الحلم غصص الغيظ.
قال أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة: إثبات الحجّة على الجاهل سهل، ولكن إقراره بها صعب.
قيل لفيلسوف: ما الكلفة؟ قال: طلبك ما لا يواتيك، ونظرك فيما لا يعينك.
[ ٨ / ٢٣ ]
وقال عيسى بن مريم: الأمور ثلاثة: أمرٌ يتبيّن فيه رشده فاتّبعوه، وأمر تلبّس فيه غيّه فاجتنبوه، وأمرٌ اختلف فيه فردّوه إلى الله تعالى.
قال المعتمر بن سليمان: قال لي إيّاك أن تقتدي بزلاّت أصحاب رسول الله فتقول: فلانٌ لبس المعصفر، وفلانٌ كانت له جمّة، وفلانٌ شرب النبيذ، وفلانٌ لعب الشطرنج، وفلانٌ امتخط في الكتاب، وفلانٌ انتعل السّبت.
وصف رجلّ رجلًا فقال: كان والله سمحًا مرًّا سهلًا، بينه وبين القلب نسب، وبين الحياة سبب، إنّما هو عيادة مريض، وتحفة قادم، وواسطة قلادة.
وقال حمّاد الراوية: شاهدنا في هذا المسجد قومًا كانوا إذا خلعوا الحذاء، وعقدوا الحبا، وقاسوا أطراف الحديث، حيّروا السامع، وأخرسوا النّاطق - يعني مسجد الكوفة.
قال رجلٌ لبعض العلويّة: أنت بستان الدّنيا، فقال العلويّ وأنت النّهر الذي يشرب منه ذلك البستان.
قال رجلٌ لأبي عمر الزّاهد صاحب كتاب الياقوت في اللغة: أنت والله عين الدّنيا، فقال: وأنت بؤبؤ تلك العين.
[ ٨ / ٢٤ ]
سألت أبا سعيد السّيرافي عن أبي عمر فقال: لم يكن زاهدًا إّلا في الدّارين، قلت: أكان يتّهم في اللغة؟ قال: كيف لا يتّهم من يكذب؟! وسمعت غير أبي سعيد يقول ما هو قريبٌ من هذا، وطائفةٌ من الناس تأبى هذا فيه، وتزعم أنّه كان ثقةً مأمونًا.
أخذ عبّاسيّ طالبيًّا في العسس، فأراد أن يعاقبه فقال الطّالبيّ: والله لولا أن أفسد ديني بفساد دنياك لملكت من لساني أكثر ما ملكت من سوطك؛ والله إن كلامي لفوق الشّعر، ودون السّحر، وإنّ أيسره ليثقب الخردل، ويحطٌ الجندل، فاستحيى منه وخلّى عنه.
قال سوّار بن أبي شراعة، أنشدنا الرّياشي لعمرو بن حلّزة أخي الحارث بن حلّزة، قيل: وهي مصنوعة: الرمل
لم يكن إّلا الذي كان يكون وخطوب الدّهر بالنّاس فنون
ربّما قرّت عيونٌ بشجىً مرمضٍ قد سخنت منه عيون
يلعب الناس على أقدارهم ورحى الأيّام للنّاس طحون
يأمن الأيام مغترٌ بها ما رأينا قطّ دهرًا لا يخون
والملمّات فما أعجبها للملمّات ظهورٌ وبطون
إنّما الإنسان صفوٌ وقذىً وتواري نفسه بيضٌ وجون
لا تكن محتقرًا شأن امرئٍ ربّما كانت من الشان شؤون
[ ٨ / ٢٥ ]
قال فيلسوف: كما أنّ أواني الفخّار تمتحن بأصواتها فيعرف الصحيح منها من المنكسر، كذلك يمتحن الإنسان بمنطقه فتعرف حاله وطريقته.
قال فيلسوف: احتمال الفقر أحسن من احتمال الذلّ، على أن الرضا بالفقر قناعة، والرّضا بالذلّ ضراعة.
شاعر: الرجز
سحابةٌ صادقة الأنواء تجرّ حضنيها على البطحاء
بدت بنارٍ وثنت بماءٍ تثني بها الأرض على السّماء
تجمع بين الضّحك والبكاء
للمأمون: البسيط
وصاحبٍ ونديمٍ ذي محافظةٍ سبط اليدين بشرب الراح مفتون
نادمته ورواق الليل منخرقٌ تحت الصباح دفينًا في الرّياحين
فقلت خذ قال كفّي لا تطاوعني فقلت قم قال رجلي لا تواتيني
إنّي غفلت عن السّاقي فصيّرني كما تراني سليب العقل والدّين
قال أعرابيٌّ في خطبته: الحذر الحذر، فوالله لقد ستر حتى كأنّه غفر.
وقّع ابن الزيّات إلى عاملٍ له: توهمتك شهمًا كافيًا، فوجدتك
[ ٨ / ٢٦ ]
رسمًا عافيًا، لا محاميًا ولا وافيًا.
قال بعض السّلف: أفضل ما أعطيه الإنسان اللسان، وفي ترك المراء راحةٌ للبدن.
قال المبرّد، قال بعض السّلف: ضوالّ الكلام أحبّ إليّ من ضوال الإبل، قيل به: نحو ماذا؟ قال: كقول الشاعر: الطويل
وإنّي لأرجو الله حتى كأنّما أرى بجميل الظنّ ما الله صانع
أنشد ثعلب لعليّ بن مالك العقيلي: الطويل
أتيت مع الحدّاث ليلى فلم أبن فأخليت فاستعجمت عند خلائي
فقمت فلم أصبر فعدت ولم أحر جوابًا كلا اليومين يوم عياء
فيا عجبًا ما أشبه اليأس بالغنى وإن لم يكونا عندنا بسواء
[ ٨ / ٢٧ ]
قال بشّار: لقد عشت في زمانٍ وأدركت أقوامًا لو احتفلت الدّنيا ما تجمّلت إّلا بهم، وإنّي لفي زمانٍ ما أرى عاقلًا حصيفًا، ولا فاتكًا ظريفًا، ولا ناسكًا عفيفًا، ولا جوادًا شريفًا، ولا خادمًا نظيفًا، ولا جليسًا طريفًا، ولا من يساوي على الخبرة رغيفًا.
سأل رجلٌ أبا الهذيل فقال له: أفعال العباد مخلوقة؟ قال: لا، قال: فمن خلقها؟ قال أبو الهذيل: أنت مشجوج؟ قال: لا، قال: فمن شجّك؟ قال رجلٌ لابن سيّار: أتعجب من رجلٍ يتهيّبك مع قبح صورتك؟ قال: ليس من حسنه يهاب الأسد.
قيل لصوفيّ: أين الحقّ؟ قال: لو كان له أينٌ لم تثبت له عين.
قال رجلٌ لأبي الهذيل: ما الدليل على حدث العالم؟ قال: الحركة والسكون، فقال السائل: الحركة والسكون من العالم، فكأنك قلت الدليل على حدث العالم العالم دل على حدث العالم بغير العالم فقال أبو الهذيل: جئتني بسؤالٍ من غير العالم جئتك بجوابٍ من غير العالم.
عثر رجلٌ على امرأته وهي على فاحشةٍ فطلّقها، فاجتمع أهلها إليه وقالوا: عرّفنا ما رأيت من زوجتك، فما رأيت فيها؟ قال: سبحان الله، امرأةٌ كان زمامها بيدي وكنت بعلًا لها لم أبح بما كان منها، فلمّا بانت منّي، وصارت غريبةً أفضحها؟! لا يكون ذلك أبدًا.
[ ٨ / ٢٨ ]
جاء رجلّ إلى النبي ﷺ فقال له: صف لي الجنّة؟ فقال: " فيها فاكهةٌ ونخلٌ ورمّانٌ "؛ وجاء آخر فقال بمثل قوله، فقال: " سدرٌ مخضود، وطلحٌ منضود، وفرشٌ مرفوعة، ونمارق مصفوفة "؛ وجاء آخر فسأله عن ذلك فقال: " فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين "؛ وجاء آخر فسأله فقال: " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". فقالت عائشة: ما هذا يا رسول الله؟ قال: " إنّي أمرت أن أكلم الناس على قدر عقولهم ".
حضّ منصور بن عمّار الناس على الغزو في فناء دار الرشيد بالرّقة، وطرحت امرأةٌ من حاشيته صرّةً تصحبها رقعةٌ قرئ فيها: رأيتك يا ابن عمّار تحضّ على الجهاد، وقد ألقيت إليك ذؤابتي فلست أملك والله غيرها، فبالله إّلا جعلتها قيد فارس غازٍ في سبيل الله تعالى، فعسى الله ﷻ يرحمني بذلك، فارتجّ المجلس بالبكاء، وضجّ بالنّحيب، وتعجّب الناس من ذلك.
قال النبيّ ﷺ: " ما تعدّون الرّقوب فيكم؟ قالوا: التي لا يبقى لها ولد، قال ﵇: " بل الرّقوب الذي لم يقدّم من ولده شيئًا ".
ذبحت عائشة شاةً فتصدّقت بها، وتركت كتفًا منها، فقال النبيّ صلّى الله عليه: " ما عندك منها "؟ قالت: ما بقي إّلا كتفٌ، قال: " كلّها بقي إّلا كتف ".
[ ٨ / ٢٩ ]
شاعر: الخفيف
لا أعدّ الإقتار عدمًا ولكن فقد من قد رزئته الإعدام
كان الفضيل يعظ ابنه كثيرًا على الزّهد ويقول: يا بنيّ، ارفق بنفسك؛ وكان يومًا خلف الإمام يصلّي فسمع سورة الرحمن، فظلّ يتلوّى وأبوه ينادي: أما سمعت قوله: " حورٌ مقصوراتٌ في الخيام: فقال: يا أبت، لكني سمعت قوله: " يعرف المجرمون بسيماهم ".
قال ابن سيرين: سمع من النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله في تلبيته يقول: " لبّيك حقاّ حقاّ تعبدًا ورقًّا ".
رأى ابن عبّاس عروة بن الزّبير يومًا متنكرًا فقال له: ما شأنك؟ فقال: سلقني ابن عمّ لي بلسانه، فقال: خفّض عليك، فما من قومٍ فيهم غرّةٌ إّلا وإلى جانبه عرّة، وما ذئبٌ أغبس جائع بألحّ على فريسته ولا أنهك لها من ابن عمّ دنيٍّ على ابن عمّ سريّ.
سئل عبد الله بن المبارك عن معاوية وقيل به: ما تقول فيه؟ قال: ما أقول في رجلٍ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله في صلاته: " سمع الله
[ ٨ / ٣٠ ]
لمن حمده "، فقال من ورائه: ربّنا لك الحمد؟ سئل بعض العلماء عن الآيات التّسع التي كانت لموسى: ما هنّ؟ قال: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدّم، والبحر، ورفع الطور، وانفجار الحجر، وقيل بدل البحر الجبل والبحر: الطوفان والطمس.
سمعت الشيخ الإسماعيلي ينشد: الطويل
ألا قاتل الله الهوى ما أشدّه وأصرعه للمرء وهو جليد
دعاني إلى ما يبتغي فأجبته فأصبح بي يذهب حيث يريد
نظر رجلٌ من المجّان إلى رجلٍ كثير شعر الوجه فقال: يا هذا خندق على وجهك لا يتحول رأسًا.
قيل لفيلسوف، وكان محبوسًا: أّلا تكلّم الملك في إطلاقك؟ قال: لا، قيل: ولم؟ قال: لأن الفلك أحدّ أّلا يبقي على حدّ.
وقال عليّ بن أبي طالب ﵁ في دعائه: اللهمّ لا تحوجني إلى أحدٍ من خلقك، فقال رسول الله ﵌: " مهلًا يا عليّ، إنّ الله جلّ ثناؤه خلق الخلق ولم يغن بعضهم عن بعض ".
[ ٨ / ٣١ ]
قال ابن سلاّم، قال أبو حنيفة: رأيت في النوم كأنّي أنبش عظام النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله، فسألت فقيل: هذا رجلٌ يحيي سنّته.
يقال في الأمثال: من يزرع خيرًا يحصد غبطةً، ومن يزرع شرًّا يحصد ندامةً.
شاعر: الطويل
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدًا ندمت على التقصير في زمن البذر
سئل أحمد بن حنبل عن قول الناس: عليٌّ قاسم الجنّة والنار، قال: هذا صحيح، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله قال لعليّ بن أبي طالب: " لا يحبّك إّلا مؤمنٌ ولا يبغضك إّلا منافقٌ، فالمؤمن في الجنّة والمنافق في النار ".
قال رجلٌ لبعض الزهّاد: كم آكل؟ قال: فوق الجوع ودون الشّبع، قال: فكم أضحك؟ قال: حتى يسفر وجهك ولا يسمع صوتك، قال: فكم أبكي؟ قال: لا تملّ البكاء من خشية الله، قال: فكم أخفي عملي؟ قال: حتى لا يرى الناس أنّك تعمل حسنةً، قال: فكم أظهر من عملي؟ قال: حتى يأتمّ بك الحريص، وينقضي عنك قول الناس.
قال بعض النّسّاك: إنّ الشيطان يلعب بالقرّاء كما يلعب الصبيان بالكرة.
[ ٨ / ٣٢ ]
قال بلال بن سعد: من سبقك بالودّ فقد استرقّك بالشّكر.
قال النبيّ صلّى الله عليه: " الرغبة في الدنيا تطيل الهمّ والحزن، والزّهد فيها راحة القلب والبدن ".
قال بعض الصالحين: لو رأيت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولملت إلى الزيادة في عملك، ولقصّرت من حرصك وحيلك، فإنّما تلقى غدًا ندمك، وقد زلّت قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرّأ منك القريب، وانصرف عنك الحبيب، فلا أنت إلى الدّنيا عائد، ولا في عملك زائد، فاعمل يا مغرور ليوم القيامة، قبل حلول الحسرة والنّدامة.
وقال بعض السّلف: من هوان الدّنيا على الله ﷻ أن لا يعصى إّلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
وقال فيلسوف: إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته، وإذا أدركها الطالب لها قتلته.
سئل الزّهري عن الزّهد فقال: والله ما هو من خشونة المطعم
[ ٨ / ٣٣ ]
ولا من خشونة الملبس، ولا قشف الشّعر، ولا قحل الجلد، ولكنه ظلف النفس عن محبوب الشّهوة.
دعا أعرابيٌّ في الكعبة فقال: اللهمّ إني أسألك الخوف منك حين يأمنك من لا يعرفك، وأسألك الأمن منك حين يخافك من يغترّ بك.
نظر رجلٌ إلى فيلسوف فقال له: ما أشدّ فقرك، فقال له: لو علمت ما الفقر لشغلك الهمّ لنفسك عن الغمّ لي.
سمع أبو الدّرداء وهو يقول لبعيرٍ له: ألم أعلفك وأسقك وأحسن إليك.
قيل لشعبة: ما تقول في يونس عن الحسن؟ قال: سمن وعسل، قيل: فعوف عن الحسن؟ قال: خلّ وبقل، قيل: فأبان عن الحسن: قال: دعني لا أتقيأ.
قيل للحسن: إنّ ابن سيرين ما احتلم قطّ، قال: لأنّ الاحتلام عرس النّسّاك إذا علم الله تعالى منهم العفاف.
[ ٨ / ٣٤ ]
قال أبو ذرٍّ لغلامه: لم أرسلت الشّاة على العلف؟ قال: أردت أن أغيظك، قال: لأجمعنّ مع الغيظ أجرًا، أنت حرٌّ لوجه الله تعالى.
قال قتادة في قوله ﷿: " إنّه عملٌ غير صالحٍ ": أي سؤالك إيّاي ما ليس لك به علمٌ.
قال محمد بن شهاب الزّهري: كنت عند عبد الملك بن مروان فدخل عليه رجلٌ حسن الفصاحة، فقال له عبد الملك: كم عطاؤك؟ قال: مائتا دينار، قال: في كم ديونك؟ قال: في مائتي دينار، قال: أما علمت أنّي أمرت أن لا يتكلّم أحدٌ بإعراب؟ قال: ما علمت ذلك، قال: أمن العرب أنت أم من الموالي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن تكن العربية أبًا فلست منها، وإن تكن لسانًا فإنّي منها، قال: صدقت، قال الله تعالى: " بيلسان عربيٍّ ميبنٍ ".
قال ابن عيينة: إذا كانت حياتي حياة سفيهٍ، وموتي موت جاهل، فما يغني عنّي ما جمعت من طرائف الحكماء؟ قال عبد الله ابن إدريس: قال الله تعالى في أبي بكر الصّدّيق ﵁: ثاني اثنين إذ هما في الغار، وثاني اثنين في المشورة يوم بدر، وثاني اثنين في القبر، وثاني اثنين في الخلافة، وثاني اثنين في الجنّة.
قال الحسن البصري: إنّ في أحكام الدّنيا وما أنزل الله تعالى ما
[ ٨ / ٣٥ ]
يستدلّ به على غيب ما لا يرى من يقين الآخرة وعدل أحكامها، فما كان أشبه من أقرّ بالنّشأة الأولى أن يستدلّ بذلك على النشأة الأخرى، وما أشبه من عرف النّشور من النوم أن يستدلّ بذلك على النّشور من الموت، وما أشبه من عرف خلق أوّله أن يستدلّ بذلك على خلق آخره، وما كان أشبه من عرف ربّه أن يعترف بما وعده من خيرٍ أو شر، وما كان أشبه من عرف رضاه أن لا يخلّ بعملٍ يعمله، وما كان أشبه من توكّل له برزقه أّلا يتهمّ برزقه، وما كان أشبه من عرف ما يضرّه أن لا يؤثره على ما ينفعه، وكان أشبه من عرف ما ينفعه إّلا يدع ما ينفعه.
سأل رجلٌ ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الاستواء فقال: ويلك مجهول، والاستواء غير معقول، والإيمان به واجب.
وقال النزّال بن سبرة: سمعنا حذيفة يحلف لعثمان على أشياء ما قالها، وقد سمعناه قالها، فقيل له في ذلك فقال: أشتري ديني بعضه ببعضٍ مخافة أن يذهب كلّه.
قال شبيل بن عوف: من سمع بفاحشةٍ فأفشاها فهو كالذي أنشأها.
قال النّباجيّ: سمعت هاتفًا يقول: عجبًا لمن وجد عند المولى
[ ٨ / ٣٦ ]
كلّ ما يريد كيف ينزل حاجته بالعبيد.
قال أبو سليمان الدّاريّ: من طلب الدّنيا على المحبّة لها لم يعط منها شيئًا إّلا أكثر منه، ليس لهذه غاية، ولا لهذه نهاية.
دعا رجلٌ فيلسوفًا فأجابه، ثم دعاه مرةً أخرى فأبى عليه، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إنّه لم يشكرني على المرة الأولى.
قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان: إني لا أريد من الدنيا أكثر ممّا أعطى، فقال لي: لكني أعطى منها أكثر مما أريد.
قال أبو سليمان: الزّهّاد في الدّنيا على طبقتين: منهم من يزهد في الدّنيا ولا تفتح له روح الآخرة فهو يغتمّ في دنياه لأنّ نفسه قد يئست من شهواتها، وليس شيءٌ أحبّ إليه من الموت لما يرجو من نعيم الآخرة، ومنهم من يزهد وتفتح له روح الآخرة فليس شيءٌ أحبّ إليه من البقاء ليطيع.
قال أحمد بن أبي الحواريّ: سمعت أبا سليمان الدّاريّ يقول في رجلين تعبّدا وهما يشتهيان شهوةً وكلاهما لها تاركٌ، فخرجت من قلب أحدهما ولم تخرج من قلب الآخر، قال: الذي خرجت من قلبه أفضل، لأنه لم يخرجها فّلا شيءٌ من الآخرة، قال أحمد: فاختلفنا في المسألة بعباّدان وخرجنا إلى البصرة ولقينا رباحًا القيسيّ فوافقني عليها.
[ ٨ / ٣٧ ]
كان أبو سليمان يقول: إنّ الله تعالى أكرم من أن يعذّب قلبًا بشهوةٍ تركت من أجله، وذلك أنه قال: " من صدق في ترك شهوةٍ كفي مؤونتها ".
وقال أبو سليمان: أرجو أن أكون قد بلغت من الرّضا طرفًا ولو أدخلني النار لكنت بذلك راضيًا.
قال السّريّ السّقطيّ: إذا رأيت الله تعالى يوحشك من الخلق، فاعلم أنّه يريد أن يؤنسك بنفسه.
قال إسماعيل بن زياد أبو يعقوب: قدم علينا ها هنا بعبّادان راهبٌ من الشام ونزل دير أبي كبشة، فذكروا حكمة كلامه، فحملني ذلك على لقائه، فأتيته وهو يقول: إنّ لله عبادًا سمت بهم هممهم نحو عظيم الذّخائر، قالتمسوا من فضل سيّدهم توفيقًا يبلغهم سموّ الهمم، فإن استطعتم أيّها المرتحلون عن قريبٍ أن تأخذوا ببعض أمرهم فإنّهم قومٌ قد ملكت الآخرة قلوبهم فلم تجد الدّنيا فيها ملبثًا، فالحزن بثّهم، والدّمع راحتهم، والدؤوب وسيلتهم، وحسن الظنّ قربانهم، يحزنون بطول المكث في الدّنيا إذا فرح أهلها، فهم فيها مسجونون، وإلى الآخرة منطلقون. فما سمعت موعظةً أنفع لي منها.
قال معاوية بن قرّة: كنّا لا نحمد ذا فضلٍ عند فضله، فصرنا
[ ٨ / ٣٨ ]
اليوم نحمد ذا شرٍّ لا يفضل عنه شرٌّ.
يقال إنّ يوسف ﵇ كتب على باب السجن: هذه منازل البلوى، وقبو الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء.
قال بعض السّلف: معادن البهاء لا يقطع بين متّصلها تفاوت الأعمار، ولا يعفّي آثارها بلى الأبدان، وليس كلّ من يحكي الحكمة كان من أهلها، أولئك أبناء الدّنيا وخول الجهل، المحجوجون باستعارة اسمها، المسلوبون منفعة عواقبها، ولكنّ أبناء الحكمة الذين حبوا بموت الدّنيا في عقولهم، ونعموا بتخليتها من قلوبهم، الذين أخلق عندهم جديد العبر، وغيّبها عنهم مشاهدتهم غيب المعاد، وانتقالهم إلى دار اليقين.
غضب الإسكندر على شاعرٍ فأقصاه وفرّق ماله في الشعراء، فقيل له: أيّها الملك بالغت في عقوبته، قال: نعم، أمّا إقصائي إياه فلجرمه، وأمّا تفريقي ماله في أصحابه فلئلاّ يشفعوا فيه.
وقيل للإسكندر: إنّ فلانًا يجود في السّكر بما يسحّ به في الصّحو، قال: لا يحمد، لأنّ الصّحو عقلٌ والسّكر مباينٌ للعقل.
بلغ الإسكندر موت صديقٍ له فقال: ما يحزنني موته كما يحزنني أنني لم أبلغ من برّه ما كان أهله مني، فقال له فيلسوف: ما أشبه هذا القول بقول ابني وهو يجود بنفسه: ما يحزنني موتي كما يحزنني ما فات من إظهار بأسي وبلائي في العدوّ.
[ ٨ / ٣٩ ]
قال أحمد بن أبي الحواريّ، سمعت أبا سليمان يقول: أهل قيام الليل على ثلاث طبقات: فمنهم من إذا قرأ بكى، ومنهم من إذا قرأ صاح، ومنهم من إذا قرأ تفكّر ولم يبك، فبهتّ، فقلت له: ما تفسيره؟ فقال: ما أقوى على تفسيره؛ قال أحمد: كان والله عارفًا له لكنّه كان لا يطيق أن يتكلم به.
كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي يدعوه إلى الأرض المقدّسة، فكتب إليه سلمان: إن بعدت الدار من الدار فإنّ الرّوح من الرّوح قريب، وطائر السماء على إلفه من الأرض يقع.
كان آخر من مات من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله: بالمدينة جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر بمكّة، وأنس بن مالك بالبصرة، وعبد الله ابن أبي أوفى بالكوفة، وأبو أمامة الباهليّ بالشام.
قال بعض السّلف: يقال: صفوة الله تعالى من خلقه أهل التوحيد، وصفوته من أهل التوحيد أهل السّنّة، وصفوته من أهل السّنّة أهل الورع عن محارم الله تعالى، وصفوته من أهل الورع أهل الزّهد، وصفوته من أهل الزّهد أهل البصيرة، وصفوته من أهل البصيرة أهل الخضوع والتواضع.
[ ٨ / ٤٠ ]
قال محمد بن حبيب، حدّثني أبي قال: دعانا محمد بن العبّاس العتبيّ، وكان من الصالحين، وعنده جماعةٌ، وكان فيهم أحمد بن عبد الرزّاق، فقدّم إلينا خبيصٌ فأخذ أحمد لقمةً من القصعة فناولني إياها وقال: اجعلها أنت بيدك في فمي. ففعلت، قال لي: أتدري بم فعلت هذا؟ إنّه يروى: من لقّم أخاه لقمةً حلوةً وقاه الله تعالى مرارة يوم القيامة، فأحببت أن تلقمنيها حتى يوقيك الله تعالى مرارة يوم القيامة.
لسعية بن غريض اليهوديّ: السريع
هاجك بالروض وقريانها دارٌ تعفّت بعد إخوانها
تسري عليها كلّ حنّانةٍ مولعةٍ منها بجولانها
مفصّوة الأجزاع مجهولةٍ كأنّما أعين خزّانها
جزع كعابٍ خانه سلكه بين تراقيها وأردانها
يهدي لها الأرواح من ريحها نفح خزاماها وحوذانها
وله أيضًا في رواية ابن حبيب: المتقارب
لقد هاج نفسك أشجانها وعاودك اليوم أديانها
بذكرّ ليلى وما ذكرها وقد قطعت منك أقرانها
[ ٨ / ٤١ ]
ودويّةٍ سبسبٍ مرعشٍ من البيد تعزف جنّانها
وعيرانةٍ كأتان الثّمي يل تمرح في الآل أشطانها
وقفت عليها فساءلتها وقد ذهب الحيّ ما شانها
قال الصّولي: كنّا عند المبرّد يومًا فاجتاز به رجلٌ فقال له أبو العبّاس: قد كلّمتك في فلان، فقال الرجل: قد سمعت وأطعت، وشغلت بضاعته، فما كان من نقصٍ فعليّ، وما كان من زيادةٍ فله، فقال المبرّد: لله درّك، أنت كما قال زهير بن أبي سلمى: الوافر
وسارٍ سار معتمدًا إلينا أجاءته المخافة والرّجاء
ضمنّا ماله فغدا سليمًا علينا نقصه وله النّماء
قال المبرّد، قال رجلٌ من الرّافضة: كان جرير والفرزذق يقولان: الحمد لله الذي شغل السيّد الحميريّ عنّا بمذهبٍ وإّلا لم نكن معه في شيء، قلت له: إنّهما لم يرياه، قال: فسمعا به، قلت: ولم يسمعا به، كان بعدهما، قال: فقدّما قولًا فيه، قلت: ما كان الوحي ينزل عليها، قال: فرأياه في النّوم فقالا هذا، فقلت: " أضغاث أحلامٍ وما نحن بتأويل
[ ٨ / ٤٢ ]
الأحلام بعالمين " فقال: والله لقد تلي هذا فيه، قلت: يمينٌ فاجرةٌ، قال: أنت والله تنصب منذ اليوم.
وقف أحمد بن الطّيّب السّرخسي على المبرّد يومًا مسلمًا، فقال المبرّد: أنت والله كما فقال البحتري: الوافر
خصال النّبل في أهل المعالي مفرقةٌ وأنت لها جماع
قال المبرّد: قصدني رجلٌ فاستشفع بي في حاجةٍ وأنشدني لنفسه: البسيط
إنّي قصدتك لا أدلي بمعرفةٍ ولا بقربى ولكن قد فشت نعمك
فبتّ حيران مكروبًا يؤرقني ذلّ الغريب ويغشيني الكرى كرمك
ما زلت أنكب حتى زلزلت قدمي فاحتل لتثبتها لا زلزلت قدمك
فلو هممت بغير العرف ما علقت به يداك ولا انقادت له شيمك
قال المبرّد: فبلّغته جميع ما قدرت عليه.
قال الإسكندر لمّا قتل دارا: إنّ قاتل دارا لا يعيش.
قيل لديوجانس: لم تأكل في السّوق؟ قال: لأنّي جعت في السّوق.
[ ٨ / ٤٣ ]
ورأى رجلًا قد خصب شيبه فقال: يا هذا أخفيت شيبك فهل تقدر أن تخفي هرمك؟ ورأى ديوجانس رجلًا يدعو ربّه أو يرزقه الحكمة فقال: لو قبلت الأدب رزقتها.
ورأى غلامًا أسود يرمي بالحجارة فقال: لا ترم لعلّك تصيب أباك ولا تعلم.
ورأى صبيًّا يشبه أباه فقال: نعم الشاهد أنت لأمّك.
قال الرّياشي: حدّثنا أبو حفص الغفاريّ عن رجلٍ من الأنصار قال، أخبرني من سمع الأحوص بن مالك رافعًا عقيرته يقول: الطويل
لعمرك ما جاورت غمدان طائعًا وقصر شعوبٍ أن أكون بها صبّا
ولكنّ حمّى أضرعتني ثلاثةً فجاوزتها ثمّ استمرّت بنا غبّا
ومصرع إخوانٍ كأنّ أنينهم أنين المكاكي أنقرت بلدًا خصبًا
قال المفجّع: المكاكيّ جمع مكّاءٍ، وأنقرت: أقامت، والمنقر: المنزل، ومنه سمّي الرجل، ومنه قول الآخر:
[ ٨ / ٤٤ ]
ونقّري ما شئت أن تنقّري
قال: ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: الخفيف
قلت لا بدّ أن أنقّر عنك نّ فحاجرنني بعبد مناف
أي لا بدّ أن أعرف منزلكنّ.
قال: فيروى في شعر الأحوص: وقصر شعوب بالرفع، ويقال: شعوب: المنيّة، قال المنانيّ: الكامل
ذهبت شعوب بماله وبأهله إنّ المنايا للرجال شعوب
والمرء من ريب النون كأنّه عودٌ تعاوره الرّعاء ركوب
نصبًا لكلّ مصيبةٍ يرمى بها حتى يصاب سواده المنصوب
قال: ومن روى وقصر بالنصب قال: هو موضعٌ؛ قال ويروى:
ولكنّ حمّى أضرعتني ثلاثةً مجرمةً ثم استمرّت بنا غبّا
يعني ثالثة أشهر تامّة.
قال المفجّع: حدّثنا أبو يعقوب النّحوي قال، حدّثنا الرّياشي قال، سمعت القحذميّ يحدّث عن ابن دأبٍ قال: فقدت امرأةٌ من بجيلة أخًا لها، فجعلت تنشده في قبائل العرب حتى انتهت إلى حيًّ من الأحياء فقالوا: قد وجدته ولم تجديه، وجاءوا بها إلى قبرٍ مكتوبٍ عليه: الطويل
أليحا لليلى قبر من لو رأيته يجود وتأبى نفسه وهو ضائع
سقيطٌ كجثمان الخلى لم يلطف به حميمٌ ولم تذرف عليه المدامع
إذًا لرأيت الذّلّ والضّيم قد بدا لليلى ولم يدفع لك الضّيم دافع
[ ٨ / ٤٥ ]
قال المفجّع: الخلى ها هنا هو العود المقطوع من النّبات؛ قال: وسمعت المبرّد يقول: الجثمان: الشخص، والجسمان - بالسين -: الجسم: والشّجى ها هنا: الغصص، وأصله عويدٌ يعترض في الحلق.
وأنشد لابن دريد: الكامل
نهنه بوادر دمعك المهراق أيّ ائتلاف لم يرع بفراق
لا تغلبنك على العزاء خواطرٌ للشّوق هنّ رواشف الآماق
كم ذا تحنّ إلى العراق وأهله كم تامت الدّنيا بغير عراق
لقي رجلٌ داود الطّائي فقال: من أين يا داود وإلى أين؟ قال داود: استوحشت من الناس وأنست بالله تعالى، فقال: يا داود، هذا إن قبلك، فصاح صيحةً وخرّ مغشيًا عليه ثم أفاق فقال: نبّهك الله إذ نبّهتني.
قيل لرابعة: أيّ عملك أرجى إليك عندك؟ قالت: أرجى عملي عندي خوفي أن لا يقبل.
وقال النبيّ صلّى الله عليه في دعائه: " اللهمّ ارزقني حبّك وحبّ ما ينفعني حبّه عندك؛ اللهمّ ما رزقتني ممّا أحبّ فاجعله قوةً لي فيما تحبّ، وما زويت عنّي ممّا أحبّ فاجعله فراغًا لما تحبّ ".
نظر بعض العارفين إلى آخر في محفلٍ يدعو إلى الله فقال له:
[ ٨ / ٤٦ ]
إنّي خفت عليك العجب من كثرة الناس، فقال: إنّما يعجب المؤمن أمرٌ هو منه، فأمّا من أمره من غيره ففيم العجب؟ وأنشد: الطويل
وصفت التّقى حتى كأنّك ذو تقىً وريح الخطايا من ثيابك يسطع
ولم تعن بالأمر الذي هو واجبٌ وكلّ امرئٍ يعنى بما يتوقّع
قال ثعلب: الأجهر: الذي لا يبصر بالنهار، والأعشى: الذي لا يبصر بالليل، يقال: عشا يعشو إذا أصابه شيءٌ فضعف بصره، وعشي يعشى إذا كان الضعف في البصر خلقةً؛ وقال الأصمعيّ: لا يعشى إّلا من بعد ما يعشو، أي لا يعمى إّلا من بعد ما يضعف بصره.
تقدّم الأشعث بن قيس إلى شريحٍ قاضي الكوفة فقال: يا أبا أميّة، لعهدي بك وإنّ شانك لشوين، فقال شريح: يا أبا محمد، أنت تعرف نعمة الله تعالى على غيرك، وتجهلها من نفسك.
قيل لابن عيينة: إنّ فلانًا ينتقضك، فقال: نطيع الله فيه مقدار ما عصى الله فينا.
وكان من سؤدد العبّاس في الجاهلية أن جفنته كانت تروح على فقراء عبد مناف، ودرّته على سفهائهم.
قال ابن السّمّاك: ما المشتار الجنيّ، مع الرّازقيّ الشهيّ، بأحبّ إلى الفاجر الشقيّ، من أن يغتاب المؤمن التقيّ.
[ ٨ / ٤٧ ]
هكذا قال: المشتار، وقد جاء في شعر عديّ بن زيد، والمشهور: شرت العسل فهو مشور.
أهدي إلى عمر بن عبد العزيز تفاحٌ لبنانيّ، وكان قد اشتهاه، فردّه، فقيل له: قد بلغك أنّ النبيّ ﵌ كان يأكل الهديّة، فقال عمر: إنّ الهدية كانت لرسول الله ﵌ هديّة، ولنا رشوة.
قال المبرّد: مات ابن عمٍّ لأبي محلّم السّعدي يقال له الخليل بن أوس من أهل عسكر مكرم وخلّف عشرين ألف دينار فأوصى بها لأبي محلّم، وقال: من يرثني غيره؟ فدفعوا المال إليه فأبى أن يأخذه وقال: من هذا العلج حتى أرثه؟ والله ما وشجت بنا رحمٌ، فقال أبو هفّان: يا رقيع، خذ المال وارجع قرشيًّا إن شئت أو تميميًا، فكلٌ أحدٍ يقبلك ويحلف عنك، فأبى، فقال أبو العيناء: رغبت يا أبا محلّم في الدعوة حين زهد الناس فيها، وزهدت في المال حين رغب فيه الناس، قال المبرّد: وعنّفته في ترك المال فما قبل فغاطني فقلت: الوافر المجزوء
يقول دعيّ سعدٍ حي ن لم يرني وقد أمنا
أنا السّعديّ إن سكتوا فقلت له وأين أنا
ذكر المعتضد بين يدي المبرّد فقال: هو كما قال الأخطل: الكامل
[ ٨ / ٤٨ ]
تسمو العيون إلى إمام عادلٍ معطى المهابة نافعٍ ضرّار
وترى عليه إذا العيون رمقنه سمة الحليم وهيبة الجبّار
قال المبرّد: قال لي عمارة بن عقيل وكانت في يدي كأسٌ مائلةٌ: إنّ كأسك لعلى عدواء.
