اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، وأسالك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمتك شعاري ودثاري، والنظر في ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني وشغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري.
اللهم تتابع برك،، واتصل خيرك، وعظم رفدك، وتناهي إحسانك، وصدق وعدك، وبر قسمك، وعمت فواضلك، وتمت نوافلك، ولم تبق حاجة إلا قد قضيتها وتكلفت بقضائها، فاختم ذلك كله بالرضا والمغفرة، إنك أهل ذلك والقادر عليه والملي به.
[ ٦ / ٥ ]
هذا الجزء - أبقاك الله - الجزء السادس من كتاب البصائر والذهائر، وإليه وقع الانتهاء، وعليه وقف العزم، وعنده بلغ النشاط، لأن المراد تم به، وما في النفس سكن معه، فقد كان يجول في النفس ما يعسر تدوينه، ويصعب تضمينه، مع تحول الحال، ونحول البال، وذلك لأن الكتاب طال طولًا يمل الناسخ، ويضجر القارئ، ويقبض المنبسط، ويكل النشيط، ويفتر الشهوات، ويفل غرب الحريص، ويتعب الطالب والراغب، ويصير ما أردنا أن يكون سببًا لاجتبائه سببًا لاجتنابه، وما أحببنا أن يكون باعثًا على طلابه مؤيسًا من وجدانه، وهكذا كل ما طال وكثر، وازدحم وانتشر، وليس يصير هذا عيبًا إلا عند فسولتنا في طلب العلم، وسوء رغبتنا في إفشاء الحكمة، وقلة طاعتنا للحق، أعراضنا عن الحظ، واستبدالنا للخير، واعتيادنا للهو، وجهلنا بعواقب الدنيا، ولو صدقت النية، وانبعثت الهمة، وأذعنت الشهوة، وذلت النقيبة، وساعد التوفيق، كان ما استبعد في هذا الباب قريبًا، وما استوعر سهلًا، وما استغلي رخيصًا، وما استثقل خفيفًا، وما استكثر قليلًا، ولكن من يصبر على هذا السوم، ويصير إلى هذا الحكم، ويأنف من هذا الطعن، وينفر من هذه اللائمة، مع ضميره المدخول، وعادته الفاسدة، ومنشئه الردي، وقرينه الفاضح، وحبه للراحة، واختطافه للذة، وتعجله للممكن، وتسويفه في الخير، وتوصله إلى الشر، وهذا قطرة من البحر، وحصاة من الجبل، مع تنكر الزمان، وفساد الدهر، واختلاف المقالات، وتشابه الآراء، وتكافؤ الجدال، وتزاحم الشبه، وتراكم الحجج، وسوء بيان العلماء، وقلة
[ ٦ / ٦ ]
إنصاف الحكماء، وقبح أخلاق الأدباء.
أنا رأيت شيخًا قد انتهى في السن، وبلغ الغاية في الحكمة، وأشرف على نهاية التجربة، قد قسم حاله بين إرجاف بالسلطان، أو وقيعة في الإخوان، أو شكوى من الزمان، هذا عين ما قد وجده واستفاده، وهو بزعمه وزعم ناصره - فرد أوحدي، ونقاب لوذعي؛ وهكذا مشايخ دينك، وأنصار شريعتك، وأعلام ملتك، والمتكلمون في بلادك، فماذا أتوقع لنفسي إذا كنت آخذًا عنهم، ومقتديًا بهم، ونازعًا إليهم؟
قلت يومًا لابن الخليل: كيف صرت في الشكوى أخطب من قس، وأبلغ من سحبان، وأنطق من شبيب، وأفصح من صفوان؟ قال: وكيف لا أكون كذلك وأنا في زمان إن ذكرت أهله بما يستسرونه ويتباهون به، ويشتملون عليه ويتهالكون فيه، هتم فمي، وسفك دمي، وشهد علي بالكفر، ولم يرض لي إلا بالصلب؛ قلت: فبح بما في نفسك، على اختصار لفظك، وإيجاز قولك، قال: اعلم أني قد أصبحت بين إمام لا يعدل، ووزير لا يفضل، وعالم لا يتأله، وناسك لا يتنزه، وغني لا يواسي، وفقير لا يصبر، وجليس لا يحلم، وواعظ لا يعف، وحاسد لا
[ ٦ / ٧ ]
يكف، وصديق لا يعين، وجار لا يستر، وجاهل لا يتعلم، ومتعلم لا يتحرج، وقاض لا ينصف، واشهد لا يصدق، وتاجر لا يتورع، وعدو لا يتقي، ومؤذ لا يفتر، فهل ترى لمثلي بعد ما عددته قرارًا، أو تجد لأحد عليه اصطبارًا؟ والله لو عن لي رأي في الصبر عليه لملكته، ولو بدا لي طريق في السكوت عنه لسلكته، ولكني ذو صدر جياش، وعقل مفتون.
وأقطع حديث هذا الرجل، فإنه كان يكثر من هذا الفن، ويأتي فيه بكل ما توهم وظن، وكان ذا عارضة عريضة، ولسان بليل، وقلب مكوي، وركية غزيرة، وله مذاهب استأثر بها، وتوحد فيها، وأشياء طريفة كان يكتمها، ولا يعرب عنها، وكان من كبار المعتزلة، ولكنه خالفهم، وأفرط في التشنيع عليهم، وتناهى في تتبع قبائحهم. ولقد قال هذا لرجل قولًا، ووجد عيبًا، فركب جوادًا، وسلك جددًا، وأصاب بددًا، وعرف داء، وطلب دواء، ولو استوى لك أن تكذبه، وتزيف قوله، وترد عليه دعواه لفعلت، ولكن كما قد علمت أن ما طوى أكثر مما نشر، وما دفن أخبث مما أنشر، وما أشار إليه أقبح مما نص عليه، وما روي عنه أفحش مما أفصح به.
فانتفع - حفظك الله - بسماع ما روي لك، وعرض على عقلك، ونيط بفهمك، وقرب من سمعك، ولاح لعينك، وعالج نفسك بمقت الهوى، وأودع قلبك برد اليقين، وحدث سرك بالإقلاع، وخف عاقبة الإصرار، وراقب إلهك في السر والجهر، والتفت إلى حظك بالاختيار
[ ٦ / ٨ ]
والقهر، وجانب كل ما جنبك الخير، واهجر كل ما أعلقك الذم، وأورثك الندم، وثبت على طاعة الله قدميك، واستحفظ نعم الله تعالى قبلك، واشهد آلاءه عندك، واعترف له بالربوبية، وتذلل بين يديه بشمائل العبودية، واعلم أنك منه بمرأى مسمع ومطلع، واجعل أساس أمرك، وخميرة حالك، وزبدة تدبيرك، وعمدة شأنك، الزهد في الدنيا، وإزجاءها بما طف منها، والرضا بالبلغة فيها، فإنك إذا فعلت ذلك هان عليك ما عداه، وقرب منك ما تهواه.
الزهد في الدنيا باب السعادة، ودرجة السلامة، ووعاء النجاة، وظرف الراحة؛ بالزهد تملك هواك عن الجماح، وطرفك عن الطماح، ونفسك عن اللجاج، وطباعك عن الغي، وظاهرك عن الهجنة، وباطنك عن الفتنة، فبه يذل لك كل ما نشأ عنه، وصار فرعًا عليه. هناك تتفرغ لحسابك، وتتصفح ما يخصك، اعتبار ما يكون صلاحه منوطًا بك، وفساده منفيًا عنك، وآثاره راجعة إليك، وريعه واقفًا عليك، فلا تعتقد إلا حقًا يصحبه البرهان، ولا تقول إلا صوابًا يشهد له الدليل، ولا تعمل إلا صالحًا يؤيده القول والحق، ومتى خلصت إلى هذه الرتبة حفت بك السعادة، وتواصلت إليك الزيادة، وكان جليسك منك بين ملحوظ يقتدي بك فيه، وملفوظ يمتثل أمرك به، ولن تحوز هذه الحال، ولن تفوز بهذا الكمال، حتى تبرأ من الجدال في الدين، وتهجر هذيان المتكلمين، وتبعد عن مجالس المشككين، وتألف عادة الصالحين، وتأخذ بهدي المسلمين، وتحسم طبعك عن معرفة أسرار رب العالمين، في هذا الخلق أجمعين.
نعم، وحتى تترك الخوض في الجزء والطفرة، والجوهر والعرض،
[ ٦ / ٩ ]
والكمون والظهور، والمداخلة والمجاورة، وما مراد الله في كذا، وما علته في كذا، وما سببه في كذا، وواجب عليه أن يفعل كذا، ويستحيل عليه فعل كذا، ولو فعل كذا لكان كذا، وهذا تحكك بالإله، وتمرس بالرب، وليس لك من ذلك إلا ما ألقاه إليك، وعرضه عليك، وسهله لك، ورفع الشبهة عنك؛ فأما ما غمض واستتر، وخفي واستسر، فإياك أن تتعرض له، وتحوم حوله، وتطلب قياسه ونظيره، فإنك إما أن تكل دون بلوغه، أو تضل قبل مناله، لأن الله تعالى لم يبن هذه الدار، ولم يرتب هذا العالم، ولم ينظم هذا الفلك، على قدر عقلك الضعيف، ولم يستشر استحسانك واستقباحك، ولم يجعل لك إلى شيء من ذلك سبيلًا إلا على حسب ما أعارك من القوة، وأعلمك بالتكليف، وألهمك بالتوفيق، فإن تعديت طورك، وتعليت قدرك، نكسك وردك على عقبيك، وأسرك بعجزك، وعراك من لبوس عزك، وجعلك عبرة للناظر إليك، وآية للمعتبرين بك، وأحدوثة للغابرين بعدك.
فاحذر التخطي إلى سياج ربك ومعالم إلهك، والزم حدودك في عبوديتك، فبهذا أمرت، واستقم كما أمرت، لعل الله تعالى يرى فقرك فيغنيك، وضعفك فيقويك، وانحطاطك فيعليك، وذر الذين يخوضون فيما ليس إليهم، يتكلفون ما ليس عليهم، فسيعلمون أي منقلب ينقلبون.
حرس الله علينا وعليك الدين، ووفر حظنا وحظك من اليقين، وجعلنا وإياك من عباده المتقين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
[ ٦ / ١٠ ]
هذا الكتاب - حفظك الله - وإن كان قد تأبط هزلًا، واستبطن سخفًا، وتحمل مزاحًا، فإنه قد تضمن أدبًا وعلمًا، وتوشح حكمة وفصاحة، ودعا إلى الله أمرًا وزجرًا، ودل على الخير إيجازًا وإطنابًا، ونشر حكم الله رواية واستخراجًا، وأمتع النفس سرارًا وجهارًا، فلا تجعل نصيبك منه الخطأ والخطل، وقد اعترض لك منه العلم والفائدة، ولا تحكم على مصنفه وجامعه إلا بعد أن تستظهر بالحجة، وتعتقد الإنصاف، وتعتمد على الحق. وإنما أوصيك بهذا خوفًا من أن يقول ما يقول من لا يشفق على عرضه، ولا يتعقب فرطات حكمه، ولا يفلي مواقع رأيه، ولا يملك خطام لسانه، ولا يبالي بما ووجه به.
واستيقن أن الكتاب قد حوى من الذهن لواقحه، ومن العقل قرائحه، ومن العلم غنائمه، ومن الفهم نتائجه، ومن الصدر ذخائره، ومن الدهر سرائره، ومن الأدب أرواحه، ومن البال خواطره، ومن الروية جواهرها، ومن الحكمة حقائقها، ومن التجربة أعيانها، ومن الأمم ودائعها، ومن الحنكة فرائدها، ومن الأخلاق محاسنها، ومن العرب بيانها، ومن الفرس سياستها، ومن اليونان دقائقها ومن الشريعة رقائقها، فهو إذن للكليل شحذ، وللوسنان يقظة، وللعقل سمة، وللعي بلاغة، وللأخرس ترجمان، وللناسي تذكرة، وللغزير تجربة، وللأديب عدة، وللعالم عمدة، وللخامل نباهة، وللمجهول علامة، وللجاد محجة، وللهازل مفكهة، وللناسك بصيرة، وللعائل نصيحة، جمعت فيه كل عرة لائحة، وحجة واضحة،
[ ٦ / ١١ ]
وبرهان مبين، وقول متين، ونادرة ملهية، وموعظة مبكية، وللرفيع فيه مرتع، وللمتوسط إليه مفزع، وللدني به مقمع، وأفنيت في ذلك وأطنبت، وصعدت فيه وصوبت.
فلا تحرمني عفوك عند زلة أفتضح بها عندك، ولا تبخل علي بمدحك في صواب عليك، وأجهزه إليك، وكن من إخوان الصدق، وأعوان الحق، ولعمري لك علي مقال فيه، ومتعلق به، ومدخل منه، لأني قد شعثت أعراض قوم، وأعلنت أسرار ناس، وزدت في بعض ذلك مستثيبًا، ونقصت مجانبًا، وألممت معرضًا، وكاشفت مصرحًا، وطويت محسنًا، ونشرت مقبحًا، ولكن ذاك مع توخي الحق مقبول، وفي خلال الصواب مستحسن، وفي جمهور الصدق نافع.
ومن هذا الذي تصدى لمثل هذا الكتاب، مع طوله وكثرة عدد أوراقه، وتصرف راويه، واختلاف أساليبه ومعانيه، مع ضيق الصدر، وغروب الصبر، وخفة ذات اليد، وسوء الظن باليوم أو غد، فلم يهرف، ولمخرف، ولم يظلم ولم يجزف؟ هذا ضمان لا يصح الوفاء به، ووعد لا يبعد من الخلف فيه، وحكم لا يبرأ الشطط منه، وإذا مزج حقه بباطله، وقرن خيره وشره، وأضيف سقيمه إلى صحيحه، كان قوام الجميع للحق، وكنت إذ ذاك في طبقة من يسامح بما كره له لبلوغه الغاية فيما أصاب فيه. على أنا نلجأ إلى الله في كل عسر ويسر، وعليه نتوكل في كل صغير وكبير، وإياه نستعين في جميع الأمور، فبيده الخير وهو على كل شيء قدير.
[ ٦ / ١٢ ]
لما ولى عمر بن الخطاب عبد الله بن مسعود قال له: يا ابن مسعود، اجلس للناس طرفي النهار، وأقرئ القرآن وحدث عن السنة وصالح ما سمعت عن نبيك ﷺ، وإياك والقصص والكلف وصلة الحديث، فإذا انقطعت بك الأمور فاقطعها، ولا تستنكف إذا سئلت عما لا تعلم أن تقول لا أعلم، وقل إذا علمت، واصمت إذا جهلت، وأقلل الفتيا، فإنك لم تحط بالأمور علمًا، وأجب الدعوة، ولا تقبل الهدية، وليست بحرام، ولكني أخاف عليك القالة، والسلام.
قال إبراهيم الإمام: إن البصرة أفواه البحار ومواضع التجار، فأنزلوها سليمان بن علي، وإن الكوفة فم الحجاز وطريق الحاج، فأنزلوها عيسى بن علي، وإن الشام عش بني أمية وباب المغرب ومادة العراق، فأنزلوها أبا جعفر المهدي؛ وأنزل كل رجل ممن ذكره في الموضع الذي ذكر له.
قال علي بن عبد الله: السواد معصفر الرجال.
قال عبد الله بن عباس: البياض جمال لأحيائكم، وتكفن فيه موتاكم، ولو كان البياض صبغًا لتنافس فيه الرجال.
دعي ابن عون إلى وليمة فجيء بماء يصب على يده قبل الطعام فقال: ما أحسب غسل اليد قبل الطعام إلا من توقير النعمة.
[ ٦ / ١٣ ]
قال المكي، قال أبو العبناء: أعطاني فلان بره تفاريق وعقوبته جملة.
ذم أبو العيناء رجلًا فقال: له ضحك كالبكاء، وتودد كالسباب والافتراء، ونوادر كندب الموتى.
عزى أبو العيناء رجلًا بامرأته فقال: تقديم الحرمة من جزيل النعمة، فأنت إلى التهنئة بالنعمة في هذه المصيبة أولى منك بالتعزية، فالحمد لله الذي جعل لك أجرها، ولم يجعلك لها ثوابًا، وإن عظم الفقد لطول الأنس والصحبة، فثواب الله أعظم وأجزل.
عزى أبو العيناء بعض الرؤساء فقال: كان العزاء لك لا بك، والفناء لنا لا لك.
قال الأصمعي: ضل لأعرابي شيء فقال: اللهم ضوئ عنه، أي أظهره.
قال يعقوب: الأكمة الصغيرة والرويبية يقال لها: فرط.
ماع يميع إذا سال، واماع السمن إذا ذاب وأماث.
مر يدأل: إذا قرمط في مشيته، ويقال: مر يذأل إذا مر مرا خفيفًا، ومنه سمي الذئب ذؤالة.
[ ٦ / ١٤ ]
التثفين أن تمس الثفن الأرض؛ السامد الشاخص من الخيل، والمذمر الموضع الذي يلمس.
يقال: صاد ثورًا وحمارًا وظبيًا وأرنبًا وذئبًا وثعلبًا وضبعًا وضبًا وورلًا ويربوعًا وجرادًا وطائرًا وكمأة، والكمأة صيد، وجنى نعامة وبيض نعامة.
السرب: القطيع من البقر والظباء؛ ويقال: إجل من بقر، وربرب، وصوار، وعانة من حمير، ورعلة من قطا، ورجل من جراد، وخرقة من جراد، وفيء من طير، وفيء من غربان ومن نسور.
قال الأصمعي: قيل لبني عبس: كيف صبرتم وكيف كانت حالكم؟ قالوا: طاحت والله الغرائب من النساء فما بقي إلا بنات العم، وما بقي معنا من الإبل إلا الحمر الكلف، وما بقي من الخيل إلا الكميت الوقاح، وطاح ما سوى ذلك من الأهلين والمال.
ذم أعرابي قوما فقال: لهم بيوت تدخل حبوا إلى غير نمارق ولا شبارق، فصح الألسنة برد السائل، جذم الأكف عن النائل.
[ ٦ / ١٥ ]
سئل أعرابي عن ابن أخيه فقال: سكير لا يفيق، يتهم الصديق ويعصي الشفيق.
قيل لأعرابي: في خلافة من ولدت؟ قال: في خلافة يوسف بن عمر، أو كسرى بن هرمز، وأعوذ بالله أن أقول على الله إلا حقًا.
قال أعرابي: الدراهم مواسم، تسم جميلًا أو دميمًا، فمن حبسها كان لها، ومن أنفقها كانت له.
وصف أعرابي مملوكًا له فقال: الرجز
يزعزع الدلو وما يزعزعه
يكفيه من جم ع البنان إصبعه
تكاد آذان الدلاء تتبعه
كاتب: كرم الوزير ورغبته في المعروف يطلقان الألسن بالمسألة، ويقربان الطالب من البغية، وعوائد إحسانه وترادف امتنانه يضمنان النجح ويؤكدان الثقة.
كان الشعبي يجلس إلى خياط، فقال له يومًا: إذا حدثت فلا
[ ٦ / ١٦ ]
تكذب، فقال له الشعبي: ما أحوجك إلى محدرج شديد الفتل، لين المهزة، أصلع الرأس، عظيم الثمرة، ياخذ من عجب الذنب إلى مغرز العنق، فيوضع منك على مثل ذلك، فيكثر له رقصك من غير جذل، فقال: وما يا هو أبا عمرو؟ قال: شيء لنا فيه أرب، ولك فيه أدب.
قال أعرابي: العبوس بوس، والبشر بشرى، والحاجة تفتق الحيلة، والحيلة تشحذ الطبيعة.
قال بعض أهل العلم: العرب تتبرك بالجنوب لأنها تجمع السحاب وتؤلفه، وتتشاءم بالشمال لأنها تفرقه وتذهبه.
لحميد بن ثور: الطويل
ليالي أبصار الغواني ولحظها إلي وإذا ريحي لهن جنوب
قال الحسين بن سعيد: أفئدة العلماء ينابيع الحكم، ومعادن، جواهر الفطن، إذا جرت مياه فكرها في جداول الاستنباط، ثم مشت في عروق مغارس الإحساس، نضرت أصول بدائع الروية، وأورقت غرائب الأفهام، وأثمرت أفنان حكم الآراء، فاجتنبها أنامل كرم الطباع، وتفكه بها أهل التجربة والانتفاع.