قال: قال ابن الأنباري، قال المبرّد: حذفوا الهاء من طالق لأنّه بمعنى شخص طالق، وكذلك رجلٌ ضحكة، وأبطل أصحاب الفرّاء هذا وقالوا: يلزمه أن يقول: زيدٌ قائمةٌ على معنى: نسمة قائمة، وهذا محال.
قال عبد الصّمد بن المعذّل: الرجز
يا ربّ إن كنت ترى المبرّدا إن قاس في النّحو قياسًا أفسدا
ويكسر الشّعر إذا ما أنشدا وإن تحسّى الكأس يومًا عربدا
فاقدر له حيّة قفٍّ أسودا أنيابه عوجٌ كأمثال المدى
لو نكز الفيل العظيم الأربدا بنابه جرّعه كأس الرّدى
رأى فيلسوف معلّمًا يعلّم جاريةً ويعلّمها الخطّ فقال: لا تزد الشرّ شرًّا.
[ ٨ / ٤٩ ]
ورأى جاريةً تحمل نارًا فقال: نارٌ على نار، والحاملة شرٌّ من المحمولة.
ورأى مرةً امرأةً قد حملها السّيل فقال: زادت على كدرٍ كدرًا، والشرّ بالشرّ يهلك.
ورأى امرأةً في ملعبٍ فقال: ما خرجت لترى ولكن لترى.
وسمع رحلًا يذكره بسوءٍ فقال: ما علم الله منّا أكثر ممّا تقول.
ورأى امرأةً تبكي على ميتٍ فقال لها: إن كان من رأيك معاودة الأكل والشّرب فلا تبكي، وإن كان رأيك الصبر عنهما فعليك بالبكاء.
ورأى امرأةً عوراء تصنع نفسها فقال: نصف الشرّ شرّ.
قال الزّبير بن بكّار: اسم كلّ طعام يدعى عليه الجماعة: العرس، والإعذار، والخرس، والوكيرة، والنقيعة، والعقيقة، والمأدبة؛
[ ٨ / ٥٠ ]
فالعرس: طعام الوليمة، يقال: أولم على أهله؛ والإعذار: طعامٌ يتخذه الرجل لإعذار الصبيّ وهو ختانه؛ والوكيرة: طعام يتّخذه إذا بنى دارًا؛ والنّقيعة: ما يتّخذ من جنب عرض المغنم قبل أن يقسم؛ والعقيقة: طعامٌ يتّخذ إذا عقّ عن الصبي أي حلقت عقيقته، والعقيقة: شعر رأس الصبيّ إذا ولد.
للزّبير بن بكّار: الرجز
إن مطايا الحين أشباهٌ ذلل وطال ما قد غرّ بالسّهو الأمل
وإنّ حزب الله إخوانٌ وصل على الثأى لا خانةٌ ولا خذل.
لأحمد بن المعذّل: الرجز
أيّتها النفس اسمعي لقيلي أنت من الحياة في أصيل
وأنت صبّ الأمل الطويل فلا يغرّنك مدى التأميل
وقد دنت شمسك من أفول
سألت السّيرافي عن الزّنباع ما هو، قال: السّيّء الخلق والنون زائدةٌ.
لأبي الوليد الحارثي، وهو عبد الملك بن عبد الرحيم: الطويل
لعمري لقد بلّغت قومي أناتهم وأمهلتهم لو يرعوون لممهل
[ ٨ / ٥١ ]
وأسمعتهم رفع النداء فأعرضوا بأسماعهم عن قول عانٍ مكبّل
وما بهم أن لست من سرواتهم ولكنّ من يعثر به الدهر يخذل
أساءوا فإن أشك الإساءة منهم أعبهم وإّلا أشكهم أتململ
فما أنصفتني في الحكومة أسرتي ولا عدلوا عنّي هواهم بمعدل
لقوا وجه إجمالي بوجه إساءتي وما اعتدلت حالًا مسيءٍ ومجمل
قال عبد الكريم بن أبي العوجاء في وصف قوم: واله للحكمة أزلّ عن قلوبهم من المداد عن الأديم الدّهين.
قال يحيى بن خالد: رأيت شرّيب خمرٍ نزع، ولصًّا أقلع، وصاحب فواحش راجع، ولم أر كاذبًا رجع.
وقال يحيى بن خالد: ما سقط غبار موكبي على لحية أحدٍ إّلا أوجبت حقّه.
ليحيى بن خالد: الكامل
اللّيل شيّب والنهار كلاهما رأسي بكثرة ما تدور رحاهما
يتناهبان نفوسنا ودماءنا ولحومنا جهرًا ونحن نراهما
والشّيب إحدى الميتتين تقدّمت أولاهما وتأخّرت أخراهما
وقّع يحيى بن خالد في رقعة رجلٍ مليح الخطّ، رديء الكلام:
[ ٨ / ٥٢ ]
الخطّ جسمٌ روحه الكلام، ولا ينتفع بجسمٍ لا روح فيه.
قيل لابن سيّابة: ما نظنّك تعرف الله، قال: وكيف لا أعرف من أجاعني وأعراني وأدخلني في حر أمّي.
قال عتبة الأعور في سيّابة والد إبراهيم، وكان حجّامًا: المنسرح
أبوك أوهى النّجاد عاتقه كم من كميٍّ أدمى ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمه لم يمس من ثائرٍ على وجل
قال أبو حاتم، قال الأصمعي: أخذ يحيى بن خالدٍ بيدي فأقدمني على قبرٍ بالحيرة فإذا عليه مكتوبٌ: السريع
إنّ بني المنذر عام ابتنوا بحيث شاد البيعة الراهب
تنفح بالكافور أردانهم وعنبرٍ يقطبه القاطب
والخبز واللحم لهم راهنٌ وقهوةٌ راووقها ساكب
والقطن والكتّان أثوابهم لم يجب الصّوف لهم جائب
فأصبحوا أكلاّ لدود الثّرى والدّهر لا يبقى له صاحب
كتب رجلٌ إلى يحيى بن خالد رقعةً فيها: الطويل
شفيعي إليك الله لا شيء غيره وليس إلى ردّ الشّفيع سبيل
فأمره بلزوم الدّهليز، فكان يعطيه في كلّ صباحٍ ألف درهم، فلمّا استوفى
[ ٨ / ٥٣ ]
ثلاثين ألفًا مضى، فقال يحيى: والله لو أقام إلى آخر العمر ما قطعتها عنه.
أنشد ثعلب: المتقارب
فلمّا بصرنا به طالعًا حللنا الحبى وابتدرنا القياما
فلا تنكرنّ قيامي له فإنّ الكريم يجلّ الكراما
قال الصّولي: كمّأ عند ثعلب فغضب على المدائني النّحوي ثم سكن بعد إفراطٍ فقال: عوتب العتّابيّ في مخاصمة رجلٍ وقد زاد في القول فقال: إذا تشاجرت الخصوم، طاشت الحلوم، ونسيت العلوم.
قال العنزي: أنشدني شيخٌ من أسارى بني نمير أيام الواثق وهو مشورٌ على بعير مع جماعةٍ: الوافر
للبسي برنسي ونقاء عرضي أحبّ إليّ من جدد الثّياب
يروح المرء مختالًا بطينًا نقيّ الثّوب مطبوع الإهاب
فقلت له: ما مطبوع الإهاب؟ فقال: منطوٍ على بخور.
قال أبو العيناء: كلام ابن المقفّع صريح، ولسانه فصيح، وطبعه صحيح، كأنّ كلامه لؤلؤٌ منثور، أو وشيٌ منشور، أو روضٌ ممطور.
وقال أيضًا: حدّثني رجلٌ من قريش قال: لقيت النسّابة البكريّ بمنىً فقلت: أيّ الشعراء أغزل؟ فقال: أصدقهم وجدًا الذي إن
[ ٨ / ٥٤ ]
سمعت شعره أويت لقائله، أما نفث في سمعك قول حجازيّكم عبد الله جدعان النهدي، واستخفّه مرةً الوجد فقال وكان فارًّا في بلاد فزارة: الوافر
بكى وأقرّه الشمل الشّتيت وأسعدت الجبال به المروت
حجازيّ الهوى علقٌ بنجدٍ جويٌّ ما يعيش ولا يموت
تغاديه الهموم لها أجيجٌ ويسلمه إلى الوجد المبيت
كأن فؤاده كف غريق يمدها بشط البحر حوتُ
لهندٍ منك عينٌ ذات سجلٍ وقلبٌ سوف يألم أو يفوت
إذا اكتنفا بضرهما سقيمًا فليس على شفائهما مقيت
دعا عيسى بن علي ابن المقفّع إلى الغداء فقال: أعزّ الله الأمير لست يومي أكيلًا للكرام، قال: ولم؟ قال: لأنّي مزكومٌ، والزّكمة قبيحة الجوار، مانعةٌ من معاشرة الأحرار.
وكان ابن المقفّع يقول: إذا نزل بك مكروهٌ فانظر، فإن كان له
[ ٨ / ٥٥ ]
حيلة فال تعجز، وإن كان مما لا حيلة له فلا تجزع.
قال الأصمعي: قال ابن المقفّع لبعض الكتّاب: إيّاك والتّتبّع لوحشيّ الكلام طمعًا في نيل البلاغة، فإنّ ذلك العيّ الأكبر.
قال العتبيّ: قال ابن المقفّع: إنّ مما يسخّي بنفس العاقل عن الدنيا علمه بأنّ الأرزاق لم تقسم فيها على قدر الأخطار.
قال أبو سنان الغسّاني: كنت جالسًا مع وهب بن منبّه إذ جاء عطاءٌ الخراساني فجلس معنا، فقال له وهب: ويحك يا عطاء، تأتي من يغلق عليك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه، ويظهر لك غناه ويقول: ادعوني استجب لكم؟! ويحك يا عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك فإنّ أدنى ما فيها يغنيك ما يكفيك فإنّ أدنى ما فيها يغنيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس فيها شيءٌ يغنيك. ويحك يا عطاء، إنّما بطنك بحرٌ من البحور، ووادٍ من الأودية لا يملأه إّلا التراب.
قال وهب: وجدت في بعض الكتب: من استغنى بأموال الفقراء افتقر بها، وكلّ بيتٍ بني بقوت الضعفاء جعل آخره خرابًا.
قال وهب: بينما ركبٌ يسيرون إذ هتف بهم هاتف: الطويل
[ ٨ / ٥٦ ]
ألا إنّما الدّنيا مقيلٌ لرائحٍ قضى وطرًا من حاجةٍ ثم هجّرا
ألا لا ولا يدري على ما قدومه ألا كلّ ما قدّمت تلقى موفّرا
قال وهب: وجدت في بعض الكتب: الدّنيا غنيمة الأكياس، وعطيّة الجهّال.
قال وهب: قرأت في بعض الكتب: كلّ حيٍّ ميتٌ، وكلّ جديدٍ بالٍ.
قال عروة بن رويم اللخمي: إنّ يهوديًّا يقال به حنين نخس بامرأةٍ مسلمةٍ حمارًا فقمص فصرعها فوقعت فانكشفت، فكتب إلى عمر فكتب: ليس على هذا صالحناهم، قد خلع ربقة الذّمة من رقبته فاصلبوه حيًا. فلمّا نصب على خشبةٍ أتته امرأته وعليه خفّان جديدان فقالت: الآن تموت فما تصنع بالخفّين؟ فاجترّتهما عنه فجعل الناس يقولون: انقلبت بخفّي حنين.
ويعقوب بن السّكّيت قد قال غير هذا، ولكن قرأت هذا في أخبار المفجّع.
وقال ثعلب: من قرأ " جمع مالًا " بالتخفيف جمعه مرةً واحدةً، ومن قرأ: " جمّع مالًا " جمعه مرةً بعد مرةً، ومن قرأ: " وعدّده " جعله عدّةً، ومن قرأ: " وعدده " أراد أهله وناصريه.
[ ٨ / ٥٧ ]
قيل لصوفيّ: ما مثال الدنيا؟ قال: هي أقلّ من أن يكون لها مثل.
يقال: حفشت الأدوية إذا سالت كلّها، وحفشت المرأة على زوجها إذا أقامت عليه ولزمته، والحفش أيضًا: البيت القريب السّمك من الأرض.
وقال: الأسلوب: السّطر من الشّجر. هذا كلّه قاله المفجّع.
وأنشد: الوافر
أتته وهي جانحةٌ يداها جنوح الهبرقيّ على الفعال
والفعال بكسر الفاء: نصاب الفأس، وأما الفعال بالفتح فالكرم، هكذا قال الناس.
قيل لناسكٍ: ما الحيلة؟ ترك الحيلة.
وصف أعرابيٌّ قومًا فقال: كأنّ خدودهم ورق المصاحف، وكأنّ أعناقهم أباريق الفضّة، وكأنّ حواجبهم الأهلّة.
قال أبو حازم الأعرج: الدّنيا غرّت أقوامًا فعملوا فيها بغير
[ ٨ / ٥٨ ]
الحقّ، ففاجأهم الموت فخلّفوا مالهم لمن لا يحمدهم، صاروا إلى من لا يعذرهم، وقد خلفنا بعدهم، فينبغي أن ننظر إلى الذي كرهناه فنجتنبه، والذي غبطناهم به فنستعمله.
كتب الجاحظ في الملح: المزح متفاوت الأشكال في السّخف، كما أنّ الجدّ متفاوت الأقدار في الوزن، فلم نقصد إلى الباطل، ولا إلى ما لا يردّ نفعًا في عاجل، ولا مرجوع له في آجل، بل إنّما أردنا أن يكون ذلك الضحك إجمامًا للقوّة، وتنشيطًا على العمل، وقد حكى الله تعالى عن اليهود قولهم " يد الله مغلولةٌ " وإنّ الله فقيرٌ وهم أغنياء، فكانت الحكاية كفرًا مسخوطًا، وكذبًا مرفوضًا، ولست تعرف فضل النعمة عليك في حسن البيان حتى تعرف شدّة البليّة في قبح العيّ، ومتى سمعت التهكّم في القول، عرفت فضل النّعمة في الاقتصاد، ومن لم يعرف السّوء لم يجتنبه، ومن لم يعرف الإضاعة لم يعرف الحزم. وقيل لعمر: فلانٌ لا يعرف الشرّ قال: ذاك أجدر أن يقع فيه؛ قال النابغة: الطويل
ولا يحسبون الشرّ لا شرّ بعده ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب
ولآخر: الطويل
ولا يحسبون الشرّ حتى يصيبهم ولا يعرفون الخير إّلا تدبّرا
وكانت العرب تقول: نعوذ بالله من الرأي الدّبريّ؛ وقال جثّامة بن
[ ٨ / ٥٩ ]
قيس: البسيط
وقلّما يفجأ المكروه صاحبه حتى يرى لوجوه الشّرّ أسبابا
كاتب: فكيف لي في دهرٍ قد درست فيه أعلام الكرم، وعفت معالم الخير، وانقطعت موادّ النّبل، وصار الشّرّ وسيلةً، والدناءة ذريعةً، واللؤم حزمًا، والجود ضعفًا.
قال أعرابيّ لصاحبٍ له: لست أقتضي الوفاء بكثرة الإلحاح فأثقل عليك، ولا أقابل الجفاء بترك العتاب فأغتنم القطيعة منك.
قال أعرابيٌّ ليحيى بن خالد: لولا أنّك أمسكت من رمق المكارم لقامت عليها المآتم.
قال أعرابي: من كان لأهله كهفًا انسدّ، وجبلًا انهدّ، ونجمًا انقضّ، وعزًا تقوّض.
كاتب: الحمد لله الذي أعقب العبرة بالحبرة، وأبدل التّرحة بالفرحة، ووصل المصيبة بالموهبة، وجبر الرزيّة بالعطيّة، وفي كتاب الله سلوةٌ من فقدان كلّ حبيب وإن لم تطب النفس به، وأنسٌ من كلّ فقيدٍ وإن عظمت اللّوعة به.
كاتب: كتابي عن قلبٍ باخع، وطرفٍ دامع، وفؤادٍ لائع.
[ ٨ / ٦٠ ]
قيل: لم صار الأحدب أخبث الناس؟ قال: لأنه قرب فؤاده من دماغه، وقربت كبده من دماغه، فلمّا تقارب الأعضاء كان أخبث الناس.
قال بعض الصّالحين: كنّا نستعين على حفظ العلم بحسن العمل.
قال بعض الأطبّاء: اعلم أنك تأكل ما تستمري، وما لا تستمريه فهو يأكلك.
نظر أعرابيٌّ إلى رجلًا يغسل يده فقال: أنقها فإنّها ريحانة وجهك.
وقيل: أقلل طعامك، تحمد منامك.
وقال أعرابيّ: ممّا يزيد في طيب الطعام مؤاكلة الكريم الودود.
وأنشد لإسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي: السريع
يا من رماني الدّهر من فقده بفرقةٍ قد شتّتت شملي
ذكرت أيام اجتماع الهوى وقرّةً للعين بالوصل
ونحن في غرّة دهرٍ لنا نطالب الأيام بالذّجل
فكدت أقضي من قضاء الهوى عليّ بعد العزّ بالذّلّ
[ ٨ / ٦١ ]
وليس ذكري لك عن خاطر بل هو موصولٌ بلا فصل
هذا البيت المعنى، وله كتبنا ما تقدّمه، فلا تضجرنّ من الشّعر، فلم نحبّ أن ينوب عنه النّثر، وإن راع ظاهره وحسن.
سمع أعرابيٌّ في الطّواف يقول: يا أنيس المفردين، حططت رحلي بفنائك، وأنفذت زادي في لقائك، واستسلمت لقضائك، فما الذي يكون من جزائك؟ اجعل حظّي من وفادتي عتق رقبتي من النّار.
قال الأوزاعي: دع لأهل البصرة خصلتين وهما: القول بالقدر، والرّخصة بالخضخضة، واللتان لأهل الكوفة: تأخير السّحور، وشرب النبيذ، ولأهل مكة خصلتين وهما: الظّرف والمتعة، لأهل المدينة: السماع وإتيان النساء في أدبارهن، واللتان لأهل الشام: إيثار السلطان وبغض بني هاشم.
يقال: من أخذ باختلاف الفقهاء في الأحكام فسق، ومن أخذ بغرائب المحدّثين كذّب، ومن أخذ بدقائق المتكلمين كفر.
قال الحسن البصري: أربعٌ قواصم للظهر: إمامٌ تطيعه ويضلّك، وزوجةٌ تأمنها وتخونك، وجارٌ إن علم خيرًا ستره أو شرًّا نشره، وفقرٌ حاضرٌ لا يجد صاحبه عنه متلدّدًا.
[ ٨ / ٦٢ ]
سأل أعرابيٌّ الحكم بن عبد المطّلب فأوسعه خيرًا، فبكى الأعرابي فقال: ما يبكيك؟ قال: إنّي والله أنفس بك على الأرض أن تأكلك.
قال أبو بكر الصدّيق: أشقى الناس في الدنيا الملوك، فتغامز القوم فقال: أما علمتم أنّ الملك إذا ملك قصر أجله، ووكّلت به الروعة والحزن، وكثر في عينه قليل ما في يد غيره، وقلّ في نفسه كثير ما عنده.
قال إسحاق: وصف أعرابيٌّ رجلًا فقال: كان والله مطلول المحادثة، ينبذ الكلام إليك على أدراجه كأنّ في كلّ ركنٍ من أركانه قلبًا.
مطلول: من الطّلّ.
قال الفرّاء في النّوادر: أنشدني أبو صدقة الزّهري لفلان: الكامل
إنّي عجبت لكاعبٍ مردونةٍ أطرافها بالحلي والحنّاء
بيضاء تصطاد القلوب وتستبي بالحسن قلب المسلم القرّاء
قالت أزيدٌ أنت ما لك هكذا كالعبد مطليًّا بأيّ طلاء
كالقار لونك أو طليت برامكٍ أو مسّ جلدك هانئٌ بهناء
لا تعجبي منّي فدىً لك واسمعي أخبرك ما ينأى من الأنباء
أخبرك أنّ وضاءتي في ميعتي وغرارتي في عدّةٍ ونماء
[ ٨ / ٦٣ ]
إنّ الجميل يكون وهو مقصّرٌ والقوم فيما تمّ غير سواء
والمرء يلحقه بفتيان النّدى خلق الكريم وليس بالوضّاء
الوضّاء والحسّان والكرّام والكبّار، من الوضيء والحسن والكريم والكبير.
قال ثعلب: اشتكى الوليد عبد الملك وبلغه قوارص وتعريضٌ من سليمان بن عبد الملك وتمنّ لموته لما له من لعهد بعده، فكتب إليه يعتب عليه وفي آخر كتابه: الطويل
تمنّى رجالٌ أن أموت وإن أمت فتلك طريقٌ لست فيها بأوحد
وقد علموا لو ينفع العلم عندهم لئن متّ الدّاعي عليّ بمخلد
منيّته تجري لوقتٍ وحتفه سيلحقه يومًا على غير موعد
فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى تهيّأ لأخرى مثلها فكأن قد
فكتب إليه سليمان: قد فهمت ما كتب به أمير المؤمنين، فوالله لئن تمنّيت ذلك، تأميلًا لما يخطر في النفس، إنّي لأوّل لاحقٍ به، وأول منعيّ إلى أهله، فعلام أتمنّى ما لا يلبث من تمنّاه إّلا ريثما يحلّ السّفر بمنزلٍ ثمّ يظعنون عنه؟ وقد بلغ أمير المؤمنين ما لم يظهر على لساني، ولم ير في وجهي، ومتى سمع من أهل النّميمة، ومن لا رويّة له، أسرع ذاك في فساد النيّات، والقطع بين ذوي الأرحام، وكتب في آخر كتابه: الطويل
[ ٨ / ٦٤ ]
ومن يتتبّع جاهدًا كلّ عثرةٍ يصبها ولا يسلم له الدهر صاحب
فكتب إليه الوليد: قد فهم أمير المؤمنين كتابك فما أحسن ما اعتذرت به، وحذوت عليه، وأنت الصّادق في المقال، الكامل في الفعال، وما شيءٌ أشبه بك من اعتذارك، وما شيءٌ أبعد منك من الشيء الذي قيل فيك، والسلام.
٢٢٧ب - روى هذا ثعلب في المجالسات، وكان أبو بكر ابن مقسم يرويها، وسمعتها وهي تقرأ عليه اثنتين وخمسين، وعاش بعدها وكان شيخًا مكفوفًا حين لحقته، ولم أر شيخًا أوطأ منه ولا أهدأ، وله قراءاتٌ اختارها وأنكر الناس عليه ذلك، وله ملحمةٌ، وأكثر الناس يقولون: ظلم في هذه القصّة كما ظلم ابن شنبوذ حين آذاه ابن مجاهد، وذلك أن ابن شنبوذ وابن مقسم لم يقرأا ما قرأا بالأثر والحجّة والرّواية، ولم يخترعا ولم يختلقا، ولم ينزل الله تعالى اختيار ابن مجاهد من السماء، وإنّما اجتهد كما اجتهد من تقدّم، فليت شعري ما الذي هاجه على محاربة ابن شنبوذ حين قرأ " إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت الغفور الرحيم " مكان: العزيز
[ ٨ / ٦٥ ]
الحكيم، وحين قرأ ابن مقسم في وصف فرعون " إنّه كان من الغالين " بالغين معجمةً وقال: لا أصفه بالعلّو بل الغلّو، لأنّ الله تعالى قد نهى عن الغلّو في قوله " لا تغلوا في دينكم "، وهذا النّهي وإن توجّه إلى أهل الكتاب فإنّ المعنى فيه يعمّ الخلق، لأنّ العلّة قائمةٌ والحجّ بينة. ولابن مقسم في القرآن كتاب يسميه الأنوار يقدّم على كتب كثيرة.
٢٢٧ج - أما أنا فلم أر في القرآن كتابًا أبعد مرمىً، ولا أشرف معاني من كتابٍ لأبي زيد البلخي، وكان فاضلًا يذهب في رأي الفلاسفة، ولكنّه تكلّم في القرآن بكلامٍ دقيق لطيف، وأخرج سرائر ودقائق وسمّاه نظم القرآن، ولم يأت على جميع المعاني المطلوبة منه. وللكعبيّ أبي القاسم كتابٌ في التفسير يزيد حجمه على كتاب أبي زيد، ومات أبو زيد في سنّي نيّف وثلاثين وثلاثمائة، ويقال له جاحظ خراسان. لمّا ظهر أحمد بن سهلٍ أراده على الوزارة فأبى، فوزّر أبو القاسم، وكتب أبو زيد، وهلك أحمد عن عمرٍ قصير.
قال عليّ بن أبي طالب ﵁: إذا كانت في رجلٍ خلةٌ من خلال الخير غفر له ما سواها لها، ولا أعطي فقد دينٍ ولا عقل، لأنّ فقد
[ ٨ / ٦٦ ]
الدين خوفٌ، ولا عيش لخائفٍ، وفقد العقل موتٌ، ولا يعايش ميت.
هذا رواه لي بعض المجوس لبزرجمهر، ورواه لي بعض العلويّة لجدّه، ورواه لي آخر مرسلًا، والله أعلم وأحكم بالصواب، فالحكمة نسبتها فيها، وأبوها نفسها، وحجّتها معها، وإسنادها متنها، لا تفتقر إلى غيرها ويفتقر إليها، ولا تستعين بشيءٍ ويستعان بها؛ نسأل الله البرّ الكريم الرؤوف بالعباد أن لا يجعل حظّنا منها القول دون الفعل، والهداية دون الاهتداء.
سئل عليّ بن الحسين ﵄: لم أوتم النبيّ ﵌ من أبويه؟ قال: لئلاّ يوجب عليه حقٌّ لمخلوق. هذا معنىً لطيف، وأظنّ أنّه يحتاج إلى تفسير.
وقال موسى بن جعفر رضوان الله عليهما: ظنّي بالله حسن، وبالنبيّ المؤتمن، وبالوصيّ ذي المنن، وبالحسين والحسن.
وقال عليّ بن أبي طالب ﵁ في قوله::أكّالون للسّحت ": هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديّته.
وقيل عن عليٍّ ﵁ في قوله جلّ ثناؤه: " وفار التّنّور "، هو: أسفر الصبح. وهذا غريبٌ جدًا وما أحبّ أن أثق بكلّ غريبٍ، لأنّ القصّة في التنّور أظهر من أن يحمل اللفظ على المجاز بغير حجةّ، ويعدل عن المعنى الظاهر بغير بيان، ولو جاز لشنع القول وشاع الظنّ.
يقال: ما العثم، والعتم، والعجم، والعذم، والكظم، والعلم، والكتم، والعظم، والقصم، والرّقم، والوقم، والوسم، والوشم، والهتم، والطّعم، والرّشم، والغشم.
[ ٨ / ٦٧ ]
ويقال: ما الحقّ، والزّقّ، والدقّ، والرّقّ، والشّقّ، والعقّ، والنّقّ.
ويقال: ما الشّطّ، والبطّ، والخطّ، والحطّ، والغطّ، والقطّ، والعطّ، والمطّ، والأطّ.
نصل هذه الأحرف بالجواب قبل أن نتعرض فيها إلى ما يشغل عنها، ويبعد منها: أما العثم ففساد الجرح؛ وأما العتم - بالتاء - فهو البطء، ويقال: جاءنا عاتمًا، ومنه اشتقّت العتمة؛ وأما العجم فهو العضّ - بسكون الجيم - وأما العجم فالنّوى، والعجم: ضدّ العرب، وأعجمت الكتاب - بالألف - وعجمت الكتااب إذا رزته، والعجمة: سوء الفهم؛ العذم: التّوسّع في الأكل؛ وأما الكظم فحبس النّفس عند الغيظ؛ وأمّا العلم فمصدر علمت الشيء بالعلامة وعلمت، وأمّا المعلم - بكسر اللام - فالفرس ذو العلامة، وأمّا العلم فهو سمة الشيء وعلامته، ولا يكون علمًا إّلا بالإضافة إلى النّفس العالمة، والعالم هو الذي قد علم أي صار ذا علامةٍ بالحقّ، وأعلمت فلانًا خبرًا كأنّك وسمته بالعلامة؛ والكلام في هذا النّمط يطول، وعن غرض الكتاب يخرج؛ وأما الكتم فمصدر كتمه، والكتمان الاسم، والكتم - بحركة التاء - ما يخصب به الشّعر، وذلك لأنّه يكتم البياض؛ وأما العظم فمعروف، وسمعت من يقول: إنّ العظم في الشيء العظيم يشار به إلى هذا، والكالم بعضه دائرٌ إلى بعض؛ وأمّا الرقم فالعلامة، والرّقيم: المرقوم، والرّقوم جمع رقيم، وهي العلامات على الثّياب وغيرها، وفي الأمثال: فلانٌ يرقم على الماء، يشار به إلى
[ ٨ / ٦٨ ]
حذقه وتلطّفه وسحره واحتياله؛ وأما الوقم فمصدر وقمت عدوّك إذا ذلّلته، والأمر منه: قم يا هذا، كقولك في وجم إذا طرقته كآبةٌ: جم يا هذا، وبابه باب وعد يعد، ووصف يصف، لأنّ الواو فاتحة هذه الألفاظ فهي تزول في الأمر لضعفها، والعدوّ موقومٌ كما ترى، وأنت الواقم؛ وأمّا الوسم فالعلامة، تقول: سم يا هذا ناقتك، والسّمة: الاسم، والسّمة والسّم أيضًا - بالتخفيف - علامة، لأنّ عين الشيء توجد عاريةً من الدائر عليه المشار إليه؛ وأمّا الوشم فالغرز في الكف، وفي الخبر: لعن الله الواشمة والمستوشمة؛ وأما الهتم فمصدر هتمت فاه أي كسرته، والأهتم: الرجل، والفاعل هتمٌ، والمفعول مهتومٌ؛ وأمّا الطّعم فما يوجد في اللهوات من المآكل، وبضم الطاء هو المطعوم، وتقول: فلانٌ طيّب الطّعمة، وفلانٌ خبيث الطّعمة تريد الحلال والحرام، وإن أردت غير ذلك جاز مجازًا؛ وأمّأ الرّشم فإنّك تقول: رشمت كذا وكذا إذا جعلت عليه علامةً، وسمعت بدويًا يقول لآخر: والله لأرشمنّك بأنيابٍ، أي لأهجونّك، هكذا دلّ كلامه لأن صاحبه طالبنا بخفارةٍ فنهاه هذا القائل فلم ينته فتوعّدنا؛ وأمّا الغشم فالظّلم، والغاشم الفاعل.
ونقول في بابٍ آخر على اختصار، فإنّ الكلام مترادّ، والملل معترضٌ، والشهوة في طلب العلم فريضةٌ، والعائق قائمٌ.
يقال: ما الحقّ: هذا الاسم شهرته يغني عن الإفصاح، وسيمرّ في نظائره أوضح ممّا يمرّ ها هنا إن شاء الله؛ وأما الزّقّ فمصدر زقّه يزقّه زقًّا، والزّق لأنّه كان مزقومًا، وكذلك الزّقاق، وأما الزّقاق فجمعٌ؛ وأما الدّقّ فمشهورٌ؛ وأما الرّقّ فما يكتب فيه، والرّقّ أيضًا: ذكر السلاحف، والرّقّ - بالكسر -: خلاف العتق؛ والشّقّ: مصدر شققت
[ ٨ / ٦٩ ]
الثوب والطريق والعود، وأشققت أيضًا، وأما الشّقّ: فنصب النّفس والبدن، ومنه قوله تعالى: " لم يكونوا بالغيه إّلا بشقّ الأنفس " ويقال: المال بيني وبينك شقّ الأبلمة " ومن يشاقق الله " من هذا، ويقال: في رجله شقوقٌ، ولا يقال: شقاق، والشّقائق والشّقاق معروفان، والشّقّة الطريق الذي يشقّ على سالكه لبعده؛ وأمّا العقّ: فالشّقّ أيضًا وهو كا لقطع ولهذا يقال عق فلان أمة أي شق رحمها.
والعقيقة: شعرات رأس الوليد؛ وأمّا النّقّ فمصدر نقّ الضفدع إذا صاح، وفي الخبر: إن نقيقهنّ تسبيحٌ.
ونصل الكلام بما تلاه من هذه الحروف ثمّ نخرج إلأى ما جرى الرّسم به من النّثر والنّظم، فيوشك أن يكون هذا التطويل جالياّ لضيق الصّدر ومانعًا لاستعمال العلم: وأمّا الشّطّ فحرف الوادي، وهو أيضًا شقّ السّنام، ولكلّ سنامٍ شطّان كأنهما ناحيتان، وكذلك حرف الوادي. وأمّا البطّ فالوزّ، وهو أيضًا شقّ القرحة، والقرحة مبطوطةٌ؛ وإمّا الخطّ فما يخطّ الكاتب، والفرق بين الكتابة والخطّ أنّ الخطّ قد يكون كتابةٍ، والكتابة لا تكون خطًّا. وأمّا الحطّ: فمصدر حطّ السّعر وانحطّ: إذا نزل، خلاف قولك: غلا، والسّعر سمّي سعرًا للحرارة، ألا ترى أن السّعر - بفتح السين - مصدر سعرت النار إذا أضرمتها، قال الله تعالى: " وإذا الجحيم سعّرت " وفلانٌ مسعر حربٍ أي تهيج به الحرب، والمستعار: ما تحرّك به النار، كالمحراث؛ وأمّا الغطّ فمصدر غططته في الماء، وغتتّه أيضًا - بالطاء والتاء - وأنت غاطّ وغات، وهو مغتوتٌ ومغطوطٌ؛ وأمّا القطّ فالضرب، ومنه قول ابن عائشة: كانت ضربات عليٍّ أبكارًا، كان إذا اعتلى قدّ، وإذا اعترض قطّ، والقطّ - بالكسر - الكتاب، هكذا قيل في قول الله تعالى: " عجّل لنا قطّنا "؛ وأمّا العطّ فالشّقّ، يقال: أديم معطوط، ورداءٌ معطوط، وأمّا
[ ٨ / ٧٠ ]
المطّ فالمدّ؛ وأما الأطّ فمصدر أطّ يئطّ: إذا تحرّك أو صاح، ومنه: أطّت بك الرّحم.
نظر رجلٌ دميمٌ في المرآة فولّى وجهه وقال: الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه غيره.
توفي ابنٌ لأعرابيّ فعزّاه بعض إخوانه فقال: لا يتهم الله في قضائه، فقال: والله ما يتّهم غيره، ولا ذهب بابني سواه.
عري أعرابيٌّ فطلب خلقانًا فحرم، فتماوت، فجمعوا له ما اشتروا به كفنًا، ووضعوه عند رأسه، وذهبوا ليسخّنوا الماء، فوثب الأعرابيّ وأخذ الثّياب ولم يلحق.
شكا مزبّدٌ ضيق حاله يومًا فقال له صاحبه: أحمد الله الذي رفع السماء بالا عمد، فقال: ليته أصلح حالي وجعل على كلّ ذراعٍ عدّة أعمدة.
قال بعض الصّوفيّة: إذا كنت تحبّ الله وهو يبتليك فاعلم أنّه سيعافيك.
يعرض من هذا المعنى عجبٌ عاجب، فلولا أنّ الله تعالى يفعل ما يفعل من وراء عقل العاقل، وفوق معرفة العارف، لكان البال يتقسّم من هذا وشبهه، ولكان من أنعم النظر علم أنّ الله تعالى أوضح ما أوضح تسويغًا إلى الاعتراف به، وستر ما ستر استئثارًا بحقائقه، فالعقول بآثاره مشوقة، وعن حقائق
[ ٨ / ٧١ ]
الغايات معوقة، فمن أهمل ما ظهر فقد جهل الممكن، ومن بحث عمّا بطن فقد حاول الممتنع، أخبرك مكنون غيبه فيك، وخبرك في ظاهر إعلامه لك، فكان الإخبار لمكان الإلهيّة، وكان الإعلام لمكان العبوديّة، فلا تدع عبوديّةً هي قائمةٌ بك ومنطويةٌ فيك، لإلاهيةٍ غائبةٍ عنك عاليةٍ عليك، فاستقين أنّك مطلق الظاهر، مأسور الباطن، مخيّر العلانية، مملوك السّرّ، ولو تمكّنت كلّ التّمكّن كنت غنيًّا بنفسك، مستقلًاّ بشأنك، ولو حصرت كلّ الحصر كنت غير مخاطب ولا مطالب، وإن أفنيت حالك بين اختيارٍ ظهر لك، واضطرارٍ بطن فيك. ثمّ قوّم اختيارك بالاحتجاج عليك، ورفع اضطرارك بالجهل عنك، وصرت ترى إساءتك فتندم، وتشهد حسنتك فتفرح، ولو جبرنا بالجبر ما وجدت ندامةٍ ولا فرحًا، ولو تمنّينا بالاختيار ما سألت التوفيق، فهو أمرٌ مسندٌ إلى الله تعالى لعلمه الغائب عنك. وقوّم - أيّدك الله - توحيدك، وصحّح عقيدتك، وصفّ فؤادك، وزكّ عملك، واثبت لربّك على قدم الصّدق، واستقص حسابك على نفسك، فإنّ من تعرضه عليه لصيرٌ بك، ومتى رأى استقصاءك أغضى، ومتى رأى إغفالك ناقش.