كلام نبيل وقمر رؤيته تعجب، وقد رأيت من يؤثره ويستحسنه.
كاتب: أنا صب إلى قربك، صاد إلى لقائك، ومن ظمئي إلى
[ ٦ / ١٧ ]
غرتك أستحق الري من رؤيتك، فقصر يومنا الطويل بأنسك الذي يشفي الغليل.
كاتب: قد أهديت إليك مودتي رغبة، ورضيت منك بقبولها مثوبة، وأنت بالقبول قاض لحق، ومالك لرق.
وأنشد أبو الفضل ابن العميد لأعرابي: الوافر
وما ذو شقة نفض يمان بنجد ظل مغتربًا نزيعًا
يمارس راعيًا لا لين فيه وقيدًا قد أضر به وجيعًا
إذا ما البرق لاح له سناه حجازيًا سمعت له سجيعًا
بأكثر لوعة مني ووجدًا لو أن الشعب كان بنا جميعًا
قال رجل لأبي المجيب: إني لأودك، فقال: إني لأجد رائد ذلك.
وأنشد: الطويل
أهن عامرًا تكرم عليه فإنما أخو عامر من مسه بهوان
قال أعرابي: مجالسة الأحمق خطر، والقيام عنه ظفر.
العرب تقول: أشد العرب بأسًا العماليق، وأعظمهم أجسامًا وأحلامًا عاد، وأكثرهم نجدًا ونفيرًا حمير.
[ ٦ / ١٨ ]
قال بعض السلف: لا شيء أضيع من مودة عند من لا وفاء له، وبلاء عند من لا شكر له، وأدب عند من لا ينتفع به، وشعر عند من لا حصافة معه.
وقال أعرابي لآخر: إيت فلانًا فإنه لم ينظر في قفا محروم قط.
قال ثمامة: الخمول كل الخمول ألا يعرف الرجل بخير فيؤمل، ولا بشر فيحذر، قاتل الله الهاجي حيث يقول: الهزج
أرى العلباء كالعلبا ء لا حلو ولا مر
حمار من بني الجار د لا خير ولا شر
قال المبرد، قال بعض السلف: أعجب ما في هذا الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذلة الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمر استلبته العزة، وإن أقاد مالًا أطغاه الغنى، وإن عارضته فاقة فضحه الجزع، وإن جهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.
شاعر: الطويل
[ ٦ / ١٩ ]
لعمري لئن أصبحت في دار غربة خميص إلى إني بها لشريف
أمر بأكناف القصور كأنني أخو بطنه والثوب فيه نحيف
وما أنا ممن تعتريه شراهة لمدخل باب يعتري ويطيف
أخو كرم يكفيه خمسين ليلة من الماء نزر بارد ورغيف
ومن شق فاه الله قدر رزقه وربي بمن يلجا إليه لطيف
وأنشد: الوافر
ألا حييت عنا يا لميس علانية فقد بلغ الرسيس
رغبت إليك كيما تنكحيني فقلت: فإنه رجل سريس
ولو جربتني في ذاك يومًا رضيت وقلت: أنت الدردبيس
سلي عني ابنة الطماح سعدي غداة أتيت قبتها أريس
ألم تصرم ثلاثًا من وقاعي إذا نهضت ترنح أو تكوس
أغرك أنني رجل دميم دحيدحة وأنك عيطموس
قال ثعلب في المجالسات: حدثني عمر بن شبة، حدثني معمر بن عمر قال: حدثنا أبو يوسف القاضي عن محمد بن عبد الرحمن بن سلمة عن مروان بن الحكم قال: اشتكى علي بن أبي طالب ﵁ شكوى أدنف منه، فأتاه عثمان عائدًا وأنا معه، فقال: كيف أنتن كيف تجدك؟ حتى إذا فرغ من مسألة العيادة قال: والله ما أدري أنا بموتك أسر أم ببقائك، ولئن مت
[ ٦ / ٢٠ ]
لا أجد لك خلفًا، ولئن بقيت لا أعدم طاعنًا عائبًا يتخذك عضدًا أو يعدك كهفًا، لا يمنعني إلا مكانه منك ومكانه منه، فأنا منك كأبي العاق، إن مات فجعه وإن عاش عقه، فإنا سلم فتسالم، وإما حرب فتباين، ولا تجعلنا بين السماء والماء، إنك والله إن قتلتني لا تجد مني خلفًا، ولئن قتلتك لا أجد منك خلفًا، ولن يلي هذا الأمر بادي فتنة وإن أتم الناس بها المرابض مع العنز؛ قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن فيما تكلمت فيه لجوابًا، ولكني عن جوابك مشغول، ولكني أقول كما قال العبد الصالح " فصبر جميل والله المستعا " يوسف: ١٨؛ قال: فقلت: إنا إذن والله لنكسرت رماحنا، ولنقطعن سيوفنا، ولا تكون في هذا حياة لما ولا خير لمن بعدنا.
شاعر: الكامل المجزوء
إنا إذا صيغ الكلا م فللكلام الجزل صاغه
طبن بأنحاء البلا غة شاغل فيها فراغه
مستجمع شرف البدي هة والإصابة في البلاغة
قال ثعلب: الإسب: شعر الفرج، والجميع: الآساب.
أنشد ثعلب لسلمي بن عويه: الكامل
[ ٦ / ٢١ ]
لا يبعدن عهد الشباب ولا لذاته ونباته النضر
والمرشقات من الخدود كإي ماض الغمام صواحب القطر
وطراد خيل مثلها التقتا لحفيظة ومقاعد الخمر
لولا أولئك ما حفلت متى عوليت في حرج إلى قبر
هزئت زنيبة أن رأت ثرمي وأن انحنى لتقادم ظهري
من بعد ما عهدت فأدلفني يوم يجيء وليلة تسري
حتى كأني خاتل قنصًا والمرء بعد تمامه يحري
لا تهزني مني زنيب فما في ذاك من عجب ومن سخر
أو لم تري لقمان أهلكه ما اقتات من سنة ومن شهر
وبقاء نسر كلما انقرضت أيامه عادت إلى نسر
ما طال من أبد على لبد رجعت محورته إلى قصر
ولقد حلبت الدهر أشطره وعلمت ما آتي من الأمر
قال أبو العيناء: كتب بعض الحمقى إلى آخر: بسم الله الرحمن الرحيم، وأمتع بك، حفظك الله، وأبقى لك من النار سوء الحساب؛ كتبت إليك والدجلة تطفح، وسفن الموصل هيا هيا، والخبز رطلين، فعليك بتقوى الله، وإياك والموتفإنه طعام سوء، وكتب لإحدى وعشرين بقيت من عاشوراء سنة افتصد عجيف مولى أمير المؤمنين.
[ ٦ / ٢٢ ]
قال أبو العيناء: قال أبو توبة القاص: احمدوا ربكم، تشترون شاة سوداء، وتعلفونها حشيشًا أخضر، وتحلبونها لبنًا أبيض، وتتبخرون في ثيابكم فيعبق البخور، وتفسون في ثيابكم فلا يعبق.
قال أبو العيناء: رأيت رجلًا وقد حمل كرة بنصف درهم، فلما أراد الرجوع اكترى إلى ذلك الموضع حمارًا بأربعة دوانيق.
قال أبو العيناء: كتب بعض الهاشميين إلى السندي بن شاهك: بسم الله وأمتع بك؛ إن أخانا أحد خادمي أخذ رجلًا من الشرط بسبب كلب يقال له موسى، وموسى عندنا ليس بذاعر، فإن رأيت أن تأمر بسبيل تخليته فعلت إن شاء الله.
قال أبو العيناء: كتب أبو جعفر ابن المتوكل إلى أبي أحمد ابن الموفق: أطال الله بقاءك يا عمي، وأدام عزك وأبقاك، أنا وحق النبي ﷺ أحبك أشد من المتوكل، وأشد من والدي، ولا أحتشمك أيضًا، وقد جابوا لك مطبوخ من عكبرا، فأحب أن تبعث إلي منه خمس دنان، وإلا ثلاث خماسيات، ولا تردني فأحرد، بحياتي.
قال علي بن عبيدة الريحاني: في جوهر من خلا أنت، وفي محل من مات مقيم.
[ ٦ / ٢٣ ]
قال الأصمعي: كان بالبصرة أعرابي من بني تميم يطفل على الناس، فعاتبته في ذلك فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولا وضع الطعام إلا ليؤكل، وما قدمت هدية فأتوقع رسولًا، وما أكره أن أكون كلا ثقيلًا على من أراه بخيلًا وأقتحم عليه مستأنسًا، وأضحك إن رأيته عابسًا، فآكل برغمه وأدعه لغمه، وما احترق في اللهوات طعام أطيب من طعام لا تنفق فيه درهمًا، ولا تعني إليهخادمًا، ثم أنشد: الخفيف
كل يوم أدور في عرصة الحي ي أشم القتار شم الذئاب
فإذا ما رأيت آثار عرس أو ختان أو مجمع الأصحاب
لم أروع دون التقحم لا أر هب دفعًا أو لكزة البواب
مستهينًا بما هجمت عليه غير مستأذن ولا هياب
فتراني ألف بالرغم منه كل ما قدموه لف العقاب
ذاك أدنى من التكلف والغر م وغيظ الخباز والقصاب
قال الأصمعي: رأيت أعرابية بالنباج فقلت لها: أتنشدينني؟ فقالت: إيها والله، إني لأنشد وأقول، فقلت: فأنشديني، فقالت: البسيط
لا بارك الله فيمن كان يخبرني أن المحب إذا ما شاء ينصرف
[ ٦ / ٢٤ ]
وجد المحب إذا ما بان صاحبه وجد الصبي بثديي أمه الكلف
فقلت: فأنشديني من قولك، فقالت: الوافر
بنفسي من هواه على التنائي وطول الدهر مؤتنف جديد
ومن هو في الصلاة حديث نفسي وعدل الروح عندي بل يزيد
قال أبو العيناء: سمعت الأصمعي يقول: رأيت أعرابيًا يرفع صوته على وال صرفه عند جعفر بن سليمان فقال: والله إنه ليقبل الرشوة، ويقضي بالعشوة، ويطيل النشوة، ولقد بنى حمامًا زندقة وكفرًا.
قال الأصمعي: جلس إلي رجل تقتحمه العين، والله ما ظننته يجمع بين كلمتين، فاستنطقته فإذا نار تأجج، فقلت: أتحسن شيئًا من الحكمة تفيدنيه؟ فقال: الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، والعطية بعد المنع أحمد من المنع بعد العطية، والإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه؛ قال: فعظم والله في عيني حتى ملأ قلبي هيبة.
قال الأصمعي: حججت، فبينا أنا بالأبطح إذا شيخ في سحق عباء، صعل الرأس أثط أخزر أزرق، كأنما ينظر من فص زجاج أخضر، فسلمت
[ ٦ / ٢٥ ]
فرد علي التحية، فقلت: ممن الشيخ؟ قال: من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، قلت: فما الاسم؟ قال: خميصة بن قارب. ثم قال: أعرابي أنت؟ قلت: نعم، قال: من أية؟ قلت: من أهل البصرة، قال: فإلى من تعتزي؟ قلت: إلى قيس عيلان، قال: لأيهم؟ قلت: أحد بني بغيض، وأنا أقلب ألواحًا معي، قال: ما هذه الخشبات المقرونات؟ قلت: أكتب فيهن ما اسمع من كلامكم، قال: وإنكم مخلون إلى ذلك؟ قلت: نعم وأي خلة، فصمت مليًا ثم قال في وصف قومه: كانوا كالصخرة الصلدة تنبو عن صفحتها المعاول، ثم زحمها الدهر بمنكبه فصدعها صدع الزجاجة ما لها من جابر، فأصبحوا شذر مذر، أيادي سبا، ورب قوم - والله - عارم قد أحسنوا تأديبه، ودهر غاشم قد قوموا صعره، ومال صامت قد شتتوا تألفه، وخطة بوس قد حسمها أسوهم، وحرب عبوس ضاحكتها أسنتهم، أما والله يا أخا قيس لقد كانت كهولهم جحاجح، وشبانهم مراجح، ونائلهم مسفوح، وسائلهم ممنوح، وجنابهم ربيع، وجارهم منيع. فنهضت لأنصرف فأخذ بمجامع ذيلي فقال: اجلس لقد أخبرتك عن قومي حتى أخبرك عن قومك، فقلت في نفسي: إنا لله، سينشد في قيس والله وصمة تبقى على الدهر، فقلت: حسبك، لا حاجة بي إلى ذكرك قومي، قال لي: بلى والله، هم هضبة ململمة، العز أركانها، والمجد أغصانها، تمكنت في الحسب العد، تمكن الأصابع في اليد؛ فقمت مسرعا مخافة أن يفسد علي ما سمعت.
قال أبو عطاء مولى عتبة: قدم علينا ابن عباس سنة إحدى وأربعين
[ ٦ / ٢٦ ]
وهو كالقرحة المنبجسة، وكان عتبة قليل الكلام، فنظر ابن عباس إلى عتبة يحد النظر إليه ويقل الكلام معه، فقال: يا أبا الوليد، ما بالك تحد النظر إلي وتقل الكلام معي؟ ألعقلة طالت أم لموجدة دامت؟ فقال عتبة: أما قلة كلامي معك فلقلته مع غيرك، وأما كثرة نظري إليك فلما أرى من أثر سبوغ النعمة عليك، ولئن سلطت الحق على نفسك لتعلمن أنه لا يعرض عنك إلا مبغض، ولا ينظر إليك إلا محب، ولئن كان هذا الكلام شفى منك داء، وأظهر منك مكتومًا، فما أحب غيره؛ فقال ابن عباس: أمهيت يا أبا الوليد، - يقال أمهيت الحديدة إذا حددتها - أي بلغت الغاية في الغدر، ولو كنت على يقين مما ظننت بك لكفاني، أو لأرضاني دون ما سمعت منك، فتبسم معاوية ثم قال: الرجز
دعوت عركًا ودعًا عراكا جندلتان اصطكتا اصطكاكا
من ينك العير ينك نياكا
لا تدخلوا بين بني عبد مناف، فإن الحلم لهم حاجز، والداخل بينهم عاجز، وإن فطنة ابن عباس مقرونة بعلمه، ثم تمثل: الطويل
سمين قريش مانع منك شحمه وغث قريش حيث كان سمين
قال ابن عائشة، قال عمرو بن عبيد: تعريف الجاهل أيسر من تغيير المنكر.
قال بعض الموالي لعمرو بن عتبة: يا مولاي، أعتقني أعتقك الله من النار، فقال له: يا بني، إنك لم تخرف، أي لم تدرك - يقال:
[ ٦ / ٢٧ ]
أخرفت النخلة إذا بلغت أن تخرف - فقال: يا مولاي، إن التمرة تجتني زهرًا قبل أن تكون مغرًا، فقال: قاتلك الله ما أحسن ما استعتقت، قد وهبتك لواهبك لي.
قال محمد بن سلام، قال نحوي لرجل: أتشتعر حمارك؟ أي تعلفه الشعير. سألت الثقة عن هذا فأبى وقال: هو منكر، ولعله مقيس على كلام العرب، وهو مجهول الأصل.
قال العتبي: سأل أبي رجل عن السرور فقال: هو أن تنال ما تحب وإن قل، فإن من فارق ما يحب صار إلى ما يكره، والمحبة لا تختار الكثير رغبة عن القليل، ولا تغرب عن القليل اختيارًا للكثير، ولكنه أطباع مختلفة، وأهواء مؤتلفة، توصف بجملتها، ويضيق القول في تفسيرها، وتوصف إذا كان، ولا تعرف بصفة قبل أن تكون.
قال العتبي لابنه: يا بني، اجعل دنياك وصلة إلى دينك، ولا ترض بها عوضًا منها، فإن الله تعالى لم يرضها ثوابًا لمن رضي عنه من أهلها، ولا عقابًا لمن سخط عليه فيها.
قال العتبي: كان عمي ينفق ماله كأنه مال أعدائه، فكلمته زوجته في ذلك فقال: البسيط
هبت تلوم وتلحاني على خلق عودته عادة والخير تعويد
قلت اتركيني أبع مالي بمكرمة يبقى ثنائي بها ما أورق العود
إنا إذا ما أتينا أمر مكرمة قالت لنا أنفس عتبية عودوا
يقال: من الشعر القديم قول القائل: الخفيف
عين جودي على عبيل وهل ير جع ما فات فيضها بانسجام
[ ٦ / ٢٨ ]
عمروا يثربًا وليس بها شف ر ولا صارخ ولا ذو سنام
غرسوا لينها بمجرى معين ثم حفوا النخيل بالآجام
ولي عبد الملك بن عمير القضاء بعد الشعبي فقال هذيل الأشجعي: الطويل
أتاه وليد بالشهود يسوقهم على ما ادعى من صامت المال والخول
يقود إليه كلثما وكلامها شفاء من الداء المخامر والخبل
فأدلى وليد عند ذاك بحجة وكان وليد ذا مراء وذا جدل
وكان لها دل وعين كحيلة فأدلت بحسن الدل منها وبالكحل
وما برحت تومي إليه بناظر وتومض أحيانا إذا خصمها غفل
فأفتنت القبطي حتى قضى لها بغير قضاء الله في محكم الطول
فلو كان من في القصر يعلم علمه لما استعمل القبطي فينا على عمل
له حين يقضي للنساء تخاوص وكان وما فيه التخاوص والحول
إذا ذات دل كلمته بحاجة فهم بأن يقضي تنحنح أو سعل
وبرق عينيه ولاك لسانه يرى كل شيء ما خلا شخصها جلل
[ ٦ / ٢٩ ]
قال أبو العتاهية: الهزج
فصغ ما كنت حليت به سيفك خلخالا
فما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا
كان شريح إذا جلس للقضاء يلهج بهولاء الكلمات: سيعلم الظالمون حظ من نقصوا، إن الظالم ينتظر العقاب، وإن المظلوم ينتظر النصر.
كان الشعبي يقول في القاذف: يقبل اله تعالى توبته وتردون شهادته؟ وكان يقول: تقبل شهادته إذا تاب.
قال عبد الرحمن الأعرج: لا تجوز شهادة الظنة والحنة والجنة.
كان العشبي يجيز شهادة الرجل على شهادة الرجل إذا كان قد مات، ولا يجيز شهادته إذا كان حيًا ولو كان بالصين.
قال الأعمش: أخبرني تميم بن سلمة أن رجلًا شهد عند شريح وعليه جبة ضيقة الكمين، فقال شريح: أتتوضأ وعليك جبتك؟ قال: نعم، قال: احسر عن ذراعيك، فحسر فلم يبلغ كم جبته إلى نصف الساعدين، فرد شهادته.
[ ٦ / ٣٠ ]
وكان شريح يقول إذا ما أتاه الشاهدان: ما دعوتكما ولا أنها كما أن ترجعا إن شئتما، وما أنا أقضي على هذا المسلم، إن يقض عليه إلا خيركما، وإني متق بكما فاتقيا.
كان الشعبي يقول: إذا ارتهن الرجل الجارية فقبضها فليس للراهن أن يقربها حتى يفتكها.
قال ابن سيرين: كان لرجل قبل رجل حق إلى أجل، فغاب، فأتى أهله فتقاضاهم حقه على صاحبه، فقضوه إياه قبل محله؛ ثم إن الرجل قدم فأخبروه، فخاصمه إلى شريح، فقال شريح: رد على الرجل ماله، ولحبسه بقدر ما تعجلته قبل محله.
قال زياد بن سليمان: أمر ابن عمر رجلًا أن يشتري له متاعًا، فاشتراه له، ثم أتاه فرضيه ابن عمر ودفع إليه الثمن، فانطلق إلى صاحبه فدفع إليه الثمن واستوضعه دينارين ثم أتى بهما ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر: قد رضينا المتاع، فبأي شيء تأخذ هذين الدينارين؟ ردهما على الرجل.
قال: وأمر رجلًا أن يشتري متاعًا فاشتراه، فدفع إليه الثمن فقال: انطلق فادفعه إلى صاحبه، فلم يفعل، واحتبس الدراهم عنده، فلما طال على صاحب المتاع جاء إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، أريد أن أذكر لك شيئًا وأنا منه مستحي، قال: ما هو؟ قال: ثمن ذلك المتاع، قال: أو ما دفعه إليك فلان؟ قال: لا، فأرسل إليه فقال: ما منعك أن تدفع إلى الرجل ماله؟ أعطه مثله فليحبسه بقدر ما احتبست عندك من حقه.
[ ٦ / ٣١ ]
قال: ومات مولى له فأتى بميراثه فاشترى به رقابًا فأعتقهم.
ساوم عمر بن الخطاب ﵁ أعرابيًا بفرس له، فلما قامت على ثمن أخذها عمر على أنه فيها بالخيار، إن شاء أمسك وإن كره رد، فحمل عمر عليها رجلًا فسورها، قال: فوقع في بئر فهلكت الفرس، فقال الأعرابي: ضمنت فرسي يا أمير المؤمنين قال: كلا إني لم أضمنها قال الأعرابي. فاجعل بيني وبينك رجلًا من المسلمين، فجعلا بينهما شريحًا، فقص عليه القصة فقال: ضمنت يا أمير المؤمنين فرس الرجل لأنك أخذتها على شيء معلوم فأنت لها ضامن حتى تردها عليه؛ قال: فقبل ذلك عمر ﵁ وبعث شريحًا على قضاء الكوفة.
قال الشعبي: لما بعث عمر ﵁ شريحًا على قضاء الكوفة قال له: ما تبين لك في كتاب الله فلا تسأل عنه أحدًا، وما لم يتبيه لك في كتاب الله فاتبع سنة رسول الله، وما يتبين لك في السنة فاجتهد برأيك.
قال شريح: الخليط أحق من الشفيع، والشفيع أحق من الجار، والجار أحق ممن سواه.
قال أبو العيناء: كتب زنقاح الهاشمي إلى علي بن يحيى المنجم: بسم الله الرحمن الرحيم، أستوهب الله تعالى المكاره كلها يا سيدي فيك
[ ٦ / ٣٢ ]
برحمته: أحب سيدي أنت أن تسقيني زبيب وعسل، فإن عندي رجل يشرب المطبوخ إن شاء الله.
قال أبو العيناء: وكتب أيضًا صديق له: فدتك نفسي برحمته، أنا وحدي والجواري عندي، وأنا وإسحاق وأبي العباس في البستان، موفقًا إن شاء الله.
قال أبو العيناء: وكتب أيضًا إلى صديق له يستعير دابة: أردت الركوب في حاجة إن شاء الله، فكتب إليه الرجل: في حفظ الله.
قال أبو العيناء: شكا بعض جيران محمد بن عبد الله بن المهدي أذى غلمانه للجيران وسأله أن ينهاهم، فكتب إليه محمد: صبحك الله، أنا في الخبر عن شكوى الغلمان بسبب الجيران وهو مملوكين، وكم ثمن دارك، ولو مثل قصر الخليفة حتى لم أكن أمتنع من هبتها لغلامك، ولو خرجت عن دخول بغداد، أي والله؛ ولو كنت حارسي الكلب إذا كنت غاسيًا عنها، وأعوذ بالله لو كلمتك عشر سنين، فانظر الآن أنت إلي، علي المشي إلى بيت الله، أعني به الطلاق وثلاثين حجة أحرار لوجه الله، وسبيلي في دواب الله فعلت، موقنًا إن شاء الله.
قال العتابي: ابتلي بعض ملوك الأعاجم بصمم فقال لهم: إن كنت أصبت بسمعي، فلقد متعت ببصري، ثم نادى مناديه: من ظلم فليلبس ثوبًا مصبوغًا، وليقم حتى أراه فأدعوه به، وأنظر في أمره.
[ ٦ / ٣٣ ]
قال بعض أهل اللغة في شيات الدواب: إذا لم يكن بالدابة شية فهو بهيم، ومن الشيات: القرحة، وهو بياض كالدرهم بجبهة الفرس، يقال فرس أقرح، فإذا سال البياض على وجهه ولم ينتشر فهو أغر شمراخ، فإذا انتشر في الوجه وذهب عرضًا فهو أغر شادخ، فإذا كان في وجهه بياض كثير أوسع وأكبر من القرحة فهي الغرة؛ فإذا كان البياض في العينين فهو مغرب، وإذا كان البياض بمقدار الدرهم على الجحفلة فهو أرثم، وإذا كان البياض في حد واحد فهو ملطوم، وإذا كان البياض في البطن فهو أنبط، وإذا كان أبيض القوائم فهو محجل، وإذا كان بإحدى رجليه بياض فهو أرجل، وإذا كانت رجلاه بيضاوين قيل: به شكال، وإذا كانت رجل واحدة بيضاء فهو اليمنى أو اليسرى، وإذا كان أبيض اليدين فهو مقيد، وإذا كان البياض وإذا كان البياض في اليدين وفي رجل قيل محجل بثلاث ومطلق واحدة بيد واحدة فهو اعصم وإذا كان في اليد اليمنى والرجل اليسرى قبل: به شكال مخالف.
قال: ومن الألوان: الأدهم وهو الأسود، والأدغم وهو الديزج إلى الحمرة يضرب، والأحمر وهو أدنى شيء إلى الدهمة، وكميت أشقر يعلوه سواد أو أصفر أشقر، وفرس ورد وهو بين الكميت والأشقر، والأشهب: الأبيض، والملمع: الذي في جسده لمع متفرقة، والغيهب: أشدها سوادًا، والأدهم: الأدغم وهو الذي لون وجهه ومناخره ديزج، وأدهم
[ ٦ / ٣٤ ]
أورق وهو الذي يشبه الرماد، وأحوى أحم وهو الذي بين الدهمة والخضرة، وأحوى أكهب وهو قلة الماء وكدورة اللون، وكيمت أحم وهو قريب من الحوى، وكميت عندمي وهو كأنه خضب بالحناء يضرب إلى الصفرة، والورد الأغبس وهو السمند، وأبرش ألمع وهو الذي يجتمع فيه من كل لون نكتة، وأشهب أحمر وهو الذي يعلوه سواد، وأبلق مطرف وهو الذي اسود رأسه وذنبه أو احمر أو ابيض، وأبلق مولع وهو الذي بلقه يتشحط في استطالة، والأصدأ الذي قد اشتدت حمرته حتى قاربت السواد، والمبرقع: الذي قد ابيض وجهه، والأشعل: الذي في ذنبه وهج، والصنابي على لون الخردل.
ويقال: أزرق العين اليمنى واليسرى، أو بخده الأيمن أو الأيسر، أو بكلفه سمة أو دارة، فإذا لم يكن من ذلك شيء فهو غفل؛ والذي يشبه الجلجون وسمند بالسواد وأشهب الحمرة وسمند ببياض، والمغرب الذي تبيض أشفار عينيه.
قال القاضي أبو حامد: حضرت مجلس ابن المغلس وعلي إذ ذاك مئزران، فرأيت شيخًا بهيًا قد وشحته الطرز، وذاك انه كانت عليه عمامة
[ ٦ / ٣٥ ]
مطرزة، وإزار مطرز، وقميص مطرز وهو على مساور مطرزة، وكان يتكلم في التيمم ويقول: التيمم إلى الكوع، وإن إطلاق اليد في الآية إلى الكوع ينتهي، فقلت: أنا أكلمك، إن ظاهر الآية ينتهي إلى المرافق، فقال لي: أنا لا أكلم من ليس طبقته طبقتي، فقلت: ولا تكلم أيضًا إلا من ثيابه ثيابك، وشيبته شيبتك، فقام إليه إنسان ووصفني له فقال: هات كلامك.
سمعت أبا حامد يقول: كلمت ابن المغلس في القياس فقال: لا يخلو إيجاب الربا في البر من معان، إما أن يحرم بالمعنى وحده، أو بالاسم والمعنى، أو بالاسم دون المعنى، قال: فإن قلتم بالاسم، أو بالاسم والمعنى، فالاسم غير موجود في الأرز، وإن قلتم بالمعنى فما الفائدة في النص على اسم البر، وقد كان يمكن أن ينص على العلة؟ قال أبو حامد: فقلت له: إن الله وصف القرآن فقال: " منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " آل عمران: ٧ فبين أن منها ما يجل ومنها ما يدق، ثم فضل العلماء بعضهم على بعض، ولم يكن هذا الفضل إلا لاجتهادهم في إدراك المتشابه، فنص على البر ليتفاضل في إدراك المعنى ويكثر صواب من أصاب الحق، ولو لم يكن ذلك كذلك لسقط العلم؛ قال أبو حامد: قال ابن المغلس: كيف يصح القول بالمعاني وقد كانت موجودة قبل الشرع ولا حكم، فسكت.
قال أبو حامد: سأل رجل جعفر بن محمد فقال له: ما الدليل على الله تعالى ولا تذكر لي العالم والعرض والجسم؛ فقال له: هل ركبت البحر؟ قال: نعم، قال: فهل عصفت بكم الريح حتى خفتم الغرق؟ قال: نعم، قال: فهل انقطع رجاؤك من المركب ومن الملاحين؟ قال: نعم، قال: فهل تتبعت نفسك أن ثم من ينجيك؟ قال: نعم، قال: فإن ذلك هو الله
[ ٦ / ٣٦ ]
تعالى. قال الله ﷿: " ضل من تدعون إلا إياه " الإسراء: ٦٧، وقال: " ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون " النحل ٥٣.
تكلم الداركي الفقيه يومًا في مجلس ابن معروف، وكان على قضاء القضاة - أعني ابن معروف - وكان ابن الدقاق يكلمه، فلحن الداركي، فقال له ابن الدقاق: لحنت، فقال الداركي: رايت أبا الفرج المالكي يناظر أبا إسحاق المروزي فقال له في النظر: إنك تلحن، فلو أصلحت من لسانك، فقال له أبو إسحاق: هذا أول انقطاعك، لأنك تعلم أني قد لحنت قبل هذا مرارًا فلم تنكر علي، لما لزمك المعنى الآن صرت تعيب علي اللفظ، ثم قال الداركي: أنا ألحن وألحن، ولكن كلموني على المعاني إن كان لكم إليها سبيلًا.
كذا قال، وقد مضغ الداركي ذات بطنه بهذا الكلام، لأن المعاني ليست في وجهة والألفاظ في جهة، بل هي متمازجة متناسبة، والصحة عليها وقف، فمن ظن أن المعاني تخلص له مع سوء اللفظ وقبح التأليف والإخلال بالإعراب فقد دل على نقصه وعجزه.
سمعت أبا حامد يقول: قدمت امرأة بعلها إلى أبي عمر القاضي فادعت عليه مالًا فاعترف به فقالت: أيها القاضي، خذ بحقي ولو بحبسه، فتلطف بها لئلا تحبسه فأبت إلا ذلك، فأمر به، فلما مشى خطوات صاح أبو عمر بالرجل وقال له: ألست ممن لا يصبر على النساء؟ ففطن الرجل فقال: بلى، أصلح الله القاضي، فقال: خذها معك إلى الحبس، فلما عرفت الحقيقة ندمت على لجاجها وقالت: ما هذا أيها القاضي؟ فقال لها: لك عليه حق وله عليك
[ ٦ / ٣٧ ]
حق، وما لك عليه لا يبطل ما له عليك، فعادت إلى السلاسة والرضا.
نظر عمر بن الخطاب إلى رجل يظهر النسك، متماوت، فخفقه بالدرة وقال: لا تمت علينا ديننا أماتك الله.
اعتذر رجل إلى سلم بن قتيبة من أمر بلغه عنه، فعذره ثم قال: يا هذا لا يحملنك الخروج من أمر تخلصت منه على الدخول في أمر لعلك لا تتخلص منه.
وكان الرشيد يأتزر في الطواف، فيدير إزاره ويباعد بين خطاه، فإذا رجع بيده كاد يفتن من رآه، فعند ذلك مدح وقيل فيه: المتقارب
جهير الكلام جهير العطاس جهير الرواء جهير النغم
ويخطو على ألأين خطو الظليم ويعلو الرجال بخلق عمم
قال يعقوب: يقال للرجل: صعد في الجبل وأسهل في الحضيض، وقال: يقال: صعد فيه البصر وصوب؛ وقال: الإيماض خطرات البرق.
لما قتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك قام يزيد بن الوليد بن عبد
[ ٦ / ٣٨ ]
الملك فخطب وقال: والله ما خرجت أشرًا ولا بطرًا، ولا حرصًا على الدنيا ولا رغبة في المال، وما بي إطراء نفسي، وإني لظلوم لها إن لم يرحمني الله، ولكني خرجت غضبًا لله ولدينه، وداعيًا إلى كتاب الله جل وعز وسنة نبيه صلى الله عليه، إذ انهدمت معالم الهدى، وطفئ نور التقوى، وظهر الجبار العنيد مستحلًا كل حرمة وراكبًا كل بدعة، لا يصدق بالكتاب، ولا يؤمن بيوم الحساب، وإنه لابن عمي في النسب، وكفيي في الحسب، فلما رأيت ذلك استخرت الله ﷿ في أمره، وسألته أن لا يكلني إلى نفسي، ودعوت إلى ذلك بقوة الله وحوله، لا بقوتي وحولي. أيها الناس: إن لكم علي ألا أضع حجرًا على حجر، ولا أستأثر بذهر، ولا أنقل مالًا من بلد إلى بلد، حتى أسد ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل شيء نقلته إلى البلد الذي يليه لأهل الحاجة إليه، ولا أجمركم في ثغوركم فأفتنكم وأفتن أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل عل أهل جزيتكم ما يجليهم ويقطع نسلهم، وإن لكم عندي أعطياتكم في كل سنة، وأرزاقكم في كل شهر، حتى تستدر المعيشة بين المسلمين، فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن وفيت لكم بذلك فعليكم السمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أف لكم فلكم أن تخلعوني، إلا أن تستتيبوني فأتوب، فإن علمتم أن أحدًا يوثق من صلاحه، ويعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم وأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من بايعة ودخل في طاعته.
أيها الناس، إنه لا طاعة لخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء بنقض عهد الله تعالى، فمن أطاع الله فأطيعوه، فإذا عصى الله فهو أهل أن يعصى ويقتل؛ أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم، إنه واسع كريم.
قال فيلسوف: من نظر بعين الهوى حار، ومن حكم على الهوى جار.
[ ٦ / ٣٩ ]
قال أعرابي: ربما أبصر الأعمى رشده، وأضل البصير قصده.
قال يحيى بن خالد: من بر العامة مدح، ومن توقاها حمد، ومن حماها رأس، ومن نصب لها افتضح، ومن تتبع عيوب الناس سقطت مروءته.
قال عمر بن شبة، قال أعرابي سئل عن حاله: إن لي قلب نزوعًا، وطرفًا دموعًا، فما يصنع كل واحد منهما بصاحبه، على أن داءهما دواؤهما، وسقمهما شفاؤهما.
قال رجل لذي النون: دلني على عمل واختصره، فقال له: قف طرفك في آلاء الله وعظمته حتى كأنك مشاهد لمسألته، فإنك إذا فعلت ذلك حسمت عينيك عن النظر، وقلبك عن المطالبات للمعاصي بالفكر.
قال بعض النساك لجارية: ما أحسن ساعدك؟ قالت: أجل لكنه لمن يخص به، فغض بصر جسمك عما ليس لك حتى ينفتح لك بصر عقلك، فترى ما لك وما ليس لك.
وقال بعض الصوفية: عشق العين سريع الانحلال بطيء العودة، فاحذر أن يؤول بك إلى عشق القلب فيصعب المرام.
[ ٦ / ٤٠ ]
رأى سقراط رجلًا من تلامذته يتفرس في وجه أورجيا، وكانت فائقة الجمال، فقال له: ما هذا الشعل الذي قد منعك الروية والفكر؟ فقال: أتعجب من آثار حكمة الطبيعة في صورة أورجيا، فقال له: لا يصيرن نظرك مركبًا لشهوتك، فيجمح بك في الوحول اللازبة، ولتكن نفسك منك على بال، فإن آثار الطبيعة في أورجيا الظاهرة تمحق بصرك، وإن فكرك في صورتها الباطنة يحد نظرك.
قال مسلم الخواص، قلت لمحمد بن علي الصوفي أوصني، فقال: إياك وإعمال النظر إلى كل ما دعاك إليه طرفك، وشوقك إليه قلبك، فإنهما إن ملكاك لم تملك شيئًا من جوارحك حتى تبلغ كرهًا ما يطالبانك به، وإن ملكتهما كنت الداعي لهما إلى ما أردت، فلم يعصيا لك قولًا، ولم يردًا لك أمرًا.
نظر محمد بن سيار الصوفي إلى أبي المثنى الشيباني وقد كرر النظر فيوجه غلام أمرد فقال له: إياك وإدمان النظر، فإنه يكشف الخبر، ويفضح الستر، ويطول به المكث في سقر.
قال فيلسوف: العيون طلائع القلوب أرتج على عبد الله بن عامر بن كريز وهو على منير البصرة في يوم أضحى، فسكت مليًا ثم قال: والله لا أجمع عليكم عيًا ولؤمًا، من أخذ شاة من السوق فهي له، وثمنها علي.
[ ٦ / ٤١ ]
قال أبو العنبس الصيمري: أنا وأخي توأمان، وخرجت أنا وهو من البصرة في يوم واحد وساعة واحدة، ودخلنا سر من رأى في يوم واحد، فولي هو القضاء، وصيرت أنا صفعان، فمتى يصح أمر النجوم؟ كان عبد الملك بن مروان إذا أراد أن يولي رجلًا عمل البريد سأل عن صدقه ونزاهته وأناته، ويقول: كذبه يشكك في صدقه، وشرهه يدعوه في الحق إلى كتمانه، وعجلته تهجم بمن فوقه على ما يؤثمه ويندمه.
كان حاتم إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا سوبق سبق، وإذا أسر أطلق.
لما قدم طلحة والزبير البصرة قام مطرف بن عبد الله بن الشخير خطيبًا في مسجدها فقال: أيها الناس، إن هذين الرجلين - يعني طلحة والزبير - لما أضلا دينهما ببلدهما جاءا يطلبانه في بلدكم، ولو أصاباه عندكم ما زاداكم في صلاتكم ولا صومكم ولا زكاتكم ولا في حجكم ولا في غزوكم، وما جاءا إلا لينالا دنياهما بدينكم، فلا يكونن دنيا قوم آثر عندكم من دينكم، والسلام.
اشترى معاوية جارية وعنده صعصعة بن صوحان فقال له: كيف تراها؟ فقال: أراها فاترة الطرف، ذات شعر وحف، وفم ألمى كأقاحي تندى في رجراج الثرى، رضا العين مقبلة، وشفاء النفس مدبرة، إن تم منها شيء واحد، قال: ما هو؟ قال: المنطق إن عذب، فاستنطقت فلما نطقت
[ ٦ / ٤٢ ]
قال: شهي كمجاج نحل جني، فهل عنها يا أمير المؤمنين مزحل؟ فقال: أما دون أن نبلو الخبر ونقضي الوطر فلن تدركها.
سمعت بعض العلماء يقول: لا تكون المائدة مائدة حتى يكون عليها طعام، وإلا فهي خوان، ولا يكون الرمح رمحًا حتى يكون عليه سنان إلا فهي قناة، ولا تكون الكأس كأسًا حتى يكون فيها شراب وإلا فهو قدح، ولا تكون الأريكة أريكة حتى تكون عليها حجلة وإلا فهو سرير، ولا تكون الذنوب ذنوبًا حتى يكون فيها ماء وإلا فهي دلو، وكذلك السجل، ولا تكون الشعيلة شعيلة حتى يكون فيها نار وإلا فهي فتيلة.
قال يحيى بن خالد: احرس عقلك من شهوتك، وشيبك من عادتك، ونفسك من الآثام، وبدنك من الهموم، وصمتك من التيه، وكلامك من الزلل، ولا حراسة إلا بأناة.
قال أعرابي: اللهم اغفر لي، فإن عدت إلى الذنب فعد بالغفران قبل أن يفنى الأمل، وينقطع الأجل.