لأشجع: الطويل
فإن تك قد صدّت فخيرٌ من النّوى على كلّ حالٍ هجرها وصدودها
فكن حيث كانت من بلادٍ فإنّه عسى بعد يأسٍ أن ينالك جودها
تقرّب ما تهوى بحسن عداتها ويأبى علينا ليّها وجحودها
وأطيب ريقٍ ريقها بعد هجعةٍ وأحسن شيءٍ مقلتاها وجيدها
قال ثعلب: العرب تقول: رأيت حدائق وجنانًا كأنّها حدائق
[ ٨ / ٧٢ ]
نخل، ورأيت جمعًا كأنّه سدّ ليل، ورأيت بارق سيوفٍ في أيدي قومٍ كأنّه بارق غيم، ورأيت بكرةً كأنّها فتاة، ورأيت فتاةً كأنّها جمّارة، ورأيت رجلًا تحته بكرٌ لا قحٌ كالعقرب، ورأيت جرادًا كأنّه أعصاب العجاج، ولفيفًا من الناس مثل السّيل والليل، ومررنا على إبل فلانٍ وكأنّ أسنمتها الصّوامع والهوادج، ورأيت رجلًا كأنّه رمحٌ ردينيٌّ، وكأنّه الشّطن تامًا طويلًا، ورأيت سيفًا كأنّه شهاب، وكأنّه مقباس؛ ويقال: سيفٌ كأنّه العقيقة أي البرق - وكلّ منشقٍّ منعقٌّ - ورأيت درعًا كالنّهي، وكحباب الماء؛ هذا كلّه قاله ثعلب في المجالسات.
أنشد الزّبير: البسيط
اصبر فكلّ فتىً لا بدّ مخترم والموت أيسر ممّا أمّلت جشم
والموت أيسر من إعطاء منقصةٍ من لم يمت عبطةً فالغاية الهرم
أنشد ثعلب: الرمل
بينما النّاس على عليائها إذ هووا في هوّةٍ منها فغاروا
إنّما نعمة قومٍ متعةٌ وحياة المرء ثوبٌ مستعار
وقال في قوله تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامٌ "، قال: إذا قال الكذب ردّه على الألسنة، والكذب مفعول به، قال: وقرئ الكذب ردّه على ما قال.
[ ٨ / ٧٣ ]
قال ابن الأعرابيّ: لمّا وجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المرّيّ لاستباحة أهل المدينة ضمّ عليّ بن الحسن رضوان الله عليهما إلى نفسه أربعمائة امرأة يعولهنّ إلى أن انقرض جيش مسلم بن عقبة، فقالت امرأةٌ من قريش: ما عشت واله بين أبويّ بمثل ذلك التتريف.
قال: ويقال: شعرٌ حجنٌ، معقّفٌ بعضه على بعض.
قال ثعلب، قال عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قال: أخرجوا نهدكم فإنّه أعظم للبركة، وأحسن لأخلاقكم. وقال: العرب تقول: هات نهدك بكسر النون.
وقال " طرائق قددًا "، الطرائق: السادة، والقدد: المتفرّقون.
وقال: العبدة: الجلد، يقال: ثوبٌ ذو عبدةٍ إذا كان قويًا جلدًا.
[ ٨ / ٧٤ ]
قال: ويقال: عنّي عن الأمر إذا منع منه.
قال: وقال الزّبير: أنشدني سليمان بن داود المجمعي لعمر بن مدبر العجلاني يرثي عبد العزيز بن مروان وأبا زبّان الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان: الطويل
أبعدك يا عبد العزيز بحاجةٍ وبعد أبي زبّان يستعتب الدّهر
فلا صلحت مصرٌ لخلقٍ سواكما ولا سقيت بالنّيل بعدكما مصر
وأصبح مجراه من الأرض يابسًا يموت به العصفور وانجدب القطر
فمن ذا الذي يبني المكارم والعلى ومن ذا الذي يهدى له بعدك الشّعر
وبعدك لا يرجى وليدٌ لنفعه وبعدك لا ترجى عوانٌ ولا بكر
وأصبحت الزوّار بعدك أمحلوا وأكدى بغاة الخير وانقطع السّفر
وكنت حليف العرف والمجد والنّدى فمتن جميعًا حين غيّبك القبر
قال ثعلب: أنشدني عبد الله بن شبيب قال، أنشدني محمد بن الحسن العقيليّ: البسيط
ما استضحك الحسن إّلا من نواحيك ولا اغتدى الطّيب إلا من تراقيك
[ ٨ / ٧٥ ]
عن مقلتيك رأينا الحسن مبتسمًا دهرًا كما ابتسم المرجان من فيك
يا بهجة الشّمس ردّي غير صاغرةٍ عليّ قلبًا ثوى رهنًا بحبيّك
ما استحسنت مقلتي شيئًا فأعجبها إّلا رأيت الذي استحسنته فيك
إذ منك يبتسم الإقبال عن غصنٍ لدنٍ ويضحك عن دعصٍ تولّيك
وقال: بيوت العرب ستةٌ: قبّةٌ من أدم، ومظلّةٌ من شعر، وخباءٌ من صوف، وبجادٌ من وبر، وخيمةٌ من شجر، وأقنةٌ من حجر.
قيل لأعرابيّ: أيّ شيءٍ ألذّ في العين؟ قال: نظرةٌ على خطرة، قيل: فأيّ شيء أحلى في القلب؟ قال: كسر الجفون، ومراسلة العيون.
قال سفيان بن عيينة: أكبر الكبائر الشّرك بالله تعالى، والقنوط من رحمة الله ﷿، واليأس ن روح الله عزّ ذكره، والأمان من مكر الله جلّ ثناؤه، ثم قرأ: " فلا يأمن مكر الله إّلا القوم الخاسرون " " ومن يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنّة " " ولا ييأس من روح الله إّلا القوم الكافرون " " ومن يقنط من رحمة ربّه إّلا الضّالّون ".
وقال: ثنتان منجيتان، وثنتان مهلكتان؛ فالمنجيتان النّهي والنّيّة، قال: والنّيّة أن تنوي أن تطيع الله فيما تستقبل، والنّهي أن تنهى نفسك عمّا حرّم الله عليك؛ والمهلكتان: العجب والقنوط.
[ ٨ / ٧٦ ]
سئل سفيان بن عيينة: هل حرّمت الصّدقة على أحدٍ من الأنبياء قبل محمد ﵌ وقبل عترته الطّاهرة؟ قال: ألم تسمع قول إخوة يوسف: " وتصدق علينا إنّ الله يجزي المتصدّقين " وهم لا يعرفون يوسف، يريدون أن يتصدّق عليهم وعلى يعقوب.
سئل سفيان بن عيينة عن الكراهية لرفع الصوت وكثرة الكلام عند الميت وفي الجنازة قال: لأنه الحشر إلى الآخرة، ألم تسمع قوله: " يومئذ يتّبعون الدّاعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إّلا همسًا " فلتعظيم الموت استحبّ قلّة الكلام.
وسئل عن قوله صلّى الله عليه: " لا يضرّ المدح من عرف نفسه "، قال: ألم تسمع قوله " اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظٌ عليمٌ "، وقول العبد الصالح: " إنّي لكم رسولٌ أمينٌ "، أي لكم ناصحٌ أمين، فمن عرف أنّ ما به من نعمةٍ فمن الله تعالى فال بأس " وأمّا بنعمة ربّك فحدّث "، وإن أثنى عليه غيره عرفت أنّ ذلك ستر الله تعالى ونعمته، ألم تسمع قول الله تعالى: " وجعلنا لهم لسان صدقٍ عليًّا "، وكان محمدٌ صلّى الله عليه لسانه الذي أنطقه الله تعالى عنه، فأكذب من قال فيه غير الحقّ: " إنّ إبراهيم كان أمّةً قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين "، وقال: " ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًا "، فهذا اللسان الصّدوق. وقال ابن مسعود: إنّي لأعلمكم بكتاب الله تعالى وما أنا بخيركم؛ وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: إنّ بين جنبيّ علمًا جمًا فسلوني قبل أن تفقدوني. فمن عرف أنّ الأمر من الله تعالى لم يضّره المدح، لأنّه قد عرف نفسه، ولا يضرّ ثناءٌ من أثنى عليه كقول عمر: اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرًا ممّا يظنّون.
[ ٨ / ٧٧ ]
هذا الكلام لأبي بكرٍ وقد رواه لعمر، والله أعلم بحقيقة الخبر.
سئل سفيان بن عيينة عن قول مطّرفٍ: فإذا بدء الأمر من الله، وتمامه بالله، وملاكه الدعاء، قال: ألم تسمع قوله تعالى: " ألا له الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين، ادعوا ربّكم تضّرعًا وخفيةً ".
يقال: ما الكبر، والجبر، والنّبر، والدّبر، والسّبر، والشّبر، والغبر، والعبر، والسّدر، والهتر، والغمر، والزّبر.
قال عبد الله بن جعفر: عيسى بن دأبٍ يكنى أبا الوليد، وكان من رواة الأخبار والأشعار، وكان معلّمًا، وكان من علماء الحجاز.
قال أبو عبيدة: أنشد ابن دأب: الهزج
وهم من ولدوا أشبوا بسرّ الحسب المحض
فبلغ أبا عمر بن العلاء فقال: أخطأت استه الحفرة، إنما هو أشبوا أي كفوا، أما سمع قول الشاعر: الهزج
وذو الرّمحين أشباك من القوّة والحزم
لأبي غانم: الطويل
[ ٨ / ٧٨ ]
أبا غانمٍ أمّا ذراك فواسعٌ وقبرك معمور الجوانب محكم
وهل ينفع المقبور عمران قبره إذا كان فيه جسمه يتهدم
للعتبي: البسيط
أين الشباب الذي كنّا تلذّ به هيهات مات ومات الغصن والورق
وله: الخفيف
أنا في عصبةٍ بهائم نوكى ما تساوي عقولهم شسع نعلي
وله: البسيط
وصاحب لي أبنيه ويهدمني لا يستوي هادمٌ يومًا وبنّاء
إذا رآني فعبدٌ خاف معتبةً وإن نأيت فثمّ الغمر والدّاء
لا يقطع العين منه عن ملاحظةٍ كأنّها لاستراق الطّرف حولاء
قال يعقوب: يقال: كيف سيماؤهم - محرّك ومخفّف - أي كيف هيئتهم.
ويقال: ريح الغصن يراح فهو مروحٌ إذا صفقته الريح.
لمّا اضطرّ كسرى أبرويز إلى الهرب من بين يدي بهرام شوبين اتبعه بالخيل، فجعل يقول بأعلى صوته: يا عجبًا للدّهر الفاسد المنكر كيف تشتمل فضائحه حتى يصير العاقل جاهلًا، والبصير أعمى، والمحسن مسيئًا، والسّليم سقيمًا، والبرّ فاجرًا، والوفيّ غادرًا، والشّكور كفورًا، والقاصد حائرًا، والمنصور مخذولًا، والمهتدي ضالًا، والمتماسك مهتوكًا.
[ ٨ / ٧٩ ]
٢٦٩ - قد تعجّب كسرى من متعجّب منه، فإنّه لو اندفع الخطباء البرعة، وأصحاب اللّسن دهرهم الأطول في القول والتّعجّب ما بلغوا شطر ما عليه حال الدّهر، وإنّي لشريك كلّ متعجّبٍ منه. وأزيد شيئًا: وذلك أنّ تعجّبي من الراكن إلى الدّنيا، والحالم بها، والنائم تحت أفيائها، والمنغمس في بحرها، والطّالب لما منع منها أشدّ جدًا، وما أخلق العاقل المتصفّح أن يهجر اللؤم واللّئيم والدّنيا اللئيمة، فطلبها لؤمٌ، ولم يطلبها إّلا من هو ألأم منها، وإّلا فحدّثني لمن وفت، ولمن صفت، وعلى من بقّت، وإلى من أحسنت؟ هيهات، من ذا الذي لبس وشيها فلم يبطر، ومن ذا الذي ثمل من خمرها فلم يسكر، ومن ذا الذي حمي عنها فلم يضجر، ومن ذا الذي نظر إلى زخرفها فلم يغترّ، ومن ذا الذي سمع غناءها ولم يرقص، ومن ذا الذي تمّ عليها وبها فلم ينقص، ومن ذا الذي ربح فيها فلم يخسر؟ قال يعقوب: قد ريّث فلانٌ نظره يريّثه ترييثًا؛ نظر العتّابيّ إلى رجلٍ من أصحاب الكسائي فقال: إنّه ليريّث النّظر. وقد رنّق النّظر، وأصله من ترنيق الطّير إذا جعلت ترفرف ولا تسقط.
قال يعقوب: انتضى سيفه، وانتضله، وامتشقه، وامتشله، واخترطه، وامتلخه، وقربت السّيف: جعلته في القراب، وهو الجربّان، وتخفّف: الجربان. ولأقيمن أودك ودرأك وجنفك. وفلانٌ يتبرّض ما عند فلانٍ أي يأخذ من القليل بعد القليل، ويقال: برضت له أبرض برضًا، ونضضت له أنضَّ، أصله من البئر النّضوض والبروض، وهي التي يأتي ماؤها قليلًا قليلًا. ويقال: ذلاذل الثّوب: أطرافه. ويقال: عجمته العواجم. ويقال: رجلٌ منجّدٌ - بالذال منقوطةً - ومجرّسٌ، ومقلّسٌ، ومنقّحٌ؛ هكذا قال. وفهمت ذلك في عروض كلامه، وفي فحوى كلامه - بالمدّ والضمّ.
[ ٨ / ٨٠ ]
ويقال: إنّ عليّ منه أوقًا أي ثقلًا، وقد آقني يؤوقني، قال الراجز: الرجز
إليك حتى قلّدوك طوقها وحمّلوك عبئها وأوقها
وقال بعض الأعراب لآخر: أنت ناخٍ وأنا راخٍ فهل من تواخٍ؟ نهى رسول الله صلّى الله عليه ان يصلّي وهو زناءٌ - مفتوح الزاي ممدود مخفّف - أي وهو حاقن.
قرع رجلٌ باب أحد الأولين فقال لجاريته: أبصري من القارع، فأتت الباب فقالت: من ذا؟ قال: أنا صديقٌ لمولاك، قال الرجل: قولي له والله إنّك لصديق، فنهض الرجل وبيده سيفٌ وكيسٌ، يسوق جاريته، وفتح الباب فقال: ما شأنك؟ قال: راعني أمر، قال: لا يك ما ساءك، فإنّي قد قسمت أمرك بين نائبةْ فهذا المال، أو عدوٍّ فهذا السيف، أو أيّمٍ فهذه الجارية.
قال فيلسوف: إنّ الشراب على طبائع الإنسان، وذلك أنّ
[ ٨ / ٨١ ]
الطّافي كالزّبد هو الصّفراء، والرّاسب كالثّفل هو السّوداء، والقوام الدم، وما رطب فهو الرّطوبة.
قال أعرابيٌّ لصاحبٍ له: أنت شرسٌ وأنا مرس، فكيف نلتبس؟ كان أفلاطون يعذل على تقديم أرسطاطاليس أيام اختلافه إليه واقتباسه منه مع تلامذته، فقال يومًا: إنّي لست أقدّمه ولكن نفسه قدّمته، وإن أردتم تصديق ذلك سألتكم الساعة عن مسألةٍ لتذاكروا فيها، فقالوا: سل، فقال: ما أعجب الأشياء؟ فقال بعضهم: السماء والكواكب، وقال: بعضهم: الأرزاق، وقال بعضهم: الإنسان، وحضر أرسطاطاليس فسأله فقال: أعجب الأشياء ما لم يعرف سببه.
اشترى عليّ بن الجعد جاريةً بثلاثمائة دينار، فقال له ابن قادم النّحويّ: أيّ شيءٍ تصنع بهذه الجارية؟ فقال: لو كان هذا ممّا يجرّب على الإخوان لجرّبناه عليك.
قال ثعلب، قال رجلٌ لابن قادم: أها هنا فرقٌ بين قام زيدٌ وعمروٌ جميعًا، وقام زيدٌ وعمروٌ معًا، فضجّ، فقلت: لم تضجّ، معًا يقع
[ ٨ / ٨٢ ]
القيام في حالةٍ، وجميعًا يكون معًا في وقتين.
قدم محمد بن حسّان الضّبي على أبي المغيث الرّافقي فمدحه فوعده بثواب، فتأخّر عنه فكتب إليه ابن حسّان: البسيط
عدّيت بالمطل وعدًا راق مورقه حتّى لقد جفّ منه الماء والعود
سقيًا للفظك ما أحلى مخارجه لولا عقارب في أثنائه سود
للعبّاس بن الأحنف: السريع
أسأت إذ أحسنت ظنّي بكم والحزم سوء الظنّ بالناس
يقلقني شوقي فآتيكم والقلب مملوءٌ من الياس
قال الصّولي: كان عمران المؤدّب يجالس أبا سمير الكاتب مع ندمائه، فسقاهم يومًا نبيذًا جيّدًا، فجعل أبو سمير يصف نبيذه ذلك، فقال له عمران: قد سقيتنا ألف زقٍّ خلًاّ ما نطقت بحرفٍ حتى كأنّك باقلٌ عيًّا، فلمّا غلطت يومًا بنبيذٍ جيّدٍ صرت ذا الرّمة مشبّبًا بميّ، وجميلًا واصفًا بثنية، وكثيّرًا مخبرًا عن عزّة.
لإسحاق: الطويل
[ ٨ / ٨٣ ]
سلامٌ على من ملّنا وتجافانا وأبدلنا بالودّ صرمًا وهجرانا
أليس مسيئًا من نسرّ بقربه ونذكره في كلّ حالٍ وينسانا
فما حلّ في قلبي محلًاّ حللته سواك ولا أحببت حبّك إنسانا
قال الزّبير بن بكّار: سعى إسحاق بن إبراهيم التّميميّ مع بعض الرؤساء مشيّعًا فقال: المتقارب
فراقك مثل فراق الحياة وفقدك مثل افتقاد الدّيم
عليك السلام فكم من وفاءٍ أفارق منك وكم من كرم
للزّبير بن بكّار في قثم بن جعفر: الكامل
لما رأيت أميرانا متجهّمًا ودّعت عرصة داره بسلام
ورفضت صفحته التي لم أرضها وأزلت عن رتب الدّناة مقامي
ووجدت آبائي الذين تقدّموا سنّوا الإباء على الملوك أمامي
قال عليّ بن ميثم: غضب يحيى بن خالد على بعض كتّابه، فكتب إليه الكاتب: إنّ لله تعالى قبلك تبعات، ولك قبله حاجات، فأسألك بالذي يهب لك التّبعات، ويقضي لك الحاجات، إّلا وهبت تبعتك قبلي؛ فرضي عنه.
وقال يحيى بن خالد: ما رأينا العقل قطّ إّلا خادمًا للجهل.
[ ٨ / ٨٤ ]
ليته فسّر وذكر الوجه والعلّة، وما أكثر ما يرسلون الكلام إرسال الآمن من التتبّع.
قال ابن شهاب الزّهري: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال لي: من أين قدمت يا زهريّ؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلّفت يسودها؟ قلت عطاء بن أبي رباح، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بالديّانة، قال: إنّ أهل الديّانة والرّواية لينبغي أن يسودوا. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبدٌ نوبيٌّ أعتقته امرأةٌ من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: أمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضّحّاك بن مزاحم، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النّخعيّ، قال: أفمن العرب؟ قلت: من العرب، قال: ويلك فرّجت عنّي، والله ليسودنّ الموالي العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّما هو دينٌ، من حفظه ساد، ومن ضيّعه سقط.
لابن غريضٍ اليهودي: الكامل
[ ٨ / ٨٥ ]
إبلٌ تبوأ في مبارك ذلّةٍ إذ لا ذليل أذل من وادي القرى
أحياؤهم عارٌ على موتاهم والميّتون شرار من تحت الثّرى
وإذا تصاحبهم تصاحب خانةً ومتى تفارقهم تفارق عن قلى
لا يفزعون إلى مخافة جارهم وإذا عوى ذئبٌ لصاحبه عوى
إخوان صدقٍ ما رأوك بغبطةٍ فإذا افتقرت فقد هوى بك ما هوى
هل في السّماء لصاعدٍ من مرتقىً أم هل لحتفٍ راصدٍ من متّقى
وإذا رأيت معمّرًا فلتعلمن أن سوف تعركه الخطوب فيبتلى
لله درّك من سبيلٍ واضحٍ سيّان فيه من تصعلك واقتنى
من يغلبوا يهلك ومن لا يغلبوا يلحق بأرض ثمود حتى لا يرى
الفقر يزري بالفتى عن قومه والعين يغضبها الكريم على القذى
والمال يبسط للّئيم لسانه حتّى يكون كأنّه شيءٌ يرى
فارفع ضعفيك لا تصغّر ضعفه يومًا فتدركه العواقب قد نمى
والمال جد بفضوله فلتعلمن أنّ الغنيّ يصير يومًا للثّرى
وابسط يديك لسائليك ولا تكن كزّ الأنامل يقفعلّ عن النّدى
إنّ الكريم إذا أردت وصاله لم تلف حبل إخائه رثّ القوى
أرعى أمانته وأحفظ عهده جهدي فيأتي بعد ذلك ما أتى
يجزيك أو يثني عليك وإنّ من أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
[ ٨ / ٨٦ ]
قال أبو العيناء: سبّ إبراهيم بن رستم يومًا معاوية، فقال له رجل: لم لا تقول هذا بالكرخ؟ قال: ولم لا تصلّي أنت على محمد صلّى الله عليه وعلى آله بالقسطنطينية؟ أنشد أبو العالية لامرأةٍ من الخوارج: البسيط
نجلتهم كسيوف الهيد أربعةً بيضًا مصاليت في الهيجاء كالأسد
حتى إذا كملوا في السّنّ واتّسقوا أخنى على القوم ما أخنى على لبد
لهفي عليهم فإنّي من تذكّرهم طويلة الحزن والإعوال والكمد
لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعةٍ ما اجترّت النّيب أو حنّت إلى ولد
قال أبو العيناء، سمعت الأصمعي يقول: قال أبو العبّاس بن محمد: كنت بفلسطين فبنيت ظلّةً من قصبٍ فأورق، فأنشدني: الطويل
ألم تعلما أنّ المصلّى مكانه وأنّ العقيق ذا الظّلال وذا البرد
وأنّ به لو تعلمان أصائلًا وليلًا رقيقًا مثل حاشية البرد
قال أبو العيناء: حدّثني دعبل قال: لقيت عمرو بن سعيد وأنا أريد الحجّ فقلت: هل من حاجةٍ؟ قال: نعم، لا تدع لي فإنّ دعاءك إغراء.
للأعشى: البسيط
وفتيةٍ كسيوف الهند قد علموا أن هالك كلّ من يحفى وينتعل
رفع هالكٌ حين خفّف النون، وكذلك: لكن الله، ولكن
[ ٨ / ٨٧ ]
الشياطين. وإن الخفيفة تكون في معنى ما قال الله تعالى: " إن الكافرون إّلا في غرورٍ " أي الكافرون، وإنّ وهي مكسورةٌ لا تكون إّلا وفي خبرها اللام، يقولون: إن زيد لمنطلقٌ، ولا يقولونه بغير لامٍ مخافة أن تلتبس بالتي معناها ما، وقد زعموا أنّ بعضهم يقول: إن زيدًا لمنطلقٌ يعملها على المعنى، وهي مثل قوله: " إن كلّ نفسٍ لمّا عليها حافظٌ " وما زائدةٌ بالتوكيد، واللام زائدةٌ بالتوكيد.
قال الشّعبيّ: تعايش الناس زمانًا بالدّين حتى ذهب الدّين، وتعايشوا بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثمّ تعايشوا بالحياء حتى ذهب الحياء، ثمّ تعايشوا بالرّغبة والرهبة، وسيتعايشون بالجهالة زمانًا طويلًا.
قيل لحكيم: صف لنا الدّنيا وأوجز، فقال: ضحكة مستعبر.
قال عيسى بن مريم ﵇: لو لم يعذّب الله تعالى على معصيته لكان ينبغي أن لا يعصى شكرًا على نعمته.
قال أحمد بن أبي الحواريّ: بلغني عن رباح القيسي أنّه كان له غلامٌ أسود لا ينام الليل، فقال له: لم لا تنام يا غلام؟ قال: إنّي إذا ذكرت الجنّة اشتدّ شوقي، وإذا ذكرت النار اشتدّ خوفي، وإذا ذكرت الموت طار النعاس عنّي يا مولاي، فمن كانت هذه حالته كيف يهنيه العيش في الدّنيا؟ فبكى رباح وقال: يا غلام، حقيقٌ على من كانت له هذه المعرفة أن لا يستعبد، اذهب فأنت حرٌّ، فبكى الغلام فقال: ما يبكيك؟ قال: يا مولاي، هذا العتق الأصغر فمن لي بالعتق الأكبر؟!
[ ٨ / ٨٨ ]
دعا أعرابيٌّ فقال: اللهمّ إنّي أرى من فضلك ما لم أسألك، فعلمت أنّ لديك من النّعم ما لا أعلمه، فصغرت قيمة مطلبي فيما عاينته، وقصّرت غاية أملي عمّا شاهدته.
ودعا آخر فقال: اللهمّ ما أعرف معتمدًا من الزيادة فأطلب، ولا أجد غنىً فأترك، فإن ألححت في سؤالك فلفاقتي إلى ما عندك، وإن قصّرت في دعائك فلما تعودت من إسدائك.
دعا آخر فقال: اللهمّ حطني بأمانك، وأرخ عليّ سترك، ولا تصرف عنّي وجهك، ولا تسلّط عليّ من لا يخافك، ولا تولّني غيرك يا من يتولّى الصالحين.
دعا آخر: سبحان من علا فقهر، وقدر فغفر، وسبحان من يحيي الموتى ويميت الأحياء، وهو على كلّ شيءٍ قدير.
قال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يدعو ويقول: اللهمّ إنّ ذنوبي تخّوفني منك، وجودك يبشرني عنك، فأخرجني بالخوف من الخطايا، وأوصلني بجودك إلى العطايا، حتى أكون غداّ في القيامة عتيق كرمك، كما أنا في الدّنيا ربيب نعمك.
كتب زاهدٌ إلى آخر: أمّا بعد فإنّك في دار تمهيد، وأمامك منزلان لا بدّ لك من سكنى أحدهما، ولم يأتك أمانٌ فتطمئنّ إليه، ولا براءةٌ فتقصّر، والسلام.
كان بمدينة السّلام رجلٌ ذو يسار، فبينما هو في منزله وقد جلس
[ ٨ / ٨٩ ]
يأكل مع امرأته وبين يديه سكباجة وقد فاحت رائحتها، إذ دنا سائلٌ من الباب، وعساه كان ممّن امتحن بنكبةٍ بعد نعمةٍ فقال: أطعموني من فضل ما رزقكم الله تعالى، فقامت المرأة وغرفت من القدر، وأخذت رغيفين لتناوله، فلمّا رأى الزّوج ذلك حلف عليها أن لا تدفع له شيئًا، فمضى السائل خائبًا حزينًا، واستوفى الرجل طعامه، وصعد السطح لبعض حوائجه فعثر بشيءٍ فسقط إلى الأرض فوقص ومات، وحازت المرأة ميراثه، وتصرّفت فيه، وضرب الدهر ضربانه. ثمّ إنّ السائل لما لقي من قبح الردّ وشدّة الشّهوة إلى ذلك الطّعام الذي شمّ رائحته عاد إلى منزله وأخذ مضرّبةً كان قد اشتراها، فأراد أن يفتقها ويغسلها ويبيعها فوجد فيها ألف دينار، فأخذها وغيّر حاله بها، ثمّ طلب امرأةُ يتزوج بها، فقالت له بعض الدّلاّلات: ها هنا امرأةٌ صالحةٌ وقد ورثت، فما تقول في مواصلتها؟ فأنعم، فسعت الدلاّلة بينهما حتى اتّفقا واجتمعا، فلما دخل بها تحدّثا يومًا، فقالت المرأة: ما أشدّ ما مضى على رأسك؟ فحدّثها بوقوفه على باب دار وامرأةٌ تأكل مع زوجها، فقالت المرأة: فاعلم أنّ هذه الدار هي تلك، وأنا المرأة، وأنّ زوجي صعد في ذلك اليوم السطح فسقط ومات، وقد أورثك الله تعالى داره وماله وزوجته، فسجد الرجل لله ﷻ شكرًا، وحدّث إخوانه فتعجّبوا.
قاتل الأحنف مرّةً واشتدّ فقيل له: أين الحلم يا أبا بحر؟ فقال: ذاك عند عقد الحبى.
ومرّ عمر على رماة غرضٍ، فسمع أحدهم يقول لصاحبه: أخطيت وأسئيت، فقال عمر: مه! فسوء اللحن أشدّ من سوء الرّماية.
[ ٨ / ٩٠ ]
وتضجّر عمر بن عبد العزيز من كلام رجلٍ حضره، فقال شرطيٌّ على رأسه للرجل: قم فقد أضجرت أمير المؤمنين، فقال عمر: أنت والله بتكذيبك أشدّ أذىً منه.
وصف ابن سيّابة رجلًا فقال: فيه كياد مخنّث، وحسد نائحة، وشره قوّادة، ودلّ قابلة، وملق داية، وبخل كلب، وحرص نبّاش.
قال خالد بن صفوان: من لم بين له سبب دائه، كثرت ألوان دوائه.
سمعت أبا النّفيس الرياضي يقول: من كانت همّته أكله، كانت قيمته خراه.
قال رجل من ولد عيسى بن موسى لشريك بن عبد الله حين عزل عن القضاء: يا أبا عبد الله، هل رأيت قاضيًا عزل؟ قال: نعم، ووليّ عهدٍ خلع.
قال جالينوس: ما دخل الزّمّان جوفاّ فاسدًا إلا أصلحه، ولا دخل التّمر جوفًا صالحًا إلا أفسده.
قال الحسن بن سهل: كان جالينوس ألثغ وكان مولعًا بالعنب، وكان بقراط أحدب وكان مولعًا بالتّين، وكان أفلاطون فقيرًا وكان مولعًا باللّواط.
[ ٨ / ٩١ ]
قيل لابن ماسويه: ما شرّ الطّعام؟ قال: طعامٌ بين شرايين، وشرّ الشراب شرابٌ بين طعامين.
قدم أعرابيٌّ على ابنة عمّه يخطبها فتمنّعت عليه، فقال لها: عندي سرٌّ أفأقوله؟ قالت: قل، قال لها: هل لك في ابن عمٍّ كاسٍ من الحسب، عارٍ من النّشب، يتصلصل معك في إزارك، ويدخل الحمّام طرفي نهارك، يواصل بين ثلاثٍ في واحدٍ، فمتى عجز فأمرك بيدك، قالت: يا ابن عمّي، لا يسمعنّ هذا أحدٌ، وأنا أمتك.
أراد ملكٌ سفرًا فقال: لا يصحبني ضخمٌ جبان، ولا حسن الوجه لئيم، ولا صغير رغيب.
رأى رجل الهلال فاستحسنه، فقال له رجل: وما يستحسن منه؟ فوالله إنّ فيه لخصالًا لو كانت إحداهنّ في الحمار لردّ بها، قال: وما هنّ؟ قال: يدخل الرّوازن، ويمنع من الدّبيب، ويدلّ على اللصوص، ويسخّن الماء، ويحرق الكتّان، ويورث الزّكام، ويحلّ الدّين، ويزهم اللحم.
قال معاوية: إنّ عليًّا طلب الدّنيا بالدّين فجمعت عليه، وإنّي طلبت الدّنيا بالدنيا فنلتها.
قال ابن عبّاس: هل لك في المناظرة فيما زعمت أنّك خصمت صاحبي فيه؟ قال: وما تصنع بمناظرتي؟ أشغب بك وتشغب بي، فيبقى في
[ ٨ / ٩٢ ]
قلبك ما لا ينفعك، وفي قلبي ما يضرّك؛ فسكت ابن عبّاس.
سأل العتبيّ أعرابيًّا: ما بال العرب سمّت أولادها أسدًا ونمرًا وكلبًا، وسمّت عبيدها مباركًا وسالمًا؟ قال: لأنّها سمّت أولادها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها.
كاتب: بعثت بابني إليك مؤثرًا لك به، فإنّي وإن كنت ولدته فنعمتك ربّته، وحياطتك كنفته، وسواءٌ عند الأحرار ربيب النّعم، وسليل الولادة.
قال فيلسوف: المتأنّي في علاج الدّاء بعد ما عرف وجه علاجه كالمتأنّي في إطفاء النار وقد أخذت بحواشي ثيابه.
قال أعرابي: لا يقوم عزّ الغضب بذلّ الاعتذار.
لابن أبي الحقيق اليهودي: السريع
لباب يا أخت بني مالكٍ لا تشتري العاجل بالآجل
لباب هل لي عندكم نائلٌ وما يجدّ الوصل للواصل
[ ٨ / ٩٣ ]
لباب داويه ولا تقتلي قد فضّل الشّافي على القاتل
إن تسألي خابر أكفائنا والعلم قد يلفى لدى السّائل
ينبئك من كان بنا عالمًا عنّا وما العالم كالجاهل
أنّا إذا جارت دواعي الهوى واستمع المنصت للقائل
واصطرع القوم بألبابهم بمنزل القاصد والمائل
لا نجعل الباطل حقًّا ولا نلطّ دون الحقّ بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا فنحمل الذّم مع الحامل
إنّا إذا نحكم في ديننا نرضى بحكم العادل الفاضل
تعذلك النفس على ما مضى وما تسلّي لومة العاذل
إنّ طلاب المرء ما قد مضى داءٌ كمثل السّقم الدّاخل
وإنّ لوّا ليس شيئًا سوى
علّلتني منك بما لم أنل يا ربّما علّلت بالباطل
أناجز في العام موعودكم أم هو منظورٌ إلى قابل
قال الفضيل بن عياض لأصحابه: إذا قيل لأحدكم: أتخاف الله؟ فليسكت، فإنّه إذا قال: لا، جاء بأمرٍ عظيم، وإن قال نعم، فالخائف على خلاف ما هو عليه.
قال بعض الزهّاد: من اكتسب فوق قوته فهو خازنٌ لغيره.
يقال: من كانت له غلّةٌ يستغلها فإنّما يستغلّ عمره.
قال الرشيد لابن السّمّاك: عظني، قال: احذر يا أمير المؤمنين أن تصير إلى جنّةٍ عرضها السّماوات والأرض، ولا يكون لك موضع قدم.
[ ٨ / ٩٤ ]
لما احتضر المنصور قال: يا ربيع بعنا الآخرة بنومة.
واحتضر الرشيد فقال: واحيائي من رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله.
واحتضر المأمون فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.
قيل لزاهدٍ وقد احتضر: أوص بشيءٍ، قال: بما أوصي؟ ما لي شيء، ولا لأحدٍ عندي شيء، ولا لنا عند أحدٍ شيء.
قيل لزاهد: كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويحدث الأحزان، ويباعد الأمنية، ويقرّب المنيّة.
قال الفضيل بن عياض: يا ربّ إنّي لأستحيي أن أقول: توكّلت عليك، لو توكّلت عليك لما خفت ولا رجوت غيرك.
استوفد عبد الملك بن مروان عاملًا بلغه أنّه قبل هديّةً فقال له:
[ ٨ / ٩٥ ]
أقبلت هديّةً؟ قال: يا أمير المؤمنين، بلادك عامرة، ورعيّتك راضية، فقال: أجب عمّا تسأل عنه، قال: نعم، فقال عبد الملك: أما والله لئن كنت قبلت هديةً كافأت صاحبها بأن ولّيته من عملنا ما لم تكن لتولّيه لولا هديّته إنك للئيم، وإن كنت قبلتها ولم تعوّضه منها إنّك لخائنٌ حسود، وإن كنت أعطيته مثل ما أخذت وأطعمت في نفسك رعيّتك وعرّضتها لخليفتك إنّك لأحمق، ومن أتى شيئًا لا يخلو فيه من حمقٍ أو لؤمٍ أو خيانةٍ حقيقٌ بأن لا يقرّ على عمل.