كاتب: كتب فلان محشوة من فصها إلى مقاطعها بذكرك وشكرك.
وأنشد: الطويل
هي الخمر في حسن وكالخمر ريقها ورقة ذاك اللون في رقة الخمر
فقد جمعت فيها خمور ثلاثة وفي واحد سكر يزيد على السكر
[ ٦ / ٤٣ ]
قال أبو العيناء: سمعت إبراهيم بن المهدي يقول: وذكر عفو المأمون عنه فقال: والله ما عفا عني تقربًا إلى الله، ولا صلة للرحم، ولكن قامت له سوق في العفو فكره أن تكسد بقتلي؛ قال: فذكرت هذا الحديث ليعقوب بن سليمان بن جعفر فقال: " قتل الإنسان ما أكفره " عبس: ١٧، أما المأمون فقد والله فاز بحفظها، كفر من كفر، وشكر من شكر.
قال الأصمعي: افتقر أعرابي وساءت حاله، فكان يسأل ويقول: الرجز
ألا فتى أروع ذو جمال من عرب الناس أو الموالي
يعينني اليوم على عيالي وصبية قد ضاق عنهم مالي
وساقهم جدب وسوء حال إليكم يا سادة الرجال
فقد مللت كثرة السؤال والله يجزيكم على الإفضال
قال أبو العيناء، حدثنا الأصمعي قال: لما أفضى الأمر إلى معاوية تكافت الشعراء عن مدحه حتى بدر الأخطل ذات يوم وعليه ثوب خز ومطرف خز وعمامة خز، فركدبين الصفين ثم قال: الكامل
تسمو الوفود إلى إمام عادل معطى المهابة نافع ضرار
وترى عليه إذا العيون شزرنه سيما الحليم وهيبة الجبار
[ ٦ / ٤٤ ]
فتهافت الناس بعده في مدحه.
قال الأصمعي: استأذن الشعبي على عبد الملك بن مروان وعنده الأخطل فأذن له، فلما مثل بين يديه قال: أنا الشعبي يا أمير المؤمنين، قال عن علم بك أذن لك، قال الشعبي: فعقدت أولة إلى أن قال: من أشعر الناس؟ فقال الأخطل: أنا ولم أعرفه فقلت: كذبت يا شيخ، امرؤ القيس أشعر منك، قال: صدقت، ولكن أمير المؤمنين سألني عن أهل زمانه فخبرته، فإذا كذبت امرءًا فاعرف ما خطب قولك، فعقدت في يدي ثانية أخطأت فيها، فنهض الشيخ فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين، فوجم، وعلمت أني قد أخطأت ثالثة، إذ صيرت أمير المؤمنين ولي مسألتي، فالتفت إلي عبد الملك فقال لي: هذا الأخطل؛ يا شعبي، لا يهولنك ما كان منك، فإن مع خطائك صوابًا كثيرًا.
قال الزبيري: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن الهيثم عن أبيه قال: كان المنصور ضم الشرقي بن القطامي إلى المهدي حين وضعه بالري، وأمره أن يأخذه بالحفظ لأيام العرب ومكارم أخلاقها ودراسة أخبارها وقراءة أشعارها، فقال له المهدي ذات ليلة: يا شرقي، ارح قلبي الليلة بشيء يلهيه، قلت: نعم أصلح الله الأمير، ذكروا أنه كان في ملوك الحيرة ملك له نديمان قد نزلا من قلبه منزلة نفسه عند نفسه، فكانا لا يفارقانه في لهوه وبأسه ومنامه
[ ٦ / ٤٥ ]
ويقظته، وكان لا يقطع أمرًا دونهما ولا يصدر إلا عن رأيهما، فغبر كذلك دهرًا طويلًا؛ قال: فبينما هو ذات ليلة في شغله ولهوه إذ غلب عليه الشراب فأثر فيه تأثيرًا أزال عقله، فدعا بسيفه فانتضاه وشد عليهما فقتلهما، وغلبته عيناه فنام، فلما أصبح سأل عنهما فأخبر بما كان، فأكب على الأرض حزنًا لهما وأسفًا عليهما وجزعًا لفراقهما، امتنع من الطعام والشراب، وتسلب عليهما، ثم حلف ألا يشرب شرابًا يخرج عقله ما عاش، وواراهما وبنى على قبريهما قبتين، وسن ألا يمر بهما أحد من الملك فمن دونه إلا سجد لهما، وكان إذا سن الملك سنة توارثوها وأحيوا ذكرها وأوصى بها الآباء أعقابهم؛ قال: فغبر الناس بذلك دهرًا لا يمر بالقبر أحد صغير ولا كبير إلا سجد لهما، فصار ذلك سنة لازمة، وأثرًا كالشريعة والفريضة، وحكم في من أبى أن يسجد لهما بالقتل بعد أن يحكم له في خصلتين يجاب إليهما، كائنًا ما كان؛ فمر بهما يومًا قصار ومعه كارة ثيابه، وفيها مدقته، فقال الموكلون بالقبرين للقصار: اسجد، فأبى أن يفعل، فقالوا: إنك مقتول، فأبى، فرفع إلى الملك وأخبر بقصته فقال: ما منعك أن تسجد؟ قال: قد سجدت ولكن كذبوا علي، قال: الباطل قلت، فاحكم في خصلتين فإنك تجاب إليهما وإني قاتلك، قال: ولا بد من قتلي بقول هؤلاء؟ قال: لا بد من ذلك، قال: فإني أحكم أن أضرب رقبة الملك بمدقتي هذه ضربتين، قال له الملك: يا جاهل، لو حكمت علي بما يجدي على من تخلف كان أصلح، قال: ما أحكم إلا بضربة لرقبة الملك، فقال الملك لوزرائه: ما ترون فيما حكم هذا الجاهل؟ قالوا: نرى أن هذه سنة أنت سننتها، وأنت تعلم ما في نقض السنن من العار والبوار وعظيم الإثم، وأيضًا فإنك متى نقضت سنة نقضت أخرى، ثم يكون ذلك لمن بعدك، فتبطل السنن، قال: فاطلبوا إلى القصار أن يحكم بما شاء ويعفيني من هذه فإني أجيبه
[ ٦ / ٤٦ ]
إلى ذلك ولو بلغ شطر ملكي، فطلبوا إليه فأبى فقال: ما أحكم إلا بضربة في رقبته، فلما رأى الملك ما عزم عليه القصار قعد له مجلسًا عامًا، وأحضر القصار فأبدى مدقته فضرب بها عنق الملك ضربة وخر الملك مغشيًا عليه، فأقام وقيذًا ستة أشهر، وبلغت به العلة حدًا كان يجرع فيها الماء بالقطن؛ فلما أفاق وتكلم وطعم وشرب سأل عن القصار، فقيل له إنه محبوس، فأمر بإحضاره وقال: قد بقيت لك خصلة فاحكم فإني قاتلك لا محالة، فقال القصار: فإذا كان لا بد من قتلي فإني أحكم أن أضرب الجانب الآخر من رقبة الملك ضربة أخرى، فلما سمع بذلك الملك خر على وجهه من الجزع فقال: ذهبت والله إذن نفسي، ثم قال للقصار: ويلك دع عنك ما لا ينفعك فإنه لا ينفعك ما مضى، فاحكم بغيره أنفذه لك كائنًا ما كان، قال: ما أحكم إلا في ضربة أخرى، فقال الملك لوزرائه: ما ترون؟ قالوا: هذه السنة، قال: ويلكم، إنه والله إن ضرب الجانب الآخر لم أشرب البارد أبدًا، لأني أعلم ما قد مر بي، قالوا: فما عندنا حيلة، فلما رأى ذلك قال القصار: أخبرني، ألم أكن سمعتك تقول يوم جاء بك الشرط إنك سجدت وإنهم كذبوا عليك؟ قال: قد كنت قلت ذلك فلم أصدق، قال: فكنت قد سجدت؟ قال: نعم، فوثب من مجلسه وقبل رأسه وقال: أشهد أنك أصدق من أولئك وأنهم كذبوا عليك، فانصرف راشدًا، فحمل كارته ومضى.
فضحك المهدي حتى فحص برجليه وقال: أحسنت والله، ووصله وبره
قال يونس بن عبد الأعلى: قدم على الليث بن سعد منصور بن
[ ٦ / ٤٧ ]
عمار يسمع الحديث منه، فقال له: إني قد أتيت شيئًا أريد أن أعرضه عليك، فإن كان حسنًا أمرتني أن أذيعه، وإن كان مما تكرهه انزجرت، قال: ما هو؟ قال: كلام الفقه ومواعظ القصاص، قال: ليس شيء غير القرآن والسنة، وما خالف ذلك فليس بشيء، قال: فتستمع وتتفضل، وكان عنده جماعة فأشاروا عليه بان يسمع منه، فابتدأ بمجلس القيامة، فلم يزل الليث يبكي ومن معه، وأمره يذيعه ولا يضمره، ولا يأخذ عليه أجرًا، ووهب له ألف دينار.
يقال إن منصور بن عمار كان كاتبًا لأبي عبيد الله كاتب المهدي.
قال الزبير بن بكار: كانت الخيزران كثيرًا ما تكلم موسى في الحوائج، وكان يجيبها إلى كل شيء تسأل عنه، حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته فانثال الناس عليها وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها؛ قال: فكلمته يومًا في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلًا، فاعتل فيه بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فإني تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك، قال: فغضب موسى وقال: ويلي على ابن الزانية، وقد علمت أنه صاحبها، والله لقضيتها لك، قالت: إذن والله لا أسألك حاجة أبدًا، قال: إذن والله لا أبالي، وغضب، وقامت مغضبة فقال: مكانك تستوعبي كلامي، والله، وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله ﷺ،
[ ٦ / ٤٨ ]
لئن بلغني انه وقف أحد من قوادي وخاصتي وخدمي على بابك لأضربن عنقه ولأقبضن ماله، فمن شاء فليرم ذلك من هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم؛ أما لك مغزل فيشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك، إياك ثم إياك ما فتحت فاك في حاجة لملي أو ذمي والسلام. قال: فانصرفت وما تعقل ما تطأ، ولم تنطق عنده بحلو ولا مر بعدها.
قال أبو العيناء: كتب زنقاح الهاشمي - وهو محمد بن أحمد بن علي بن المهدي - إلى طبيبه: والك يا يوحنا، وأتم نعمته عليك، قد شربت الدواء خمسين مقعدًا، والمغص والتقطع يقتل بطني، والرأس فلا تسل عنه، مصدعًا بعصابة منذ بعد أمس، فلا تؤخر احتباسك عني، فسوف أعلم أني سأموت وتبقى أنت فلا أنا، فعلت موفقًا إن شاء الله.
قال أبو العيناء: وكتب زنقاح إلى صديق له يسأله بخورًا: شممت اليوم منك، وحق الله، أعزك الله، رائحة طيبة، وذلك، وحياتك، باطراح الحشمة، موفقًا إن شاء الله.
قال رجل لأبي العيناء: كان أبوك أكمل منك، قال أبو العيناء: إن أبي كنت به ولم يك بي، وهو أولى بالكمال مني.
قال أبو العيناء: وقف علي أعرابي ما أحسبه بلغ ولا قارب، وخرج لي غلام أسود من الماء وقد اغتسل وهو يرعد، وكان غلامًا خبيثًا، فقلت وأومأت إلى الأسود: الرجز
كأنه ذئب غضى أزل
[ ٦ / ٤٩ ]
أجزيا يا غلام أهب لك، فقال:
بات الندى يضربه والطل
فعجبت من بديهته ووهبت له دراهم.
قال أبو العيناء: أقبل جحظة ذات يوم يعظ عبادة المخنث، فقال له عبادة: مخنث مسلم مقر، خير من زنديق فاجر مصر.
قال أبو العيناء: قلت لمديني شكا سوء الحال إلي: أبشر فإن الله قد رزقك الإسلام والعافية، قال: أجل، ولكن بينهما جوع يقلقل الكبد.
قال المبرد: كان في أخلاق الحسن بن رجاء شراسة وفي كفه ضيق، فكتبت إليه: الناس أعز الله الأمير رجلان: حر وعبد، فثمن الحر الإكرام، وثمن العبد الإنعام. فأصلحه الله بهذا القول لي ولغيري مدة، ثم رجع إلى طبعه.
قال المبرد: إذا قال الرجل شعرًا أو وضع كتابًا استهدف، فإن أحسن استشرف، وإن أساء استقذف.
وذكر أبو العباس يومًا النحو فقال: هو عيار الأشياء، وحلي الألسن، وجلاء الأسماع.
[ ٦ / ٥٠ ]
وقال المبرد: أحسن المراثي ما خلط مدحًا يتفجع، واشتكاء بفضيلة، لأنه يجمع إلى التشكي الموجع مدحًا، والمدح الباذخ اعتبارًا، فإذا وقع نظم ذلك بكلام صحيح ولهجة معربة ونظم غير متفاوت، فهو الغاية من كلام المخلوقين.
قال اللحياني: العرب تقول: فلان نادم سادم، وندمان سدمان، والمرأة ندمى سدمى، وقوم ندامى سدامى، والسادم: المهموم.
وقال بعضهم: الحزين وحيد محيد؛ وسليخ مليخ: الذي لا طعم له وأنشد: المتقارب
سليخ مليخ كلحم الحوار فلا أنت حلو ولا أنت مر
وفيه سلاخة وملاخة؛ ويقال مليه سليه.
قال: ويقال: بخ بخ وبه به إذا عظمت إنسانًا، وعابس كابس؛ وحكي عن أعرابي: ما تصنع في ما كنك وسواك وغطاك وأرغمك وأدغمك؛ ويقال: رغمًا دغمًا شنغمًا؛ ويقال: فعلت ذلك عن رغمه وشنغمه، ومعناه كله واحد؛ ويقال: إنه لفظ بظ؛ ويقال: له من فرقه أصيص وكصيص، أي انقباض وذعر؛ ويقال: يوم عك أك إذا كان شديد الحر، وليلة عكة أكة، وقد عكت تعك عكة، والعكة شدة الحر مع لثق واحتباس ريح؛ وهو لك أبدًا سرمدًا؛ وأنه لشكس لكس، أي عسر، ويقال للخب الخبيث: إنه لسملع هملع، وهو من نعت الذئب. هكذا قاله اللحياني.
[ ٦ / ٥١ ]
وأنشد في كتاب الشدة: الطويل
ونوم كحسو الطير نازعت صحبتي على شعب الأكوار بين الحوارك
وشعث يشجون الفلا في رؤوسه إذا حولت أم النجوم الشوابك
إذا رجعوا وهنًا كست حيث موتت من الجهد أنفاس الرياح الحواشك
طعنت بهم أثباج ليل تخدرت به القور يثني زمل القوم حالك
قال إبراهيم الخواص: العارف لا يكدره شيء، ويصفو به كدر كل شيء.
قال أبو حمزة: رأيت أبا جعفر الحداد في البادية، وقد انكسر ساقه وهو يتثنى ويجره فقلت له: جر البلاء جر، فإن البلاء ممدود، فالتفت إلي وقال: إنما تحمل بلاياه مطاياه.
وقال عيسى بن مريم ﵇: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة ليوم لم يره.
[ ٦ / ٥٢ ]
هلال بن العلاء: الطويل
تحمل إذا ما الدهر أولاك غلظة فإن الغنى في النفس لا في التمول
يزين لئيم القوم كثرة ماله وما زين الأخيار مثل التجمل
آخر: الرجز
تطاول الليل على من لم ينم واحتمت العين احتمام ذي السقم
لبشار: الرمل
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ونفى عني الكرى طيف ألم
الجهار: التراب الدقيق، والمسحول أيضًا. والعشار: جمع عشراء، وهي الناقة التي قد مضى لها عشرة أشهر من لقاحها، والعشر: ضرب من الشجر، والعشر: الإبل تبقى تسعة أيام لا تسقى ثم ترد اليوم العاشر.
وأنشد أيضًا فيه: الكامل
[ ٦ / ٥٣ ]
أجنوب لو أبصرتني وفوارسي بالشعب حين تبادر الأشرار
سعة الطريق مخافة أن يهلكوا والخيل تتبعهم وهم فرار
حاشا الغلام المازني فإنه يوم الكريهة خلفهم كرار
حوس الفؤاد إذا الكماة تقارعوا لا طائش رعش ولا خوار
وكذاك كان أبوه في أعصاره يحمي إذا ما ضيع الإدبار
ويكر خلف الموجفين إذا دعوا كر المنيح أعاده الأيسار
أخاذ ألوية الحفاظ بحقها وبه يكون الورد والإصدار
في كل غمرة مأزق يصلى بها ال فرسان لا كشف ولا أغمار
يدعون سوارًا إذا احمر القنا ولكل يوم عظيمة سوار
فيجيب أروع في اللقاء بخيله يحمى المضاف وتدرك الأوتار
حامي الحقيقة بالتراث مطلب للموت تحت لوائه صبار
إذ لا يزال مقلص عبل الشوى بجبينه ولبانه آثار
يدمين من وقع الأسنة والقنا وعلى فوارسها الكرام وقار
في فيلق لجب يشب ضرامه زرق الأسنة والقنا الخطار
والمعلمون على شوازب ضمر قد لاحها التعداء والتكرار
شبه السيوف تسل من أغمادها لا يجبنون ولا هم غدار
[ ٦ / ٥٤ ]
ورثوا المكارم كابرًا عن كابر وإليهم بالصالحات يشار
قوم بهم منع الإله حماءه وبهم على الملك الغشوم يجار
هذه أبيات قرئت على السيرافي وأنا أسمع، من كتاب الشدة، ومد الحمى، وهو عند أصحابنا مقصور، والشعر عربي عليه فجاجة المحرمين وسيما العنجهيين، ولا يطرد على مثله اعتراض، بل الواجب أن يقتدي به ويرجع إليه؛ وفي الأبيات كلمات غريبة تقتضي التفسير، ولكن أكره التثقيل والتطويل، فإن الكتاب قد أسأم القارئ وأمل الناظر وخيب الطالب ومنع جانبه المستنسخ، والرأي فيما هذا حاله التخفيف والاسترسال، والأخذ بما أمكن في الحال، وعلى ذلك قد جرينا، وإليه انتهينا، والله المعين.
قال أبو العيناء في رجلين فسد ما بينهما: تنازعا ثوب العقوق حتى صدعاه صدع الزجاجة ما لها من جابر.
قال: وقيل لأعرابي وهو على ركية ماء ملح: كيف هذا الماء؟ فقال: يخطئ الفؤاد ويصيب الأست.
قيل لأعرابي: ما تقول في الجري؟ قال: تمرة وسنانة غراء الطرف، صفراء السائر، عليها مثلها من الزبد أحب إلي منه، وما أحرمه.
قال أعرابي: بأبي وأمي رسول رب العالمين، ختمت به الدنيا وفتحت الآخرة.
قال يوسف بن أسباط لعلي النسائي: يا أبا الحسن، أتدري لم
[ ٦ / ٥٥ ]
اتخذ الله إبراهيم خليلًا؟ قال: لا، قال: قال الله تعالى: يا إبراهيم تدري لم اتخذتك خليلًا قال: لا، قال: لأنك تأخذ وتعطي.
قيل لأعرابي: لا أقل من الرجاء، قال: بلى والله، اليأس الصريح.
قال بعض أهل اللغة: المنسر: ما بين الأربعين إلى السبعين، والرعلة: ما بين السبعين إلى المائة، والمقنب: من المائة إلى المائتين، والخميس: الخمسمائة، والفيلق: الألف، والجحفل: أربعة آلاف.
شاعر: الهزج
إذا ما كنت ذا مال ولم تبن به مجدا
ولم تحي به ذكرًا ولم تور به زندا
ولم تحرز به أجرًا ولم تكسب به حمدا
فإن شئت فكن كلبًا وإن شئت فكن قردا
وإن شئت فخنزيرًا ترى أسنانه دردا
وإن شئت فكن هزلًا وإن شئت فكن جدًا
وإن شئت فكن سلحًا إلى مخرأة يهدي
قال ابن عمار: تذاكرنا ضيق المنازل، فقال الجماز: كنا على نبيذ لنا، فكان أحدنا إذا دخل الكنيف وجاءه القدح مد يده إلى الساقي فناوله إياه.