سئل جعفر بن محمد ﵄ عن النّحل، أمن الطّير هو أم من الهوامّ، قال: بل من الطّير، لولا ذلك لم يفهم.
قال عنبسة القطّان: شهدت الحسن يومًا وقد قال له رجل: بلغنا أنّك تقول: لو كان عليٌّ بالمدينة يأكل حشفها كان خيرًا له ممّا صنع، فقال الحسن: يا لكع، والله لقد فقدتموه سهمًا من مرامي الله تعالى غير سؤومٍ عن أمر الله، ولا سروقةٍ لمال الله تعالى، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه وله، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه، حتى أورده ذلك رياضًا مونقةً وحدائق مغدقةً، ذاك ابن أبي طالب؛ روى هذا ثعلب في المجالسات.
قيل لبعض التّابعين: كيف أصبحت؟ قال: في أجلٍ منقوص، وعملٍ محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل الله بنا.
[ ٨ / ٩٦ ]
وصف أعرابيٌّ رجلًا فقال: كان مفزعًا للأمّة، رفيع الجمّة.
لمّا هلك الحسن بن عليّ دفنه الحسين بن عليّ ومحمد بن الحنفيّة ﵃، فلمّا حصل في حفرته دمعت عينا محمدٍ واستعبر ثم قال: رحمك الله يا أبا محمد، فلقد عزّت حياتك وهدّت وفاتك، ولنعم الرّوح روحٌ تضمّنه بدنك، ولنعم البدن بدنٌ تضمّنه كفنك، وكيف لا يكون كذلك وأنت سليل الهدى، وحليف التّقوى، خامس أصحاب الكساء، غذتك أكفّ الحقّ، وربّيت في حجر الإسلام، ورضعت ثدي الإيمان، طبت حيًّا وطبت ميتًا، وإن كانت أنفسنا غير طيّبةٍ بفراقك، ولا شاكةٍ في الخيار لك.
قال يحيى بن زيد ﵄: نحن من أمّتنا بين أربعة أصناف: ظالمٌ لنا حقّنا، وبالغٌ بنا فوق قدرنا، ومعطٍ ما يجب لنا، وحاملٌ علينا ذنب غيرنا.
وصف أعرابيٌّ رجلًا فقال: ذاك والله ممّن ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمرأ ظلمه.
قالت أعرابيّةٌ لزوجها ورأته مهمومًا: إن كان همّك للدّنيا فقد فرغ الله منها، وإن كان همّك للآخرة فزادك الله تعالى همًّا بها.
يقال: الدّنيا حمقاء لا تميل إّلا إلى أشباهها.
[ ٨ / ٩٧ ]
مسلم بن الوليد: الطويل
أرادت رجوع القلب بعد انصرافه وما علمت ما أحدثته المقادر
يغرّ الفتى مرّ اللّيالي سليمةً وهنّ به عمّا قليلٍ عواثر
قال الحسن بن آدم: صاحب الدّنيا ببدنك وفارقها بقلبك، فخذ ممّا في يديك لما بين يديك، فعند الموت يأتيك الخبر.
شاعر: الطويل
وأرعن ملموم الكتائب خيله مضرّجةٌ أعرافها ونحورها
عليها مذالات العيون كأنّها عيون الأفاعي سردها وقتيرها
إذا استجرست أصواته أذني سامعٍ رماها بأجراس اللّيوث زئيرها
قال أبو بكر بن عيّاش: رأيت على الأعمش فروةً مقلوبةً، صوفها خارج، فأصابنا مطرٌ، فمررنا بكلبٍ فتنحّى الأعمش وقال: لا يحسبنا شاءً.
وقال: كان ببغداد مجنونٌ يلبس فروةً مقلوبةً، فإذا قيل له في ذلك قال: لو علم الله تعالى أنّ الصّوف إلى داخل أجود عمله إلى داخل.
شاعر: الطويل
ويومٍ عبوريٍّ توقّد نجمه وعزّت به ماء الوجوه الهواجر
بعثت به ليلًا من الشّمس داجياُ وقد ملكت قبض النّفوس الخناجر
فنازعن فيه للسّوابغ حجّةً وسقف غبارٍ أنشأته الحوافر
[ ٨ / ٩٨ ]
له فلكٌ حول الأسنّة دائرٌ ونقع المنايا مسبطرٌّ وثائر
كأنّ نجوم الليل فوق رماحه طوالع ترعاها اللّيوث الخوادر
أجزن قضايا الموت في مهج العدى به فاستباحتها المنايا الغوادر
قال الحسن بن رجاء في خطّ كاتبٍ: متنزّه الألحاظ، ومجتنى الألفاظ.
قال بشر بن المعتمر: القلب معدن، والعقل جوهر، واللسان مستنبط، والقلم صانع، والخطّ صنعة.
وصف أحمد بن إسماعيل خطًّا فقال: لو كان نباتًا لكان زهرًا، ولو كان معدنًا لكان تبرًا، ولو كان شرابًا لكان صفوًا.
قال أبو العيناء: الخطوط رياض العلوم.
وقال جعفر بن يحيى: الخطّ سمط الحكمة، به تفصّل شذورها، وينتظم منثورها.
تخابر غلامان في خطّيهما إلى سهل بن هارون فقال: هذا وشي محبوك، وهذا ذهب مسبوك، تسابقتما إلى غاية، فوافيتما في نهاية.
[ ٨ / ٩٩ ]
قيل لرجلٍ على باب رئيس: كيف وجدت فلانًا؟ قال: أمّا من الكرم في عراء، وأمّا من اللؤم في خراء.
شاعر: الكامل
وكنٌ تطالعها الكواكب والقنا أبراجها هاج الحمام طرادها
جاءوا بتيهاء المنون طليعةً سلبت سيوف حماتها أغمادها
ورثت كتائبها الجبال وسربلت حلق الحديد فأظهرته عتادها
فتحال موج البحر يقفو بعضه بعضًا وميض قتيرها وسرادها
قدحت عليها الشمس وقت طلوعها زندًا فأثقب قدحها إيقادها
حتى أطار على الدّروع شرارها زيمًا كما زفت الجنوب جرادها
قال الأعمش لشريك بن عبد الله النّخعيّ المحدّث القاضي: يا شريك، لقد أدركت رجالًا عجنوا في الدّين عجنًا، لو سألت رجلًا واحدًا منهم عن مسألةٍ أو فريضةٍ ما أحسنها، وما من مكرمةٍ إّلا وهي معقودة بمفارق رؤوسهم، ما يسرني برجلٍ مهم عشرة مثلك، بل مائة ألف.
أنشد سعيد بن المسيّب بين القبر والمنبر: الوافر
ويذهب نخوة المختال عنّي رقيق الحدّ ضربته صموت
بكفّي ماجدٍ لا عيب فيه إذا لاقى الكريهة يستميت
[ ٨ / ١٠٠ ]
ثم قال: ما شاء الله كان.
وأنشد أيضًا: الوافر
وصرف لو تبين لهم كلامًا لقالت إنّما لكم مبيت
تريك قذى بها إن كان فيها بعيد النّوم، نشوتها هبيت
بذلت بشربها نفسي ومالي وأبت بما هويت وما رزيت
كان أبو هشام الرّفاعي يقول: سمعت عمّي يقول: اجتمع القرّاء في منزل إسحاق بن الحسين ليضعوا كتابًا في السنّة، فقال الأعمش: رحم الله امرءًا كفّ يده، وأمسك لسانه، وعالج ما في قلبه.
قال الأعمش: إذا رأيتم الشّيخ لا يحسن شيئًا فاصفعوه.
وكان الأعمش يلبس قميصًا مقلوبًا قد جعل دروزه خارجةً، ويقول: الناس مجانين، يجعلون الخشن إلى ما داخل ممّا يلي جلودهم.
قال أحمد بن الطّيب: كان الكندي يقول لي كثيرًا: انسخ كلّ ما تجده مكتوبًا إذا اتّسعت لك الجدة، وامتدّ بك الزمان، فإنّ مكان ما تكتبه أسود من دفترٍ، خيرٌ منه أبيض.
[ ٨ / ١٠١ ]
وصف الحسن الأسواق فقال: موائد الله، فمن أتاها أصاب منها.
كان أيّوب السّختيانيّ من الزّهّاد والعقلاء، وهو الذي قال: من أحبّ أبا بكرٍ فقد أقام الدّين، ومن أحبّ عمر فقد أوضح السّبيل، ومن أحبّ عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحبّ عليًّا فقد استمسك بالعروة الوثقى.
قال مالك بن أنس: من أبغض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه فليس له في فيء المسلمين حقٌّ، لأنّ القرآن نطق بذلك، قال الله ﷿: " ما أفاء الله على رسوله "، وذكر المهاجرين فقال: " والذّين تبوءوا الدّار والإيمان "، ثم قال: " والذّين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا " فمن كان في قلبه عليهم وعلى أحدٍ منهم شيءٌ فلا حقّ له في الفيء.
سمع خالد بن صفوان رجلًا يتكلّم فيكثر فقال: يا هذا ليست البلاغة بخفّة اللّسان، وال بكثرة الهذيان، ولكنّها إصابة المعنى، والقصد إلى الحجّة.
وذكر خالد بن صفوان رجلًا فقال: كان والله منهرت الشّدق بعذوبة المنطق، ذلق الحدّة، جزل الألفاظ، عربيّ اللسان، رقيق الحواشي، خفيف الشّفتين، بليل الرّيق، دائم النّظر، قليل الحركات، حسن الإشارات، حلو الشّمائل، حسن الطّلاوة، كثير الرّقّة، ذرب اللسان، حييًّا صموتًا قؤولًا، يهنأ الجرب، ويداوي الدّبر، ويصيب المفاصل، لم يكن
[ ٨ / ١٠٢ ]
بالهذر في منطقه، ولا بالزّمر في مروءته، ولا بالشّكس في خليقته، متبوعًا غير تابع، كأنه علمٌ في رأسه نار.
وذكر خالد آخر فقال: كان والله قرّاءً غير نزّال، معطاءً غير سوّال، قوّالًا عند ذوي الأفهام، جلدًا ألدّ الخصام.
شاعر: المتقارب
دعاني هواك فلبّيته ولم يدر أنّي له أعشق
فقمت وللشوق في مفرقي إلى قدمي ألسن تنطق
شاعر: الطويل
وأشرب قلبي حبّها ومشى به تمشّي حميّا الكأس في جسم شارب
يدبّ هواها في عظامي ولحمها كما دبّ في الملسوع سمّ العقارب
شاعر: السريع
نازعني من طرفه الوحيا وهمّ أن ينطق فاستحيا
جرّد لي سيفين من هجره أموت من ذا وبذا أحيا
شاعر: البسيط
أستودع الله من قلبي لفرقته كأنّه طائرٌ قد بات في شبك
ومن كأنّ فؤادي من تذكّره معلّقٌ بين قرن الشّمس والفلك
قال أعرابيّ: شحذت سيفي، وذلّقت لساني، وها أنا في طلبك.
وقال آخر: فلانٌ قليل الرّجوع، بطيء النّزوع.
قال أعرابيٌّ في وصف آخر: فلانٌ البحر الطّامي يوم الوغى
[ ٨ / ١٠٣ ]
والغيث الهامي ليل القرى.
قال أعرابيّ: نم ذا الذي صفا فلم يكن فيه عيب، وخلص فلم يكن فيه شوب.
وقال آخر: فلانٌ حتف الأقران غداة النّزال، وربيع الضّيفان عشيّة النّزول.
وقال أعرابيّ: لكلّ كاسٍ حاسٍ، ولكلّ عارٍ كاسٍ.
قال أعرابيّ في آخر: لسانه حديد، وجوابه عتيد.
وقال أعرابيّ: فلانٌ أجور من الأسد الضّاري، وأقتل من السّم السّاري.
قال أعرابيّ: لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه.
قال أعرابيٌّ في وصف غوانٍ: حواجب مزجّجة، وثغورٌ مفلّجة، وخدودٌ مضرّجة.
قال أعرابيّ: ما أفسح صدره، وأرحب بشره، وأبعد ذكره، وأعظم قدره، وأعلى شرفه، وأكثر ضففه ممّن عرفه ولم يعرفه، مع حسن الاستيفاء، وسعة الفناء، وعظم الإناء.
شاعر: الطويل
[ ٨ / ١٠٤ ]
أيا منزلًا بالدّير أصبح خاليًا تلاعب فيه شمألٌ ودبور
كأنّك لم تقطنك بيضٌ نواهدٌ ولم تتبختر في فنائك حور
وأبناء أملاكٍ عباشم سادةٌ صغيرهم عند الأنام كبير
إذا لبسوا أدراعهم فضراغمٌ وإن لبسوا تيجانهم فبدور
على أنّهم يوم اللّقاء قساورٌ ولكنّهم يوم النّوال بحور
إذ الملك غضٌّ والخلافة لدنةٌ وأنت خصيبٌ والزّمان طرير
وروضك مرتاضٌ ونبتك يافعٌ وعيش بني مروان فيك قصير
رويدك إنّ اليوم يعقبه غدٌ وإنّ صروف النائبات تدور
قال أعرابيّ: نحنّ إلى المكارم كما تحنّ الإبل إلى الحدا، والروض إلى النّدى.
آخر: كان والله مريع الجناب، درور السّحاب.
قال أعرابيّ: فلانٌ أفصح خلق الله تعالى إذا حدّث، وأحسنهم استماعًا إذا حدّث، وأمسكهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النّافلة، ولا يسأله الفريضة، له نفسٌ عن العوراء محصورة، وعلى المعالي مقصورة، كالذّهب الإبريز الذي يعزّ كلّ أوان، والشمس المنيرة التي لا تخفى بكلّ مكان، هو النّجم المضيء للحيران، والبارد العذب للعطشان.
قال أعرابيٌّ في وصف آخر: ليثٌ إذا عدا، وغيثٌ إذا غدا،
[ ٨ / ١٠٥ ]
وبدرٌ إذا بدا، ونجمٌ إذا هدى، وسمٌّ إذا أردى.
قال أفلاطون: من القبيح أن نكسح من كرومنا فصل الورق والقضبان ولا نكسح من أنفسنا الشّهوات، ومن القبيح أن نمتنع من الطّعام اللذيذ لتصحّ أبداننا ولا نمتنع من القبائح لتصفو أنفسنا.
قال فيلسوف: إني لأعجب من النّاس وقد مكّنهم الله تعالى من الاقتداء به ويقبلون إلى الاهتداء بالبهائم.
قال فيلسوف: لا ينبغي لأحدٍ أن يطلب شيئًا من الحكمة والفضائل قبل أن ينفي عن نفسه العيوب والرذائل.
قال أفلاطون: ينبغي لنا أن نفرّ من الأشياء الرّديئة، والأشياء الرّديئة العالم، فينبغي أن نفرّ من العالم، والفرار من العالم هو الاقتداء بالله تعالى.
قال أعرابيّ: إن الدهر حوّلٌ ذو انقلاب، ولا بدّ للسّرّاء من الضّرّاء، والدهر يخلط صالحًا بفساد، وهو طعمان: معسول وممرور.
كاتب: يا مولاي تعبّدًا، وأخي تودّدًا.
قال أعرابيّ: أنت قرّة عيني ونورها، وأنس نفسي وسرورها.
كاتب: أنت من أفتخر بأنوائه، وأهتدي بضيائه، وأتزيّن بإخائه، وأستظهر على الزمان بولائه.
كاتب: أنت بهجة الدّنيا وزهرتها، وروضة نفسي ومنيتها
[ ٨ / ١٠٦ ]
وبستانها، وروح حياتي وريحانها.
قال أعرابيٌّ لآخر: أنت سمعي وبصري، وشمسي وقمري.
قال فيلسوف: كما أنه ليس بين الطّوف واللصّ صداقة، فكذلك ليس بين الحكمة والجهل صداقة.
قيل لفيلسوف: بماذا تشبّه الحكماء؟ قال: إذا قيسوا إلى الناس فهم كالآلهة، وإذا قيسوا إلى الآلهة فهم كالملائكة.
قيل لفيلسوف: ما الفضل بينك وبين الملك؟ قال: هو عبد الشّهوات وأنا مولاها.
قيل لفيلسوف: إنّ الملك لا يحبّك، قال: الملك لا يحبّ من هو أكبر منه.
قيل لفيلسوف: من الجواد؟ قال: من جاد بماله، وصان نفسه من مال غيره.
وقيل لسقراط: لم تذكر في شرائعك عقوبة من قتل أباه،
[ ٨ / ١٠٧ ]
قال: لم أعلم أن هذا يكون.
قال ثعلب في المجالسات: جاء رجلٌ من آل حكيم بن حزام إلى أبي أويس فقال: إنّي رأيت كأنّي أنظر في لوحٍ من ذهب، فقال: إنّ العبارة حكمٌ، وأكره أن أفسّره لك، قال: لا بدّ منه، قال: يذهب بصرك، قال: سبحان الله، قال: ما هو إّلا ما أقول لك، فعمي بعد قليل.
جاء رجلٌ إلى سعيد بن المسيّب من قبل عبد الملك بن مروان فقال: رأيت كأنّي بلت خلف المقام أربع مرّات، قال له: كذبت لست صاحبها، قال: فإنّه عبد الملك، قال: يلي أربعةٌ من صلبه الخلافة.
رئي عليّ بن الحسين مكتوبًا على صدره: " قل هو الله " فاستعبر سعيد بن المسيّب فقال: بضعةٌ من رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، نعى إليه نفسه.
لمروان بن أبي حفصة: الرجز
إن تحبسوني فالكريم يحبس إنّي لسامي النّاظرين أشوس
مصابرٌ حتى تجيش الأنفس لا ساقطٌ علجٌ وال مدنّس
عرضي نقيٌّ وأديمي أملس
قال الفضل بن عيسى الرّقاشي: إنّا والله ما نعلّمكم ما
[ ٨ / ١٠٨ ]
تجهلون، ولكنّا نذكّركم ما تعلمون.
قال ابن عجلان: شكا رجلٌ إلى الحسن الفاقة فقال: لقد أعطاك الله دينًا لو لم تشبع معه من خبز الشّعير كان قد أحسن إليك.
قال عمير بن الحباب: البسيط
أبلغ أميّة أنّ الأرض واسعةٌ وفي السيوف إذا ما جرتم عبر
حتّى متى وعلام اليوم ناركم ما إن يزال لها في دورنا شرر
إنّي أخاف عليكم أن تنوبكم منّا بوائق لا تبقي ولا تذر
وإن تروا عارضًا منا يقودهم قرمٌ أغرّ أمام الحيّ يقتفر
لا ينثني الدهر عن أمرٍ يهمّ به حتى يموت وفيه الرّمح منكسر
يخاطب بهذه الأبيات عبد الملك بن مروان.
قال أعرابي: الكريم يرعى حقّ اللفظة وحرمة اللّحظة.
قال ابن عيينة: كانت لنا هرّةٌ ليس لها جراءٌ، فكانت لا تكشف القدور ولا تعيث في الدّور، فصار لها جراءٌ فكشفت القدور وأفسدت الدّور.
لما قبض ابن عيينة صلة الخليفة قال أصحاب الحديث: قد وجدتم مقالًا فقولوا، متى رأيتم أبا عيالٍ أفلح؟
[ ٨ / ١٠٩ ]
قال هشام لخالد بن صفوان: أكنت تعرف الحسن؟ قال: كان فيما بلغني في داره صغيرًا، ومجلسه في حلقته كبيرًا، قال: فكيف كان؟ قال، كان أعمل الناس بما أمر به، وأترك النّاس لما نهي عنه، وكان إذا قعد على أمرٍ قام به، وإذا قام على أمرٍ قعد به، وكان معلّمًا بالنّهار وراهبًا بالليل.
قال سلمة بن سعيد: أتي عمر بن الخطاب بمالٍ، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين، لو حبست من هذا المال في بيت المال لنائبةٍ تكون أو أمر يحدث فقال: كلمة ما عرضها ولقنها إلا شيطان لقاني الله حجّتها، ووقاني فتنتها، أعصي الله تعالى العام لخوف القابل؟ أعدّ لهم تقوى الله، قال الله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب " وليكوننّ المال فتنةً على من يكون بعدي.
جاء رجلٌ إلى سعيد بن المسيّب فقال: رأيت حديًّا جاءت حتى وقعت على شرف المسجد، فقال: إن صدقت رؤياك تزوّج الحجّاج في أهل هذا البيت، فتزوّج الحجّاج أمّ كلثوم ابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فأولدها بنتًا.
جاء رجلٌ إلى سعيد بن المسيّب فقال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقال: يا هذا، بعثه الله بشيرًا ونذيرًا، فإن كنت على خيرٍ فازدد، وإن كنت على شرٍّ فتب.
قال النحويّ: اعلم أن أسير بمعنى سرت إذا أردت بأسير معنى سرت؛ قال أبو سعيد السّيرافيّ: إنّما يستعمل ذلك إذا كان الفاعل قد عرف منه
[ ٨ / ١١٠ ]
ذلك الفعل خلقًا وطبعًا، ولا ينتظر منه في المضيّ والاستقبال، ولا يكون لفعل فعله مرةً من الدهر، من ذلك قول بعض بني سلول: الكامل
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني
يريد: ولقد مررت، ولم يرد أنّ ذلك كان منه مرّةً، ولا أنه لا يعود إليه، وإنّما أراد أنّ ذلك سجيّته أبداّ؛ قال جرير: الكامل
قالت جعادة ما لجسمك شاحبًا ولقد يكون على الشّباب نضيرا
قال خالد بن كلثوم الرّاوية: كان حنين صاحب خفيّ حنين من أهل اليمامة، وكان يحمل العطر فيطوف به في بلاد العرب، فطبن له بعض الخرّاز، فألقى في طريقه حين بدا من أهله فرد خفّ جديد، وألقى الفرد الآخر على قدر ميل، فأقبل حنين فلمّا رأى الفرد الآخر قال: الآن ننتفع بذلك الفرد، ونزل فعقل ناقته شفقةً عليها، ومضى فأخذ الفرد الآخر، وصاحب الخفّين قد كمن له، فلمّا تولّى حنين ركب البعير فذهب بما عليه وبه، فرجع حنين إلى أهله بالخفّين من جميع ما حمل، فصار خفّاه مثلًا.
قال المدائني: كان في الزمان الأوّل ملكٌ نهى النّاس أن ينتشروا بالنّهار في حوائجهم، ونادى بالتصرّف في الليل والنّوم بالنّهار، وأقام الحرسيّ يدور بالنّهار، فأخذ الحرسيّ رجلًا على حمار فأتى به الملك، فأمر بعقوبته، فقال
[ ٨ / ١١١ ]
له، أصلحك الله، هل نهيت عن الدّلجة؟ قال: لا، قال: فأنا رجلٌ مسافرٌ أدلجت هذا الوقت كما كنّا نبكّر في نصف الليل، قال: صدق، خلّوا سبيله.
سأل رجلٌ أبا عمرو بن العلاء عن الخيل لم سميت خيلًا فعيّ بذلك عمرو، وكان عنده أعرابيٌّ فقال: إنّما سميت خيلًا لاختيالها واختيال راكبها.
وقال عمر بن عبد العزيز لجاريةٍ في صبائه - هكذا قال العلماء بالفتح والمدّ إذا أردت أيام صغر سنّه، وقالوا: الصّبا في هذا المعنى خطأ، إنّما الصّبا اللهو والدّد والغزل - بحضرة مؤدبّه: أعضّك الله تعالى بكذا، فقال له المؤدّب: قال: أعضّك عبد العزيز، فقال: إنّ الأمير أجلّ من ذاك، قال: فليكن الله تعالى أجلّ في صدرك، فما عاود كلمة خنا، الخنا مقصورٌ، يقال: أخنى الرجل في منطقه.
يقال: شعّ دمه يشعّ أي تفرّق.
ويقال: طويت فلانًا على بللته أي بنيته على بقيّة ودّه؛ وأنشد: الكامل
[ ٨ / ١١٢ ]
ولقد طويتكم على بللاتكم وعرفت ما فيكم من الأدغال
والعرب تزعم أنّ اللبن يطوي البطن، وأنّ نبات الأرض ينفخه.
الدّحل: سربٌ في اعوجاجٍ من داخل الأرض؛ اندحل الطائر في وكره، واندحل السّبع في وجاره.
يقال: خذه على هديتك وفديتك.
مرّ أعرابيٌّ في أطمار رثّةٍ برجلٍ فقال له الرجل: والله ما يسرّني أن كنت ضيفك ليلتي هذه، فقال له الأعرابي: أما والله لو كنت ضيفي لغدوت من عندي أبطن من أمّك قبل أن تضعك بساعة، إنا والله - إذا وجدنا - آكلكم للمأدوم، وأطعمكم للمحروم، هكذا قال، وإن كان من الإطعام، وقد سمع من غير واحدٍ.
وفي الخبر: إذا أراد الرجل أن يتزوج امرأةً فلينظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينهما؛ أدم الرجل المرأة إذا خالطها أي إذا نكحها.
قال خالد بن صفوان: أنا لا أصادق إّلا من يغفر زللي، يسدّ خللي، ويقبل عللي.
[ ٨ / ١١٣ ]
وقيل ليزيد بن معاوية: ما حقّ الجود؟ قال: أن تعطي لمن لا تعرف، وإنّك لا تبلغه حتى تتخطّى به من لا تعرف.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله يوم حنين للعبّاس: " اصرخ بالناس "، ثم قال: " خلّل بالخزرج "، أي خصّهم.
يقال للجاهل الكثير التّرداد: سوّاط.
يقال: ملست الغلام: أي خصيته - اللاّم مخفّفة.
قال الأصمعي: برح الخفاء يعني صار الأمر في براحٍ، أي ظهر لشدّته ونكرائه، وقيل: معناه من التبريح أي اشتدّ. وقال يعقوب: برح الخفاء أي استبان المكتوم.
قبع الرجل إذا تحيّر.
وقال عبد الملك بن مروان لأبي الحارث: بلغني أنكم من كندة؟ قال: يا أمير المؤمنين، أيّ خيرٍ فيمن لا يدّعي رغبةً، أو ينفي حسدًا.
طمر الرجل إذا انتفخ، وفرسٌ طمرٌّ، والمكان العالي: طمار،
[ ٨ / ١١٤ ]
معرفةٌ مبنيّة على الكسر كقولك: حذام وقطام.
شاعر: الطويل
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانئٍ في السّوق وابن عقيل
تري جسدًا قد خدّد السيف لحمه وآخر يهوي من طمار قتيل
قال المبرّد: وتميم تقول: من طمار، منزلة ما لا ينصرف.
قال المبرّد في قوله تعالى: " يسألونك كأنّك حفيٌّ عنها " أي عن المسألة؛ وفي الخبر: أحفوا الشّوارب واعفوا اللّحى.
ما ملئت دارٌ حبرةً، إّلا وستمتلئ عبرةً.
" وأسرّوا النّدامة " أي أظهروا، من الأضداد، أي بدا ذلك في أسرّتهم.
الضّيزن: الوزير، والوزير مأخوذٌ من الوزر.
[ ٨ / ١١٥ ]
رأى عمر بن الخطّاب رجلًا في الطّواف يقول: اللهمّ اغفر لامّ أوفى، فقال له: من أمّ أوفى؟ فقال: امرأتي، والله على ذاك إنّها لورهاء مرغامة، أكولٌ قمّامة، لا تترك لها حامّة، ولكنّها حسناء فلا تفرك، وأمّ بنين فلا تترك.
قال التّوّزي: سألنا أبو عبيدة عن مسألةٍ ثم قال: لا يستخرجها من الرّجال إّلا أسود الحيف، يريد من حنّكته السّنّ حتى اسودّت نواحي أنثييه.
قال مصعب بن الزّبير لسكينة بنت الحسين ﵄: أنت مثل البغلة لا تلدين، قالت له: لا والله ولكن أبى كرمي أن يقبل لؤمك.
نظر الجمّاز إلى سوداء عليها معصفرات فقال: كأنّها بعرةٌ عليها رعاف.
قالت الخنفساء لأمّها: ما أمرّ بأحدٍ إّلا بزق عليّ، قالت: من حسنك تعوّذين.
[ ٨ / ١١٦ ]
شاعر: الكامل المجزوء
لما رأيت الدّهر يفني النّ اس من جيلٍ فجيل
وعلمت أنّي هالكٌ وسبيل من ولّى سبيلي
أوطأت نفسي عشوةً وعزفت عن قالٍ وقيل
وشربتها مشمولةً نشأت على الدّهر الطويل
رقّت فليس تحسّ كال شيء الخفيّ المستحيل
من كفّ ظبيٍ فاتر ال ألحاظ كالرشأ الكحيل
قال أعرابيّ: الفقير من الأهل مصروم، والغنيّ في الغربة موصول.
قال أعرابيّ: أوحش قومك ما كان في إيحاشهم أنسك، واهجر أوطانك ما نبت عنها نفسك.
قيل لأعرابيّ: أتشتاق إلى وطنك؟ قال: كيف لا أشتاق إلى رملةٍ كنت جنين ركامها، ورضيع غمامها.
قال أعرابيّ: الاغتراب يردّ الجدّة، ويكسب الجدة.
شاعر: الرمل المجزوء
إن يكن مات صغيرًا فالأسى غير صغير
كان ريحاني فصار ال يوم ريحان القبور
[ ٨ / ١١٧ ]
قال العتبيّ، سمعت أبي يقول: سابّ كميت بن معروف الأسديّ أمةً لقومٍ فقالت: الطويل
لعمري لقد راش ابن سعدة ريشه بريش الذّنابى لا بريش القوادم
بنى لك معروفٌ بناءً هدمته وللشّرف العاديّ بانٍ وهادم
قال أبو موسى الحامض: قرئ على ثعلب من كتاب بخطّ ابن الأعرابي خطأٌ فردّه، فقيل له: إنّه بخطّه، قال: هو خطأ، قيل: أفنغيّره؟ قال: دعوه ليكون عذرًا لمن أخطأ.
لما سقطت ثنيّة معاوية أسف عليها لما فاته من البيان، فتمثّل: الرجز
إنّ الليالي أسرعت في نقضي أخذن بعضي وتركن بعضي
تركن رنقي وشربن محضي
شاعر: الطويل
[ ٨ / ١١٨ ]
يقرّ بعيني أن من مكانه ذرى هضبات الأجرع المتقاود
وأن أرد الماء الذي وردت به سليمى وقد ملّ الكرى كلّ واحد
وألصق أحشائي ببرد ترابه وإن كان مخلوطًا بسمّ الأساود
أنشد الرّياشيّ لنهار بن توسعة: البسيط
أضحى العراق سليبًا لا ضياء له إّلا المهلّب بعد الله والمطر
هذا يجود ويحمي عن ذماركم وذا يعيش به الأنعام والشّجر
وأنشد أيضًا: الرجز
الناس إخوانٌ وشتّى في الشّيم
ويروى النّاس أسواءٌ، كذا أنشد البغداديون؛ قال الرّياشي: سألت عنه أعرابيًّا فصيحًا فقال: معناه أنّهم من أديمٍ واحد، أي من تراب يجمعهم كلّهم آدم، وإن اختلفت شيمهم، وفسّر البغداديون على خلاف هذا، قالوا: يجمعه بيت الأدم، لأنّ بيت الأدم فيه كلّ ضربٍ من رقاع الأدم.
قال أبو حاتم، حدّثنا الأصمعي قال: كنت عند الرشيد في شهر
[ ٨ / ١١٩ ]
رمضان، فأتي بسكران فهمّ به ثم سأل عنه فقلت: كفاك عليّ بن أبي طالب ذلك بالنّجاشي. قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين للسّكر، ومائةً لحرمة شهر رمضان، وحمله على حملٍ وطاف به في الكوفة، فجعل الصبيان يصيحون به: سلح سلح، فيقول: كلاّ إنّها يمانيةٌ، ووكاؤها شعرٌ؛ وهجا أهل الكوفة فقال: البسيط
إذا سقى الله قومًا صوب غاديةٍ فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا
وأرسل الريح تسفي في عيونهم حتى إذا لا ترى ماءً ولا شجرا
ألقى العداوة والبغضاء بينهم حتى يكونوا لمن عاداهم جزرا
السّارقين إذا ما جنّ ليلهم والدّارسين إذا ما أصبحوا السّورا
والتّاركين على طهرٍ نساءهم والنّاكحين بشطّي دجلة البقرا
ثم ذهب إلى معاوية وقال في عليّ، وكان قد قال معاوية: البسيط
يا أيّها الملك المهدي عداوته انظر لنفسك أيّ الأمر تأتمر
واعلم يقينًا بأنّ المجد في نفرٍ هم العرانين ما ساواهم بشر
فإن نفست على الأقوام مجدهم فابسط يديك فإنّ الخير مبتدر
نعم الفتى أنت إّلا أنّ بينكما كما تفاضل ضوء الشّمس والقمر
إنّي امرؤٌ قلّ ما أثني على أحدٍ حتى أبيّن ما آتي وما أذر
[ ٨ / ١٢٠ ]
لا تحمدون امرءًا حتى تجرّبه ولا تذمّنّ حتى تبله الخبر
قال أبو عليّ ابن مقلة، قال لي الهداوي، أنشدنا الرّياشي: الكامل المجزوء
يا عين بكّي للولي د بن الوليد بن المغيره
إنّ الوليد بن الولي د أبا الوليد هو العشيره
من كان غيثًا في السّني ن وجعفرًا غدقًا وميره
قال أعرابيّ: خلق القريب خيرٌ من جديد الغريب.
قال العتبي، قال أبو دواد: الكامل المجزوء
سقّى الرّباب مجلجل أل أكناف رعّادٌ بروقه
جونٌ تكفكفه الصّبا وهنًا ويمريه خريقه
مري العسيف عشاره حتى إذا درّت عروقه
حتى إذا ما جلده بالماء ضاق فما يطيقه
هبّت له من خلفه ريحٌ يماينةٌ تسوقه
حلّت عزاليه السّما ء فسحّ واهيةً خروقه
قال أعرابيّ: العجز مقرونٌ به الشقاء، والحزم موكّلٌ به
[ ٨ / ١٢١ ]
النّجاء؛ ثمرة الحزم السلامة، وثمرة العجز الندامة.
قال أعرابيّ: آفة الحزم ترك الاستعداد، وآفة الرأي سوء الاستبداد.
قال أعرابيّ: الحازم لا تدهش له عزيمة، ولا تكهم له صريمة.
قال بعض تجّار البحر: حملنا مرةً متاعًا إلى الصّين من الأبلّة، وكان قد اجتمع ركبٌ فيه عشر سفنٍ، قال: ومن رسمنا إذا تزجّهنا في مثل هذا الوجه أن نأخذ قومًا ضعفاء، ونأخذ بضائع قوم، فبينا أنا قد أصلحت ما أريد إذ وقف عليّ شيخٌ فسلّم فرددت فقال: لي حاجةٌ قد سألتها غيرك من التّجار فلم يقضها، قلت: فما هي؟ قال: اضمن لي قضاءها حتى أذكرها، فضمنت، فأحضر لي رصاصةً من مائة منا، وقال لي: تأمر بحمل هذه الرصاصة معك، فإذا صرتم في لجّة كذا فاطرحها في البحر. فقلت: يا هذا، ليس هذا ممّا أفعله، قال: قد ضمنت لي، وما زال بي حتى قبلت وكتبت في روزنامجي؛ فلمّا صرنا في ذلك المكان عصفت الريح وهاج البحر، فاشتغلنا بأنفسنا ونسيت الرصاصة، ثم خرجنا من اللّجة وسرنا حتى بلغنا موضعًا، فبعت ما صحبني، وحضرني رجلٌ فقال لي: يا هذا، أمعك رصاصٌ؟ قلت: لا، فقال غلامي: معنا رصاصٌ، فقلت: لم أحمل رصاصًا قال بلى الشيخ فذكرت فقلت خالفناه؛ بلغنا إلى ها هنا وما يلحقني أن أبيعه ففيه ما ينفعه، فقلت للغلام: أحضرها، وساومني الرجل بها فبعتها بمائةٍ وثلاثين دينارًا وابتعت بها للشيخ طرائف الصّين، وخرجنا فوافينا المدينة، فبعت تلك الطرائف فبلغت سبعمائة دينار، وصرت إلى البصرة إلى الموضع الذي وصفه الشيخ، ووقفت بباب دار، وسألت عنه فقيل لي: قد توفي، قلت: فهل خلّف أحدًا يرثه؟ قالوا: لا نعلم إّلا ابن أخٍ له في بعض نواحي البحر؛ قال: فتخبّرت
[ ٨ / ١٢٢ ]
فقيل: إنّ داره موقوفةٌ في يد أمين القاضي، فرجعت إلى الأبلّة والمال معي، فبينا أنا ذات يوم جالسٌ إذ وقف على رأسي رجلٌ فقال: أنت فلان؟ قلت: نعم، قال: وخرجت إلى الصين؟ قلت: نعم، قال: وبعت رجلًا هناك رصاصًا؟ قلت: نعم، قال: أتعرف الرجل؟ فتأملته، فقلت: أنت هو، قال: أعلمك أنّي قطعت تلك الرصاصة لأستعمل شيئًا منها فوجدتها مجوّفة، ووجدت فيها اثني عشر ألف دينار، وقد جئت بالمال فخذ مالك عافاك الله، فقلت له: ويحك، ليس المال لي، ولكنّه كان من خبره كذا وكذا، وحدّثته، قال: فتبسم الرجل ثم قال: أتعرف الشيخ؟ قلت: لا، قال: هو عمّي وأنا ابن أخيه، وليس له وارثٌ غيري، وأراد أن يزوي هذا المال عنّي، وهو هرّبني من البصرة سبع عشرة سنةً، فأبى الله تعالى إّلا ما ترى على رغمه؛ قال: فأعطيته الدنانير كلّها ومضى إلى البصرة فأقام بها.