[ ٦ / ٥٦ ]
قال الفزاري: رأيت مجنونًا يسوي رأس سكران ويقول: توبوا، والله لا أفلحت أبدًا.
دخل لص دار قوم فلم يجد فيها شيئًا إلا دواة، فكتب على الحائط: عز علي فقركم وغناي.
لبعض الأشراف يصف كتابًا ورد عليه: الخفيف
صدف شق عن لآل ودر أم كتاب قد فض عن نظم شعر
وقواف مقومات لدى الأل باب موزونة بقسطاس فكر
أنشد لابن النقاش: الرجز
قلت لها لا تكثري خذي فؤادي أو ذري
حبك ما فارقني في سفري أو حضري
فليت شعري ما الذي عندك لي قالت حري
قلت: فهاتيه إذًا قالت: نعم في السحر
فلم أزل في ليلتي مغتبطًا بالنظر
حر كبير أملس في حسن وجه الخزر
مشاكل منظره لما أتى في الخبر
كأنه الأرنب في مجثمه للكبر
لم تر عيني مثله إلا حر أم البحتري
قال أعرابي لرجل: كن حلو الصبر عند مر النازلة.
[ ٦ / ٥٧ ]
سمعت أبا حامد يقول: قرأ عبد الله بن أحمد بن حنبل في الصلاة: اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقيل له: أنت وأبوك على طرفي نقيض، زعم أبوك أن القرآن ليس بمخلوق، وأنت تزعم أن الرب مخلوق.
وحكى أيضًا أن المحاملي المحدث قرأ: وفاكهة وإبًا، فقيل له: الألف مفتوحة، فقال: هو في كتابي مضبوط.
حكي أن ابن أبي حاتم الرازي قرأ: فصيام ثلاثة أيام في الحج وتسعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة، فقيل: ما أقل بصرك بالحساب.
قال أعرابي: اجتناب أفعاله العامة من المروءة التامة.
نظر مزبد إلى امرأته تصعد في درجة، فقال لها: أنت طالق إن صعدت أو وقفت أو نزلت، فرمت بنفسها من حيث بلغت فقال: فداك أبي وأمي، إن مات مالك احتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم.
وأنشد في سعد صاحب عبيد الله: الكامل
يا سعد إنك قد خدمت ثلاثة كل عليه منك وسم لائح
وبدأت تخدم رابعًا لتبيره رفقًا به فالشيخ شيخ صالح
[ ٦ / ٥٨ ]
يا حاجب الوزراء إنك عندهم سعد ولكن أنت سعد الذابح
قال ابن أبي حية: كان عندنا شيخ من الشيعة يتأله، فرأى ابنه يومًا وقد أدخل غلامًا ليعبث به فقال: ما هذا يا فاسق؟ قال: إنه ناصي، قال: فادخل عليه ابن الفاجرة.
دعا محمد المخلوع عبد الله بن أبي عفان ليصطبح فأبطأ عنه، فلما جاء قال: أظنك أكلت؟ قال: لا والله، قال: أتصدق؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فدعا بحكاك فحك أضراسه السفلى، فلما ذهب ليحك العليا قال: يا أمير المؤمنين دعها لغضبة أخرى.
قال أبو مسعود الكسائي: دخلت طاقات العلز فوطئت في شيء حار، فمسسته فإذا هو لين، فشممته فإذا هو منتن، فذقته فإذا هو مر، فنظرت إليه في السراج فإذا هو أصفر، فأريته أبا الشيص فإذا هو خرا، وأنا لا أعرفه.
قال أهل اللغة: التمتمة: الترديد في التاء، والفأفاة: في الفاء، والعقلة: التواء اللسان عند إرادة الكلام، والحبسة: تعذر الكلام، واللفف: إدخال حرف على حرف، والرتة: كالرتج يمنع منه، واللكنة: اللغة الأعجمية، واللثغة: عدل حرف إلى حرف.
قال أعرابي: العذر الجميل أحسن من المطل الطويل، فإن
[ ٦ / ٥٩ ]
أردت الإنعام فأنجح، وإن تعذرت الحاجة فأفصح.
لجعيفران الموسوس: المجتث
يا سيدس وأليفي ومؤنسي وحليفي
أيست من كل خير عند ابن سعد الوصيفي
خرجت لا بطفيف ولا بغير طفيف
إلا طعامًا يسيرًا خلفته في الكنيف
أبو العنبس: الهزج
أنا أفديك من بطن وثلثاك حر تحتي
وشفران غليظان قويان على النحت
أنا أدفع من فوق وهي تدفع من تحت
أعرابي:
جارية إحدى بنات الفرس تحمل معشوقًا وطيء الجس
يطلى بمسك أذفر وورس أولجت فيه أعجرًا كالقلس
يشبه في العين بني عرس
أعرابي: الرجز
جارية من شعب ذي رعين قد خرجت من أهلها بعيني
[ ٦ / ٦٠ ]
يا قوم خلوا بينها وبيني أشد ما خلي بين اثنين
آخر: الرجز
جارية من مالك بن مالك عزت عن الحسن ولم تشارك
ويحك يا أختي لم بدا لك إن تفعلي الخير فقد أنى لك
والله ما أمدح من نوالك ولا عطاء من جزيل مالك
بيدك اليمنة ولا شمالك إلا امتلاء العين من جمالك
ويلي عليك وعلى أمثالك
أعرابي: الرجز
جارية إحدى بنات الحيره ترفل بالعجيزة الكبيره
تأتي الذي تأتيه بالبصيره بالركب الوافر ذي الوثيره
تربو لدى النائك كالخميره طيبة الخلوة والسريره
تنبأ رجل أيام المأمون فقال: أنا أحمد النبي، فحمل إليه فقال له: أمظلوم أنت فتنصف؟ فقال له: ظلمت في ضيعتي، فتقدم بإنصافه، ثم قال: ما تقول؟ قال: أنا أحمد النبي، فهل تذمه أنت؟ سئل إبراهيم النخعي عن رجل يحيل صاحبه في حقه على رجل آخر، فقال، قال شريح: هو كابن الظئرين يرضع من أيهما شاء.
أتى رجل إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: إن هذا زعم أنه احتلم على أمي، قال: أقمه في الشمس واضرب ظله.
[ ٦ / ٦١ ]
وسئل الشعبي عن رجل مر بغنم فعقره كلبها فقال: إن كان هو الداخل على الغنم فلا ضمان على صاحب الغنم، وإن لم يكن داخلًا عليها فعقره الكلب فصاحب الكلب ضامن.
أسماء مكة: مكة وبكة والنساسة وأم رحم وأم القرى ومعاد والحاطمة؛ ومن أسماء المدينة: طيبة ويثرب.
قيل: العلم يمنح ممتهن نفسه في طلبه صبابة لا إذالة معها، ويصفيه نعمة لا إحالة لها.
قال اللحياني: ويقال إنه أحمق بلغ ملغ - بالكسر فيهما جميعًا، والملغ النذل؛ وإنه لمعفت ملفت إذا كان يعفت كل شيء ويلفته أي يدقه؛ وإنه لسغل وغل، وساغل واغل بين السغولة والوغولة؛ ويقال: ما عنده تعريج على أصحابه ولا تعريج أي إقامة؛ وإنه حقير نقير، وحقر نقر؛ وإنه لعفريت نفريت، وعفرية نفرية.
ويقال: تركتهم في حيص بيص وكصيصة الظبي، وفي حيص بيص أي تركتهم في ضيق، وحكي: تركتهم في حيص بيص؛ وكصيصة الظبي وكصيصه: موضعه الذي يكون فيه.
قال ملك من ملوك الأعاجم: قد خفت أن يكون المظلوم يحجب عني، فجعل لبعض بيوته بابًا إلى الطريق، ثم نادى مناديه: من ظلم فليقف حيال هذا الباب إلى الطريق مرة في كل يوم، فمن رآه واقفًا بحياله دعاه فنظر في أمره؛ وكان ذلك الباب يسمى: درسيو ميدان.
[ ٦ / ٦٢ ]
قال أنوشروان: قد خفت أن يحجب عني المظلوم، فعلق على أقرب البيوت إلى بيته سترًا، وعلق عليه الأجراس، ونادى مناديه: من ظلم فليحرك هذا الستر حتى أسمع صوت الأجراس فأدعو به.
قال يعقوب: أغرت على العدو إغارة وغارة، ومثلها: أجبته إجابة وجابة، وأجرته أجيره إجاره وجاره، وأعرته عارة وإعارة، وأطفته إطافة وطافة، وأطعته إطاعة وطاعة.
شاعر: الوافر
أحن إليكم إن غبت عنكم وما أنا إن دنوت بمستريح
وآتيكم على علم بأني أؤوب بحسرة القلب القريح
قال عبد الصمد بن المعذل: هذه القصيدة مما ظلم صاحبها وأخمل ذكره، وصيرها شاذة لا يعرف قائلها، ولولا كراهتي ظلم الأدب لادعيتها، وهي: الكامل
ولقد قضيت من المدامة والصبا وطرًا ولاعبت الغزال الأكحلا
ومججت في فيه العقار ومجه في في ثم غمزته فتدللا
وأتيت أخرى فانثني متمايلًا فلثمت خدًا وارتشفت مقبلًا
وأباحني من ريقه بلسانه عذبًا يراح له الفؤاد معسلا
ولويت معصمه فصد بوجهه خجلًا ومال وساءني أن يخجلا
كمطوقين تدانيا فتقابلا حتى إذا خافا الأنيس تزيلا
[ ٦ / ٦٣ ]
فعففت عنه وقد قدرت ولم أزل آتى الأعف من الأمور الأجملا
ولقد أروح إلى الندامى لاحفًا للأرض هداب الإزار مرجلا
ولقد أنازعها على علاتها متراخيًا سبط البنان مرفلا
مستهلكًا للمال في لذاته يمضي للذته ويعصي العذلا
وإذا لحاه العاذلون وأكثروا ولى وقال رؤوسكم والجندلا
عاطيته مما تعتق بابل صهباء أرخت عظمه والمفصلا
جريالة تحذي اللسان كأنما ذرت مرارتها عليها الفلفلا
طبخت بنار الشعريين ومسها برد الشمال فباخ منها ما علا
ومضت لها حجج فمدت دونها سترًا بنته العنكبوت مهلهلا
حتى إذا فضت تضوع ريحها وكأن تفاحًا بها وسفرجلا
وكأن نكهتها إذا هي صفقت مسك يخالط عنبرًا وقرنفلا
طابت وأدمنها فأرخت طرفه فيخال أحول وهو ليس بأحولا
وأقول: ها خذها إليك وعاطني فيقول: هات وكان قبل يقول: لا
ما زلت أعدل بالزجاجة ميله حتى تقوم ميله فتعدلا
وإذا الزجاجة عقدت من صعبه ناولته أخرى بها فتحللا
داويته منها بها فشفيته وشحذت منه بالأخير الأولا
وجرت مجاريها الشمول فسهلت من طبعه ما خفت أن لا يسهلا
فكأنه والتاج فوق جبينه قمر تراءته العيون مكللا
[ ٦ / ٦٤ ]
ولقد شربت بكاسها وبطاسها وعدلت بالقاقوزنين القنقلا
وشفيت منها واشتفيت ولم أدع في لذة لي بعدها متعللا
يا صاحبي قفا نحي المنزلا وتلبثا لي ساعة لا تعجلا
إني تذكرني المنازل أهلها فيشوقني ألا أعوج فأسألا
قال القاسم بن عبد الرحمن: اشترى رجل من رجل شاة فوجدها تأكل الذبان، فخاصمه إلى شريح فقال شريح: لبن طيب وعلف مجان.
وقال الحسن البصري: ما أحرزت أم الولد في حياة سيدها فهو لها.
قال الشعبي: من ربط دابة على طريق من طرق المسلمين فهو ضامن.
قال قتادة في الطبيب إذا بط فقتل: هو ضامن إذا أخذ أجرًا.
قال حمزة الزيات عن حمران بن أعين: إن رجلًا من أهل
[ ٦ / ٦٥ ]
البادية أتى النبي ﷺ فقال: السلام عليه يا نبيء الله، وهمز، فقال النبي ﷺ: لست بنبيء الله ولكن نبي الله.
قال بعض العلماء: أفما ترى إلى إنكار رسول الله ﷺ الهمز، لأنه لم يجعله من أنبأتك بالأمر، ولا يجوز أن يكون ذهب إلى ترك الحجازيين للهمز، لأنه لو ذهب إلى ذلك كان نبي الله إذا أعطى الحرف حقه، ونبييء الله إذا خفف، فكيف يقول: لست بنبيء الله، وقوله الحق.
قال الأصمعي: سمعت مولى لآل عمر بن الخطاب يقول: أخذ عبد الملك رجلًا كان يرى رأي الخوارج فقال: ألست القائل: الطويل
ومنا سويد والبطين وقعنب ومنا أمير المؤمنين شبيب
فقال الرجل: إنما قلت: ومنا - أمير المؤمنين - شبيب - بالنصب - أي يا أمير المؤمنين، فخلى سبيله؛ قال ابن قتيبة: أما ترى تيقظه ونقله الكلام بالإعراب عن سبيل هلكته إلى سبيل تجاته؟ وهل يجوز لذي تمييز ولب أن يقول إن هذا لا يعرف المعنى الذي فرق بين الإعرابين؟ وبلغني أن أعرابيًا سمع مؤذنًا يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله - بالنصب -، فقال: ويحك! يفعل ماذا؟ لأنه إذا رفع كان خبرًا، وإذا نصب كان وصفًا فاحتاج الكلام إلى خبر، قال: ومثل هذا في الكلام الذي يتم وينقص بالإعراب قولك: كان عبد الله أخانا، هذا كلام تام، فإنك رفعت الأخ نقص الكلام فاحتاج إلى الخبر.
[ ٦ / ٦٦ ]
وأم الحجاج قومًا فقرأ: " والعاديات ضبحًا " العاديات: ١، فقال في آخرها " أنَّ ربَّهم " - بالنصب - ثم تنبه على اللام في لخبير، وأن إن قبلها لا تكون إلا مكسورة فحذف اللام فقال: خبير، فكان نقص الكلام أسهل عليه من اللحن.
قال رجل لأعرابي: كيف أهلك؟ فقال الأعرابي: صلبًا، ظن أنه سأل عن هلكته كيف تكون، وإنما سأله عن أهله.
قال: وهذا وأشباهه يدلك على معرفة العرب بالمعاني التي اختلف لها الإعراب، وتلك المعاني هي العلل.
وقالت بنت لأبي الأسود لأبيها: ما أطيب الرطب؟ فقال: جنس كذا، أرادت التعجب وذهب هو إلى الاستفهام.
فأما الرفع والنصب والخفض والهمز والإدغام والإمالة وأشباه ذلك فألقاب وضعها النحويون للمتعلمين من العجم والمنطيقيين ليقربوا بها عليهم البعيد ويجمعوا الشتيت، فإذا قال المعلم للمتعلم: حركة كذا رفع، وكل فاعل رفع، وحركة كذا نصب، وكل مفعول به نصب، وحركة كذا جر، وكل مضاف مجرور، وكذا ظرف، والظرف منصوب، وكذا حال، والحال منصوب، كفاه بهذه الجمل على كثرته واعتبار بعضه ببعض؛ وأما العرب فإنها لا تعرف مواضع هذه الألقاب: قيل لأعرابي: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذن لرجل سوء.
[ ٦ / ٦٧ ]
وقيل لآخر: أتجر فلسطين؟ قال: إني إذن لقوي.
وقيل لآخر: أتهمز الفارة؟ قال: الهرة تهمزها.
فكلاهما عرف موضع الهمز، إلا أنه لم يعلم الموضع الذي وضعه النحويون.
ولم يؤت المبطلون للعلل في غلطهم على العرب إلا من جهة الألقاب، لأنهم رأوا التحويين يقولون: رفعت العرب كذا بكذا، ورأوا العرب لا تعرف الرفع ولا النصب ولا الجر، فقضوا عليهم بالكذب وعلى عللهم بالبطلان، ولو أنعموا النظر لميزوا بين المعنيين، ومثل هذا كمن يحيل على العرب بالاستدلال من غير سماع منها لاشتقاق في الجوارح أنها اليدان والرجلان، لأن الاجتراح الاكتساب، وهي الكواسب، وكذلك الجراح في البدن هي الجنايات؛ وتقول في جلده الحد إنه إصابة الجلد بالضرب، لما سمعنا العرب تقول: رأسه وبطنه، قلنا كذا جلده، أي أصاب جلده.
قال بعض السلف: إذا عشت عيش السفهاء ومت موت الجهال، فماذا ينفعني ما جمعت من غرائب العلم؟ مدح أعرابي قومًا فقال: أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغرهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي قطع به الناس مسافة آجالهم، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال.
[ ٦ / ٦٨ ]
دخل أبو حفص الكرماني على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في المداعبة؟ فقال: وهل العيش إلا فيها، قال: يا أمير المؤمنين، ظلمتني وظلمت غسان بن عباد، قال: ويلك، وكيف ذلك؟ قال: رفعت غسان فوق قدره، ووضعتني دون قدري، إلا أنك لغسان أشد ظلمًا، قال: وكيف؟ قال: لأنك أقمته مقام هزؤ وأقمتني مقام رحمة، فقال المأمون: قاتلك الله ما أهجاك.
قيل لأعرابي: ما وقفك ها هنا؟ قال: وقفت مع أخ لي يقول بلا علم، ويأخذ بلا شكر، ويرد حشمة.
قال الأصمعي: وصف رجل طعامًا علمه، فقال له أعرابي: هل دعوت عليه أحدًا من جيرانك؟ قال: لا، قال: فهل أطعمت يتيمًا؟ قال: لا، قال: فجعله الله في بطنك حشًا وقذاذًا.
قال عدي بن حاتم لابن أقيصر: كيف ترى فرسي هذا؟ قال: ما أرى به بأسًا إلا انه يعثر، قال: وما يدريك؟ قال: شعرته ميتة لم ينضجها الرحم، فكان كما قال.
قال أبو حاتم: قيل لميمون بن مهران: إن رقية امرأة هشام ماتت فأعتقت كل مملوك لها، قال ميمون: يعصون الله مرتين، يتجملون به
[ ٦ / ٦٩ ]
وهو في أيديهم بغير حق، فإذا صار لغيرهم أسرفوا فيه.
وأنشد: البسيط
عندي لراجي من ثنتين واحدة رد جميل وإرفاق بما أجد
معجل ذاك أو هذا فلا تعب ولا عناء ولا من ولا نكد
قال العتبي: خطب زياد الناس فقال: الأمور جارية بأقدار الله، والناس متصرفون بمشيئة الله، وهم بين متسخط وراض، وكل يجري إلى اجل وكتاب، ويصير إلى ثواب وعقاب، ألا رب مسرور لا نسره، وخائف من ضرنا لا نضره.
قال الرياشي: مدح أعرابي رجلًا فقال: كان يفتح ببياته مغلق الحجة، ويسد على خصمه سواء المحجة، ويقبل من العار وجوهًا مسودة، ويفتح للبر أبوابًا منسدة.
أنشد أبو عمرو بن العلاء لنهار بن توسعة: الطويل
أمية يعطيك اللها ما سألته وإن أنت لم تسأل أمية أضعفا
ويعطيك ما أعطاك جذلان ضاحكًا إذا عبس الكز اليدين وقفقفا
هنيئًا مريئًا جود كف ابن خالد إذا الممسك الرعديد أعطى تكلفا
قيل لعلي بن أبي طالب: ما بين الخلج وبين قريش؟ فقال: ما بين جحفلة الحمار وخرطوم الخنزير.
[ ٦ / ٧٠ ]
قال أبو عثمان النهدي: كان عمر ميزانًا لا يقول هكذا ولا هكذا.
قال الشعبي: دعا عمر حجامًا ليأخذ من شعره، فتنحنح عمر فضرط الحجام، فأعطاه أربعين درهمًا.
قال أبو عمران الجوني: جاء يهودي إلى عمر بالشام فقال: يا أمير المؤمنين، أهذا في العدل؟ أخذتم كسبي وأنا قوي، حتى إذا ما كبرت سني، وضعف ركني، تركتموني أهلك ضيعة؟! فقال عمر: ما أنصفناك، ففرض له فريضة وأمر عامله أن شهرًا بشهر.