حدّثنا القاضي أبو حامد قال: كان لي عمٌّ بمرورّوذ، وكان وجيهًا في البلد، وكان شديد المقت لي فاحش الإعراض عنّي؛ واتفق أنّي حضرت بعض العشيّات مجلس رئيس البلد، ودخل عمّي بعدي وكنت في كلامٍ، فسمع بقيّة ما كنت فيه، فقال للرئيس: من هذا الفتى الكامل الفاضل؟ فوالله ما رأيت أحدًا في سنّه أكثر عقلًا، ولا أحسن كلامًا منه، وإنّما أنكرني الاختلاط ظلام الليل، فقال الرئيس: إنّه أبو حامد، قال: ومن أبو حامد؟ قال: ابن أخيك، قال: لعنه الله وقبّحه، فما أعرف نسمةً أبغض منه إليّ، وإنك لو عرفت باطنة لما استحسنت ظاهرة ونهض متلويًا من حسد نار به ومناقضةٍ أتى بها، وحالٍ فجأته، وكامن ظهر عليه. وكان القاضي أبو حامد يحدّثني بهذا العمّ، وكان شديد العداوة، قاطع الرّحم، قبيح الجفاء، وكان يقول: والله لا ورثتني، ولأهبن مالي لبختيار - وكان أمير بغداد - ولساسته، ولا أتركه لك، ثمّ أبى الله ذلك.
[ ٨ / ١٢٣ ]
قال: وحدّثني أبو حامدٍ بحديثه مع عمّه حين حدّثته أنّ عمّي كان قاعدًا في بعض العشيّات في قطيعة الرّبيع، فاجتزت به متوجّهًا إلى مجلس أبي الحسن ابن القطّان الفقيه الشافعيّ، فقال له جلساؤه: إنّ ابن أخيك با أبا العبّأس مجتهدٌ في طلب العلم، يغدو ويروح، ولقد سمعنا تلاوته للقرآن فاستجدناها، ولقد سمعنا منطقه فاستأنسنا به، وقد كتب الحديث الكثير، وسافر وتصّوف، فقال للجماعة: هذا كلّه كما تقولون، ولكن له عيبٌ واحد، قالوا: وما هو؟ قال: يأكل في كلّ يوم أربعة أرغفةٍ، فورد على الجماعة ما حيّرها وأضحكها. وقد رأينا أعمامًا قطعوا أرحامًا، فقطع الله أعمارهم، وأقفر ديارهم، وأورثهم خسارهم. وإنّما سقت هذا ناهيًا عن قطيعة الرّحم، وحاثًّا على حفظ القرابة، مذكّرًا عواقب القطيعة، ومحذّرًا من قبيح القالة، وإلى الله تعالى نفزع في كلّ ما دقّ وجلّ، فهو المنتهى وإليه الرجعى.
احتضر ابن أخٍ لأبي الأسود الدؤلي - هكذا الفصيح يفتح الهمزة - فقال: يا عمّ، أموت والناس يحيون؟ قال: كما حييت والناس يموتون.
قال ابن السّمّاك: أهل القبور على الاختبار، وأهل الدّور على الاضطرار والانتظار، فأمّا أهل القبور فندموا على ما قدّموا، وأمّا أهل الدّور فيقتتلون على ما عليه أهل القبور ندموا، فلا هؤلاء إلى هؤلاء يوجعون، ولا هؤلاء بهؤلاء يعتبرون.
شاعر: الوافر
أنا ابن محفّضٍ والسّكب خالي إذا أنا من بني رجل الحمار
أسود إلى العلى بأبٍ وجدٍّ إذا عظمت مراهنة الخطار
شيوخًا طال ما سادوا وقادوا تميمًا في الملمّات الكبار
فلا تمدد يديك بلا قديمٍ إلى أهل القديم ولا نجار
[ ٨ / ١٢٤ ]
فلا يستطيع إلهاب المذكّي لدى الغايات أفلاء المهار
يسطيع إسطاعًا لغة، فلا تنكر الضّمّ في الياء، فإنّه يقال: أسطاع يسطيع إسطاعًا، واسطاع يسطيع اسطياعًا، واستطاع يستطيع استطاعةً، والاستطاعة: طلب الطّاعة.
٤٧٨ - والاستطاعة عند المعتزلة قبل الفعل، زعموا، كما أن العين قبل الإدراك، واليد قبل الضّرب. وقال خصومهم: الاستطاعة مع الفعل، وبعض مجّان المتكلّمين يقول: بعد الفعل، والحقّ من ذلك أنّ الاستعداد والتهيّؤ قائمان بالإنسان التامّ المزاج العلة، فإذا أنشأ الفعل تقدّمته همّةٌ، وبعثته إرادةٌ، وساعدته قوةٌ، وتمّمته استطاعةٌ، فبانتظام هذه القوى فيه، وانبعاثها منه، والتصاقها به، سمّي قادرًا، ومرّةً مستطيعًا، ومرّةً قويًا، والصّفات تعتوره من بعد على قدر درجاته في هذه الأحوال، وهذه القوّة والاستطاعة هو عواريّ عند الإنسان، تزداد مرةً بامتداد المعير، وتنقص على ذلك التّقدير، ولهذا لم يكن الإنسان قادرًا على الإطلاق، ولا عاجزًا على الإطلاق، بل كان وعاءً لهما، محمولًا عليهما، ولو عري من القدرة رأسًا لما كلّف، ولو ملك الاستطاعة رأسًا لما لجأ إلى الله ولا تضرّع، فهو بين قدرة من أجلها أمر، وبين عجزٍ من أجله اضطرّ وعذر، ولو كان مستطيعًا على الحقيقة لبطر وأشر، ولو كان عاجزًا على الحقيقة لما كلّف ولا أمر، فسبحان من خلق هذا الخلق، وصرّفهم على الكمال والنّقص، وضربهم بالسعادة والنّحس، وألجاهم إلى النّفس والحدس، ليعرفوا بكمالهم كمال مكمّلهم، ويعرفوا بنقصهم استئثار مدبّرهم، فيعتمدوا عليه، ولولا هذا التدبير المنطوي على الحكمة، الجاري على نظام العقول السّليمة، لكانت قدرتهم تنسيهم عجزهم، وإذا نسوا مواضع العجز فتنوا بمواضع القدرة، ألا ترى أنّ الخلق مع تعاور الآفات عليه، وتسارع النّكبات إليه، وتحكّم البلاء فيه، وتفسّخ عزائمه وتداعي أواخيه،
[ ٨ / ١٢٥ ]
كيف يثبون ويأشرون، ويبطشون وينتقمون، ويتظالمون، حتى كأنّهم لم يشهدوا من دهرهم فقد حميم، ولا اختطاف عزيز، ولا ابتذال ذخر، ولا ارتجاع موهبة، ولا هدم بنيّة، ولا قطع أمنيّة، ولا حلول قارعة، ولا زوال ملك، ولا عثار مستمرّ، ولا انتكاس متطاول، ولا خرس منطق. خالق الخلق أعلم بما أودع طينتهم، ومزج به أرومتهم، وقصر عليه طباعهم، وبعث إليه أبصارهم، وكتب عنده آثارهم، وأحصى عددهم، وتابع مددهم، ورتّب كلًا مرتبةً إن تجاوزها هلك، وإن قصّر ليم، وإن ثبت عندها نجا؛ له الملك والعظمة، والقدرة والسطوة، والحكمة واللّطف والنّعمة، والعفو والرحمة، فإيّاه نسأل خير ما عنده، وإليه نفزع من شرّ ما عندنا، إنّه صارف الشرّ عنّا، وموصل الخير من لدنه إلينا، وهو على ما يشاء قدير، وبجميع عباده خبيرٌ بصير، يجمع بين المحروم والمرزوق في شرك الاختبار، ويؤلّفهم في نظام الأمر والنّهي، ويطالبهم بالصبر والشكر، ويمدّهم باللّطف والرّفق، ويضمن لهم الربح والنجح، ويدّخر لهم الخلاص والثّواب.
فاعتبر أيّها السامع أفاعيله، وتصفّح حقائقه، واستجل أسراره، واستنّ حكمه، وتزود الشّكر على أوائل إحسانه إليك، وفواتح إنعامه عليك، واجعل المتجلّي منها مثالًا لما خفي، والخافي مسلّمًا بما وضح، فإنّ هذا الاعتبار يثمر لك عاقبة الحمد، وينزلك دار الصدق، وينقلك إلى عالم الحقّ، ولا يغرنّك ما أنت به باقٍ ها هنا، فإنّ البقاء ها هنا فناء، إّلا أنّ فناءك هنا بقاءٌ هناك، ومتى لاح لك الرّمز والحقّ الذي يتضمنه، صرفت سعيك وجدّك وتشميرك واستعدادك، وزادك إلى حظٍّ أنت به باقٍ وثابتٌ معه، ولست تفهم هذه المعاني، ولا تطّلع على هذه المعالي ما دمت أسير ما تراه عينك، وتلمسه يدك، وتتمنّاه شهوتك، لا والله حتى تتخلّى منك، أعني من جلبابك وقشرك وغشائك، نعم وحتى تتعرّى من جسدك، أعني من جوانحه وزينته وكرامته، وتأخذ ممّا لا بدّ لك منه، مكرّمًا بذلك ذاتك، ومهينًا لما دنّسك وأهلكك.
[ ٨ / ١٢٦ ]
واعلم أن بقاءك بصفاتك، وصفاءك بتفاني هذه الأشياء عنك، واعلم أنّ فناءك بكدرك، وكدرك بتعاور هذه الأشياء عليك، فانج ما كنت على جوادك، فيوشك أن يعثر بك فيلقيك في هوةٍ لا تنتعش منها أبدًا، فإن باشرت الشكوك بقلبك، وطرحت المواعظ عن سمعك، وثقلت النّائح على عقلك، فاعلم أنّك ميت وإن كنت في مسك حيّ، وعليلٌ وإنّ كنت في ثياب صحيح، ومخذولٌ وإن تتابع لك النّصر، ومحرومٌ وإن اتسّع عليك الرّزق، ومحبوسٌ وإن كنت في صورة مسيّب، ومرحومٌ وإن كنت في ظاهر مرضيٍّ عنه، ومعذبٌ وإن طال بك الاستمتاع، فعليك السلام، فقد وقع اليأس منك، وانقطع الرجاء عليك، وما أحوجك عند هذه العاقبة إلى نائحةٍ تبكي عليك، وتندب شبابك، وتعدّد محاسنك، وما أخوفني أنّك إلى الشماتة بك أقرب، وبالانتقام بك أحقّ، لأنّ من عشي عن الذّكر، وألف إهمال الفكر، وأغفل حقّ النّعمة بالشّكر، وسكن مساكن الظالمين، ووقف مواقف العائدين، وتجاهل وهو يعلم، وتعامى وهو يبصر، وتغافل وهو يدري، وتشكّك وهو يتيقنّ، وتمارض وهو صحيح، وتناكر وهو عارف، حقيقٌ بأن يشمت به العارف بحاله، المطلع على أمره.
اللهمّ لا ترسلنا من يدك، ولا تلنا بكيدك، وكن بنا أرأف منّا، إنّك أهل ذلك، واللاّطف به.
٤٧٨ج - افترّ هذا الحديث الطويل عن تفسيره قوله: يسطيع، ولو نهلت على حسب إرادتي لأفردت هذا الكلام عن المكان وتثبّتّ فيه، ولما قنعت له بخاطرٍ عابر، وهاجسٍ سانح، ولفظٍ لم يخدمه التّنقيح، ولم يشقّق عليه الرأي، ولم يستعن عليه بالسّهر، ولم يجتلب إليه المعنى المبيّت المخمّر، وعلى هذا جرى الكتاب من أوّله، والله تعالى أسأل بلوغ آخره، مشفّعًا بالقول والعمل، غير مغترٍّ بامتداد أجل، واختيال أمل.
[ ٨ / ١٢٧ ]
٤٧٨د - لا تسرع إلى ذمّي حتى تقف على عذري، وتعرف حقيقة أمري، فوالله لقد أصبحت وما لي صديقٌ أتنفّس معه، ولا عدوٌّ أنافسه، ولا غنىً أستمتع به، ولا حالٌ أغبط بها، ولا مرتبةٌ أحسد عليها، ولمّا أفضى بي الزمان إلى هذه الخلّة المشكوّة، وأفضيت بنفسي ما حوى هذا الكتاب معللًا نفسًا قد باءت بسخظٍ من الله إن لم تكن شاكرةً لله تعالى، مسلّمةً لأقدار الله عزّ ذكره، راضيةً بقضاء الله، عارفةً باختيار الله جلّ اسمه، فلا تزدني بلومك حرقةً، وبمنازعتك أسفًا، وبلجاجك ضجرًا؛ واعلم أني بشريٌّ أزلّ إن قلت، وأضل إذا ارتأيت، وأخطئ إذا توخّيت، وأصيب إذا وفّقت، وأحقّق إذا ألهمت، وأنال إذا قرّبت، وأسعد إذا لوطفت، وأتخلّص إذا رحمت، فإذا لمت فليكن لومًا هونًا، فإنّك لو نصبت نفسك في موضعي لم تخل من لسانٍ هو أعضب من لسانك، ومديةٍ هي أحزّ من مديتك.
٤٧٨هـ - وقوله: إلهاب المذكّي، هو العدو، يقال: ألهب يلهب، أي أحمى العادي نفسه فهو بمنزلة نارٍ تلهّب، ويقال: أهذب أيضًا في هذا المعنى، والمذكّي: المسنّ، فيقال: ذكّى الرجل وغيره إذا أسنّ؛ والأفلاء: جمع فلوٌّ، ولا تقل: فلوًا، ويقال إنه قبل له فلوٌّ لأنّه افتلي عن أمّه أي أخذ وقطع، ومنه يقال: فليت رأسه بالسيف، والفوالي: نساءٌ يفلين ثيابهن ويطلبن ثيابهنّ ويطلبن هوامّ أبدانهن، يقال: تفلّى فلانٌ وتفلّت المرأة، وفلت الأمّ رأسها، وفلّت رأسها، والفلّ: القوم المنهزمون، والفلول: آثارٌ في السّيوف من طول الضّراب، وإيّاه عنى الشاعر: الطويل
[ ٨ / ١٢٨ ]
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلولٌ من قراع الكتائب
أي لا عيب فيهم، لأنّ من هذا عيبهم فلا عيب فيهم. كما تقول: لا عيب له إّلا في كماله. وأما الفلّ - بكسر الفاء - فأرض لا تمطر وجعه أفلال، والفلال: المفالّة أي المقاطعة، واستفلّ فلانٌ فلانًا مجازه: أخذ منه حديثًا، وفلان لا يستفلّ صبر صدره، ولا يستغلّ عزم صدره، والفليلة: قطعةٌ من الشّعر جمعها فلائل، وفلّ فلانٌ غرب فلانٍ أي قطع حدّه، فأمّا فال يفيل في الرأي إذا زلّ، وفلانٌ فيّل الرأي وفائل الرأي، وفلانٌ يستفيل رأي فلانٍ، قال الشاعر في فال يفيل: الطويل
وسمّيته يحيى ليحيا فلم يكن إلى ردٌ أمر الله فيه سبيل
تيمّمت فيه الفأل حتى رزقته ولم أدر أنّ الفال فيه يفيل
والفائلان: عوقان مستنبطان الفخذين؛ وأمّا المهار فجمع مهرٍ وهو الذي لم يرض بعد ولم يركب، ويقال أيضًا: أمهار، وفي الحماسة: الكامل
يقذفن بالمهرات والأمهار
ويقال في الجمع فعالٌ كثيرٌ، ومنه رماحٌ وأرماح، وشرارٌ وأشرارٌ، وخيارٌ وأخيارٌ، وليس لباب الجمع قياس.
نظر رجلٌ زاهدٌ إلى آخر مغتمًّا بالرّزق فقال: أتوقن أنّك تعيش إلى غدٍ؟ قال: لا، قال: أفتخاف أن تعيش وليس لك رزق؟ قال: لا، قال: فأيّ شيءٍ تخاف؟ قال: أخاف أن يكون قليلًا، قال: أفخوفك هذا
[ ٨ / ١٢٩ ]
يذهب بقلّته ويأتيك بكثرته؟ قال: لا، قال: فأراك قد اتخذت الحزن ضجيعًا، والتحفت عليه بلا منفعة.
قال فيلسوف: أصاب الدّنيا من حذرها، وأصابت الدّنيا من أمنها.
قيل لزاهد: ما بال الشيخ أحرث على الدّنيا من الشّاب؟ قال: لأنه ذاق من طعم الدّنيا ما لم يذقه الشّاب.
عوتب سهيل بن عليّ في كثرة الصّدقة فقال: لو أراد رجلٌ أن ينتقل من دارٍ إلى دار، أكان يترك في الأولى شيئًا؟ لا والله.
دخل لصٌّ على بعض الزّهّاد فلم ير في داره شيئًا فقال: يا هذا أين متاعك؟ قال: حوّلته إلى الدار الآخرة.
ذكرت الدّنيا عند الحسن فقال: هو المحبوبة التي لا تحبّ أبدًا، المزومة التي لا تلزم أحدًا، يوفى لها فتغدر، ويصدّق لها فتكذب.
قال فيلسوف: لا تلبسوا اللّئام ملابس الحكم، فإنّ أجسادهم أخشن من أن تتزيّن ببرودها، ورقابهم أنذل من أن تتحلّى بعقودها.
للمأمون: السريع
أما ترى ذا الفلك السّائرا أبيت من همٍّ به ساهرا
مفكّرًا فيه وفي أمره فما أرى خلقًا به خابرا
[ ٨ / ١٣٠ ]
يخبر عن لطف تدابيره وكيف أضحى للورى حاضرا
يا ليت شعري هل أرى مرّةً أكون في أبراجه سائرا
أكون مع طالعه طالعًا طورًا ومع غائره غائرا
حتى أرى جملة تدبيره وأعرف المستور والظّاهرا
قال أعرابيّ: ما كلّ رقبةٍ تحسن فيها القلائد، ولا كلّ نفسٍ تحتمل عليها الفوائد.
قال فيلسوف: لا تشمّ الأخشم ريحانًا، ولا تنل السّفية برهانًا.
قال أبو عبد الله بن حرون: دعا الرشيد بعبد الملك بن صالح وعنده ولاة أمره وقوّاد جنده، فجيء به يرسف في قيده، فلما مثل بين يدي الرشيد أنشد الرشيد: الوافر
أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد
والله لكأني أنظر إلى شؤبوبها وقد همع، وإلى عارضها قد لمع، وإلى الوعيد
[ ٨ / ١٣١ ]
قد أروى نارًا، فأقلع عن رؤوسٍ بلا غلاصم، ومعاصم بلا راجم؛ مهلًا مهلًا بني هاشم فبي سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، ونذار نذار من حلول داهيةٍ إدٍّ، خيوطٍ باليد، لبوطٍ بالرّجل.
فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين، أتكلّم فذًّا أم تؤامًا؟ فقال: بل فذًّا، فقال: اتّق الله يا أمير المؤمنين فيما استرعاك، ولا تجعل الشّكر بموضع الكفر لقول قائلٍ ينهس اللّحم، ويلغ الدّم، فوالله لقد حدوت القلوب على طاعتك، وذلّلت الرجال بمحبّتك، وكنت في ذلك كما قال أخو بني كلاب: الرمل
ومقامٍ سيّءٍ فرّجته بلساني ومقامي وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله زلّ عن مثل مقامي وزحل
فأمر به فردّ إلى محبسه ثم قال: لقد دعوت به وأنا أرى مكان السيف من صليف رقبته ثمّ ها أنا قد رثيت له، وليس من الاحتياط أن يترك.
٤٨٩ب - تفسير حروفٍ في هذا الكلام للرشيد قد اشتمل على عربيّةٍ علويّةٍ، وقد روي أوّل الكلام لعبد الحميد، والنسب إليه أكثر، وهو به أليق، وماأضع بهذا من الرشيد، ولكن للصناعة موضعٌ لا تأتي عليه الخلافة: أما قوله يرسف فمعناه: يمشي مشي المقيّد، وصورته شائعة لأنّ المقيّد يقصر خطوته، يقال منه: رسف - بالسّين غير معجمة -؛ والماشي كذلك راسفٌ.
[ ٨ / ١٣٢ ]
وأما قوله مثل بين يديه فمعناه وقف وقام، وكأنّه صار مثالًا، لأنّ المثال يقابل المماثل، وقيل في قوله: " مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل " أي صفتهم، وجمع المثال مثل؛ وفيما ترجم من كلام أفلاطون أنّ الأشياء قبل الوجود كانت مثلًا في نفس الباري، فعلى ذلك اخترعها، وهذا رأيٌ فاسدٌ خيالٌ مضمحلّ لأنّ قوله: الأشياء قبل الوجود باطلٌ عنده، لأنّ القبل من الأشياء، ويستحيل أن تكون الأشياء تسبق شيئًا من جملة الأشياء، وهذا لا قوام له من العقل، وقوله: قبل الوجود مغالطةٌ لأنّ الوجود أيضًا مغمورٌ بالاسم العامّ للأشياء، وأما قوله: مثلًا في نفس الباري، فما أبعد هذا من الحقّ، هل كانت المثل - إن كانت أيضًا - إلاّ أشياء، وكأنّه قال: الأشياء كانت أشياء في نفس الباري، ومتى جاز مع هذا أن تكون نفس الباري ظرفًا للمثل، لأن قوله: في نفس الباري، وامئٌ بهذا، ومشيرٌ إلى هذا، وعاطفٌ على هذا، فإن كان ضيق العبارة أفضى به إلى هذا، فليأت ببيان أتمّ من هذا، وباعتذارٍ يقرّب هذا، وليس الفنّ غرضي هاهنا، ولكن عنّ هذا على عادة ما تضمّن هذا الكتاب، فتكلمت حسب الطاقة، نافيًا عن الله المستحيل، وناصرًا للتوحيد.
وجمع المثال: أمثال، وجمع الأمثال: أمثلة " وضرب الله مثلًا " أي بيّن الله أمرًا في معرضٍ ليس عندكم، وعلى هذا تقول لصاحبك: إنّما مثلك مثل رجلٍ قال كذا وفعل كذا، ويقول كذا ويفعل كذا، فيعرض شأنك عليه في صورةٍ يسرع إليها وهمه، ويقرب منها فهمه، فتسقط المنازعة ويتسهّل المراد.
فأما البيت فقديم، أعني الذي أنشد الرشيد، وسمعت بعض الشّيعة يقول: البيت لعليّ بن أبي طالب ﵁ قاله لعبد الرحمن بن ملجم لعنه
[ ٨ / ١٣٣ ]
الله، حين علم أنّه ضاربه على هامته، وسائلٌ دمه على شيبته، قال: والدليل على ذلك قوله من مراد، وعبد الرحمن مراديّ، وأصحابنا يأبون هذا الكلام، ويقولون: البيت لعمرو بن معدي كرب، وقد جاء في ديوانه، ولكنّ الشيعة إذا سمعوا هذا الكلام رموا قائله ببغض عليٍّ، وقذفوه بكلّ قبيح، والفتنة منهم شديدة، والبلاء عظيم، ولو لم يكن من عجائبهم إلاّ تشريف عليّ، ونشر فضائله، والاقتداء بأفعاله، لكان ذلك حقًّا وصدقًا وطاعةً، ولكن يتّصل بهذا ما يهدم هذا، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور.
وأمّا نصبه عذيرك فإجماعٌ من النّحويين، قالوا: معناه من يعذرك، وإنّ الفعل أوجب النّصب لأنّك لو خفضت بغير خافضٍ ولو رفعت استحال خبرًا، وليس الغرض المرميّ ولا المراد المغزوّ أن يكون عذيرك من خليلك من مراد، فلما بطل الوجهان صحّ الثالث أعني النّصب، كأنّه أريد به خيرًا ويريد بي شرًّا، أي هات الآن من يعذرك ومن عاذرك، وكأنّ العذير هاهنا فعيل بمعنى فاعل، ولهذا نظائر.
وأما قوله شؤبوبها فجمعه شآبيب وهي الدّفع، ويسمع أيضًا في وصف الناس، يقال: خرجت في شؤبوبٍ من الناس أي دفعة، في قطعةٍ، في فوجٍ.
وأمّا قوله قد همع فمعناه سال، وأمّا العارض فهو الذي يستطير من البرق كأنّه يعرض أو يطول لأنه يكون ذا طولٍ مرّةً وذا عرضٍ مرّةً. لمع معناه لاح وأخذ العين، ويقال: التمع فلانٌ إذا أبصر شيئًا يحسر عينه، ومعناه يكلّ أي يأخذ حدّتها ويذهب بضيائها ويفرق شعاعها، والشّعاع إذا تفرّق من منبثّ البصر كلّ الناظر، وصار المغرب من الناس - أعني من اشقرّت أهداب
[ ٨ / ١٣٤ ]
عينه، وإن قيل: أشفار على الجوار جاز - لا يجود إبصاره، لأنّ شفر عينه يفرّق الشّعاع المنبثّ المضاء، فأمّا السّواد فجامعٌ لأقطار الضوء وناظمٌ ما تفرّق من النّور، ومسدّدٌ بالنظر نحو المقابل، وهذا أيضًا تطويلٌ لا يدخل فيما نحن منه بسبيل، فما أصنع وحلاوة الحديث قد أخذت بسمعي وبصري، وعرّضتني للائمة من يعزّ عليّ؟ وأمّا قوله أورى نارًا فمعناه استخرج، يقال: ورت النار ووريت، يقال في كلام العرب: وريت بك زنادي، وزهرت بك ناري، فأمّا وراني وريًا، ينصبون على مذهب الدّعاء، أي ألزمك الله تعالى هذا، وفي خلافه يقولون: عمرًا وشبابًا.
فأما الغلاصم فجمع غلصمة، وهي العجر التي على ملتقى اللهاة والمريء، إذا ازداد الآكل اللقمة فزلّت عن الحلق ودخلت في الغلصمة، والحنجرة رأس الغلصمة؛ هذا لفظ الأصمعي.
وأما المعاصم فجمع معصمٍ وهو موضع السّوارين وأسف ذلك قليلًا.
وأما البراجم واحدتها برجمةٌ، وهي ملتقى رؤوس السّلاميات من ظهر الكفّ، إذا قبض الإنسان كفّه نشزت وارتفعت، وبها سمّيت البراجم من بني تميم؛ هذا أيضًا لفظ الأصمعي.
وأما قوله الوعر فالخشن، ولا يقال إلاّ في الطريق، ولا يقال في الثوب الخشن وعرٌ لا مجازًا ولا تحقيقًا، يقال: طريقٌ وعرٌ. وقد سمع وعرٌ - بحركة العين -، وطرقٌ أوعارٌ، ورأيت شاعرًا قال: طرقٌ وعرٌ، فعيب عليه وقيل له: أنت لا تقول: قومٌ قائمٌ، لا تصف الواحد بصفة الجماعة، ولا تصف الجماعة بصفة الواحد، فقال: أنتم لا تقولون قومّ نائمٌ وقد قال الله تعالى: " فوجٌ مقتحمٌ "، ودار الكلام وانتهى.
وأما قوله نذار فمعناه النّذير والإنذار، وكأنّ الإنذار إعلامٌ إلا أنه مع
[ ٨ / ١٣٥ ]
تحذير، وليس كذلك التّبشير، فإنه مقصورٌ على إعلام الخبر، وسمعت من يقول: فلم قال الله تعالى: " فبشّرهم بعذاب أليم " وهذا محذورٌ، فقلت: أرجو أن أحكيهما لك وأعرضهما على عقلك، ليكونا عندك: إنّما قال الله لهم ذلك على وجه التّهزّؤ بهم، ألا ترى أنه قال تعالى: " ذق إنك أنت العزيز الكريم " وهو الذّليل اللئيم، كما تقول للرجل: يا عاقل، كانيًا عن حمقه، لأنّك تكره اللفظ لبشاعته، وتضمر المعنى للحاجة إليه، ولو أفصحت باللفظ الأخصّ عن المعنى الأخصّ عاد سفهًا وصار خصومةً. والجواب الآخر أنه قال: إنّ هذا الإعلام قد تعلّق بخبرٍ لأنّه قد حاشهم إلى الجنّة بهذا التحذير، ويقال: معنى بشّرته أي أظهرت على بشرته ذلك.
وأما كسر نذار فبناءٌ، نظيره: حذار ونزال وتراك، وقطام وحذام وقيل: إنهم أشارو بهذا البناء إلى تكرير الفعل كأنّهم قنعوا به عن قولهم: احذر، واترك، والله أعلم.
وأمّا قوله داهيةٍ إدّ فهي الشّديدة، من قولهم: آدني الأمر أي أثقلني، يؤودني، وقد ردّ هذا جماعةٌ من العلماء وقالوا: لا يكون منه إدّ إنما يكون آيدٌ، مثل قال يقول فهو قائلٌ، وأدري يأدو إذا قتل الصيد فهو آدٌّ، يا هذا، وقد يلتبس الأمر على من لم يكن ذا مهارةٍ في هذه المواضع الخفيّة؛ وكان القاضي أبو حامد يقول: من كان نصف طبيبٍ فإنّه يقتل العليل، ومن كان نصف فقيهٍ فإنّه يحلّل المحرّم، ومن كان نصف نحويٍّ فإنّه يلحن أبدًا، ومن كان نصف لغويٍّ فإنه يصحّف أبدًا؛ هذا قوله وليس الكمال مأمولًا للخلق، لكنّ الحكم للغالب الأكثر، والشائع الأفشى.
وأما قوله خبوطٍ باليد فهو ضروبٌ باليد على جهلٍ بمواضع الضّرب، وكذلك اللّبوط بالرّجل.
وأمّا قوله أتكلّم فذًّا فالفذّ الواحد، ولا يطلق في ذات الله تعالى الواحد
[ ٨ / ١٣٦ ]
الفرد، ولا ندري لم ذاك، ويطلق الوتر وإن لم يكن واحدًا بالإطلاق، بل يكون واحدًا وثلاثةً وخمسةً وسبعةً، وعلى هذا جرًّا؛ وأما الفرد في أسماء الله تعالى فسائغٌ شائع. قال أبو حامد: ولا يقال في الله تعالى هو فريدٌ وحيدٌ، وإن قيل فردٌ واحدٌ، ولم يوضح وجه المنع من ذلك، والنّفس تشهد بصحّة ما قال، ولكنّ البرهان مفقود، وشهادة النّفس مع فقد الدليل كصدودها بعد ظهور الدّليل.
وأمّا قوله تؤامًا فإنّ أصحابنا يقولون هذا خطأ، لأنّ الواحد لا يكون تؤامًا، إنّما يكون الاثنان توأمين، هكذا قال يعقوب: هذا توأم هذا، أي هذا ولد مع هذا، واعتذر لعبد الملك بعض أصحابنا فقال: لعله أراد تؤامًا على الجمع كما قال الشاعر: الرجز
قالت لنا ودمعها تؤامُ كالدّرّ إذ أسلمه النّظام
على الذين ارتحلوا السّلام
قال: كأنه أراد بالتّؤام التّوائم، والتّؤام في شعر المرقّش الأصغر: ودرًّا توائمًا، كأنّه جمع تائمةٍ وإن لم يسمع.
وأما قوله نهس اللحم فمعناه يأخذه بأسنانه ومقاديم فمه، ومنه: تناهست الكلاب الجيفة، وجمعها جيفٌ.
وأمّا قوله يلغ الدم فهو من نعت الكلب إذا احتسى الدم وجرع فيه، والميلغة: ما يلغ فيه الكلب، اللام مفتوحة، والمولغ: صاحب الكلب، والوالغ والمولغ: الكلب، وفي الناس استعارةً إذا كثر سفكهم للدماء. والشافعي يروي خبرًا في نجاسة الكلب، ويوجب غسل الآنية من ولوغه سبع مرّات، أولاهنّ أو أخراهنّ بالتراب، وأبو حنيفة يواطئه على النّجاسة ولا
[ ٨ / ١٣٧ ]
يغسل هكذا، ويرى له ثمنًا، والشافعي يرى له قيمةً لنجاسة عينه، ومالكٌ يرى أنّ الكلب طاهرٌ ولحمه مأكولٌ، ووجوه اختلاف الفقهاء متقاربةٌ، وأدرّتهم مستوسقة، وإنّما البلاء كلّه من أصحاب الكلام الذي يظنّون أنّ التوحيد لا يصحّ إلا بنظرهم، والدّين لا يثبت إلاّ بنصرتهم، والحقّ لا يعرف إلاّ بمقاييسهم، وهم عن أسرار التوحيد في أبعد مطرحٍ وأنأى منزح، والله تعالى أجلّ من أن يصحّح توحيده عقول خلقه، ومقاييس عباده، وظنون العاجزين عن الحقائق، وآراء المضروبين بالنّقص.
وأنشد لأبي علي البصير: الهزج
أتينا بعدكم مكّ ة حجّاجًا وزوّارا
وحرّمنا لربّ النّا س أشعارًا وأبشارا
ولبّيناه لا نسأ م إقبالًا وإدبارا
لكي يغفر إنّ الل هـ قدمًا كان غفّارا
وقلّدنا وسقنا البد ن قد أشعرن إشعارا
ومن جمعٍ تزوّدنا إلى الجمرة أحجارا
ومسّحنا من الكعب ة أركانًا وأستارًا
وجئنا القبر قبر المص طفى أحمد زوّارا
وقال الناس هل أحد ث هذا لك إقصارا
وهل أحسنت للتّوب ة من قلبك إضمارا
فلمّا شارف الحير ة حادي إبلي حارا
وقد كاد يغور النّج م للإصباح أو غارا
فقلت أحطط به رحلي ولا تحفل بمن سارا
فجدّدنا عهودًا س لفت منّا وآثارا
وقضّينا لباناتٍ لنا كانت وأوطارا
[ ٨ / ١٣٨ ]
وما ذقنا بها لهوًا وبستانًا وخمّارا
إذا حكّمته جار وإن حاربته جارا
فما ظنّك بالحلفا ء أدنيت لها النّارا
كشفنا لك أخبارًا ودامجناك أخبارا
قال أبو عمر الجرمي: الحلفاء: نبتٌ؛ والقبعثري: الجمل الشّديد، والأنثى: قبعثراة؛ واليعملة من النّوق: السّريعة؛ واليرمع: الحجر وغيره، وهو الحجر الليّن؛ والحديبة: الأرض الغليظة؛ والقرنوة: نبات، والعضرفوط: ذكر العظاء؛ والأفكل: الرّعدة، وزيادة الهمزة والميم غير أول من الشّاذ القليل نحو: شمأل يريدون الشمال، وزرقم: يريدون الأزرق؛ والعنسل: النّاقة السّريعة، وكذلك العسول؛ والجحنفل: الجبل العظيم، مأخوذٌ من الجحفل، وهي الكتيبة؛ والرّعشن: مأخوذ من الارتعاش؛ والعرضنة: مشيةٌ فيها اعتراضٌ من المرح؛ والعقربان: دخّال الأذن، وقيل: ذكر العقارب؛ والشّطب: شجر؛ قال والمرمريس من المراسة، يقال: داهيةٌ مرمريس إذا كانت شديدة، زيدت في موضع الفاء فموضعها فعفعيل.