قال ابن عباس: خطب عمر فقال: إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة مفسدة للجسم مؤدية إلى السقم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أبعد من السرف وأصح للبدن وأقوى على العبادة، وإن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
ابن المعتز: الوافر
إذا ما المرء خلف أطيبيه وأخلق بعد ملبوس جديد
تعذرت الحياة عليه إلا حشاشات تردد في الوريد
ويمشي حين يمشي من قريب وينظر حين ينظر من بعيد
قال ابن المعتز: ذكرت العراق لمخنث من أهل حمص فقال:
[ ٦ / ٧١ ]
لعن الله العراق، لا يشرب ماؤها أو يصلب، ولا يشرب نبيذها أو يضرب.
وقال الصوفي: هي الشميطاء الخرفة، والعجوز المتدللة، والعمياء المكتحلة، والشلاء المختضبة، هواؤها دخان، ونسيمها ضرام، تنقبض فيها أنفس المستغنين، وتصغر فيها أنفس المفضلين، تجارها أسد مفترسون، وصناعها لصوص مختلسون، وهمجها أعفار متسرعون، وجارها حاسد، وهواؤها فاسد.
وقال الصوفي: في عرق أهل بغداد زيت.
لما بنى محمد بن عمران اليزيدي قصره حيال قصر المأمون قيل له: يا أمير المؤمنين باراك وباهاك، فدعاه وقال له: لم بنبت هذا القصر حذائي؟ قال: يا أمير المؤمنين، أحببت أن ترى أثر نعمتك علي غدوة وعشية فجعلتها نصب عينيك، فاستحسن قوله وأجزل عطيته.
لما بنى الحجاج قصره قال له رستم الدهقان: اكسه وحله، قال: بماذا؟ قال: اكسه بالجص وحله بالنقش، ففعل.
وقال الحجاج لإسماعيل بن الأشعث، وكان يحمق: كيف ترى قصري؟ قال: أرى قصرًا أستعظم المؤونة على من أراد هدمه، قال: قبحك الله، ويلك، ما خالف بك إلى ذكر الهدم؟! قال أعرابي: أعطت الدنيا ثم استرجعت، والدنيا لئيمة الاقتضاء.
قال عبد الله ابن المعتز: قال الجاحظ عن بعض أصدقائه،
[ ٦ / ٧٢ ]
قال: رأيت لبعض الملوك تختين من جلدتي حنش، قال: ورأيت في زمان أبي حبابًا يمنعني صباي في ذلك الوقت من أن أحكم لطولها بعشرين ذراعًا، وقد قاربتها في ظني، وكنت أراها في صحن الكامل ملقاة قد أمنوا انسيابها وضياعها من كبرها، ورأيت عناقًا لها شهر ولها ضرع تحتلب، ورأيت شظية من ضرس يكون فيها خمسة أرطال.
قال ابن المعتز: كتب إلي القاسم بن أحمد الكاتب رقعة يسألني فيها أن أبعث له بسنور: تعمد أن تكون من الإناث العفيفات عن الأقذار، مساورة فراخ الأطيار، وكشف القدور، وسوء الآثار فيما يحضر من الطعام، وبلاحظ من الالتقام، بمداومة الصفاء والاضطرام، وحرصًا على الظفر بما يظهر، والاحتواء على ما يدخر.
قال عبد الله بن المعتز: أخبرني بعض الكتاب أن أبا العباس ابن الفرات أعلمه أن قيم الفيلة بسر من رأى أخبره أن الفيل يأكل أربعمائة وخمسين رطلًا ويشرب ألفًا وخمسمائة رطلًا من الماء والنبيذ.
قال، وقال الصوفي: ما في الرؤيا أصح من الجنابة.
قال عبد الله: كتب ابن المهدي لأبي يعقوب الخريمي في الشطرنج: الوافر
وخيل قد رأيت إزاء خيل تساقي بينها كأس الذباح
بميمنة وميسرة وقلب كتعبئة الكتائب للنطاح
إذا ما قتلوا نشروا وعادوا صحاحًا لم يصابوا بالجراح
بغير عداوة كانت قديمًا ولكن لتلذذ والمزاح
[ ٦ / ٧٣ ]
وقال عبد الله بخطه، قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵇: متى أضرب حماري؟ قال: إذا لم يذهب في حاجتك كما ينصرف إلى البيت.
قال بعض ولاة الحجاج: إن رأى الأمير أن يستهديني ما شاء فليفعل، قال أستهديك بغلة على شرطي، قال: وما شرطك؟ قال: بغلة قصير ثفرها، طويل عنانها، همها أمامها، وسوطها لجامها، ما تستبين منها الغفلة، ولا تهز لها الركبة.
العتابي: البسيط
طاف الخيال بنا ليلًا فحيانا أهلًا به من ملم زار عجلانا
ما ضر زائرنا المهدي تحيته في النوم إذ زارنا لو زار يقظانا
أنى اهتدى وسواد الليل معتكر على تباعد مسراه ومسرانا
إن الأماني قد خيلن لي سكنًا ردت تحيته قلبي كما كانا
حتى إذا هو ولى وانتبهت له هاجت زيارته شوقًا وأحزانا
قال رقبة بن مصقلة: ما رأيت مثل هؤلاء الذين يتكئون في المسجد، فإذا حضرت الصلاة قال أحدهم: ما نمت، وقد خري.
قال عبد الله بخطه، قال علي بن محمد بن نصر: الوافر
وكان خيالها يشفي سقاما فضنت بالخيال على الخيال
[ ٦ / ٧٤ ]
وقال التمار: الوافر
قطعت بها تنائف كل سهب وقد قبض الكرى مهج النيام
وقال، قال بعض الظرفاء: للنبيذ حدان: حد لا هم فيه، وحد لا عقل معه، فعليك بالأول واتق الثاني.
وقال ابن المعتز، قال الصوفي وفي يده قدح دو شاب: هذا الليل إذا عسعس؛ وأومأ بيده إلى قدح مطبوخ، وقال: وذاك الصبح إذا تنفس.
قال: وسألته عن أبي جهل وأبي لهب أيهما خير؟ فقال: كلاهما يواري سوءة أخيه.
قال حماد، قلت لإبراهيم: رجل شرب عشرة أقداح فلم يسكر، فشرب أحد عشر سكر، ما الذي حرم عليه؟ قال: القدح الذي أسكره.
قال عبد الله، أنشد علوي عمريًا: الكامل المجزوء
وإذا طرقت فما حضر وإذا دعوت فلا تذر
قال: وذاك مأخوذ من قول علي بن أبي طالب ﵇: إذا طرقك إخوانك فلا تدخر عنهم ما في المنزل، ولا تكلف ما وراء الباب.
قال جحظة: دعاني فلان فقدم إلي قلية من سنجاب وقطائف
[ ٦ / ٧٥ ]
ممقورة، أي قدمت حتى حمضت.
كان بعضهم ينفخ زبد القدح ويقول: إذا شرب هذا اجتمعت منه ضرطه.
وقال بعضهم: ليكن النقل كافيًا وإلا أبغض بعضنا بعضًا.
قال، وقال بعض الظرفاء: لا أحب المتبختر إلى المستراح والداعي بالرطل بعد خروجه مه بقليل، فإن ذلك من فعله يخبر بالراحة مما لقي.
قال، وقال بعضهم: إذا جمشت فلا تنهب مثل المجنون، ولكن لسع وطر.
وقال آخر: أحب المتبختر في السمط.
قال، وقيل لبعضهم: ألا تصلي؟ قال: ألا يكفيني أن أدوس الأرض حتى أنطحها؟! شاعر: الطويل
إذا ما بحثت الناس عن سر أمرهم وفتشت عن مكتومهم جاءك الهم
فعاشر على الإجمال كل مصاحب بإظهاره خيرًا يكون له سلم
ولا تكشفن الدهر عن سر صاحب فترجع حربًا أو عدوًا له رغم
قال، وكان على فص أبي العتاهية: أبا زند تق، فكان الناس يتأولونه: أنا زنديق؛ واسم أبي العتاهية زند.
[ ٦ / ٧٦ ]
قال، وقال بعضهم: يجتمع في الفرش الطبري فضيلتان في الصيف: برد جسمه، ومجانسة لونه لون الحبة الخضراء، فالنفس تسكن إليه من جهتين.
قال، وقال الصوفي: في النبيذ الدوشاب في الشمس بستندود.
قال، وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي لسعيد بن وهب: انزل حتى أطعمك طعامًا صرفًا، وأسقيك نبيذًا صرفًا، وأغنيك غناء صرفًا، فأطعمه الكباب، وسقاه نبيذًا صرفًا بغير مزاج، وغناه مرتجلًا.
وقال بعضهم: باب السلامة الاقتصاد.
وقال بعض الموسومين بالبخل: فرحة السكر قلة الاحتشام، وفرحة الخمار قلة الإنفاق.
وقال آخر: من كثرت نفقته كثر ندمه، ومن كثر ندمه قلت دعواته.
قال، وقال الصوفي: من جلس على المائدة فأكثر كلامه غش بطنه.
قال علي بن محمد بن نصر: الخفيف
اطرد الهم بالمدامة واعلم أن في الراح راحة للنفوس
[ ٦ / ٧٧ ]
رب هم أشد من غصص المو ت وجدنا دواءه في الكؤوس
وقال أعرابي يحذر قومه وقد صافوا بعض أصحاب السلطان: يا قوم، أحذركم من نشاب معهم في جعاب كأنها نيوب الفيلة، وقسي كأنها العتل، ينزع أحدهم فيها حتى يتفرق شعر إبطه، ثم يرسل نشابة كأنها رشاء متقطع، فما بين أحدكم وبين أن تصدع قلبه منزلة، أو تغلغل في امته حاجز؛ قال: فطاروا والله رعبًا قبل اللقاء.
قال العباس بن عبد المطلب يوم حنين: الطويل
وكيف رددت الخيل وهي مغيرة بزوراء تعطي في اليدين وتمنع
كأن السهام المرسلات كواكب إذا أدبرت عن عجسها وهي تلمع
قال، والعرب تقولك البازي أعجمي، والصقر عربي، والكلاب للصعاليك والفتيان.
قال، وقال أبو حاتم: حدثني فتى من موالي الأنصار قال: بلغني أن عصفورًا كان واقعًا على شجرة، فجاءت حية فصعدت تريده، فلما دنت منه طار وطلب حسكة وجاء بها في منقاره، وأرتقت الحية حتى دنت منه، فلما فتحت فاها ألقى فيها الحسكة، فما زالت تعالجها حتى ماتت.
قال الأصمعي: اتخذ أعرابي كلبًا فقيل له: أما علمت أن
[ ٦ / ٧٨ ]
الملائكة لا تدخل دارًا فيها كلب؟ قال: وما أصنع بالملائكة؟ يرون أسراري ويحصون علي.
قال عبد الله، قال بعض الملاح: إن الناس قد مسخوا خنازير، فإذا وجدت كلبًا فتمسك به.
وقال: سألت العقيلي كيف تصيدون القطا فقال: ننصب الشباك على الحسي أو الحوض ونطويه لينًا بغير لف حتى يطيع الجاذب، ونجعل تحته عصًا ترفعه، فإذا أخذن الماء جذبنا العصا بحبل في آخرها فوقعت وامتدت أثناء الشباك، فإذا هن يتبحبحن حوله.
قال أبو حاتم: تسمى الرخمة حفصة، وتكنى بأم عجيبة.
قال: وسكن بعض الظرفاء طرفًا من أطراف بلدة كثيرة الخراب، فسمع بعض أهله صوت رخمة، فصاح بها وطردها فقال: لا تنكروا هذا منها، فإنا نحن النازلون عليها، وإنما ينكر صوتها في العمران، فأما الخراب فإن أصواتنا فيه أنكر من صوتها.
قال: وكان بالمدينة رجل من موالي قيس أعرج، وكان مليحًا، فرأى طائرًا لبعض موالي هشام بن عروة في القفص فقال: يا أبا المنذر، برئت إلى الله إن كنت رأيت طائرًا أملح منه، كأن جناحيه جناحا شاهين، وكأن ذنبه ذنب خطاف، وكأن عينيه عينا غرنوق، وكأن منقاره منقار باز، وإذا هدر
[ ٦ / ٧٩ ]
تدلى عن حمام، فقال هشام: يسرك أنه لك؟ قال: وددت أنه لي وأن قلفتي مثل المنارة أختن منها كل يوم أنملة.
وصف بعضهم طائرًا فقال: كأنما ينظر من جمرتين، ويتنفس من تحت درتين، ترويه الغبة، وتكفيه الحبة، إذا أرسل سموه، وإذا أقبل فدوه.
قال، وحدثني ابن حمدون قال: كنت قدام المتوكل يومًا، فرأى في البستان طواويس قد نشرت، فأراد أن يقول: قد تشوشت هذه الطواويس، فقال: قد تطوست، فقلت أنا: هذه التشاويش، فنظر إلي وسكت، فلما شرب وعمل فيه النبيذ سمعني وأنا أقول سرًا وأتبسم: قد تطوست هذه التشاويش فقال: هيه يا ابن حمدون، قد تطوست هذه التشاويش!! ولم يزل يرددها وأكاد أن أموت خوفًا، والفتح يدخل بيني وبينه ويسكنه حتى نسيها وشغل عنها.
انتهى ما حكيناه عن ابن المعتز.
يقال: كان على خاتم أبي نواس: إخوان هذا الزمان دود وورد وزوان.
قال نطاحة: ليس للمضطر اختيار ولا عليه اعتذار.
وقال نطاحة: سلطان العقل على باطن العاقل أشد من سلطان السيف على ظاهر الأحمق.
[ ٦ / ٨٠ ]
قال أسد بن عمرو: دخل قتادة الكوفة فنزل دار أبي بردة، فخرج عليهم وقال: لا يسألني أحد عن مسألة من الحلال والحرام إلا أجبته، فقام أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعوامًا فظنت امرأته أنه قد مات فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول وقد ولدت ولدًا، فنفاه الأول وادعاه الثاني، فكل واحد منهما قذفها أو قذفها الذي أنكرها، ما جوابها؟ ونظر أبو حنيفة إلى أصحاب قتادة وقال: إن قال فيها برأيه ليخطئن، وإن روى فيها حديثًا ليكذبن، فقال قتادة: ويحك، أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا، قال: ولم تسأل عنها؟ قال أبو حنيفة: إنا نستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه، فقال قتادة: والله لا حدثتكم بشيء من الحلال والحرام، فسلوني عن التفسير؛ فقام أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب، ما تقول في قول الله تعالى: " قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " النمل: ٤٠ قال: نعم هذا آصف بن برخيا كاتب سليمان، وكان يعلم اسم الله الأعظم، قال: وهل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال: لا، قال: أفيجوز أن يكون في زمان نبي من هو أعلم من النبي؟ قال قتادة: والله لا حدثتكم بشيء من التفسير، سلوني عما اختلف فيه العلماء؛ فقام أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب، أمؤمن أنت؟ قال: أرجو، قال: ولم؟ قال: لقول الله تعالى: " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " الشعراء: ٨٢ قال أبو حنيفة: فهلا قلت كما قال إبراهيم حين قال الله تعالى: " أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي "
[ ٦ / ٨١ ]
البقرة: ٢٦٠ فقام قتادة مغضبًا، وحلف أن لا يحدثهم بشيء البتة.
وأنشد: الطويل
وبيت خلا من كل خير فناؤه فضاق علينا وهو رحب الأماكن
كأنا مع الجدران في جنباته دمى في انقطاع الرزق لا في المحاسن
سمعت أبا الجياب يقول: أنا لا اشتهي أنيك غلامًا يقول نعمة؛ وكان يقول: ما عرفنا الإدخال ببغداد حتى جاءنا الديلم.
قال أبو الغادي: سمعت غلامًا ظريفًا بخراسان يقول: لا تؤاجروا إلا مع الشيخ والغريب: الشيخ يموت، والغريب يغيب.
لمنصور: الطويل
بإصغاء من يهوي إليك بخده لتلثمه عند الفراق على رعب
تجاوز لنا عن سالف الذنب منعًا وزرنا فقد تبنا من الذنب
وأنشد لأبي علي ابن مقلة: الخفيف
لست ذا ذلة إذا عضني الده ر ولا شامخًا إذا واتاني
أنا نار في مرتقى نفس الحا سد ماء جار مع الإخوان
وأنشد أبو الفضل ابن العميد: الطويل
فما مغزل ترعى وهادًا خصيبة تهامية أجنى بشامها
[ ٦ / ٨٢ ]
بأحسن لا والركن من أم هاشم إذا التثمت أو زل عنها لثامها
لقد خفت نفسي أن تكون شقية بحبيك هذا أو يلم حمامها
فيا لك عينًا بالدموع شقية ويا لك نفسًا مستبانًا سقامها
قالت قوادة: عندي والله حر أضيق من قلب البخيل، يعلوه وجه أحسن من العافية، بحلق ابن سريج، وترنم معبد، وتيه ابن عائشة، وتخنيث طويس، أجمع هذا كله في بدن واحد بأصفر سليم، قيل لها: وما أصفر سليم؟ قالت: دينار يومك وليلتك.
قال رجل لجارية: أيري يقرأ على حرك السلام، قالت: حري لا يرد السلام إلا مشافهة.
قال رجل لطبيب: أجد قرقرة وبربرة وجرجرة في بطني، فقال الطبيب: لا بأس عليك، هذا ضراط لم ينضج بعد.
سمعت مخنثًا يشتم آخر ويقول: يا سفل السفل، انظروا يا قوم إلى فمه كأنه فقحة، انظروا إلى عينيه كأنهما خصيتين في است ملاح، يا طاعون يا ملمع، يا أوحش من هول المطلع، يا زحير الحاج، يا خرا الأعلاج، يا مصاص الأوداج، رأين في بطنك ألف خراج.
[ ٦ / ٨٣ ]
لا تنكر لحنًا في خلاله فذاك هو المنقول.
قال عبد الله بن عمرو بن العاصي: من عجائب الدنيا مرآه كانت معلقة بمنارة الإسكندرية، فكان الإنسان يجلس تحتها فيرى من بقسطنطينية وبينهما عرض البحر؛ وفرس من نحاس بأرض الأندلس عليه راكب من نحاس يشير بكفه أن ليس خلفي مسلك، ولم يسلك أحد وراءه إلا هلك؛ ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عاد، فإذا كانت الأشهر الحرم هطل منها الماء فيشرب الناس ويسقون نعمهم ويملأون حياضهم، فإذا انقضت الأشهر الحرم انقطع ذلك الماء؛ وشجرة من نحاس عليها سودانية من نحاس بأرض رومية، فإذا كان أوان الزيتون صفر السودانية التي من النحاس فتجيء كل سودانية في اقطار الأرض ومعها ثلاث زيتونات، زيتونة بمنقارها وزيتونتان بين رجليها، وتلقي ذلك على تلك السودانية من النحاس فيأخذه أهل رومية، ويكفيهم سنتهم لأكلهم وسرجهم.
قال المدائني: نزل رجل من الخوارج على أخ له من الخوارج في استتاره من الحجاج، وأراد المنزول عليه شخوصًا إلى بلد لبعض الحاجة فقال لامرأته: يا زرقاء، أوصيك بضيفي هذا خيرًا، نفذ لوجهه، فلما عاد بعد شهر قال لها: يا زرقاء كيف رأيت ضيفنا؟ قالت: ما أشغله بالعمى عن كل شيء، وكان الضيف أطبق عينيه فلم ينظر إلى المراة والمنزل إلى أن عاد زوجها.
حلف أبو عباد الكاتب بالطلاق أن يقلع عين كل غلام يحجب
[ ٦ / ٨٤ ]
من يحبه وقال: حملين على هذه اليمين ما لقيت من شدة حجاب الناس لي بعد موت أبي.
قال بعض السلف: ما لقينا كتيبة فيها علي بن أبي طالب ﵁ إلا أوصى بعضنا إلى بعض.