[ ٨ / ١٣٩ ]
قيل لأبي حاتم: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول: الخفيف
ولها مبسمٌ كغرّ الأقاحي وحديثٌ كالوشي وشي البرود
نزلت في السّواد من حبّة القل ب ونالت زيادة المستزيد
عندها الصّبر عن لقائي وعندي زفراتٌ يأكلن صبر الجليد
قال أعرابيّ: خرجت في ليلةٍ حندسٍ قد ألقت أكارعها على الأرض فمحت صور الأبدان، فما كنّا نتعارف إلاّ بالآذان، فسرنا حتى أخذ الليل صبغه.
لأعرابيّ كان يتعشّق امرأةً: المتقارب
وأحلى من الشّهد موعودها وأكذب من بارقٍ خلّب
وأدنى إلى المرء من نفسه وأبعد وصلًا من الكوكب
قال ثعلب: النّدمان واحدٌ وجمعٌ: من نادمك؛ قال ابن درستويه: لا يجوز جمع ندمان على ندمان، وإنما ندمان واحد، وجمع نديم: ندمان بكسر النون، فأمّا ندمان فلا يكون جمعًا، وجمع النّدمان ندامى، ويقال: فلانٌ حسن الندامة والرّدافة.
العرّ: الجرب، والعرّ: تسلّخ جلد البعير، وإنّما يكوى من العرّ، ولا يكوى من العرّ؛ الثّماليل: العطبة التي تأخذ فيها النار.
[ ٨ / ١٤٠ ]
لابن شماس السّعدي: الرجز
قد أغتدي والليل في جريمه معسكرًا نشّم في أديمه
يدعّه بضفّتي حيزومه دعّ الصّبيّ لحيتي يتيمه
شاعر: الرجز
ألمّ بزينب بالرّكب لمم قد برحاها بالفؤاد وحلم
ولم يكن خيالها إذا ألم يلمّ إلاّ بعفافٍ وكرم
قال فيلسوف: قس شبرك بفترك، لعلّك تصيب مكان رشدك.
قرئ من قبر يعقوب بن اللّيث الصفّار: الطويل
سلامٌ على الدّنيا وطيب نعيمها كأن لم يكن يعقوب فيها مملّكا
كأن لم يقد جيشًا من الدّهر ساعةً ولا رام ما رام الرجال مصعلكا
وقرئ على قبر البصري العلويّ صاحب الزّنج: الطويل
عليك سلام الله يا خير منزلٍ رحلنا وخلّفناك غير ذميم
فإن تكن الأيام أحدثن فرقةً فمن ذا الذي من رميها بسليم
وأمر أبو العتاهية أن يكتب على قبره: الخفيف المجزوء
[ ٨ / ١٤١ ]
أذن حيٍّ تسمّعي ثم عي بعده وعي
أنا رهنٌ بمضجعي فاحذري مثل مصرعي
ليس زادٌ سوى التّقى فخذي منه أو دعي
ليس ميتٌ براجعٍ كيف ما شئت فاصنعي
شاعر: الكامل المجزوء
كنت السّواد لمقلتي فبكى عليك الناظر
ما شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر
آخر: البسيط
تطاول الليل لا تسري كواكبه أم حار حتى حسبت النّجم حيرانا
فأجابه آخر: البسيط
ما طال ليلي ولا حارت كواكبه ليل المحبّ طويلٌ حيث ما كانا
قال أبو سعيد الخرّاز، قال أبو عبد الله ابن الجرّاح: قصدني
[ ٨ / ١٤٢ ]
أحمد بن حنبل فسألني أن أخرج إليه شيئًا من العلم، فأخرجت إليه كتاب العقل لداود بن المحبّر، فانتخب منه أحاديث وردّ الكتاب، فسألته عن ذلك فقال: لم أر فيه أحاديث صحاحًا، قال ابن الجرّاح: كلّه صحيح، قال أحمد: ومن أين عرفت؟ قال لأني استعملته فوجدته كلّه صحيحًا، فقال ردّ الكتاب إليّ حتى أنتفع به كما انتفعت.
قال أنس: خطبنا رسول الله ﷺ على ناقته الجدعاء وليست بالعضباء فقال: " أيّها النّاس كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب، وكأنّ الذي يشيّع من الأموات سفرٌ عمّا قليل إلينا راجعون، نبّوئهم أجداثهم ونأكل تراثهم كأنّا مخلّدون بعدهم، قد نسينا كلّ واعظة، وأمنّا كلّ جائحة، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مالٍ كسبه من غير معصية، ورحم أهل الذّلّ والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن أذلّ نفسه، وحسّن خليقته، وأصلح سريرته، وعزل عن الناس شرّه، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السّنّة، ولم يتعدّها إلى البدعة ".
قال هبيرة بن خزيمة: أتيت الربيع بن خثيم بني الحسين بن علي رضوان الله عليهما، وقلنا: اليوم يتكلّم، فقال: أقتلوه؟! - ومدّ بها وصوته - اللهمّ فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشّهادة، أنت تحكم
[ ٨ / ١٤٣ ]
بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون.
قال شعيب بن حرب: إن كنت تريد أن تكون عالمًا فسلّس للعمل قيادك، وسلّ عن الجهل فؤادك، واجعل هواك تبعًا للعلم.
قال يوسف بن أسباط: كأنّ القوم ألهموا العلم وأبكموا الكلام، ونحن ألهمنا القول وأبكمنا العمل.
قال ابن أبي نجيح: لقي أبي طاووس فقال له أبي: إن لقمان قال: إنّ الصّمت حكمٌ وقليلٌ فاعله، فقال طاووس: يا أبا نجيح، إنّ من تكلّم واتّقى الله خيرٌ ممن صمت واتّقى الله.
قال الأحنف: الصّمت لا يعدو فضله صاحبه، والكلام ينتفع به من يسمعه، ويرجع إليه فضله.
قال ابن الكوّاء للرّبيع بن خثيم: ما نراك تذمّ أحدًا، قال: ويلك يا ابن الكوّاء ما أنا عن نفسي براضٍ فأتحوّل عن ذمّي إلى ذمّ الناس؟! إنّ الناس خافوا الله تعالى على ذنوب العباد وأمنوه على ذنوبهم.
وقال الرّبيع: ذروا ما قد علمتم وكلوا ما قد جهلتم إلى عالم
[ ٨ / ١٤٤ ]
الخير، فما كلّ الذي نزل على محمد ﷺ علمناه، ولا بالذي علمنا عملنا، وما نتّبع الخير حقّ اتّباعه، وما نتّقي الشّر حقّ تقاته، وما خيارنا اليوم بخيار، ولكنّهم خيرٌ ممّن هو شرٌّ منهم.
قال بشّار: من جيّد قولي: الرمل
أنفس الشّوق ولا ينفسني وإذا قارعني الهمّ رجع
أصرع القرن إذا نازلته وإذا صارعني الخبّ صرع
عمرك الله أما تعرفني أنا حرّاث المنايا في الفزع
أنا كالسيف إذا وادعته لم يروّعك وإن هزّ قطع
قال أبو عمرو بن العلاء، قال محمد بن عبد العزيز: تعلّموا العلم فإنّه زينٌ للغنيّ، وعونٌ للفقير، إني لا أقول يطلب به ولكن يدعوه إلى القناعة.
قالت عائشة: سألت رسول الله ﷺ عن يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات، أين يكون الناس؟ فقال: " على الصّراط ".
قال أعرابيّ: أبناء دينك آنس بك من أبناء نسبك.
أصاب وجه سعيد بن جبير شيءٌ من سواد القدر، فقالت له ابنته: ما هذا السّواد الذي أراه بوجهك؟ فصاح وسقط مغشيًّا عليه، فلمّا أفاق سئل عن ذلك فقال: خفت الله أن يكون قد سوّد وجهي في الدّنيا قبل الوصول إلى الآخرة.
قال أحمد بن أبي الحواري: سألت أبا سليمان الدّاري عن قوله: إذا استكملت المعرفة في القلب سلب العارف العمل.
[ ٨ / ١٤٥ ]
ما كان أحوج أبا سليمان أن يوضح علّة هذا فإنّه شنيع، وقد رأيت من أبناء التصوّف من هجر العبادة بمثل هذا القول، وإذا أفردنا الكلام في فنونهم أتينا على شبههم بظنونهم إن شاء الله.
قال فيلسوف: اعتقد لولدك كتب آدابٍ تنعم أرواحهم، لا عقد مالٍ تنعم أشياحهم.
قيل لأعرابيّ: هل تحدّث نفسك بدخول الجنّة؟ قال: والله ما شككت قطّ أنّي سوف أخطو في رياضها، وأشرب من حياضها، وأستظلّ بأشجارها، وآكل من ثمارها، وأتفيّأ بظلالها، وأترشّف من قلالها، وأستمتع بحورها في غرفها وقصورها، قيل له: أفبحسنةٍ قدّمتها أم بصالحةٍ أسلفتها؟ قال: وأيّ حسنةٍ أعلى شرفًا، وأعظم خطرًا من إيماني بالله تعالى، وجحودي لكلّ معبودٍ سوى الله ﵎، قيل له: أفلا تخشى الذّنوب؟ قال: خلق الله المغفرة للذنوب، والرحمة للخطأ، والعفو للجرم، وهو أكرم من أن يعذّب محبّيه في نار جهنّم، فكان الناس في مسجد البصرة يقولون: لقد حسن ظنّ الأعرابيّ بربّه، وكانوا لا يذكرون حديثه إلا ّانجلت غمامة اليأس عنهم، وغلب سلطان الرّجاء عليهم.
يقال: ما المعذول، وما المعدول، والمعلول، والمعبول، والمعتول، والمعزول، والمفضول، والمقلول، والمسلول، والمشلول، والمطلول، والمهبول، والمهطول، والمعقول، والمألول، والمقذول، والمفلول، والمغلول، والمكبول، والمضلول، والمغمول، والمعسول، والمغسول، والمفسول، والمقصول، والمسمول، والمنصول، والمغزول، والمتلول، والمبلول، والمثلول، والمجلول، والمحلول، والمخلول، والمدلول،
[ ٨ / ١٤٦ ]
والمرمول، والمزمول، والمشمول، والملمول، والمملول، والموبول، والمهزول، والمأبول، والمرطول، والمتبول، والمنسول، والمنحول، والمبتول، والمنبول، والمنجول، والممطول، والمقبول، والمنضول، والمكفول، والمنزول، والمأمول، والمأزول، والمشكول، وسيمرّ لك شرح هذه الكلمات على إيجازٍ، فإنّ الأطناب فيه يثقل عليك، ويوكل الضجر بك، وأكثره عتيدٌ عندك: أمّا المعذول فالملوم، يقال: عذلته أعذله - الذّال مضمومة - عذلًا، والعواذل جمع عاذلة، وأبو العواذل من أدباء الجبل، واعتذل فلانٌ إذا قبل العذل وأصغى إليه.
وأمّا المعدول - من العدل - فهو للمال، يقال: عدلته فاعتدل وانعدل، ويقال: فلانٌ يعدل عندي ابني، أي يكون عدل ابني، أي مثل ابني، والأعدال جمع عدلٍ، لأنّ الحمل عدلان، وكلّ واحدٍ من العدلين مثل صاحبه.
وأمّا المعلول فما عللته من الشّراب، وهو سقيك الماء مرّةً بعد أخرى، وشربه ثانيةً بعد أولى، وقول المتكلّمين خطأ من العلّة.
وأمّا المعبول فهو من عبلك الشجرة، وهو هزّ ك أغصانها وخبطك ورقها.
وأمّا المعتول فالمدفوع، من قوله: " فاعتلوه إلى سواء الجحيم "، والتاء تضمّ وتكسر، والعتلّ: الضخم، كأنّه الجافي الشديد، والعتلة: فأسٌ عظيمة.
وأمّا المعزول فمعروف، يقال: عزل الوالي أي صرف عن عمله، وانعزل فلانٌ خطأ، وكان السّيرافي يأباه ونظائر له، كقول العامة ينذبح وينقتل وينحفظ وينضبط وينصرع، وقال غيره: جائزٌ مقبول.
وأمّا المفضول فمن قولك: فاضلته ففضلته، فأنا فاضلٌ وهو مفضول، وقولهم: فلانٌ يقول بإمامة المفضول، هذا يراد به كأنّ أبا بكرٍ قد فضله عليٌّ فهو مفضولٌ، لكنّه إمام، ولولا التباعد من حومة ما نحن عليه لسقنا الكلام في
[ ٨ / ١٤٧ ]
الفضل ما هو، والفاضل من هو، والمفضول كيف هو، وإن أمكن ذلك أتينا به متوخّين فائدتك إن شاء الله.
وأما المقول فالذي تضرب قلّته، لا أعرف غيرذلك، وسألت السّيرافي فقال: قول العامة هذا على المقلول خطأٌ لا وجه له في العربية البتّة.
وأمّا المسلول فالمستخرج بالجذب، يقال: غلامٌ مسلول، وسلّت بيضتاه، ويقال: رجلٌ مسلولٌ إذا ناله السّلّ، وهو داءٌ يدقّ به الجسم ويذوب معه البدن.
وأمّا المشلول فمن قولك: شلّ العير أتنه إذا طردها وكسعها وكذلك الشّجاع إذا هزم منازله، ويقال: شللت الثوب إذا لقطت بإبرتك غرزها دفعةً واحدة ولم تفرد.
وأمّا المطلول فهو الذي أصابه طلٌّ، يقال: دمٌ مطلولٌ أي باطلٌ لا طالب له.
وأمّا المهبول فالمفقود بالموت، يقال هبلته أمّه إذا ثكلته، والولد مهبول.
وأمّا المهطول فهو مكانٌ أتى عليه مطرٌ هاطل.
وأمّا المعقول فالمشدود بالعقال، والمعقول: هو العقل أيضًا، وقيل: سمّي العقل عقلًا لأنّه يحبس صاحبه عن التقحّم.
وأمّا المألول فهو من تضربه بالألّة وهي الحربة، فأنت آلٌّ.
وأمّا المقذول فمن تضرب قذاله، وهو ما اكتنف قفاه.
وأمّا المفلول فهو المكسور.
وأمّا المغلول - بالغين - فمن علّق على عنقه الغلّ، أو غلّت يده، قالت اليهود: " يد الله مغلولةٌ " كأنّها كفّت عن ضيق الرّزق.
وأمّا المكبول فالمقيّد، والكبل: القيد.
وأمّا المضلول فمن قولك: ضاللته فضللته أي كنت أضلّ منه.
[ ٨ / ١٤٨ ]
وأمّا المغمول فالمغطّى المستتر.
وأمّا المعسول فما خلط به العسل.
وأمّا المغسول - بالغين - فمعروف.
وأمّا المفسول - بالفاء - فهو الرّذل الفسل، وهو الرّكيك الرأي الذي لا خير عنده ولا غناء البتّة، وقولك: البتّة بالفتح، والتعريف لا وجه له غير ذلك، هكذا قال الخليل.
وأمّا المقصول فالمقطوع، والقصيل هو الحشيش لأنّه مقطوع.
وأمّا المسمول فإنّه يقال: سمل السلطان عين فلانٍ إذا أعماه، ولا يقال ذلك حتى يدخل ميلٌ قد أحمي في عينيه.
وأمّا المنصول فما أصلحت عليه نصلك، وهو في السّهم أشيع.
وأمّا المغزول فهو من غزلت المرأة قطنها، وكأنّ قولهم: غازلت المرأة أي مايلتها في الغزل أي قاربتها في فعلها حتى ختلتها وخلبتها من هذا، ومعنى خلبتها أصبت خلبها، والخلب: غشاء القلب.
وأمّا المتلول فمن قوله تعالى: " وتلّه للجبين " أي صرعه، وأنت التّالّ يا هذا وهو متلول.
وأمّا المبلول فمن بللت الشيء بلًاّ، والبلّة حالةٌ، والبلال منه.
وأمّا المثلول فمن قولك: ثلّ الله عرشهم إذا حطّه وهدمه.
وأمّا المجلول فمن قولك جلت الشاة طعمها: إذا أخذته وأكلته.
وأمّا المحلول فمن حللت أحلّ إذا فتحت أو أنزلت أيضًا، والحلال منه لأنه مفتوح مأخوذ، والحلال - بكسر الحاء - النازلون.
وأمّا المخلول فما شددته بالخلال.
وأمّ المدلول فمن دللته على شيءٍ فهو مدلولٌ وأنت دالٌّ.
وأمّا المرمول فما أصلحت من الخوص.
وأمّا المزمول فما زملته أي حملته، وكذلك ازدملته.
[ ٨ / ١٤٩ ]
وأمّا المشمول فما أصابه الشمأل، وهو أيضًا من شمله الشيء - بكسر الميم - وهو أفصح، وقد أجاز الفتح يعقوب.
وأمّا الملمول فمن قولك: ململته أي أقلقته.
وأمّا المملول فمن الملل، معروفٌ.
وأمّا الموبول: فمن الوبل، يقال: وبلت هذه الأرض إذا مطرت وبلًا، وقولهم: استوبلت هذه الأرض: استكثرت وبلها فكرهتها، وطبرستان كذلك، واجتويتها إذا كرهتها مع مدافعتها.
وأمّا المهزول فمن قلّ لحمه وذهب سمنه، وسمعت بدويًا يقول: هذا كلامٌ مهزولٌ، وهو استعارة.
وأمّا المأبول فمن أبل يأبل، إذا قام بالإبل وأحسن رعيها، يقال: فلانٌ من آبل الناس.
وأمّا المرطول فمن قولك: رطلته، أي أخذته بيدك وقدّرت وزنه.
وأمّا المبتول فالمقطوع.
وأمّا المنسول فما نسلته الناقة وغيرها.
وأمّا المنحول فمن قولك: نحلت فلانًا كذا وكذا، إذا وهبته له أو نسبت إليه كلامًا.
وأمّا المتبول فمن التّبل وهو الحقد.
وأمّا المنبول فالذي يرمى بالنبل، وأنت النّابل والنّبّال.
وأمّا المنجول فمن قولك: نجله بالرّمح أي طعنه، ونجّله.
وأمّا الممطول فمن تدافعه بماله عليك، وتطيل زمان تردّده إليك.
وأمّا المقبول فمن قولك قبلته قبولًا.
وأمّا المنضول فمن قولك: ناضله فنضله، والنّضال: الرّمي، قال الشاعر: الطويل
[ ٨ / ١٥٠ ]
ولكنّ عهدي بالنضال قديم
وأمّا المكفول فمن كفلته، قال الله تعالى: " وكفّلها زكريّا " وكفلت به إذا صرت كفيلًا، والله ﵎ كفيلٌ أي كافل، فهو فعيل بمعنى فاعل.
وأمّا المنزول فالمكان تنزله.
وأمّا المأمول فالمرجوّ.
وأمّا المأزول فالمحبوس، يقال: أزلوا مالهم أي حبسوه عن المرعى.
وأمّا المشكول فما شددّته بشكالٍ كالدّابة، وكذلك شكلت الكتاب وأعجمته.
وقد أتينا على هذه الحروف حسب الطاقة، فخذ ما حلا بعينك، وراق قلبك، وقوّم أودًا إن مرّ بك، واجبر نقصًا يظهر لك، وكن للخير أهلًا، وبالجميل خليقًا.
وقف رجلٌ على عبد الله بن عمر بن الخطّاب فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل كان عثمان ممّن شهد بدرًا؟ فقال: لا، فرفع الرجل صوته وقال: الله أكبر، قال: هل كان عثمان ممّن تولّى يوم التقى الجمعان؟ فقال عبد الله: اللهمّ نعم، فقال الرجل: الله أكبر، ثم قال: هل كان عثمان ممّن شهد بيعة الرضوان؟ قال عبد الله: اللهمّ لا، فرفع الرجل صوته وقال: الله أكبر، ثم ولّى الرجل فقال عبد الله: ردّوه عليّ، فلمّا وقف قال له عبد الله:
[ ٨ / ١٥١ ]
وأمّا قولك هل كان عثمان ممّن شهد بدرًا فإنّه لمّا أذن رسول الله ﷺ في الخروج إلى بدر، استأذنه عثمان في المقام على بنت رسول الله ﷺ في المرض الذي ماتت فيه، فأذن له، فلما فتح الله تعالى عليه ضرب لعثمان بسهمٍ، ثم قال له عثمان: وأجري يا رسول الله، قال " وأجرك "، وكان ممن شهد بدرًا.
وأمّا قولك: هل كان عثمان ممّن تولّى يوم التقى الجمعان فإنّ الله تعالى يقول في كتابه: " إنّ الذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان إنّما استنزلهم الشّيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ".
وكان عثمان ممّن شهد بيعة الرّضوان فإنّ رسول الله ﷺ لمّا خرج معتمرًا إلى مكّة ومنعته قريشٌ أن يدخل إلى مكّة قال لأبي بكر: " اذهب إلى قريشٍ فقل لهم: دعونا حتى ندخل فنطوف سبعًا وننحر هدينا ونخرج عنهم "، فقال له أبو بكرٍ: إنه ليس لي بها عشيرة، فلو أرسلت عمر بن الخطّاب، فقال لعمر: فقال عمر: إنّي أخافهم على نفسي، فلو أرسلت عثمان فإنّ له بها عشيرة، فقال لعثمان، فذهب عثمان إلى قريشٍ وواعده العصر، فلمّا صلّى النبيّ ﷺ وعلى آله خشي أن يكون عثمان قد احتبس، فدعا رسول الله ﷺ أصحابه للبيعة فبايعوا، فقال رسول الله ﷺ: " هذه يدي عن عثمان "، فكانت يد رسول الله ﵌ خيرًا من يد عثمان.
ثم قال عبد الله: أخبرني هل أنت من المهاجرين؟ قال: اللهمّ لا، فرفع صوته وقال: الله أكبر، ثم قال: أفمن الأنصار الذين تبوّءوا الدّار وآووا ونصروا؟ قال: اللهمّ لا، فرفع عبد الله صوته وقال: الله أكبر، قال أفمن الذين تبوّءوا الدّار والإيمان من قبلهم؟ قال الرجل: اللهمّ لا، فرفع صوته وقال: الله أكبر، فقال: ولا من الذين جاءوا من بعدهم يقولون: "
[ ٨ / ١٥٢ ]
ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان "؟ اخرج لا أمّ لك.
قال ابن كناسة: لما صلب زيد بن عليٍّ ﵄ ما أمسى حتى نسج العنكبوت على عورته.
وقال يوسف بن عمر: إنّ عاملي كتب إليّ يذكر أنّه زرع كلّ خقٍّ ولقٍّ، فقال: إنّه عنى الأرض المطمئنّة والنّاشزة.
وأنشد: البسيط
شطّ المزار بخذوا وانتهى الأمل فلا مزارٌ ولا رسمٌ ولا طلل
إلاّ رجاء فما ندري أندركه أم نستمرّ فيأتي دونه الأجل
قلت لبعض الأدباء: كيف وجدت فلانًا، أعني رئيسًا، فقال: وجدته قليل الكرم، حادّ اللّؤم، دنس الجيب، مولعًا بالعيب، كأنّه خلق عبثًا، سفهه ينفي حكمة خالقه، وغناه يدعو إلى الكفر برازقه.
قال المنتصر: لذّة العفو أطيب من لذّة التّشفّي وذلك لأن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي يلحقها ذمّ النّدم.
[ ٨ / ١٥٣ ]
للحكم بن قنبر المازني: البسيط
ويلي على من أطار النوم فامتنعا وزاد قلبي إلى أوجاعه وجعا
كأنّما الشمس في أعطافه لمعت حسنًا أو البدر من أزراره طلعا
مستقبلٌ بالذي يهوى وإن كثرت منه الذّنوب ومعذورٌ بما صنعا
في وجهه شافعٌ يمحو إساءته من القلوب وجيهٌ حيث ما شفعا
قال محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان: بعثني أبي إلى المعتمد في شيءٍ فقال: اجلس، فاستعظمت ذلك، فأعاد فاعتذرت بأنّ ذلك لا يجوز، فقال: يا محمد إنّ أدبك في القبول مني خيرٌ لك من أدبك في خلافي.
كتب القاضي الزّنجاني: وأنا في رياض نعم الله راتع، وفي سوابغ مواهبه رابع، تتداولني أيدي أقداره بالتذليل، وتتناولني عيون عنايته بالتأميل، فأنا في طريق الاستسلام لأقضيته كالرّضيع موقنًا بأن لا كائن إلاّ ما يقضيه، ولا حادث إلاّ ما يمضيه، ولله حقيقة الأمر المطلق، والشكر المحقّق.
[ ٨ / ١٥٤ ]
شاعر: الكامل المجزوء
إنّ الغريب بحيث ما حطّت ركائبه ذليل
ويد الغريب قصيرةٌ ولسانه أبدًا كليل
وتراه حيث رأيته أبدًا وليس له خليل
والنّاس ينصر بعضهم بعضًا وناصره قليل
قال عبد الملك لرجلٍ حدّثني، قال: يا أمير المؤمنين افتح، فإنّ الحديث يفتح بعضه بعضًا.
تكلّم رجلٌ عند النّبي ﵌ فقال النبيّ ﵇: " كم دون لسانك من حجاب "؟ قال: شفتاي وأسناني، فقال: " إنّ الله يكره الانبعاق في الكلام ".
قال رجلّ لآخر: إن قتل كلمةً سمعت عشرًا، فقال: لو قلت عشرًا ما سمعت مني واحدةً.
قال أبو مسهر: مال الرجل نفسه، فمن جاد بماله فقد جاد بنفسه.
[ ٨ / ١٥٥ ]
يقال: اضطرّ النّاس في قديم الدهر إلى ملكٍ فجاءوا بوغدٍ ووضعوا التّاج على رأسه فقال: هذا ضيّق، فتطيّروا من ذلك، وجاءوا بتاجٍ وطمعوا أن يقول: هذا واسع، فيكون ضدّ قوله الأول، فقال: أريد أضيق من هذا، فنفوه وقالوا: أنت والله وغدٌ، وقد خفنا شؤمك.
قال ابن الأعرابيّ: قال الخسّ لابنته: إنّي أريد أن أشتري فحلًا فصفيه لي، فقالت: اشتره أسجح الخدّين، غائر العينين، مؤلّل الأذنين، أعكى أكوم أرقب أحزم، إن عصي غشم، وإن أطيع تجرثم.
قال ابن الأعرابي، قال لها: أمخضت ناقتك؟ قالت: لا، قال: فصفيها، قالت: صلاها نفّاج، وعينها وهّاج، ومشيها تفاجّ، قال: قد مخضت فاعقليها، قالت: قد عقلتها، قال: وكيف عقلتها؟ قالت عقلتها عقلًا استرخت له أزري، واضطربت له عذري.
شاعر: الرجز
تأكل بقل الرّيف حتى تحبطا فبطنها كالوطب حين اثرنمطا
أو جائش المرجل حين عطعطا
فقيل له: ما الحبط؟ قال: أن تأكل حتى تدغص، قيل: وكيف تدغص؟ قال: لا تجد أمتًا، قيل: وما الأمت؟ قال: البقية تبقى في الجراب حين تملؤه، قيل: فما الأثرنماط؟ قال: اطمحرار السّقاء، قيل: وما اطمحرار السّقاء؟ قال: شدّة انتفاخه إذا راب ورغا وكرثأ، قيل: وكيف يكرثئ؟
[ ٨ / ١٥٦ ]
قال: يصير بمنزلة اللّبن الخثر، قيل: وما الخثر؟ قال: الذي مصل ماؤه، قيل: وكيف مصل ماؤه؟ قال: يسيل.
قال أبو عبيدة: شرب حتى اطمخرّ، ونقع ونصع حتى كأنّه ظرف.
قال فيلسوف: ما ورّثت الأسلاف الأخلاف كنزًا أفضل من الكتب، ولا حلّت الآباء الأبناء حليًا أزين من الأدب.
قال عمرو بن معد يكرب لعمر بن الخطّاب: يا أمير المؤمنين، أأبرّ بنو المغيرة أم بنو مخزوم؟ قال وكيف ذاك؟ قال: تضيّفت خالد بن الوليد فأتاني بقوسٍ وكعبٍ وثور، قال: إنّ في ذلك لشبعًا، قال: لي أو لك؟ قال: لي ولك، قال: حلًاّ يا أمير المؤمنين، إني لآكل الجذعة من الإبل أنتقيها عظمًا عظمًا، وأشرب السّحيل من اللّبن رثيئةً أو صريفًا. والسّحيل: سقاء عظيم، والكعب: القطعة من السمن، والقوس: أسفل الجلّة من التّمر.
قال جعفر بن محمد ﵄: ريح الملائكة ريح الورد، وريح الأنبياء ريح السّفرجل، وريح الحور ريح الآس.
امتحن يحيى بن أكثم رجلًا أراده للقضاء فقال: ما تقول في رجلين زوّج كلّ واحدٍ منهما الآخر أمّه فولد لكلّ واحدٍ ولدٌ من امرأته، ما قرابة ما بين الولدين؟ فقال: كلّ واحدٍ منهما عمّ الآخر.
قال طفيليّ: ليس شيءٌ أضرّ على الضّيف من أن يكون ربّ البيت شبعان.
[ ٨ / ١٥٧ ]
قال جعفر بن محمد ﵄: تسريح اللّحية يذهب الغمّ، والخلال يجلب الرّزق.
كانت تحيّة العرب: صبحتك الأنعمة، وطيّبتك الأطعمة، وتقول: صبحتك الأفالح، وكلّ طيرٍ صالح.
قال بعض العلماء في قوله جلّ وعلا: " وقالوا قلوبنا غلفٌ " أي أغطيةٌ، جمع غلاف، فإن سكّنت اللام فهو جمع أغلف، أي مغطاة.
وقيل في قوله: " ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام " أي يبقى ربّك، ويدلّك على أن الوجه هو نفسه رفع ذو لأنّه نعت الوجه. وقال في السّورة: " تبارك اسم ربّك " لأن الاسم غيره.
وقال الفرّاء في قوله: " الرّحمن على العرش استوى له ما في السّماوات " على القطع والابتداء، واستواؤه إقبالٌ.
وقال بعض العلماء: الدلالة على أن علم الآخرة يقينٌ وعلم الدّنيا مدخولٌ قوله تعالى: " لقد كنت في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديدٌ "، وكذلك قوله تعالى: " يخافون يومًا تتقلّب فيه القلوب والأبصار " تنقلب عن الحال التي كانت عليها من الارتياب والشّكوك إلى الحق واليقين لما يظهر من آيات الله.
قال أبو طاهر ابن حمزة العلويّ: حدّثني ثقةٌ أنه رأى رجلًا من أصحاب الإماميّة يضع على حكم بزرجمهر أسانيد أهل البيت رضوان الله
[ ٨ / ١٥٨ ]
عليهم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: ألحق الحكمة بأهلها.
وقال ابن حمزة: قلت لبعض الإماميّة: أين صاحبكم؟ قال: قد رفع عن إقليم آدم، قلت: فأين هو؟ قال: إنّ الله جلّت عظمته خلق سبعين إقليمًا، في كلّ إقليمٍ من النّاس أكثر ممّا في إقليم آدم، ولم يعلموا أنّ الله خلق آدم وولده حجّةً عليهم لله تعالى غير هؤلاء.
وقال المرّيسي: لو أنّ رجلًا حلف فقال: لا والرحمن لا فعلت كذا، ثم فعل، إن كان أراد سورة الرحمن فلا كفّارة عليه، لأنّه حلف بغير الله، وإن كان أراد الرحمن فعليه كفّارة.
قال بعض العلماء: إن قيل: خالق كلّ شيء، يدلّ اشتماله وعمومه على أنّه خالقٌ لنفسه، قيل له: هذا باطلٌ لأنه بمنزلة قولك: خالفت النّاس كلّهم، وأنت لا تريد أنّك خالفت نفسك.
قال أبو بكر محمد بن أحمد بن شيبة: وجدت في كتاب جدّي، سمعت أحمد بن المعذّل يقول: دفع إلينا سليمان بن داود صحيفةً فيما كان صار إلى أيّوب من كتب أبي قلابة، قال لنا سليمان: كان حمّاد بن زيد ربّما حدّثنا ببعض ما فيها، وكتابٌ من عمر، وكتابٌ من عثمان إلى أهل البصرة في شأن المصاحف، وما جمع منها، وكتبٌ كثيرة من عمر إلى عمّاله.
وكان كتاب عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم، من عثمان أمير المؤمنين إلى من
[ ٨ / ١٥٩ ]
بالبصرة من المؤمنين والمسلمين، سلامٌ عليكم؛ أمّا بعد، فإنّ هذا الأمر محفوظ، من يرد فيه الإصلاح يهده الله ويصلحه، ومن يسئ فإنّ سوءه على نفسه، فاتقوا الله تعالى فإنّ الله " قد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين " وأطيعوا فمن أطاع فليس عليه سبيلٌ " فمن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيمًا " وإنّ الله قد أفضل عليكم أن هداكم من الضّلالة، وبصّركم من العمى، وأوسع عليكم من الرّزق، واستخلفكم في الأرض، فانظروا كيف تعملون، وإنّ الله قد أحضركم القتال في سبيله، فاشكروا لله نعمته فإنّه زائدكم ما شكرتم، إنّ الله غفورٌ شكور.
أمّا بعد ذلك فأعينوا أميركم على أمر الله تعالى، وآزروه مؤازرةً حسنةً جميلة، ومن رأيتم ينتهك حدود الله فانهكوه ولا تهاونوا، فإنّه من يقم على أمر الله جلّ اسمه فإنّ الله تعالى ناصره، وليست منزلة المسيء كمنزلة المصلح، وعد الله المصلح الجنّة ووعد المسيء النار، قال الله وقوله الحقّ: " أم نجعل الذّين آمنوا وعملوا الصّالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتّقين كالفجّار ".
أمّا بعد ذلكم فإني كتبت إليكم في شأن المصاحف، ولم أفعل فيها الذي فعلت حتى اختلف فيها كثيرٌ من النّاس فظلموا أنفسهم فيها، وحتى إن الرجل ليحلف بالله ما يسرني أنّي كتبت من مصحف فلانٍ فإنّ لي مالًا عظيمًا - يرضى ما عنده، ويزكي نفسه، ويسخط ما عند صاحبه. وإنّ كتاب هذا المصحف من فضل الله جلّ اسمه على عباده، وتمام نعمته عليهم يكون أمرهم جميعًا ولا يختلفون فيه كما اختلف أهل الكتاب قبلهم، وإنّا قد حرصنا أن نستثبث فيه وإن عمر أمير المؤمنين كان من آنسنا بالقرآن، وأحرصنا على تعليمه، وقد كان كتب عامّته من فم رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، فجمع به رهطًا من المسلمين ممّن نفع بقراءته، وظنّوا أنّ عنده علمًا بالكتاب منهم، فقام هو وهم
[ ٨ / ١٦٠ ]
فكتبوا جميعًا، وحرصوا أن يستثبتوا بقرب العهد. وإنّا حرصنا على أن تكتب هذا المصحف من نسخة ذلك الكتاب الذي أكتبه منه عمر أمير المؤمنين من فم رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، وحرصنا على حفظه، وألحقنا فيه قرآنًا أنزل بعد ما كتبت المصاحف بإقامة البيّنة، وإني والله ما ألوتكم ونفسي من خير، وما هدانا لهذا إلاّ الله تعالى بعد ما أشفقت من اختلاف الناس في القرآن، وإنّ الله ﷿ أنزل الكتاب على عبده بالحقّ فيما ليس فيه اختلاف، وإنّ لكم في القيام عليه حياةً وخيرًا كثيرًا، فليقم على ذلك سراركم، ويلن قلوبكم، ويزكّ عملكم.
وأمّا بعد ذلك، فإنّي أحسب عامّة أمركم خيرًا، وإنّ عامّةً منكم يحرصون على السّمع والطّاعة ويجاهدون في سبيل الله، وينشطون للخير إذا دعوا إليه ويحرصون على أن يكون أمر النّاس صالحًا، وإنّ خلال ذلك من الناس قومًا ظلمةً لأنفسهم يتعمّقون ويتبعون السّمعة ليتبعهم جهلة الناس، ويحسبون أنّ عندهم شيئًا، وإنّما يجني الظالم على نفسه " وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون ". وقد بلغني أنّ أقوامًا منكم يتكلّفون ويقولون ما ليس لهم به علمٌ، وإنّي لم أكن سابقًا إليهم ببعض العقوبة حتى أعذر إلى الله تعلى ثم إليكم في شأنكم، أو ينتهوا عن ظلمهم، فإني لا أحبّ أن يلجّوا في الشّرك.
وأما بعد ذلكم فقوموا على ما أمرتكم به في شأن المصحف، ومن كان منكم سامعًا مطيعًا عنده مصحفٌ فليكتبه عليه في أقرب ذلك، وأمرت من حولي فكتبوا على ذلك والسلام؛ وكتب أنس بن أبي فاطمة في شهر ربيع الأول سنة ثلاثين.
قال الشعبيّ في الشّيعة: أخذوا بصدورٍ لا أعجاز لها، وأعجازٍ
[ ٨ / ١٦١ ]
لا صدور لها، لو كانوا من الطّير لكانوا رخمًا، ولو كانوا من البهائم لكانوا حمرًا.
قال سليمان بن جرير: إنّ الرافضة احتالت لأنفسها بحيلتين لا يطاقون معهما، إحداهما: القول بالبداء، والأخرى إذا وقع اختلافٌ قالوا بالتقيّة، فهاتان خصلتان.
سمعت بعض الشّيعة يحكي قال، قال أبو حنيفة يومًا لجعفر بن محمد ﵄: بما فضلتم النّاس؟ قال: فضلناهم بأنّ الأمّة كلّها تمنّت أنّها منّا، ولم نتمنّ أنّا منها.
وقال جعفر ﵁: يا أبا حنيفة، ما الأمر بالمعروف؟ قال: أن تعظ بالجميل، وتأمر بالخير، وتنهى عن المنكر، قال: ليس كذا، إن المعروف أمير المؤمنين، والمنكر الذي ظلمه وجحده ميراثه وحمل النّاس على بغضه.
يا أبا حنيفة، ما النّعيم الذي يسأل الناس عنه في قوله تعالى: " لتسألنّ يومئذٍ عن النّعيم "؟ قال: صحّة البدن والقوت من الطعام والشّراب، قال: لا، ولكنّ النّعيم أهل البيت ﵃.
يا أبا حنيفة، أخبرني عن سليمان بن داود كيف تفقّد الهدهد من بين الطير كلّها؟ قال: لا أدري، قال: لأنّ الهدهد يرى الماء في الأرض كما يرى الدهن في القارورة، فضحك أبو حنيفة قال: فلم لا يرى الفخّ حين يأخذ بعنقه؟
[ ٨ / ١٦٢ ]
قال: إذا نزل القدر عمي البصر.
يا أبا حنيفة، ما الملوحة في عينك، والمرارة في أذنيك، والعذوبة في ريقك، والماء والحرارة في الخياشيم؟ قال: لا أدري، قال: فبم ألقى الله الحيض والدّم على المرأة، ولم حبس عن الحبلى؟ وأين مكان الكاتبين من ابن آدم؟ وأخبرني عن سورةٍ أولها تحميدٌ وأوسطها إخلاصٌ وآخرها دعاءٌ، وعن حرفْ أوّله كفرٌ وآخره إيمان، وعن وضع الرجل يده على مقدّم رأسه عند الحزن، والمرأة على خدّها؟ قال: لا أأدري.
قال جعفر ﵁: أمّا الملوحة في العينين فلأنّهما شحمتان، ولولا ذاك لذابات في حرّ الشمس؛ وأمّا المرارة في الأذنين فحجابٌ للدّماغ، ولولا ذلك لسارعت الهوامّ إلى الأذن؛ وأمّا العذوبة في الرّيق فلمعرفة الطّعوم؛ وأمّا الماء والحرارة في الخياشيم فراحةٌ للدّماغ، ولولا ذلك لأنتن الدّماغ؛ وأمّا ما ألقى الله تعالى على المرأة من الحيض فمن أجل حوّاء حين عقرتالشّجرة؛ وأمّا الدّم الذي حبسه الله تعالى عن الحبلى فرزقٌ للمولود؛ وأمّا وضع الرجل يده على رأسه والمرأة على خدّها فمن أجل آدم وحوّاء عند ركوبهما المعصية؛ وأمّا موصع الكاتبين فعلى النّاجذين؛ وأمّا السّورة التي أولها تحميدٌ وأوسطها إخلاصٌ وآخرها دعاءٌ ففاتحة الكتاب؛ وأمّا الحرف الذي أوّله كفرٌ وآخره إيمانٌ فكلمة الإخلاص.
يا أبا حنيفة، القتل عندك أشدّ أم الزّنا؟ قال: بل القتل، قال: فكيف أمر الله تعالى في القتل بشاهدين، وفي الزّنا بأربعة؟ يا أبا حنيفة، النساء أضعف عن المكاسب أم الرجال؟ قال: بل النّساء، قال: فكيف جعل الله للمرأة سهمًا واحدًا وللرجل سهمين؟ يا أبا حنيفة، الغائط أقذر أم المنيّ؟ قال: بل الغائط، قال: فلم يغتسل من المنيّ ولا يغتسل من الغائط؟ قال: ولم صارت الحمامة تفتدى بشاةٍ وليست الشّاة مثلًا للحمامة؟
[ ٨ / ١٦٣ ]
قال فيلسوف: العلم يلقى طالبه على ثلاثة أوجهٍ: على نحو القوت، أو على نحو الكفاية، أو على نحو الغنى ليصحّ الترتيب.
وقال فيلسوف: الإنسان إمّا أن يكون ملك النّفس والحال، أو يكون ملك النفس غير ملك الحال، أو يكون ملك الحال غير ملك النّفس.
خرج شبيب بن شيبة من دار المهدي فقيل له: كيف تركت الناس؟ قال: تركت الداخل راجيًا، والخارج راضيًا.
خرج المسيبي من دار ابن عبّاد فقلت له: كيف رأيت الناس؟ قال: رأيت الداخل ساقطًا، والخارج شاخصًا.
قال ابن وهب: طرف الصّداقة أملح من طرف العلاقة، والنّفس بالصديق آنس منها بالعشيق.
وقرئ بخطّه: إذا أقبلت الدول كثرت العدد وقلّ العدد، وإذا أدبرت كثر العدد وقلّت العدد.
قال المدائني: ينبغي للملك أن يتفقّد أمر خاصّته في كلّ يوم، وأمر عامّته في كلّ شهر، وأمر سلطانه في كلّ ساعة.
لقي رجلٌ بعض الأمراء في أطمارٍ رثّةٍ وقال: لا تنظر - أصلحك
[ ٨ / ١٦٤ ]
الله - إلى هيئتي ولكن انظر إلى همّتي، وإن رأيت أن تسمني بعرفك، وتترع قلبي من شكرك، وتجعله علمًا يدلّ على مجدك، فإني كما قال الأوّل: الطويل
فإن أك قصدًا في الرجال فإنّني إذا حلّ أمرٌ ساحتي لجسيم
شاعر: الكامل المجزوء
المرء يهوى أن يعي ش وطول عمرٍ قد يضرّه
تبلى بشاشته ويأ تي بعد حلو العيش مرّه
وتسوءه الأيّام حتّ ى ما يرى شيئًا يسرّه
كم شامتٍ بي إن هلك ت وقائلٍ لله درّه
قال أبو عبيدة: خرج النّابغة الجعدي على النّاس وقد فني وذهب به السّنّ، عاصبًا رأسه بعصابةٍ، فأنشدهم:
المرء يهوى أن يعيش
قال ابن مكرم: من زعم أنّ أبا العيناء دون عبد الحميد في الكتابة إذا أحسّ بكرمٍ فقد كذب، وذلك أنه كتب إلى عبيد الله بن سليمان وقد نكبه وأباه المعتمد وهما يطالبان بمالٍ يبيعان له ما يملكان من عقارٍ وأثاثٍ وعبدٍ
[ ٨ / ١٦٥ ]
وأمةٍ، وكان لهما خادمٌ أسود عرضاه للبيع فطلب بخمسين دينارًا، فكتب إليه أبو العيناء: وقد علمت - أطال الله بقاءك - أنّ الكريم المنكوب أجدى على الأحرار من اللئيم الموفور، لأنّ اللئيم يزيد مع النّعمة لؤمًا، ولا تزيد المحنة الكريم إلاّ كرمًا، هذا متّكلٌ على رازقه، وهذا يسيء الظّنّ بخالقه، وعبدك إلى ملك كافور الخادم فقير، وثمنه على ما اتّصل به يسير، فإن سمحت به فتلك منك عادتي، وإن أمرت بأخذ ثمنه فماله منك مادتي، أدام الله لنا دولتك، واستقبل بالنّعمة نكبتك، وأدام عزّك وكرامتك. فوجّه إليه بالخادم.
قال عمر بن الخطّاب: إنّما الدّنيا أملٌ مخترم، وأجلٌ منتقص، وبلاغٌ إلى دارٍ غيرها، وسيرٌ إلى الموت ليس فيه تعريج، فرحم الله امرءًا فكّر في أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربّه، واستقال ذنبه.
كان ابن عبّاس إذا ذكر عليٌّ ﵇ يقول: كان والله الكنز الكبير، والبحر الغزير، والغيث المطير، والشّجاع الخطير، الذي لم يكن له في الورى نظير، مؤدّب الأدباء، وسيّد الخطباء، وقائد النّجباء، ومن إذا عرضت مشكلةٌ أجاب عنها والناس سكوت.
شاعر: الوافر
تبحبح في الكتابة كلّ وغدٍ فقبحًا للكتابة والعماله
ترى الآباء نسبتهم جميعًا إلى الأبناء من فرط النّذاله
لأبي الشّيص: المتقارب
مزجت المدام بريق الغمام وقد زرّ جيب قميص الظّلام
[ ٨ / ١٦٦ ]
فشابت نواصي الدّجى وانفرى عن الصّبح سربال ليل التّمام
حبوتهما صحن قارورةٍ وأضحكتها عن لسان الضّرام
يطوف علينا بها أحورٌ فعولٌ بعينيه فعل المدام
غزالٌ نسجنا له حلّتين من الورد والآس في يوم رام
قال الحكيم: إذا أنا فعلت ما أمرت به وكان خطأً لم أذمم عليه، وإذا فعلت ما لم أؤمر به وكان صوابًا لم أحمد عليه، أي لا أتعدّى.
شاعر: الطويل
وليلٍ رقيق الطّرّتين كأنّما ترود به النفاس مسكًا تضوّعا
ترى فيه آفاق السماء كأنّما كساها ظلام الليل بردًا موسّعا
كأنّ الثّريّا فيه درٌّ تقاربت مساقطه عن سلكه فتجمّعا
أخذت بقطريه وأحببت طوله أغازل مثل الرّيم ريع فأتلعا
أقول له والصّبح يطرف ناظري فدىً لك نفسي ظاعنًا ومودّعا
نظر إبراهيم بن سيّار النّظّام إلى وجهٍ صبيحٍ وألحّ، فقيل له في ذلك فقال: ولم لا أتأمل ما أستحسنه ممّا أحلّ الله، وفيه دليلٌ على صنعة الله تعالى، وفيه اشتياقٌ إلى ما وعد الله تعالى؟ لأبي الحسن البصري: الطويل
أيا ضرّة الشمس المضرّة بالشّمس ويا سؤل نفسي ما جنيت على نفسي
غرست الهوى حتى إذا تمّ واستوى قطعت مجاري الماء عن ذلك الغرس
قال الجاحظ: لا زلت في عداد من يسأل ويبحث، ولا زلنا في محلّ من يشرح ويوضح.
[ ٨ / ١٦٧ ]
وقال: ليس مع العيان وحشة، ولا مع الضرورة وجمة، ولا دون اليقين وقفة.
وقال أيضًا: النّاس بين معاندٍ يحتاج إلى التّقريع، ومحاجٍّ يحتاج إلى الإرشاد، ووليٍّ يحتاج إلى المادّة.
وقلت لبعض الأدباء: كيف رأيت فلانًا؟ قال: طويل العنان في اللّؤم، قصير الباع في الكرم، وثّابًا على الشّرّ، زمنًا على الخير، كافرًا بالنّعم، متحكّكًا بالنّقم.
وقال عليّ بن عبيدة: كان عندي ثلاثة تلامذة فجرى كلامٌ فقال أحدهم: هذا كلامٌ يجب أن يكتب بالغوالي في خدود الغواني، وقال الثاني: هذا كلامٌ يجب أن يكتب بأنامل الحور في ورق النّور، وقال الثالث: هذا كلامٌ يجب أن يكتب بأقلام النّعم على ورق الكرم.
وقال الجاحظ في فصلٍ من كتاب: وقد أسقط عنه مؤونة الرّويّة، وأورثه إلف السّكون، وكفاه خلاج الشكّ، واضطراب النّفس، وجولان القلب.
سمع بعض الأدباء كلامًا فقال: هذا كلامٌ يجب أن يكتب بدموع الهجران على خدود القيان.
شاعر: السريع
جاريةٌ أقلقني هجرها لمّا جفاني بالهوى أسرها
قد قال لي العاذل في حبّها ما أمرك اليوم وما أمرها
[ ٨ / ١٦٨ ]
أقدّها أضناك أم دلّها أم وجهها المشرق أم نحرها
أم طرفها الفاتر أم ظرفها أم ريقها البارد أم ثغرها
أم حسن تفّاحٍ بدا مونقًا مدوّرًا أنبته صدرها
قلت له أعشق ذا كلّه ونصف حرّان وثلثي رها
مرّ شبيب بن يزيد الخارجيّ على غلام قد استنقع في الفرات فقال: يا غلام، اخرج أسائلك، فقال: إنّي أخاف، قال: ومن أيّ شيءٍ تخاف؟ قال فأنا في أمنٍ حتى أخرج؟ قال: نعم، قال: فوالله لا أخرج اليوم، فقال شبيبٌ: أوّه، خدعني الغلام، وأمر رجلًا يحفظه لئلا يصيبه أحدٌ بمكروهٍ، ومضى وخرج الغلام.
مرّ سليمان بن عبد الملك بميلٍ في بعض أسفاره فقال: من هاهنا يخبرنا على كم هذا الميل من البريد؟ فلم يجد أحدًا، فقال أعرابيٌّ يعدو بين يديه: أنا أخبرك، قال: وكيف وأنت لا تقرأ، فعدا ثم عاد فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت محجنًا، وحلقةً وثلاثةً كأطباء الكلبة ومثل رأس القطاة بمنقارها، فقال: قد أخبرت وأبلغت، هو خمسةٌ من البريد.
قيل لأعرابيّ: أيّ الزّاد أحبّ إليك؟ قال: الغريض النّضيج.
قيل لأعرابيّ: ما بال مراثيكم أجود، قال: لأنّا نقولها وأكبادنا تحترق.
شاعر: مخلع البسيط
[ ٨ / ١٦٩ ]
واحسرتا من فراق قومٍ كانوا هم الكهف والحصون
والموت والأسد والرّواسي والأمن والخفض والسّكون
لم تتنكّر لنا الليالي حتى توفّتهم المنون
وكلّ نارٍ لنا قلوبٌ وكلّ ماءٍ لنا عيون
قال أعرابيٌّ لآخر: فيك ملق الإماء، ودخن الأعداء.
ذكر أعرابيٌّ قومًا فقال: أقبلوا كالفحول، يمشون مشي الوعول، فلمّا تصافحوا بالسّيوف، فغرت المنايا أفواهها.
أنشدني شيخ من غنيّ لنافع بن خليفة الغنوي: الطويل
بني عمّنا لا تظلمونا فإنّنا نرى الظّلم أحيانًا يشلّ ويعرج
ويترك أعراض الرّجال كأنّها فريسة لحمٍ ليس عنها مهجهج
وكربة جوعٍ لا يكاد فقيرها من الجهد يستحيي ولا يتحرّج
تجلّت ولم يعلق بثوبي عارها إذا عدّ فيها الطّعم والمتولّج
قال بعض السّلف: جعل الله البهاء والهوج في الطويل الكبير، والدّمامة في القصير، وجمع الخير فيما بين ذلك وهو الرّبع.
قيل لجعفر بن محمد الصّادق ﵄: كيف صار مولى القوم منهم؟ قال: خلق الله تعالى المعتق من طينة المعتق، ثم أجراهم في أصلاب الرّجال وأرحام النساء، فأخرجهم الله تعالى بالولاء، فلذلك صار مولى القوم منهم.
قال أعرابيّ: اتّقوا الدّنيا فإنها اسحر من هاروت وماروت.
قال بعض السّلف: كان يقال: استطرد لعدوّك واتّقه بإظهار
[ ٨ / ١٧٠ ]
الرّضا عنه والمداراة، حتى تصيب الفرصة فتأخذه على غرّة.
قال أعرابيّ: أعظم بخطرك أن لا يرى عدوّك أنّه عدوّك.
قال أعرابيّ: الصّورة الظّاهرة ترجمان الصّورة الباطنة.
قال أعرابيّ: يحسب من منعه عدم المال من الجزاء أن يبسط جدة الشكر بالثّناء.
قال أعرابيّ: من ظفر بالغنى أتبعه، ومن فاته أنصبه.
وقال أبو مرحوم الصّوفي: لولا أن الخلاف موكّلٌ بكلّ شيءٍ لكانت منفعة الإهليلج في اللّوزينج.
قال أبو حازم الأعرج: إن عوفينا من شرّ ما أعطينا، لم يضرّنا فقد ما زوي عنّا.
أضلّ أعرابيٌّ غلامًا له فنشده فقيل له: صفه، قال: في رجله جنف، وفي أيره قلف، وفي أنفه ذلف، وفي مشيه دلف.
وقالت أعرابيةٌ لخصيّ: اسكت فما لك حزم الرجال ولا رقّة النّساء.
باع أعرابيٌّ غلامًا له فجعل سقّاءً، فلقيه الأعرابيّ فقال له: كيف حالك؟ قال: أنا في سفرٍ لا ينقضي، وغديرٍ لا ينزح، وقومٍ لا يروون.
[ ٨ / ١٧١ ]
ونظرت امرأةٌ إلى زوجها يخضخض، فلما حضر العشاء اعتزلت، فقال: ما لك لا تتعشّين؟ قالت: أكره أن أزاحم ضرّتي على المائدة.
وقال المدائني لجعفر بن سليمان: لو قسم البلاء بين الناس بالحصص لم يصبنا أكثر ممّا أصابنا، بعثنا بشاتنا إلى التيّاس مع الجارية، فعادت الشاة حائلًا والجارية حاملًا.
كتب رجلٌ إلى هشام الواسطيّ أن اكتب إليّ بما أنت عليه، فإنّا نلقى من القدريّة والرّافضة شدّةً، فكتب إليه: إن كنت تحبّ أن تكون على ما كان عليه السّلف من أصحاب محمدٍ ﷺ فلا تكفّرنّ أحدًا من هذه الأمّة بذنبٍ يكون منه، ومن زعم أنّه يكون في قدرة المخلوق ما لا يريد الخالق فقد عجّز الخالق، ومن تبرأ من أبي بكرٍ وعمر وعثمان فقد تبرّأ من عليٍّ، ومن تبرّأ من عليٍّ فقد تبرّأ من هؤلاء كلّهم، والبراء بدعةٌ، والولاية بدعةٌ، وذلك أن يقول الرجل: إنّي أتبرّأ من فلانٍ وأتولّى فلانًا، فإن حاجّك محاجٌّ ممّن حسن مذهبه وذهب عقله، فاتل عليه: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة " هذا موضع الرّضا عنهم فأين موضع السّخط؟ فإن كفر بهذا فقد كفر بالقرآن. وأخبرك بثلاثٍ لا يضرّهنّ عدل عادلٍ، ولا جور جائرٍ: الصّلاة خلف كلّ برٍّ وفاجر، والحجّ مع كلّ برٍّ وفاجر، والجهاد مع كلّ برٍّ وفاجر.
لو لم يؤخذ بهذا الحديث لعطّلت الأحكام.
[ ٨ / ١٧٢ ]
لعمارة بن عقيل: الوافر
وما ينفكّ من سعدٍ إلينا قطوع الرحم فارية الأديم
ونغفرها كأن لم يفعلوها وبعض العفو أذرب للظّلوم
ورميك من رماك أخفّ ثقلًا عليك غدًا وأمنع للحريم
قيل لأعرابيّ: كيف ابنك؟ قال: عذابٌ رعف به الدهر، فليتني قد أودعته القبر، فإنه بقاءٌ لا يقاومه الصبر، وفائدةٌ لا يجب فيها الشّكر.
رقّص أعرابيٌّ ابنه فقال: الرجز
أحبّه حبّ الشّحيح ماله قد ذاق طعم الفقر ثم ناله
إذا أراد بذله بدا له
آخر: البسيط
إذا رأيت ازورارًا من أخي ثقةٍ ضاقت عليّ برحب الأرض أوطاني
فإن صددت بوجهي كي أكافئه فالعين غضبى وقلبي غير غضبان
يقال: سلقى بناءه يسلقيه أي جعله مستلقيًا ولم يجعله شكًّا، والشكّ: المستقيم.
[ ٨ / ١٧٣ ]
جرى بين أي الصّقر بن بلبل وبين ابن ثوابة كلامٌ أربى فيه ابن ثوابة عليه، وكان أبو العيناء منقطعًا إلى أبي الصّقر، فقال لابن ثوابة منتصرًا له: ما منع أبا الصّقر من كلامك إلاّ أنّه سهل عليه دمك أن يسفكه، وعاف لحمك أن يأكله، ولم يجد لك شرفًا فيهدمه، ولا فضلًا فيثلمه، فقال له ابن ثوابة: ما أنت والدخول بيني وبين هؤلاء يا مكدّي؟ فقال أبو العيناء: يحقّ لمن ذهب بصره، وضعفت قوّته، وجفاه سلطانه، ونقصت عمالته، أن يعود على إخوانه فيأخذ من أموالهم فيستعين بها على دهره، ولكن أسوأ حالًا منّي من يستنزل الماء من أصلاب الرّجال في بطنه فيعظّم إجرامهم، ويقطع أنسابهم، فقال ابن ثوابة: ما استبّ اثنان إلاّ غلب ألأمهما، فقال أبو العيناء: فبذلك غلبت أبا الصّقر.
شاعر: المتقارب
ترحّل ما ليس بالقافل وأعقب ما ليس بالآفل
فلهفي على السّلف الراحل ولهفي من الخلف النازل
أبكي على ذا وأبكي لذا بكاء المولّهة الثّاكل
تبكّي من ابنٍ لها قاطعٍ وتبكي على ابنٍ لها واصل
قال صالح بن عبد القدّوس: ليس شيءٌ إلاّ وفيه منفعة، فقال
[ ٨ / ١٧٤ ]
له رجل: وأيّ منفعةٍ في أن يعلّق رجلٌ من إحدى يديه، فقال: سبحان الله، لا يعرق إبطه.
كان أبو خزيمة المديني يقول: اللهمّ ارزقني، فإن كنت لا ترزقني لكرامتي عليك فقد رزقت من هو خيرٌ مني سليمان بن داود، وإن كنت لا ترزقني لهواني عليك فقد رزقت من هو شرٌّ منّي وهو فرعون ذو الأوتاد.
وشكا أبو خزيمة يومًا نكبات الدهر فقال له رجل: هوّن فإنّ الله يدّخر لك ثوابها، فقال له أبو خزيمة: الآخرة خيرٌ أم الدّنيا؟ قال: بل الآخرة، قال: فإنّه ليس يعطيني من أبغضهما إليه، يعطيني من أكرمهما عليه؟! يقال في قوله تعالى: " مسوّمين " معلمين، من سيماء وسيمياء، ومن قال مسوّمين أراد مرسلين، مأخوذٌ من الإبل السّائمة المرسلة في مراعيها، فأمّا الحجارة فمسوّمةٌ لا غير أي معلّمةٌ.
دعا أعرابيٌّ على رجلٍ فقال: اللهمّ أبح ذماره، وعجّل بواره، وباعد داره.
وصف أعرابيٌّ رجلًا فقال: قد تقمّص الشّحناء، وادّرع البغضاء، وتسربل العوراء.
وصف أعرابيٌّ آخر فقال: هو أفعوان البلاد، وعقربان الصّلاد.
وصف أعرابيٌّ جيشًا فقال: تكتّب فرسانه، وتحرّب أقرانه، واستعدّ شبّانه.
[ ٨ / ١٧٥ ]
وصف أعرابيٌّ رجلًا فقال: هو كالمخدر الأكّال، والذئب العسّال.
قال أعرابيّ: بالله تعالى واثق، وبنفسي سابق، وإلى المبادهة تائق.
قال بعض السّلف: العلم لا ينفد ولا يبيد، ولا يندم حامله، ولا يعطب من تمسّك به، ولا يفتضح من استند إليه، ولا تسقط منفعته، ولا يخسر جامعه.
تقول العرب في صفة الأعداء: زرق العيون، سود الأكباد، صهب السّبال.
قيل لأبي المدوّر السّعدي: لم لا تجتمع مع النّاس؟ قال: إنّه لا يزال منكم عبدٌ أحمق، محجوم القفا، معلم الكمّ، يكنى أبا إسماعيل وأبا إبراهيم وأبا إسحاق، يدلظني بمنكبه، أي يدفعني.
يقال: عنا يعنو إذا صار أسيرًا، وأعنيته: استأسرته.
يقال: هلممت القوم أي دعوتهم.
قال بعض اللغويين: الوفرة ما لم يجز الأذن، والجمّة: ما جاوزت الأذن، واللّمّة: ما ألمّت بالمنكب، والذّوائب والغدائر: ما لحق الكتفين.
وقال العلماء: أيام الشهر ثلاثةٌ غرر، وثلاثةٌ نفل، وثلاثةٌ
[ ٨ / ١٧٦ ]
تسع، وثلاثةٌ عشر، وثلاثةٌ بيضٌ، وثلاثةٌ دآدي، وثلاثةٌ حنادس، وثلاثةٌ سرار، وثلاثةٌ محاق؛ وأيّام الشّهر كنايةٌ عن الليالي، وإذا قلت الليالي قلت: ثلاثٌ غرر، وثلاث نفل، وقد يقال لها أيّام، ألا ترى أنّك تقول: صمت البيض، والصّوم لا يكون ليلًا.
بثّ رجلٌ في وجه أبي عبيدة مكروهًا فأنشأ يقول: الطويل
لو أنّ لحمي إذ وهى لعبت به سباع حرامٍ أو ضباغٌ وأذؤب
لهوّن وجدي أو لسلّى مصيبتي ولكنّما أودى بلحمي أكلب
قيل لبعض العلماء: كيف كانت بلاغة الأمين؟ قال: والله لقد أتته الخلافة في يوم جمعة، فما كان إلاّ ساعة حتى نودي الصلاة قائمة، فخرج ورقى المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيّها النّاس، وخصوصًا يا بني العبّاس، إنّ المنون مراصد ذوي الأنفاس، حتمٌ من الله لا يدفع حلوله، ولا ينكر نزوله، فارتجعوا قلوبكم الحزن على الماضي إلى السّرور بالباقي، تجزون ثواب الصّابرين، وأجور الشّاكرين. فتعجّب النّاس من جرأته، وبلّة ريقه، وجودة عارضته.
يقال: من علامة الرّشد أن تكون النّفس إلى بلدها توّاقة، وإلى مسقط رأسها مشتاقة.
[ ٨ / ١٧٧ ]
وقال آخر: احفظ بلدًا رشّحك غذاؤه، وأكنّك فناؤه.
وقال أعرابيّ: يحنّ الكريم إلى جنابه، كما يحنّ الأسد إلى غابه.
خطب الناس هاشم بن عبد مناف فقال: أيّها النّاس، الحلم شرف، والصبر خلف، والجود سؤدد، والمعروف كنز، والجهل سفه، والعجز ذلّة، والحرب خدعة، والظفر دول، والأيّام عبر، والمرء منسوبٌ إلى فعله، ومأخوذٌ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، واستشعروا الحمد تفوزوا به، ودعوا الفضول تجانبكم السّفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا عن الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يرفق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق فإنّها رفعة، وإيّاكم والأخلاق الدنيّة فإنها تضع الشّرف وتهدم المحلّ.
شاعر: الكامل
عجبًا لحفظي سرّها في غيبها ولمثل ذاك تعجّب المتعجّب
بكرت مشرّقةً ورحت مغرّبًا شتّان بين مشرّقٍ ومغرّب
إنّي لآمل من حبيبي نظرةً والقلب بين مصدّقٍ ومكذّب
آخر: الخفيف
خلق المال واليسار لقومٍ وأراني خلقت للإملاق
أنا فيما أرى بقيّة قومٍ خلقوا بعد قسمة الأرزاق
قال الرّقاشيّ في قصصه: يا أهل الدّيار الموحشة التي نطق
[ ٨ / ١٧٨ ]
بالخراب فناؤها، وشيّد في التراب بناؤها، فمحلّها مقترب، وساكنها مغترب، أهل محلّةٍ لا يتواصلون تواصل الإخوان، ولا يتزاورون تزاور الجيران، قد طحنهم الدّهر بكلكله، وأكلهم الثّرى بجندله، فعليهم منّا التّرحّم والسلام، ومن ربّهم العفو والإكرام.
قال فيلسوف: انتقم من حرصك باليأس، كما تنتقم من عدوّك بالقصاص.
وقال أعرابيّ: الجمال في الأنف، والملاحة في العينين، والظرف في الفم.
شاعر: المتقارب
أتتني تؤنّبني بالبكاء فأهلًا بها وبتأنيبها
تقول وفي قولها حشمةٌ أتبكي بعينٍ تراني بها
فقلت متى استحسنت غيركم أمرت الدموع بتأديبها
جاء مجنون إلى باب رئيس فقال: البسيط
عليك إذنٌ فإنّا قد تغدّينا لسنا نعوذ لأنّا قد تعدّينا
يا أكلةً سلفت أبقت حرارتها داءً بصدرك ما صمنا وصلّينا
قال الماهاني: دخلت مارستان بلدٍ فرأيت مجنونًا ظريفًا نظيفًا، فسألته أن ينشدني، فأنشدني في وردٍ يقطّع جسده: المنسرح
[ ٨ / ١٧٩ ]
أما ترى الورد في أكفّهم يجتثّ للناظرين من ورقه
كالقلب نار الهوى تلذّعه والقلب يهوى الهوى على حرقه
قال بعض السّلف: لا ترض قول أحدٍ حتى ترضى فعله، ولا ترض فعل أحدٍ حتّى ترضى قوله وعقله، ولا ترض عقل أحدٍ حتى ترضى حياءه.
قال: ابن آدم مطبوع على كرم ولؤم فإذا قوي الحياء قوي الكرم وإذا ضغف الحياء قوي اللؤم شاعر: الوافر
له قلبٌ تقلّبه الليالي على فرشٍ من السّفر البعيد
ونفسٌ ما تقرّ على دنيٍّ من العيش المصرّد والزّهيد
وهمٌّ لا يطيف به التّمنّي وعزمٌ نيط بالبأس الشديد
فتى الدّنيا إذا ما سيل عنه ليوم كريهةٍ أو يوم جود
وكفٌّ ما تملّ من العطايا وقلبٌ ما يخاف من الوعيد
قال موسى بن عيسى أمير الكوفة لأبي شيبة قاضي الرّيّ: لم لا تغشانا فيمن يغشانا؟ فقال: لأني إن جئتك فقرّبتني فتنتني، وإن أقصيتني
[ ٨ / ١٨٠ ]
حزنتني، وليس عندي ما أخافك عليه، ولا عندك ما أرجوك له، فلأيّ شيء أغشاك؟ فسكت موسى.
شاعر: الوافر
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فافعل ما تشاء
فلا والله ما في العيش خيرٌ ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء
يعيش المرء ما استحيا كريمًا ويبقى العود ما بقي اللّحاء
عزّى صالح المرّي رجلًا عن ابنه فقال: يا هذا إن كان مصيبتك بابنك لم تحدث لك موعظةً في نفسك، فمصيبتك جللٌ عند مصيبتك بنفسك، فإيّاها فابك.
قال فيلسوف: حدّ الفضيلة اعتياد فعلٍ ممدوحٍ يقتفى به أثر سلفٍ مرضيّ، وهي واسطة بين رذيلتين؛ قال: وإنّما قلت اعتياد فعلٍ لأنّه يمكن فعلها وفعل ضدّها، قال: فقلت: عدلٌ لأنه واسطة بين رذيلتين لفساد كلتا حاشيتيهما، أعني السّرف والتقصير.
وقال فيلسوف: كونوا من المسرّ المدغل أخوف منكم من المكاشف المعلن، فإنّ مداواة العلل الظّاهرة أهون من مداواة ما خفي وبطن.
وقال أرسطاطاليس: أعجب العجب ترك العجب من العجب.
[ ٨ / ١٨١ ]
قال أعرابيّ: عليك بالأدب، فلأن يذمّ بيانك خيرٌ من أن يعاب عيّك.
قال الباقر ﵁ في قوله تعالى: " ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتّقه " قال: يطع الله: فيوحّده، ورسوله: فيصدّقه، ويخشى الله: على ما سلف من ذنوبه، ويتّقه: فيما بقي من عمره، فأولئك هم الفائزون غدًا بالجنّة.
قال سفيان بن عيينة: صحبت النّاس خمسين سنةً ما ستر أحدٌ لي عورةً، ولا ردّ عني غيبةً، ولا عفا لي عن مظلمةٍ، ولا قطعته فوصلني، وأخصّ إخواني لو خالفته في رمّانةٍ فقلت: حامضة، وقال: حلوة، لسعى فيّ حتى يشيط دمي.
أصابت إسماعيل بن يسار خصاصةٌ فطيّن على نفسه حتى مات هزلًا، ولم يسأل الناس.
قال أعرابيّ: إن أطعت الغضب أضعت الأدب.
قال بعض الحكماء: أوّل صناعة الكاتب كتمان السّرّ.
قال بعض المغفّلين في الطّواف: ربّ ارحم ترحم، واغفر ما تعلم وما لا تعلم.
قال عمر بن الخطّاب: بئس الجار الغنيّ، يأخذك ما لا يعطيك من نفسه، فإن أبيت لم يعذرك.
[ ٨ / ١٨٢ ]
قال أمير المؤمنين عليٌّ ﵁: بئس الجار الغنيّ يبعث عليك ما لا يعينك عليه.
قال ابن مكرم لأبي العيناء: ألست عفيفًا؟ قال: أنت عفيف النّفس زاني الحرم، قال: إنّما صار هذا مذ تزوّجت أمّك.
قال بعض السّلف: من أطلق من عمله بصّر في عمله، ومن مدّ عينه إلى النّاس كثر غمّه وقلّ شكره، ومن أمن البلاء كان جزوعًا إذا نزل به، ومن عوّد نفسه أكل الشهوات مات قلبه، ومن لم يعزم على الصّبر لم يظفر بما يحبّ.
قال أرسطاطاليس: إنّا جدراء أن نتّخذ مرآةً من الحكمة مجلوّةً فنبدأ بالنّظر إلى الأمور فيها قبل اعتقاد شيءٍ منها واعتماله في همومنا، وذلك أنّا قد رأينا ناسًا يفرّون من العيوب والجهالة، وقد يحتويهم الخسران، وقد يتعجّب، الحكماء من أمور هذا العالم ولا يدرون كيف يتأوّلون له، لأنّ أحاديثه ملتبسة، والبغية فيه مكتومة.
قال فيلسوف: العلماء يشهدون حيث يقال: مات فلانٌ وإنّ حكمته لم تمت.
قال أعرابيّ: من استضعف عدوًّا فقد اغترّ، ومن اغترّ فقد أمكن من نفسه.
قال بعض السلف: أمورٌ أبدًا تبعٌ لأمور، فالمروءة تبعٌ للعقل، والعقل تبعٌ للمودّة، والعمل تبعٌ للعلم، والجدّ تبعٌ للتوفيق.
[ ٨ / ١٨٣ ]
نظر أعرابيٌّ إلى خالد بن صفوان وهو يتكلّم فقال: كيف لم يسد هذا مع بيانه، فقال خالد: منعتهم مالي، وكرهت السّيف.