قال أبو حامد: جلي رجل إلى قوم، فصاح به إنسان من خلفه فقال له: كيف أنت؟ فالتفت فمات، فقيل لابنه: كيف مات أبوك؟ فحكى لهم كيف مات أبوه، فمات هو.
وأنشد: الكامل
حب الأديب على الأديب فريضة كمحبة الآباء للولدان
وإذا الأديب مع الأديب تجالسًا كانا من الآداب في بستان
لا شيء أحسن منهما في مجلس يتناثران جواهرًا بلسان
لعوف بن محلم في عبد الله بن طاهر، وكان شيخًا كبيرًا سلم عليه عبد الله فلم يسمع، فلما أخبر أنشأ يقول: السريع
يا ابن الذي دان له المشرقان طرًا وقد له المغربان
إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط انحنا وكنت كالصعدة تحت السنان
[ ٦ / ٨٥ ]
وقاربت مني خطًا لم تكن مقاربات وثنت من عنان
وبدلتني من زماع الفتى وهمه هم الجبان الهدان
ولم تدع في لمستمتع إلا لساني وبحسبي لسان
أدعو به الله أثني به على الأمير المصعبي الهجان
فقرباني بأبي أنتما من وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوة أوطانها حران والرقتان
دخل أبو الهذيل على الواثق، فقال له الواثق: يا أبا الهذيل من الذي يقول: المنسرح
ما مر في صحن قصر أوس إلا تسجى له قتيل
فإن يقف فالعيون نصب وإن تولى فهن حول
فقال أبو الهذيل: رجل يقال له أبو حيان الدرامي، وهو بصري يقول بإمامة المفضول، وله من كلمة: الطويل
أفضله والله قدمه على صحابته بعد النبي المكرم
بلا بغضة والله مني لغيه ولكنه أولاهم بالتقدم
[ ٦ / ٨٦ ]
لأبي الأسد: المنسرح
ليتك أدرتني بواحدة تقنعني منك آخر الأبد
تحلف ألا تبرني أبدًا فإن فيها بردًا على كبدي
اشف فؤادي مني فإن به علي قرحًا نكأته بيدي
إن كان رزقي إليك فارم به في ناظري حية على رصد
قد عشت دهرًا وليس يقنعني هذا الذي قد كفيت من أحد
وكيف أخطأت لا أصبت ولا نهضت من عثرة إلى سدد
لو كنت حرًا كما زعمت وقد كددتني بالمطال لم أعد
لكنني عدت ثم عدت فإن عدت إلى مثل هذه فعد
الآن أيقنت بعد فعلك بي أني عبد لأعبد قفد
فصرت من سوء ما رميت به أدعي أبا الكلب لا أبا الأسد
آخر: الراجز
يا ناعش الجد إذا الجد عثر وجابر العظم إذا العظم انكسر
أنت ربيعي والربيع ينتظر وخير أنواء الربيع ما ابتكر
[ ٦ / ٨٧ ]
قال أبو العيناء، حدثني القحذمي قال، قال خالد بن صفوان: حبس يزيد بن المهلب ابن أخ لي، فصرت إلى بابه أنظم له كلامًا كما تنظم الفتاة عقدها لعيدها، ثم أذن لي، وبين يديه جارية كأنها مهاة وفي يدها مجمرة ذهب، فلما رأيتها سلبت الكلام الذي كنت أعددته، وحضرتني كلمتان فقلت: والله ما رأيت صدأ المغفر ولا عبق العنبر بأحد أليق به منكم، قال: حاجتك؟ قلت: ابن أخي محبوس، قال: يسبقك إلى المنزل، فجئت إلى المنزل وقد سبقني إليه.
قال أبو العيناء، قال محمد بن عباد: دخلت إلى أمير المؤمنين المأمون فجعل يعممني بيده، وجارية على رأسه تبسم، فقال: مم تضحكين؟ فقلت: أنا أخبركم يا أمير المؤمنين، تتعجب من قبحي ومن إكرامك لي، قال: فلا تعجبي، فإن تحت هذه العمة مجدًا وكرمًا.
قال أبو العيناء، أنشدني السندي: الطويل
وإني لأهوى ثم لا أتبع الهوى وأكرم خلاني وفي صدود
وي النفس عن بعض التضرع غلظة وفي العين عن بعض البكاء جمود
وأنشد أبو محلم: الرجز
[ ٦ / ٨٨ ]
قد أغتدي والليل في جريمه
معسكرًا في الغر من نجومه
والصبح قد نشم عن أديمه
يدعه بدفتي حيزومه
دع الوصي لحيي يتيمه
فقال: أراد لحيي فحرك، ونشك فلان في الشيء إذا بدأ فيه ولم يتممه، ودفنا الشيء: جانباه، والدعن: الدفع.
سمع أعرابي المغيرة بن شعبة يقولك من زنى تسع زنيات وعمل حسنة واحدة محيت عنه التسع وكتبت له الحسنة، فقال الأعرابي: هلموا إذًا نتجر في الزنا.
قال ابن دريد: يقال: عال الرجل يعيل إذا تبختر في مشيته، قال الشاعر:
عيال بأوصال
وقيل بآصال؛ وعال يعول إذا جار، وأعال يعيل إذا كثر عياله، عال الأمر إذا أثقل، والعالة: شجرة يقطعها الراعي فيطرحها على شجرتين
[ ٦ / ٨٩ ]
متقاربتين ليكثف ظلها لغنمه، ولفاعل معول، والعويل: تردد البكاء في الجوف، والمعول: الفأس الذي تكسر به الحجارة، وهو مفعل من العول كأنه من الثقل، والمعاول: بطن من العرب ينسب إليهم معول، ومن قال: معولي فقد أخطأ، ويقال: عال يعيل عيلة إذا افتقر.
قال فيلسوف: قل من حاولت استيفاء الحق منه إلا أنكرته، وقل من أنكرته إلا أغضبته، وقل من أغضبته إلا عاداك أو عاديته.
قال الكسائي: أصابت الأعراب مجاعة، فتحولت طائفة منهم من البدو إلى الحضر، فصرت إليهم لأسأل عن أهل بيوتات كنت أعرفهم بالفصاحة، إذ سمعت شيخًا منهم وفي حجره صبي ابن أربع سنين، يزيد أو ينقص، يبكي، فنادى الشيخ: يا كلب، فأجابه صبي خماسي عليه مدرعة شعر قد أخذت من صدره إلى حجزته، وسائر جسده مكشوف، فقال: ها أنا ذا يا أبة، فقال: ما لك أبكيت أخاك؟ فقال: والله ما فعلت، غير أني كنت ماشيًا وهو يفوقني إذ بصرت بتميرات مطروحات، فأهويت نحوهن لآهذهن فعازني عليهن فدفعته عنهن، فأقبل إليك باكيًا، وقد والله يا أبة أعطيته شطر ما أخذت، ما وترته من ذلك شيئًا، فقال الصبي: كلا والله يا أبة، إنه لباطل ما قال، لكني بصرت بهن قبله، فأهويت لآخذهن، فلطمني لطنة أغطشت منها عيناي حتى، فابتزهن من يدي وحال دون أخذهن، فلطمني لطمة أغطشت منها عيناي حتى اغرورقتا بالدموع، فابتزهن من يدي وحال دون أخذهن، ولا والله يا أبة، وإلا فجعلن لي آخر زاد، إن كنت رزأته أو أرزأني منهن شيئًا؛ فكتبت قول الصبيين وانصرفت.
[ ٦ / ٩٠ ]
قال يحيى بن زياد: المتقارب
أقول لذي طرب فاتك إذا مل ذو النسك من نسكه
دع النسك ويحك لا تبغه وعاون أخاك على فتكه
ولا تقع الدهر في صاحب وإن أكثروا فيه بل زكه
ولا تبكين على ناسك وإن مات ذو طرب فابكه
ونك من وجدت من العالمين فإن الندامة في تركه
قال يعقوب: يقال: كلم فلان فلانًا فما أرجعه بشيء: أي سأله فلم يعطه.
فافتخرت جاريتان من العرب بقوسي أبويهما، فقالت الواحدن: قوس أبي طروح مروح تعجل الظبي أن يروح، وقالت الأخرى: قوس أبي كزة لزة تعجل الظبي النقزة؛ هكذا رواه يعقوب وقال: النقزة: القفزة.
كاتب: قل من يضبط في وجهه صفرة الفرق، حمرة الخجل، وإشراق السرور، وكمد الحزن، وسكون البراءة، واضطراب الريبة.
كاتب: قل من أجمع أمرًا جليلًا إلا كاد القلق به يبدو في حركاته إلى أن يمضيه؛ فكذلك قلقه في وقت إمضائه كاد يكشف مستوره.
قال يعقوب: خزن لسان الرجل، وخزن الرجل لسانه؛ وقال: العاثي: المفسد، يقال: عاث يعيث، وعثا يعثو، وعثى يعثي.
[ ٦ / ٩١ ]
يقال: إن أزدشير ومن تقدمه من ملوك الفرس كانوا لا يثبتون في ديوانهم الطبيب إلا بعد أن يلسعوه أفعى ثم يقال له: إن شفيت نفسك فأنت الطبيب حقًا، وإن مت كانت التجربة عليك لا علينا؛ وكان ملوك الروم إذا اعتل طبيب أسقطوه من يدوانهم وقالوا له: أنت مثلنا؛ فهذا كله من الظلم المبرح والتحكم الفاحش.
وكان بعض ملوك العرب إذا جاءه طبيب قدم إليه مائدة وأمره أ، يركب فيها إذاء لتقويه أبدان المجاهدين، وعلاجًا للمرضى، وتدبيرًا للناقهين، وتفكهًا للمترفين، وسببًا ممرضًا وسمًا قاتلًا للأعداء، فإذا فعل ذلك كله أثابه وإلا صرفه.
وهذا الملك كان إذا أراد قتل إنسان خبز رغيفًا، فإذا أكله آكل اعتل بعد ثلاثين يومًا، ومات في اليوم العشرين والمائة، سواء، وهذا لا يقدر عليه إلا الماهر بالطب.
حدثني بهذا كله فيروز الطبيب، وكان ظريفًا وكان طويل اللسان كثير الكلام. وسمعت ابن المرزبان الفقيه في علته يقول: ما طالت علي العلة إلا من هذيات فيروز؛ وكان مع ذلك مولعًا بالكيمياء، وزعم انه وقف منه على سر الأسرار، وعلى غنيمة الغنائم، وعلى حقيقة الأمر، وكان يعرف بالتزيد، وقل من طال لسانه وبذؤ لفظه إلا كان مرميًا بالكذب، معروفًا بالخنا، ملومًا على الفحش.
[ ٦ / ٩٢ ]
وكنت أحب أن أشفي قرمك بالكلام في الكيمياء، وأحكي لك مدار القول على صحته، وغاية ما يمكن في إبطاله أو تحقيقه، ولكن الكتاب قد تهنق في آخره جدًا لبقية أنا عاجز عن تتميمها والتلوم عليها، وجمع أطرافها وضم نشرها، وإذا رأيت لذلك وجهًا، ووجدت عليه معونة، وإليه داعيًا، فعلت مفيدًا ومستفيدًا، فحظي فيما أبينه عند الدرس المذاكرة ضعفًا حظ الواقف عليه من المقتدين منه.
نعود الآن إلى حال بالنا في وآية البقية من الكتاب لعل شمله ينتظم، وأمري به يلتئم، فقد غمرني غامره، وأعياني مختلفه، وسد متنفسي شتيته، وعرضني لسهام الطاعنين جملته وتفصيله، والله يأخذ باليد، ويصل كفاية اليوم بالغد، فالرجاء فه قوي، وهو لكل خير أهل، وبكل فضل ملي.
يقال إن بعض الأطباء قال: كان القدح مجهولًا على قديم الدهر إلى أن رأوا كبشًا كان عمي بنزول الماء في عينيه، فقدحته شوكة وهو يرعى فأبصر؛ وكان العلاج بالحقنة مجهولًا إلى أن رأوا طائرًا يحقن نفسه بماء البحر فتعلم منه؛ وقال جالينوس: الأفاعي والحيات إذا عشيت أبصارها تطلب أصول الرازيانج وتحك أعينها بها فتبصر؛ ويقال: إن الطبيب الحاذق يشبه الملاح الحاذق في البحر، وحذق الملاح قبل هيجان الريح ما يرى من مخايله، فإن وجد مرسى بادر إليه، وإن منعه عظم اللجة احترز بالرفق.
قال الحسن بن علي قاضي مرو: كان أبو حنيفة من أفطن الناس، وذلك أن رجلًا كان يتجمل بالستر الظاهر والسمت البين، وكان يلبس على ذلك، فقدم رجل فأودعه مالًا خطيرًا وخرج حاجًا، فلما قضى نسكه عاد
[ ٦ / ٩٣ ]
إلى صاحبه وطلب وديعته فجحده، فألح عليه فتمادى، وكاد يهيم الرجل، واستشار ثقة له: كف عنه وصر إلى أبي حنيفة فدواؤك عنده، فانطلق الرجل إليه وخلا به وأعمله شأنه وشرح له قصته، فقال له أبو حنيفة: لا تعلم بها أحدًا، وامض راشدًا وعد إلي غدًا، فلما أمسى أبو حميفة جلس كعادته واختلف الناس إليه، فجعل يتنفس الصعداء كلما سئل عن شيء، فقيل له في ذلك قال: إن هؤلاء - يعني السلطان - قد احتاجوا إلى رجل يعثوبه قاضيًا إلى مكان، فقال الناس: اختر من أحببت فما يحضرك إلا نجم، ثم أسبل كمه وخلا بصاحب الوديعة وقال له: أترغب حتى أسميك؟ فذهب يتمنع عليه، فقال له أبو حنيفة: اسكت فإني أبلغ لك ما تريد، فانصرف الرجل مسرورًا يظن الظنون بالجاه العريض والحال الحسنة، وصار رب المال إلي أب حنيفة فقال له: امض إلى صاحبك ولا تخبره بما بيننا ولوح بذكري، وكفاك، فمضى صاحب الوديعة إلى الرجل لك وفاه ماله، فصار الرجل إلى أبي حنيفة وأعلمه رجوع المال إليه، فقال: استر عليه، ولما غدا الرجل إلى أبي حنيفة طامعًا في القضاء، نظر إليه أبو حنيفة وقال: إنه قد نظرت في أمرك فرفعت قدرك عن القضاء.
قال بقراط: لا ينبغي أن يقدم أحد بسقي الدواء للتجربة، فإنه ربما ضر قومًا، مثال ذلك ماء الحندقوق فإنه إذا صب على موضع نهش الأفاعي والرتيلا سكن الوجع من ساعته، وإذا صب على موضع لم تنهشه الأفاعي عرض له مثل ما يعرض من نهش الأفاعي، وقد يحتال قوم من الأطباء في سقي ذلك للمفلوج الذي قد يئس من برئه.
وقالوا: الطبيب الحاذق يصير بحذقه السم دواء نافعًا، والجاهل يصير الدواء سمًا قاتلًا، مثال ذلك أن الجاهل بالطب إذا أخذ الصندل فسحقه
[ ٦ / ٩٤ ]
كالكحل ثم طلاه على بدن رجل كثير الحرارة طليًا ثهينًا دخلت تلك الأجزاء الدقيقة في منافس الجسد ومسامه، فتهيج حرارة البدن بما أدخل عليها من برد الصندل. والطبيب الحاذق يأخذ العود الهندي فيسحقه سحقًا جريشًا ثم يطليه على البدن طليًا فيقًا، فيصل افيه من الرطوبة إلى حرارة البدن فيبردها، ويجد الحر سبيلًا إلى الخروج، فتصير حرارة العودة مبردة للبدن بتدبير الطبيب الحاذق؛ قال: ولذلك قيل: لا ينبغي للإنسان أن يسكن بلدًا ليس فيه أربعة أشياء: ملك عادل، وماء جار، وطبيب عالم، وواد عظيم.
وقال معبد بن مسلم: الوافر
جزى الله الموالي عن أخيهم فكل صحابة لهم جزاء
بما فعلوه إن خيرًا فخير وإن شرًا كما امتثل الحذاء
فما أنصفتم والنصف يرضى به الإسلام والرحمن البواء
أردتهم النصيحة من لدني فمجوا النصح ثم ثنوا فقاءوا
وقلت فدى لكم عمي وخالي فما قبل التودد والإخاء
وةكيف بهم وإن أحسنت قالوا اسأت ولو غفرت لهم أساءوا
لجاهلي: الكامل المجزوء
أأمام إن الدهر أه لك صرفه إرمًا وعادا
وابتز داودًا وأخ رج من مساكنه إيادا
وسما فأدرك أسعد ال خيرات قد جمع العتادا
البيض والحلق المضا عف نسجه وحوى التلادا
وله كتائب يجنبو ن الخيل شقرا أو ورادا
[ ٦ / ٩٥ ]
فسعى لهم والدهر يح دث بعد صالحه فسادا
وكأن ذلك لم يكن إلا التذكر حين بادا
أبني إن القدر لم تفضح أباك ولا الرمادا
أبني كن كأبيك يط رق في الملمة أو يغادى
قال أبو الفضل ابن العميد: لكل صباح صبوح، ومع المخض يبدو الزبد، ومن الحبة تنشأ الشجرة؛ ونسبخا إلى العرب.
قال أنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ: أرأيتم لو كان لأحدكم عسل وله إناءان، أين كان يجعله عسله؟ قالوا: في أنظفهما أو أطهرهما، قال: فكذلك الله ﵎، لا يجعل العلم إلا في أنظف القلوب وأحبها إليه.
قال إسماعيل بن أبي أويس: سمعت مالك بن أنس يقول: لم يزل الناس على أن الإيمان قول وعمل حتى نشأ بالعراق مشؤوم يقال له أبو حميفة فابتلي وابتلي الناس به، وأكثر ما ابتلى به أهل خراسان.
قال ابن عمر: إذا جعلت المشرق على يسارك، والمغرب على يمينك، ففيهما بينهما القبلة.
[ ٦ / ٩٦ ]
قال أبو هريرة: " فإن له معيشة ضنكًا " طه: ١٢٤: عذاب القبر.
قال أنس، قال لي النبي ﷺ: يا بني.
قالت عائشة: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد.
قال أنس بن مالك: مر رسول الله ﷺ بصبيان في المكتب فسلم عليهم.
قال أبو الدرداء، قال النبي ﵇: مثل الذي يعتق عند الموت مثل الذي يهدي إذا شبع.
قال أنس، قال رسول الله ﷺ: الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق نصف الدين.
أنشد الآمدي لأعرابي: الرجز
بيضاء في وجنتيها احمرار يعيبها جاراتها القصار
هن الليالي وهي النهار
[ ٦ / ٩٧ ]
قال فيلسوف: محل الملك من رعيته محل الروح من البدن، فالروح تأمل لألم كل عضو من أعضاء البدن، وسائره لا يألم لألم غيره، وفي فساد الروح فساد جميع البدن، وقد يفسد بعض البدن وغيره من سائر البدن ليس بفاسد.
قال فيلسوف: أفضل الناس من كان سخيًا شحيحًا، خفيفًا ثقيلًا، جريئًا جبانًا، أصم سميعًا، قائلًا عييًا، ضريرًا بصيرًا؛ يقال: أراد بذلك من كان سخيًا بدنياه شحيحًا بدينه، خفيفتً إلى طاعة الله ثقيلًا في معصيته، جريئًا في الحق جبانًا عن الباطل، أصم عن الجهل سميعًا للعلم، قائلًا للصواب عييًا بالخطأ، ضريرًا في المنكر بصيرًا في المعروف.