لابن دريد: الطويل
وقالوا تيمّم أرض حجرٍ تسد بها وما أرض حجرٍ من سمائي ولا أرضي
ولكنّما أرض العراق التي بها تملّيت عيشي الغضّ في الزّمن الغضّ
وأول أرضٍ مسّ جلدي ترابها ورنّق في عيني بها طارف الغمض
شاعر: المتقارب
لك الحمد إمّا على نعمةٍ وإمّا على نقمةٍ تصرف
تطاع لأنّك لا تستطاع وتعرف من حيث لا توصف
قال النّضر بن شميل في كتابٍ يسميه المنطق: تمضّ في كتابك: أي امض فيه، واستجدّ الناس السلطان أكالًا: أي يأكل أموالهم. وقالوا: جاءوا بأطعماتهم فتطاعموا، وبأعشياتهم فتعشّوا، وبأغدياتهم فتغدّوا، وقال: فلان طاعمٌ من طعامكم، وقال: رجلٌ شبعان، وامرأةٌ شبعى للأمة، والحرّة لا يقال لها ذاك؛ وقال النّضر: ما لك بهذا الأمر يدٌ: أي ما لك به ضباطةٌ ولا قوّةٌ؛ ويقال: رجلٌ ملوعٌ: أي أصابه غيظٌ كأنّه من اللّوعة؛ وقال: الهائع: الجائع.
وقال أبو عبيدة: ما يمكن أن يكون في الدّنيا مثل النّظّام، سألته وهو صبيٌّ عن عيب الزجاج، فقال: سريع الكسر، بطيء الجبر؛ ومدحوا
[ ٨ / ١٨٤ ]
النّخلة عنده فقال: صعبة المرتقى، وبعيدة المهوى، خشنة المسّ، قليلة الظّلّ. وذكر الخليل عنده فقال: توحّد به العجب فأهلكه، وصوّر له الاستبداد صواب رأيه فتعاطى ما لا يحسنه ورام ما لا يناله، وفتنته دوائره التي لا يحتاج إليها غيره.
وقال المريسيّ لأبي الهذيل بحضرة المأمون بعد كلام جرى: كيف ترى هذه السّهام؟ فقال: ليّنة كالزّبد، حلوة كالشّهد، فكيف ترى سهامنا؟ قال: ما أحسست بها، قال: لأنّها صادفت جمادًا.
شاعر: المنسرح
أيا أخًا كان لي وكنت له أشفق من والدٍ على ولد
حتّى إذا قارب الحوادث من خطوي وشدّ الزمان من عقدي
أحولّ عنّي وكان ينظر من عيني ويرمي بساعدي ويدي
قال رجل لمزبّد: من شجّك هاهنا - يعني استه -؟ قال: الذي شجّ أمّك في موضعين.
قالت امرأة الغاضري، وقد قطع لها قميصًا: ما أخشن هذا القميص!! قال لها: أهذا أخشن أم الطّلاق؟ قالت: بل الطلاق.
قال رجلٌ لعمر: أيضحّى بالضّبي، فقال له عمر: قل: الظّبي - بالظاء، قال: إنّها لغةٌ، قال: انقطع العتاب بيني وبينك.
[ ٨ / ١٨٥ ]
قال رجلٌ للحسن البصري: يا أبا سعيد أنا أفسو في ثوبي وأصلّي، يجوز؟ قال: نعم لا كثّر الله في المسلمين مثلك.
أبو العتاهية: الكامل المجزوء
الشّمس تنعى ساكن الدّ نيا ويسعدها القمر
أين الذين عليهم ركم الجنادل والمدر
أفناهم غلس العش يّ يهزّ أجنحة السّحر
ما للقلوب رقيقةً وكأنّ قلبك من حجر
ولقلّ ما تبقى وعو دك كلّ يومٍ يعتصر
قال ابن الزّبير في جوابٍ لمعاوية: ربّ آكل عبيطٍ سيقدّ عليه، وشارب صفوٍ سيغصّ به. والقداد: داءٌ.
قال رجل لناجية المدائني لمّا مات أبوه: أجرك الله تعالى، فقال: رزقنا الله مكافأتك.
شاعر: الوافر
وربّ مدامةٍ كفتيت مسكٍ تضوّع دنّها وسط الدّنان
كلون الجلّنار إذا أديرت وإن مزجت كلون الأرجوان
كخدّ حبيبةٍ همّت بأمرٍ ففاجأها الرّقيب على مكان
[ ٨ / ١٨٦ ]
وبين الرّقّتين لنا ليالٍ سرقناهنّ من ريب الزّمان
جعلناهنّ تاريخ الليالي وعنوان التذكّر والأماني
لابن غريض اليهوديّ: الكامل
يا ليت شعري حين أندب هالكًا ماذا تؤبّنني به أنواحي
ولقد كففت عن العشيرة ريبتي ولقد أخذت الحقّ غير ملاح
قد كنت شهمًا في الحروب ومدرهًا وأكفّ من ذي الغرب بعد طماح
ولليلةٍ قد بتّ فيها ناعمًا يغدى عليّ بقينةٍ وبراح
في فتيةٍ بيض الوجوه مساعرْ ما بين نشوانٍ وآخر صاح
إنّ امرءًا خاف الحوادث جاهلًا ورجا الخلود كضاربٍ بقداح
خرج رجلٌ مرةً إلى الصحراء فرأى في زرعه فسادًا من بردٍ فقال: يا ربّ أنت تنهى عن الفساد، فهذا حسن؟! قال بعض الأطباء: شرب النبيذ الحديث الصافي أوفق للكبد، والعتيق أوفق للمعدة، ومن شرب العتيق فليقطع فيه التّفاح والسفرجل.
يقال: في الخصيّ ثمان خصال: تلين بشرته، ويخشن قلبه، وتتّسع مقعدته، وتسترخي معدته، وتطول ساقاه، ويقصر أعلاه، ويسوء خلقه، وتذهب رحمته، وذلك أنه لم يدرك أباه فيعرف رحمة الآباء للأبناء، ولم يولد له فيعرف رقّة الآباء على الأبناء، وينتقل في عمره إلى ثلاث خصالٍ مذمومةٍ: في أوله ينكح، وفي أوسطه يزني، وفي آخره يقود.
[ ٨ / ١٨٧ ]
قال أبو عبيدة كان أبو هريرة يقول: اللهمّ ارزقني ضرسًا طحونًا، ومعدةً هضومًا، ودبرًا نثورًا.
قيل لأبي مرّة: أيّ الطعام أحبّ إليك؟ قال: ثريدةٌ دكناء من الفلفل، رقطاء من الحمّص، ذات حفافين من اللحم، لها جناحان من العراق؛ قيل: وكيف أكلك لها؟ قال: أصدع بهاتين - يعني السّبّابة والوسطى، وأشدّ بهذه - يعني الإبهام، وأجمع ما شذّ منها بهذه - يعني الخنصر، وأضرب فيها ضرب والي السّوء في مال اليتيم.
أخذ ملكٌ من العجم رجلًا وجد عليه فأمر بقتله، فقال الرجل: أيّها الملك إن قتلتني وأنا صادقٌ كثر عتبك، وإن تركتني وأنا كاذب قلّ وزرك، وأنت من وراء ما تريده، والعجلة يوكّل بها الزّلل، فعفا عنه.
أتي مصعب بن الزّبير برجلٍ من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه فقال: أيّها الأمير، ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطرافك وأقول: أي رّ سل مصعبًا لماذا قتلني، فقال: أطلقوه، فقال: أيّها الأمير، اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض عيشٍ، فقال: أعطوه مائة ألف درهم، قال: أشهد الله تعالى أنّي جعلت لابن قيس الرّقيّات منها خمسين ألف درهم، قال: ولم؟ قال: لقوله: الخفيف
إنّما مصعبٌ شهابٌ من الل هـ تجلّت عن وجهه الظّلماء
[ ٨ / ١٨٨ ]
فضحك مصعبٌ وقال: فيك موضعٌ للصّنيعة، وأمره بملازمته ومؤانسته.
شاعر: الطويل
ومولىً لو أنّ السّمّ كان بكفّه سقاني من ذيفانه فقضاني
معنّىً ببغضي والأواصر بيننا جزى الله عنه نفعه وجزاني
أليس يرى أنّا إلى وقت غايةٍ وأنّ يدي من دونه ولساني
وأنّي وإن أمسيت رمسًا بقفرةٍ وأقبرت لم يسلم من الحدثان
قال القطامي من قصيدة: الوافر
لقد علمت كهولهم القدامى إذا قعدوا كأنّهم النّسار
وشقّ البحر عن أصحاب موسى وغرّقت الفراعنة الكفار
وقول المرء ينفذ بعد حينٍ أماكن لا تجاوزها الإبار
تسمّع من نوازله صريفًا كما صاحت على الحدب الصّقار
قال: النّسار جمع نسر، والكفار جمع كافر، والإبار جمع إبرة، والصّقار: جمع صقر، ولهذا رويناه.
شاعر: الطويل
سأشرب كاسيك اللّتي أنت شاربٌ وإن كانتا والله صابًا وعلقما
وأدخل كفّي إثر كفّك في الذي عناك ولو أدخلتها جحر أرقما
[ ٨ / ١٨٩ ]
قال أعرابيٌّ لصاحبٍ له: أنت والله كالقمر الزّاهر عند الشّرب، والسّحاب الماطر لدى اللّزب، والأسد الخادر عند الحرب.
قيل لأبي عمرة: كيف امرأتك؟ قال: مسقاط اللّيل، معثار الذّيل.
يقال: الرّاحة للرجال غفلة وللنّساء غلمة.
ويقال: الشّيب خطام المنيّة، ووافد الحمام، وتاريخ الكتاب في عنوان العمر، وبريد الفناء، ورائد الموت، وتمهيد الهلاك، وأول مراحل الآخرة.
لهلال بن العلاء الرقّي: البسيط
لمّا عفوت ولم أحقد على أحدٍ أرحت نفسي من غمّ العداوات
إنّي أحيّي عدوّي عند رؤيته لأدفع الشرّ عنّي بالتّحيّات
وأظهر البشر للإنسان أبغضه كأنّه قد ملا قلبي محبّات
والنّاس داءٌ وداء النّاس قربهم وفي الجفاء لهم قطع الأخوّات
فلست أسلم ممن لست أعرفه فكيف أسلم من أهل المودّات
لبعض المتكلّمين: الطويل
إذا أمر الله الورى ونهاهم بما لم يركّب فيهم علم ذلك
فلا بدّ عندي من دليلٍ يدلّهم وإلاّ فلا عتبٌ على كلّ هالك
[ ٨ / ١٩٠ ]
قيل للإسكندر: إنّ فلانًا يثلبك فلو عاقتبه، قال: هو عند العقاب أعذر.
لما فتح قتيبة سمرقند أفضى إلى أثاثٍ لم ير مثله وإلى آلاتٍ لم يسمع بمثلها، فأحبّ أن يرى الناس ذلك، فأمر بالفرش ففرش، وأحضر قدورًا يرتقى إليها بسلالم، ودخل عليه الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرّقاشيّ، فلمّا رآه عبد الله بن مسلم سأل قتيبة أن يأذن له في كلامه فقال: لا ترده فإنّه خبيث، فأبى عليه فأذن له، وكان عبد الله يضعّف، وكان قد تسوّر حائطًا إلى امرأةٍ قبل ذلك، فقال للحضين: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ قال: أجل، أسنّ عمّك عن تسوّر الحيطان، قال: أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائلٍ رأى مثلها، قال: لا ولا عيلان، ولو كان رآها سمّي شبعان ولم يسمّ عيلان، قال عبد الله: أتعرف الذي يقول: الطويل
عزلنا وولّينا وبكر بن وائلٍ تجرّ خصاها تبتغي من تحالف
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول: الوافر
وخيبة من يخيب على غنيٍّ وباهلة بن يعصر والرّكاب
قال له: أتعرف الذي يقول: الطويل
كأنّ فقاح الأزد حول ابن مسمعٍ وقد عرقت أفواه بكر بن وائل
[ ٨ / ١٩١ ]
قال: أعرفه وأعرف الذي يقول: الكامل
قومٌ قتيبة أمّهم وأبوهم لولا قتيبة أصبحوا في مجهل
وحجز قتيبة بينهما.
قال قتادة بن مغرّب اليشكريّ: الرجز
رأيت عبد القيس لاقت ذلاّ إذا تعشّوا بصلًا وخلًاّ
وجوفيًا ومالحًا قد صلاّ باتوا يسلّون الفساء سلاّ
سلّ النّبيط القصب المبتلاّ
قال النبيّ ﵌: " الخيل بطونها كنز، وظهورها عزٌّ ".
وقال ﵇ في النّخل: " الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل ".
وقال ﵇: " يغرس في أرضٍ خوّارة، ويشرب من عينٍ خرّارة ".
وقال ﵇: " إيّاكم والمشارّة فإنّها تيمت الغرّة، وتحيي العرّة.
[ ٨ / ١٩٢ ]
اختصم بلال بن جرير وبكر بن الأحنف الحمّاني في ماء، فخشي بلالٌ أن يذكر أمّه وهي أمّ حكيم، وكانت أمةً للحجّاج فوهبها لجرير فولدت بلالًا ونوحًا، فقال بلال: إني لأعلم والله أنّك ستذكر أمّ حكيم، إنها لسبيئة زمام، وعطيّة ملك، وبنت دهقان، وزوج كريم، ليست كأمّك تغدو على أثر ضأنها بالمروت، والله أعلم بما وجد عليها فحلف ليهبنّها لألأم العرب، فلم جد ألأم من أبيك فوهبها له.
وجد في صندوقٍ لعبد الله بن الزّبير صحيفةٌ فيها مكتوب: إذا كان الحديث جلفًا، والميعاد خلفًا والمقيت إلفًا، والولد غيظًا، وغاص الكرام غيضًا، وفاض اللئام فيضًا، فأعنزٌ جفر، في بلدٍ قفر، خيرٌ من ملك بني النّضر.
قال العبّاس حين استسقى به عمر: اللهمّ إنّه لا ينزل بلاءٌ إلاّ بذنب، ولا يكشف إلاّ بتوبة، وقد توجّه بي القوم إليك لمكاني من نبيّك، وهذه أبداننا بالذّنوب، ونواصينا بالتّوبة، فاسقنا الغيث.
قال بعض قدماء العرب: أفضل النّساء أطولهنّ إذا قامت، وأعظمهنّ إذا نامت، وأصدقهنّ إذا قالت، التي إذا غضبت حلمت، وإذا ضحكت ابتسمت، وإذا صنعت جوّدت، التي تلزم بيتها، ولا تعصي بعلها
[ ٨ / ١٩٣ ]
العزيزة في قومها، الذّليلة في نفسها.
قال بعض السّلف: لعليٍّ أربع خصالٍ ضوارس قواطع: سطةٌ في العشيرة، وصهرٌ بالرسول، وعلمٌ بالتأويل، وصبرٌ إذا دعيت نزال؛ سطةٌ من وسطة، كعدةٍ من وعدة، وصفةٍ من وصفة، وزنةٍ من وزنة.
شقيق بن السّليك الغاضري: المتقارب
إذا ما نكحت فلا بالرّفاء وإمّا ابتنيت فلا بالبنينا
تزوّجت أصلع في غربةٍ تجنّ الحليلة منه جنونا
إذا ما نقلت إلى بيته أعدّ لجنبيك سوطًا أمينا
يشمّك أخبث أضراسه إذا ما دنوت لتستنشقينا
كأنّ المساويك في شدقه إذا هنّ أكرهن حمّلن طينا
كأنّ توالي أضراسه وبين ثناياه غسلًا لجينا
قال بعض السّلف: ما استنبط الصّواب بمثل المشورة، ولا حصّنت النّعم بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر.
أتي الهادي برجلٍ مذنبٍ فجعل يقرّعه فقال الرجل: يا أمير
[ ٨ / ١٩٤ ]
المؤمنين، اعتذاري ممّا تقرّعني به ردٌّ عليك، وإقراري بما تعتدّ به عليّ يلزمني ذنبًا، ولكني أقول: الطويل
فإن كنت ترجو في العقوبة راحةً فلا تزهدن عن المعافاة بالأجر
قدم عبد الصمد بن المفضّل الرّقاشي الرّيّ وخالد بن ديسم العربي على الديوان، فكتب إليه: الطويل
أخالد إنّ الرّيّ قد أجحفت بنا وضاق علينا كسبها ومعاشها
وقد أطمعتنا منك يومًا سحابةٌ أضاءت لنا برقًا وكفّ رشاشها
فلا غيمها يضحي فييأس طامعٌ ولا عيشها يأتي فتروي عطاشها
وقد طال إتعابي إليك مطيّتي فلم يبق إلاّ عظمها ومشاشها
ولو طاوعتني النّفس في بدو أمرها لألفيتها قد حدّ عنك انكماشها
فأقلل بها غنمًا ونفعًا ونائلًا مواعيد لا يبدو عليّ رياشها
أيدفعني بالباب وهبٌ وعامرٌ وقد ولدتني ذهلها ورقاشها
سأل أعرابيٌّ فقال: لقد جعت حتى أكلت النّوى المحرق، ومشيت حتى انتعلت الدّم، وحتّى سقط من رجلي نحض لحم، وتمنّيت أنّ وجهي حذاءٌ لقدمي، فهل من أخٍ يرحم؟ لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز بعث أهل بيت الحجّاج إلى الحارث بن عمرو الطائي، وكان على البلقاء، وكتب إليه: أما بعد، فإنّي قد
[ ٨ / ١٩٥ ]
بعثت إليك بآل أبي عقيل، وبئس والله أهل البيت في دين الله تعالى وهلاك المسلمين، فأنزلهم بقدر هوانهم على الله تعالى وعلى أمير المؤمنين.
قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان فقالت ابنته عائشة: واأبتاه! فقال لها معاوية: يا بنت أخي، إنّ النّاس أعطونا طاعةً وأعطيناهم أمانًا، وأظهرنا لهم حلمًا تحته غضب، وأظهروا لنا طاعةً تحتها حقد، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، فلا يدري أعلينا يكون أم لنا، فلأن تكوني بنت عمّ أمير المؤمنين خيرٌ من أن تكوني امرأةً من المسلمين.
لما صافّ قتيبة بن مسلم التّرك وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع فقيل: هو في أقصى الميمنة جانحًا على سية قوسه، ينضنض بإصبعه نحو السماء، فقال قتيبة: لتلك الإصبع الفاردة خيرٌ من ألف سيفٍ شهيرٍ، وسهمٍ طرير.
قال بعض القدماء: إن كنت حافظًا للسّلطان في ولايتك، حذرًا منه عند تقريبه، أمينًا له إذا ائتمنك، تشكر له ولا تكلّفه الشكر لك، تعلّمه وكأنّك تتعلم منه، وتؤدّبه وكأنّه يؤدّبك، بصيرًا بهواه، مؤثرًا لمنفعته، ذليلًا إن ضامك، قانعًا إن حرمك، وإلاّ فابعد منه كلّ البعد.
اجتاز أبو الأسود الدّؤليّ بقومٍ فقال بعضهم: كأنّ غضون قفاه
[ ٨ / ١٩٦ ]
فقاحٌ، فقال: هل تعرف فقحة أمّك يا فتى؟ فأخجله.
سأل كيسان خلفًا وكان به صمم فقال له: يا أبا محرز، علقمة بن عبدة جاهليٌّ أو من ضبّة؟ فقال له خلف: يا مجنون صحّح المسألة حتى يصحّ الجواب.
قال أعرابيّ: أصابنا مطرٌ دغر الأرض.
وقال أعرابيّ: النساء فرشٌ، وخيرهنّ أوثرهنّ.
كان أعشى همدان منقطعًا إلى عتّاب بن ورقاء التّميميّ، وكان ينادمه، فقال: يا أبا المصبّح، لئن أصبت إمرةً إنها لك خاصة، خاتمي في يدك تقضي في أمور النّاس؛ فاستعمل على أصفهان، فجاءه الأعشى فجفاه فقال: الوافر
تمنّيني إمارتها تميمٌ وما أمّي بأمّ بني تميم
وكان أبو سليمانٍ خليلي ولكنّ الشّراك من الأديم
أتينا أصبهان فأهزلتنا وكنّا قبل ذلك في نعيم
أتذكر يا خويلد إذ غزونا وأنت على بغيلك ذي الوشوم
ويركب رأسه في كلّ وعثٍ ويعثر في الطريق المستقيم
[ ٨ / ١٩٧ ]
وليس عليك إلا طيلسانٌ نصيبيٌّ وإلاّ سحق نيم
لما مات النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسمع بذلك نساءٌ من كندة وحضرموت، خضبن أيديهنّ وضربن بالدّفوف، فقال رجلٌ منهم: الكامل
أبلغ أبا بكرٍ إذا ما جئته أنّ البغايا رمن كلّ مرام
أظهرن من موت النبيّ شماتةً وخضبن أيديهنّ بالعلاّم
فاقطع هديت أكفّهنّ بصارمٍ كالبرق أومض في جفون غمام
شاعر: البسيط
ما من صديقٍ وإن تمّت صداقته يومًا بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثّم بالمنديل منطلقًا لم يخش نبوة بوّابٍ ولا غلق
لا تكذبنّ فإنّ النّاس مذ خلقوا لرغبةٍ يكرمون النّاس أو فرق
مرّ خالد بن صفوان على أبي الجهم وتحته حمار فقال: ما هذا يا ابن صفوان؟ فقال: عيرٌ من بنات الكداد، أصحر السّربال، محملج القوائم، يحمل الرّجلة، ويبلّغ المنزل، ويمنعني من أن أكون جبارًا عنيدًا.
[ ٨ / ١٩٨ ]
بعث النعمان إلى الحارث بن أبي شمر جيشًا وقال: من يعرف عدوّنا الذي أنفذنا إليه جيشنا؟ فقال بعض بني عجل: أنا، فقال النّعمان: صفه، فقال: قطفٌ نطف، صلفٌ قصف، فقام الرّديم وهو عمرو بن ضرار فقال: أبيت اللّعن، أوطأك العشوة: هو والله حليم النّشوة، شديد السّطوة، قال: صدقت، كذا ينبغي أن يكون عدوّنا.
لورد بن عاصم المبرسم في الحسن بن زيد العلوي: الوافر
له حقٌّ وليس عليه حقٌّ ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقًا عليه لأهلها وهو الرّسول
فطلبه فهرب منه، ثم لم يشعر يومًا إلاّ وهو بين يديه يقول: الوافر
ستأتي عذرتي الحسن بن زيدٍ وتشهد لي بصفّين القبور
قبورٌ لو بأحمد أو عليٍّ يكون مجيرها حفظ المجير
هما أبواك من وضعا فضعه وأنت برفع من رفعا جدير
فاستخفّ الحسن كرمه، فقام فبسط رداءه وأجلسه عليه وأمّنه.
قال بعض أهل اللغة: لببت الشيء ألبّه لبًّا إذا شددته بحبلٍ أو خيط؛ ونادى أعرابيٌّ غلامه فقال: لبّيك، فقال: لبّ الحبل جنبيك؛
[ ٨ / ١٩٩ ]
هكذا قال أبو محمد الأندلسيّ، وكان كبيرًا في اللغة، ورد بغداد وهو نحويٌّ، ولزم أبا سعيد السّيرافي، وأنشد لبعض أهل المغرب: البسيط
الجود والغول والعنقاء ثالثةٌ أسماء أشياء لم تخلق ولم تكن
وأنشد لآخر منهم: الخفيف
لو قضى الله للمنون بحتفٍ صيّر البين للمنون منونا
وكان أشحّ النّاس، وهذه شيمة أهل المغرب، وكان ربّما قرض البيت، إلا أنّه كان ركيك الشّعر رديء النّثر سيّء العبارة، كثير الحفظ جيّد الإتقان، ومات ببغداد سنة خمسٍ وسبعين وثلاثمائة.
للوليد بن عقبة: الطويل
وكنّا إذا ما حيّةٌ أعيت الرّقى وكان زعافًا يقطر السّمّ نابها
دسسنا لها تحت الظلام ابن ملجمٍ جريًّا إذا ما جاء نفسًا حسابها
أبا حسنٍ ذقها على الرأس ضربةً بكفّ كريمٍ بعد وقتٍ ثوابها
أمات ابن عفّانٍ فلم تبق دمنةٌ ونحن موالي غمرةٍ لا نهابها
فألقى على المصريّ ثوب ظلامةٍ كما سلخت شاةٌ فطار انكعابها
قال أعرابيّ: لا يكشف منسدل الهمّ إلاّ مشمّر الصّبر.
[ ٨ / ٢٠٠ ]
٧٣٩ب - قد سألت السّيرافيّ عن الانسدال والانشمار فقال: مسموعان.
قال بعض الفرس: الصّبر ربيع القلب.
وقال آخر: الصّبر يقلّم أظفار الخطوب.
كان أبو طالب نديمًا لمسافر بن أبي عمرو، وهلك مسافرٌ فرثاه أبو طالب فقال: الخفيف
ليت شعري مسافر بن أبي عم روٍ وليتٌ يقولها المحزون
رجع الرّكب سالمين جميعًا وخليلي في مرمسٍ مدفون
قال بعض أهل اللغة: في الفم اثنتان وثلاثون سنًّا، ثنيّتان من فوق وثنيّتان من تحت، ورباعيّتان من فوق ورباعيّتان من تحت، ونابان من فوق ونابان من تحت، وضاحكتان من فوق وضاحكتان من تحت، وثلاث أرحاءٍ من فوق وثلاث أرحاءٍ من تحت، وثلاث أرحاءٍ من فوق وثلاث أرحاءٍ من تحت، وناجذان من فوق وناجذان من تحت.
وقّع أبو صالح محمد بن يزداد إلى عاملٍ أخّر أمرًا: جعلنا إهمالنا لك وتعطّفنا ورفقنا بك مطيّةً لمطلك، وسببًا لدفعك ما لزمك ووجب عليك، فامح ببدارك إساءتك، وبتعجيلك مدافعتك، وأحضر حسابك مفصّلًا في باقي أسبوعك، ولا تحوج إلى عنفٍ بك، واستقصاءٍ عليك، إن شاء الله.
[ ٨ / ٢٠١ ]
وكتب إلى جعفر بن محمود: ما زلت - أيّدك الله - أذمّ الدهر بذمّه إياك، وأنتظر لنفسي لك عقباه، وأتمنّى زوال حال من لا ذنب له إلى رجاء عاقبةٍ محمودةٍ تكون لك بزوال حاله، وتركت الإعذار في الطّلب على اختلالٍ شديدٍ إليه، ضنًّا بالمعروف عندي إلاّ عن أهله، وحبسًا لشكري إلاّ عن مستحقه.
فوقّع جعفر: لم أؤخّر ذكرك تناسيًا لحقّك، ولا إغفالًا لواجبك، ولا إرجاءً لمهمّ أمرك، ولكني رجوت اتساع الحال بانفساح الأعمال، لأخصّك بأسناها خطرًا، وأجلّها قدرًا وأعودها بنفعٍ عليك، وأوفرها رزقًا لك، وأقربها مسافةً منك، وإذا كنت ممّن يحفزه الإعجال، ولا يتّسع له الإهمال، فسأختار لك خير ما يشير إليه، وأقدّم النظر فيه، وأجعله أول ما أمضيه، إنّ شاء الله.
خطب يزيد بدمشق فقال: أيّهاالناس، سافروا بأبصاركم في كرّ الجديدين، ثمّ ارجعوها كليلةً عن بلوغ الأمل، وإنّ الماضي عظةٌ للباقي، ولا تجعلوا الغرور سبيل العجز عن الجدّ فتنقطع حجتكم في موقفٍ الله تعالى سائلكم فيه ومحاسبكم على ما أسلفتم. أيّها النّاس، أمس شاهدٌ فاحذروه، واليوم مؤدّبٌ فاعرفوه، وغدٌ رسولٌ فأكرموه، وكونوا على حذرٍ من هجوم القدر، فإن أعمالكم مطيّات أبدانكم، والصّراط ميدان يكثر فيه العثار، والسالم ناجٍ والعاثر في النّار.
[ ٨ / ٢٠٢ ]
قال محمد بن العلاء السّجزي: لما ولي عبيد الله بن سليمان الوزارة، أوصلت إليه كتابًا من عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وفيه يقول: الطويل
أبى دهرنا إسعافنا في أمورنا وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فقلت له نعماك فيهم أتمّها ودع أمرنا إنّ المهمّ المقدّم
ذكر أعرابيٌّ امرأةً فقال: إن دعت القلوب لم تبطء عنها، وإن قتلت لم يعد عليها.
قال الهيثم بن عديّ: قال جعفر بن معاوية لخالد بن صفوان: ما منعك أن يكون عندك امرأةٌ شريفةٌ من أشراف أهل البصرة؟ قال: فابغني امرأةً، قال: فأيّ النساء تريد؟ قال: ابغني امرأة بكرًا كثيّبٍ وثيّبًا كبكر، لا ضرعًا صغيرةً ولا عجوزًا كبيرة، عاشت في نعمةٍ وأدركتها حاجة، فخلق النّعمة معها وذلّ الحاجة فيها، وحسبي من حسبها أن تكون واسطةٌ في قومها، وحسبي من جمالها أن تكون فخمةً من بعيد، مليحةً من قريب، ترضى منّي بالسّنّة، وترفع عنّي المنّة، إن عشت أكرمتها، وإن متّ ورّثتها، لا ترفع رأسها إلى السماء رفعًا، ولا تضعه في الأرض وضعًا، أديبةً عاقلةً فصيحة. فقال جعفر: يا أبا صفوان، الناس في طلب هذه منذ زمانٍ حتى يبايعوها على الخلافة فلا يقدرون عليها، فاسل فإنّك حالم.
لمّا سيّر عليّ بن الجهم إلى خراسان كتب إلى بعض إخوانه على لسان غلامٍ له: أمّا بعد، فإنّ الله إذا أراد أمرًا جعل له من قضائه سببًا يجري
[ ٨ / ٢٠٣ ]
بعلمه، وينتهي إلى قدره، ولا إله إلاّه، أحصى كلّ شيءٍ عددًا، وأحاط بكلّ شيءٍ علمًا، وجعل لكلّ قدرًا، ومن أسباب قدره أن سهّل لي بعدك من الشّعر ما أخاطب به الشاهد وأكاتب الغائب، وأجتدي به وأستزيد، وأبلغ ما أريد، وهو يؤنسني إذا أوحشت، ويطيعني إذا عصيت، ويصدع عنّي إذا شيت، بليغ الخطبة، جميل العشرة، كريم الصّحبة، يرد الأندية، ويلج الأخبية، سائرًا في البلاد، مسافرًا من غير زاد، راضيًا إن رضيت، مؤذيًا إن أوذيت، جازيًا بما أوليت، باقيًا إذا أفنيت، معترضًا في الأسمار، عالمًا بالأخبار، ومعزّيًا عن الأوتار، يحضر إن غبت، ويجسر إن هبت، ولا يحظر بالحظر، ولا يوزع بالزّجر، إذا قيّد رتك، وإذا أغمد بتك، وإذا جرّد فتك، يلقح به الغزل ويعلل به الشمل ويأنس به الوجل وقد أتحفتك منه ببعض ما يجدّد عندك ذكرنا، وتعرف به خبرنا، وهو شعرٌ قلته في مقامٍ واحدٍ لم أزل أعجب منه، وسأصف لك المقام لتحمد الله تعالى عليه: لمّا كان اليوم الذي وردنا نيسابور، وقصدنا باب الأمير، وقد احتشد لنا الناس وكان من قدّر ذلك يتوهّم مع الخبر الشائع الذي حملنا له أنّ الداعي علينا سيكثر، وأنّ الشّامت بنا سيظهر، إذ كنّا في حالٍ لم يحمل على مثلها بابك ولا المازيار، وما منهما إلاّ قد رأينا؛ فبينا الناس كذلك إذ اقبل به في محملٍ قليل الوطاء، مسلوب الغطاء، فلمّا توسطنا الجماعة، ونظروا إليه، فلم يكن في ظاهره ما يسمج، ولا في قديمه ما ينكر، ولا في مساعيه ما ينقم، ولا في قدر الذّنب الذي ذكر أنه فعله ما يبلغ به ذلك عند الناس، وجد الوليّ إلى الدّعاء له بالخير سبيلًا، وساعده من حضر، وارتجّ الجميع بالدعاء له، فصار ما نعي عليه
[ ٨ / ٢٠٤ ]
معونةً له، وأبى الله تعالى، المحسن إلينا، أن يسلبه السّتر الجميل، إذ سلبه الآدميّون الغطاء، وألاّ يزيل نعمه إذ زال كلّ ما كان فيه، وألا يجعل لأعدائه إلى الشّماتة به سبيلًا، والسلام.
قال عمر بن الخطّاب: ما رأيت صغير الهمّة إلاّ رأيته مذموم الأحدوثة.
جلد صهيبٌ المدينيّ في الشّراب، وكان جسيمًا، وكان الجلاّد قصيرًا قميئًا فقال له: تقاصر لينالك السّوط، فقال: ويلك، إلى أكل الفالوذج تدعوني؟! والله لوددت أنّي أطول من عوج، وأنت أقصر من يأجوج.
ضرب طويسٌ في الشّراب فقيل له: كيف كان جلدك على وقع السّياط؟ قال: بلغني أنّي كنت صبورًا.
شاعر: المتقارب
لكلّ أديبٍ ترى همّةً وهديًا يدلّ على همّته
ولم ار مثل فتىً ماجدٍ يداري الأمور على فطنته
يجازي الصّديق بإحسانه ويرجي العدوّ إلى غفلته
ويلبس الدهر تبّانه ويخضع للقرد في دولته.
بلوت الرجال وجرّبتهم فكلٌّ يدور على لذّته
قال تميم بن نصر بن سيّار لأعرابيّ: هل أصابتك تخمةٌ قطّ؟
[ ٨ / ٢٠٥ ]
قال: أمّا من طعامك وطعام أبيك فلا.
شاعر: الكامل المجزوء
ودّعته فتناولت عيناه من عيني دموعا
أسف الزمان عليّ أن نبقى كما كنا جميعا
وأحلّني في غربةٍ وأحلّه البلد الشّسيعا
وما كنت أحسب أن يكو ن كذا تفرّقنا سريعا
قال أعرابيّ: قبحًا لدهرٍ لا تصفوا أيامه، ولا تنصف أحكامه، وأنشد: الطويل
فإن تك أحزانٌ وفائض عبرةٍ أثرن دمًا من داخل الجوف منقعا
تجرّعتها من عاصمٍ واحتسيتها وأعظم منها ما احتسى من تجرّعا
فليت المنايا خلّفت لي عاصمًا فعشنا جميعًا أو ذهبن بنا معا
قال أعرابيٌّ لرجل: إنّ فلانًا وإن ضحك إليك، فإنّ قلبه يضحك منك، ولئن أظهر شفقته عليك فإن عقاربه تسري إليك، فإن لم تتخذه عدوّا في علانيتك فلا تجعله صديقًا في سريرتك.
شاعر: الكامل المجزوء
وكلت قلبي بالولو ع وجفن عيني بالدّموع
إذ لا سبيل إلى الوصا ل ولا طريق إلى الرّجوع
أما ولوعات الفرا ق يشبّها بين الضّلوع
لا مال قلبي ما حيي ت من النّزاع إلى النّزوع
[ ٨ / ٢٠٦ ]
كلاّ ولا ذاقت جفو ني بعده طيب الهجوع
قال أحمد بن الطّيب: نظر بعض الأفاضل إلى رجلين أحدهما قد حمل ديكًا ليقاتل به والآخر قد حمل محبرةً وورقًا ليستفيد أدبًا فقال: إنّ سعيكما لشتّى.
لسلمان الفارسيّ: الوافر
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا ببكرٍ أو تميم
بدعوى الجاهلية لم أجبهم ولا يدعوا بها غير الأثيم
دعي القوم ينصر مدّعيه ليلحقه بذي الحسب الصميم
قال سليمان التّميمي: دخلت على الأعمش وعنده نبيذٌ في إناء فقلت: ألا تغطّيه لئلا يقع فيه الذّباب؟ فقال: هذا أكرم من أين يقع الذّباب.
قال أبو هاشم: سمعت عمّي يقول: كان بين الأعمش وبين رقبة ابن مصقلة معارضةٌ، كتب إليه الأعمش كتابًا يتوعّده، فأجابه رقبة، أمّا بعد، يريبني منك أبًا محمدٍ أنّك تضرع في وعيدك، وتستعين بأمثال غيرك، لو شئت لأضربنّ قذالك بتصريف المقال، ثم لأتبعنّها بنوافذ الأمثال؛ فوضع الأعمش يده على رأسه وقال: ما لنا ولخطباء عبد القيس.
[ ٨ / ٢٠٧ ]