قال أبو محمد القرشي النحوي، وهو من القدماء، يقال: هي السلاح وهو السلاح، وهي الذراع وهو الذراع، وهي الكراع وهو الكراع، وهي الطباع وهو الطباع، وهي اللسان وهو اللسان، وهي السبيل وهو السبيل، وهو الكلأ وهو الكلأ، وهو السوق وهو السوق، وهو الروح وهو الروح، وهي النخل وهو النخل، وهي النحل، وهو النحل، وهي الأنعام وهو الأنعام، وهي القفا وهو القفا؛ قال الشاعر: الوافر
فما المولى وإن عرضت قفاه بأحمل للمحامل من حمار
[ ٦ / ٩٨ ]
ويقال: هي الشعير وهو الشعير، وهو البر وهو البر، وهي السلم وهوالسلم، وهي الفرس وهو الفرس، وهو الخمر وهو الخمر، ومضى له سن ومضت له سن، وهي الحال وهو الحال، وهي الإزار وهو الإزار، وهو الرداء وهي الرداء، وهو السراويل وهو السروايل، وهو العراق وهي العراق، وهو الشام وهو الشام، وهي العقب وهو العقب، وهو العنق وهي العنق، وهي الدرع وهو الدرع، ودرع المرأة يذكر، وهو السلطان وهي السلطان، وهي السكين وهو السكين، وهي الدلو وهو الدلو، وهي الإبط وهو الإبط، وهي السلم وهو السلم ومعناه الصلح، وهي الوراء وهو الوراء، ويقال فلان وربه فلان، ووريئة تصغير؛ وهي القدام وهو القدام، وهو القمطر وفي القمطر، وهي الطست وهو الطست، وهو الفلك وهل الفلك، وهو الآجر وهي الآجر، وهي البسر وهو البسر، وهو المتن وهي المتن، وفي الصاع والصواع، قال الله تعالى: " قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " يوسف: ٧٢، وقال تعالى: " ثم استخرجها من وعاء أخيه " يوسف: ٧٦، وسقط النار يذكر ويؤنث، وهي العنكبوت هو العنكبوت، وهي العاتق وهو العاتق، وهي العجز وهو العجز؛ قال الأصمعي: يقال: عجز المرأة وعجز وعجز وعجز؛ قال: ومثله عضد وعضد وعضد وعضد؛ ويقال هو نمير وهو نمر.
العتبي: الكامل
الصبر بحسن في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم
من كان أغلفه الزمان فقد سطت كف علي من الزمان غشوم
حتى بكى لي من رآني رحمة إن المصاب بشيبه مرحوم
[ ٦ / ٩٩ ]
فدع الزمان فليس يعتب عاتبًا إن الذي لام الزمان ملوم
كان طلحة بن عبد الله بن طاهر ينادم أحمد بن أبي خالد الأحول، فأطال منادمته، وبلغه أن عليه عيلة ودينًا فوجه إليه أحمد بن أبي خالد ألف ألف درهم، فحلف الطاهري أن لا يقبلها، فبلغ إبراهيم بن العباس فقال: لله در أحمد متبرعًا، ودر الطاهري متنزهًا.
جرى بين الرشيد وزبيدة حديث نزاهة نفس عمارة بن حمزة فقالت له: ادع به وهب له سبحتي هذه، فإن شراءها خمسون ألف دينار، فإن ردها عرفنا نزاهة نفسه؛ فوجه وراءه فحضر، فحادثه ساعة ورمى بالسبحة إليه فقال: هي ظريفة تصلح لك، فجعلها عمارة بين يديه، فلما قام تركها، فقالت: نسيها، فأتبعوه خادمًا بالسبحة فقال للخادم: هي لك، فرجع فقال: وهبها لي عمارة، فما أخذتها من الخادم إلا بألف دينار.
قال جحظة: فقدت مشربة من فضة في دار بعض الرؤساء الجلة، فوجه إلى ابن خامان المنجم فحسب فقال: المشربة سرقت نفسها، فضحك منه فغاظه ذلك فقال: هل في الدار جارية يقال لها فضة؟ فأحضرناها فقال: هذه أخذتها، فسألناها فأقرت، فقال: الفضة أخذت الفضة، وخرج غضبان، فوصل بمال، فحلف بالطلاق أنه لا يقبل شيئًا.
وافتقدت امرأة بعض التجار خاتمًا من ياقوت كان يدها، فوجهت إلى أبي معشر، فحسب فقال: الخاتم الله ﷿ أخذه، فتعجب
[ ٦ / ١٠٠ ]
منه، ثم عادت تطلبه فوجدته في أثناء ورق المصحف.
- لهذه - حفظك الله - أخوات قد طال السمر بها، وفي عرض الكتاب ما يستوفي التعجب منك، ويوكل العجب بك، وفيه المختلق وفيه المحقق، وعلم النجوم حق، أعني أن آثار الأسباب العلوية واصلة إلى المواد السفلية لأن بعضها مرتبط ببعض، ولكل واحد منها مفعول فيها، ولكل مؤثر متأثر، والجميع جار على نظامر لا خلل فيه لا دخل عليه، ولكن إدراك خفاياها صعب عسير بل ممتع مستحيل، وذلك أن الأدلة كثية، ويه مع كثرتها مختلفة، ومع اختلافها ملتبسة، مع التباسها خفية، ومع خفائها بعسدة نائية، وطالب حقائقها ذو قوة قصيرة، ينفلت منه في حال تحصيله أضعاف ما يظفر به، فلهذا ما يقل صوابه ويكثر خطاؤه، ولكن الناس لهجون في باب النجوم خاصة برواية ما أصيب فيه وإخفاء ما أخطى به، وبسط العذر فيما عرض له تقصير وإطالة القول فيما صحبه أدنى بيان، لو جمع صواب البارع من أهل الصناعة لما كان إلا مثل صواب الزراق وصاحب الإكران، والمولع بالحدس ومرسل الخاطر نحو الشيء. على أن أصحاب التحصيل منهم يعترفون بأن الغيب لا دليل عليه ولا سبيل بوجه إليه.
وقد كان غلام زحل، وكان شيخ هذا الشأن، وله صواب مدون وخطأ مدفون، وحسن ظاهر، وقبح مستور، وصدق مروي وكذب متأول، قال: إن عضد الدولة سيدخل بخيله ورجله مصر ويطمئن بها مدة ويكون له بها
[ ٦ / ١٠١ ]
شأن شهير، حدثني بهذا شيخ موثوق به؛ قال، فقلت له: أنا أنا بغير النجوم فأزعم انه لا يكون من هذا قليل ولا كثير. فما مرت الليالي حتى صح حدس هذا الشيخ، وبطل حكم ذلك الشيخ؛ وقد قال أرسطاطا ليس: الناس كلهم يعلمون الغيب، ولكن بعد أن يتم الأمر.
وكان بعض أصحابنا يقول أيضًا في لفظ أحكام النجوم كلامًا طريًا - زعم أنه لو صح علم النجوم وأمكن إدراكه لكان الخلاف في أمر الدين والدنيا يسقط، وذلك أنا مثلًا إذا أردنا أن نعلم أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، أو الباري يرى بالأبصار أو لا يرى، أو الشفاعة حق أو لا، أو عذاب القبر صحيح أم لا، وأبو بكر أفضل أم علي، أو الحجاج يدخل النار أو لا، وهل سفشو مذهب فلان أو لا، يرجع إلى الصناعة، ويستنبط منها الحق من الباطل، واليقين من الشك، وتنفى المكاره بالواجب، ولا يباشر ما يلام فيه ولا يأتي ما يندم عليه، وهكذا إذا أردنا أمر الدنيا في عقد دولة لا تزول، وإقامة دعوة لا تدرس، وبث حال لا تمحى، وتغليب من لنا فيه هوى، وتقديم من له عندنا يد، وتمليك من ننتعش بسلطانه، ونهيش في كنفه، وهذا أمر معجوز عنه، ما يؤمن منه، وقد ضرب دونه الأسداد.
وكان يقول أيضًا: هذا العلم من شرف منصبه، ودقة مذهبه، وبعد مأخذه، عار من الفائدة، خال من العائدة، يبين لك ذلك بمثال أنصبه، ومثل أضربه: اعلم أنك لو قلت لنحوي: ما فائدة علمك بالنحو، وما غاية غرضك فيه؟ لقال: معرفة المعاني، وتجلية ملتبسها، والتوغل في دقائق معاني كلام الله رب العالمين، وكلام المبعوث بالحق إلى الخلق أجميعن، ولولا علمي بالنحو لبطل مراد كثير، وجهل باب كبير، فتقول له: ما أحسن ما توخيت، إنك لسعيد؛ ولو قلت لفقيه: ما منتهى أمرك في الفقه؟ لقال: إن الدين محيط بحلال أو حرام، وواجب ومستحب، وعلة
[ ٦ / ١٠٢ ]
وحكم، وقضاء وفصل، وكل ذلك مقرون بعلم وعمل، ومتى جهلت العلم أفسدت العلم، وعند ذلك ترى اختياره أشد اختيار، ورأيه أثقب رأي؛ وكذلك جواب الطبيب والمهندي، ومن شئت من أصحاب الصنائع المهيأة بالعلم، والعلم الموصول بالعمل؛ وما هكذا المنجم، فإنه إذا وجب عنده باقتران كوكبين، ومناظرة شكلين، واجتماع نحسين أمر، فلا سبيل له إلى اتقائه والهرب منه، إنما عجز عن ذلك لأنه تابع للفلك، وليس الفلك تابعًا له؛ وإذا كان كونه في العالم ضروريًا فصورة كونه تابعة لأصل كونه.
وقد كان بعض المتحذلقين تعسف في هذا المعنى قولًا، وذلك أنه قال: النفس فوق الفلك، وقد أرى الشيء بالحساب على نحو ما، فأعدل عنه بقوة النفس إلى نحو آخر، فأكون منتفعًا بما علمت؛ وهذا كلام لا نور عليه ولا حقيقة له، لأنه إن عدل من جهة إلى جهة فذلك العدول بأثر ظاهر أو علة خافية، وليس له منه أكثر من انقياده من جهة إلى جهة بقائد علوي ظاهر أو خفي، وإن عسر عليه العدول فقد جاء ما أقول من الاضطرار القائم والواجب اللازم.
وكان يقول: الأمور كلها جارية بالقضاء والقدر، فسألته عن معنى القضاء والقدر، فأملى علي ما أنا حاكيه الآن، وإن كنت قد أمللت بما أطلت، وثقلت بما نقلت: زعم أن المرجع من هذين الاسمين في المعنى على التحصيل إنما هو إلى اتساق الأمور واطادها وتتابعها على وجوهها، فإن تعلق بعضها بالاختيار فليس الاختيار أنشاه، ولكن بالاختيار كان منشأه، وقال: ليس العجر أن بالاختيار كان اتساقه، ولكن العجب أنه كان على الاضطرار مساقه.
وقال أيضًا: ومن علم أن العقل قد قسم فاعلًا على الإطلاق، ومنفعلا " ً على الإطلاق، ووسيلة تتشبه بالفاعل فوقه فيفعل، وتتشبه بالمنفعل فينفعل،
[ ٦ / ١٠٣ ]
فكأنها تأخذ من الأول، ويأخذ منها الثاني، وكأنها تقبل من فوقها ويقبل مها ما تحتها، علم أن اطراد هذا الباب لم يدع للاختيار شعبة إلا ما ترك الاضطرار.
وقال أيضًا: ومن الاضطرار أن يكون الامتيار، وليس من الاختيار أن يكون اضطرار، فكأن الاضطرار يوجب الاختيار في كونه اختيارًا، وليس الاختيار موجبًا للأضرار في كونه اضطرار من سنخ العالم وسوسه، والاختيار من حشو العالم وغروسه.
قال: وإنما أشكل المعنى في هذه الدعوى من وجه طريف، وذلك أنه وضع الواضع أن الأمور ثلاثة: واجب وممتنع - وهما الطرفان - وممكن بينهما، وهذا الموضع صحيح لكنه راجع إلى الضرورة، أعني انه من الضرورة أن يكون الممتنع ممتنعًا والممكن ممكنًا والواجب واجبًا، وكأن الضرورة قد عمت الثلاثة، وقصرتها على ما انقسمت عليه حتى لا ينقلب الواجب عن حد الوجوب إلى حد الإمكان، ولا الممكن إلى الممتنع؛ قال: والذي يؤنسك بهذه القضية، ويجعلك منها على جلية، أنك متى فرضت الواجب واجبًا لم تقسمه إلى واجب دون واجب، وكذلك إذا فرضت الممتنع ممتنعًا لن تقسمه ممتنعًا فوق ممتنع، ولا تجدك تفعل ذلك في الممكن، فإنك تقول: الممكن على ثلاثة أنحاء: ممكن قريب من الواجب، وممكن قريب من اممتنع، وممكن متوسط على حسب القرب والبعد من الطرفين، فقد وضح لك أن الممكن موقوف على توهمك وحرصك، وأنه لم يستقل بنفسه، ولم يتحيز بطبعه، ولم ينفرد بقوامه، ولسنا نريد بالممتنع عينًا شأنها الامتناع، فإنه لو كان كذلك كان لا يبعد أن ينقلب ما من شأنه الامتناع مرة إلى ما شأنه الوجوب.
قال: بل أشير بالممتنع إلى نفي صورة الواجب، وإلى رفع فواته، وإلى خلع ما يميل منه؛ قال: قد حال الواجب في كل شيء عدوًا، وهو الاضطرار، حتى كأن الممكن واجب أن يكون ممكنًا، والممتنع واجب أن يكون ممتنعًا، والواجب واجب أن يكون واجبًا، ومتى كان كل شيء من ذلك واجبًا كان العالم
[ ٦ / ١٠٤ ]
كله واجبًا أي الاضطرار، ومتى كان كله واجبًا فحكم كل جزء يشار إليه حكم كله إذا نص عليه. وقال: ألا ترى أن العالم كله موجود، فحكم كل جزء منه أنه موجود، قال: فقد تناول الرزق والحياة والموت والإصابة والحرمان والسعادة والشقاء والقبول والاطراح، وليس لشيء من جميع ذلك في هذا الحكم اختصاص يخرجه عن نظام العالم وتأسيسه في كونه ووجوبه، وفرض الأرض ووضع الواضع لا يخرج من عوارض العالم، ولكنه لا يدخل في جوهر العالم، وإنما ذلك لعلو أفق العلوية، وقوة سلطان العلم، وبه يرى الشيء متلونًا مختلفًا وهو في حقيقته منتظم مؤتلف.
هذا بعض كلام هذا الرجل، ولو استقصيته لاحتجت إلى استئناف كتاب، واحتجت أنت إلى تفريغ بال، وفيا نقشته لك، ونمقته فيعينك، ما يبعث بصيرتك، ويشحذ خاطرك، ويعرض الحق عليك، ويجمع فنون الدليل إليك، فتناول ما تتناول عن كثب بلا دأب ولا تعب، وتتحكم تحكم الآمر المتمكن، فاذكر عند هذه الأحوال حق من سعى لك، وسهر بسببك، وبحث من أجلك، ثم نظمه بين يديك حتى استشففته متخيرًا، وأخذت ما أخذت منه مقتدرًا، فوفر عليه قسطه من تعظيمك، ونصيبه من حسن ذكرك وطيب تنائك، ولا تفته صيانة العرض من بعد كما أفته منية النفس من قرب، ولا تقبحه بما استاقه إلا أن تجمله بما هو أحسن منه، والسلام.
تداعى - أديك الله - هذا الحديث واضطراب حتى ليس يبين مكان جنابتي من اعتذاري، ولا استسلامي من انتصاري، وذلك كله لعلل وأسرار لو شرتها أو بحت بها لم ترض لي في النار دارًا، ولا الدرك الأسفل قرارًا، والحمد لله على كل حال، فرضيها متصل بالأمل، ومسخوطها مقرون بالحسرة، وظاهرها متلقى بالتسليم، وباطنها مردود إلى الحي القيوم، وسهلها متناول بالشكر، وعسيرها محتمل بالصبر، ولذيذها مستزاد بالافتقار، ومريرها متجرع بالاضطرار، وقريبها مأخوذ بالحاجة، وبعيدها متمنى
[ ٦ / ١٠٥ ]
بالاضطرار، فهو أهل الحمد ومستحقه، ونحن عبيده وخلقه، يؤتي الملك من يشار وينزع الملك عمن يشار، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
قال أحمد بن الطيب المنطقي في مراح الروح: حكي عن بعض الأطباء أنه وصف لإنسان شكا إليه علته فقال: خذ من المقفس المربى قدر روثة، وصب عليها ماء حارًا قدر محجمة، ثم دقه حتى يصير كأنه مخاط ثم اشربه، فقال المريض: أما دون أن أضرب بالسياط فلا أفعل.
قال احمد: وقد أحسن المريض فإن هذا وصف يستعجل مه سقوط القوة، لأن المريض إذا سمع مكروهًا غمه، وإذا غمه غارت غريزته، وإذا غارت غريزته انحلت قوته، وإذا انحلت قوته ركبه المرض بأضعف أسبابه، والطبيب الرفيق الماهر بخدمة المرضى يقول لن يريد أن ينهاه عن أكل اللحم لحدة مرضه، واحتام حرارته: إياك والزهومة، فإذا عزم على إطعامه اللحم عند البرء لرد قوته وحفظ صحته قال له: كل الدسم، والذي نهاه عنه أولًا هو الذي أمره به آخرًا، إلا أنه سماه أولًا زهومة لتكريهه عند النفس، وسماه ثانيًا دسمًا لتقريبه من النفس.
قال أحمد: ومثل هذا من سوء الاختيار في اللفظ ما يحوى عن حمزة بن نصر، مع جلالته عند سلطانه وموضعه من ولايته، أنه دخل على امرأته، وعند ثوب وشي، فقالت له: كيف هذا الثوب؟ قال: بكم اشتريتيه؟ قالت: بألف درهم، قال: قد والله وضعوا في آستك مثل ذا، وأشار بكفه مقبوضة مع ساعده، فقال: لم أدفع الثمن بعد، قال:
[ ٦ / ١٠٦ ]
فخصاهم بعد في يدك، قالت: فأختك قد اشترت شرًا منه، قال: إن أختي نضرط من آست واسعة، قالت: ولكن أمك عرض عليها فلم ترده، قال: لأن تلك في آستها شعر، قال أحمد: وهذا كلام الخرس أحسن منه.
وأنشد للمرعق: البسيط
أثني عليك ولي حال تكذبني فيما أقول فأستحيي من الناس
قد قلت إن أبا حفص لأكرم من يمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي
أبو عطاء السندي: الوافر
ثلاث حكتهن لرهط قيس ظلمت بها الأخوة والثناء
رجعن على حواجبهن صوف وعند الله نحتسب الجزاء
قال أعرابي نظر إلى خط: كواكب الحكم في ظلم المداد.
وقال أديب: خط الأقلام صورة هي في الأبصار سود، وفي البصائر بيض.
قال أعرابي: الخط مركب البيان.
[ ٦ / ١٠٧ ]
قيل لوراق: خطك مغرس الألحاظ ومجتنى الألفاظ.
أنشد أبو قلابة الرقاشي لأبي حيان البصري: الكامل
يا صاحبي دعا الملام وأقصرا ترك الهوى يا صاحبي خساره
كم لمت قلبي كي يفيق فقال لي لجت يمين ما لها كفاره
ألا أفيق ولا أتر لحظة إن أنت لم تعشق فأنت حجاره
الحب أول ما يكون نظرة وكذا الحريق بدوه بشراره
يا من أحب ولا أسمي باسمه إياك أعني واسمعي يا جاره
لمنصور الفقيه: المحتث
لا يوحشنك مني ما كان منك إليا
فأنت مع كل جرم أعز خلق عليا
وقال أبو سعيد السيرافي: في السماء المصرفة ما إذا صغر منع الصرف، وفي السماء ما لاينصرف، وإذا صغر صرف، وفيها ما لا ينصرف في مصغر ولا مكبر: فأما ما ينصرف وإذا صغر لم ينصرف فهو الاسم المعرفة الذي في أوائله من زوائد الفعل، وفيه حرف زائد يخرجه عن بناء الفعل، فينصرف لخروجه عن
[ ٦ / ١٠٨ ]
بناء الفعل كرجل سميناه يضارب أو نضارب فهو منصرف، فإذا صغرناه قلنا يضيرب ونضيرب كأنا صغرنا يضرب ونضرب ونضرب، وأما ما لا ينصرف فإذا صغرناه انصرف فنحو عمر وبكر، فإذا صغر تصغير كتصغير عمرو وبكر، فينصرف لزوال الفظ العدل، وكذلك رجل سمي بمساجد فلا ينصرف لأن هذا البناء يمنع من الصرف، فإذا صغرناه أسقطنا الألف فقلنا: مسيجد كتصغير مسجد فينصرف. وأما ما لا سنصرف في مصغر ولا مكبر فما كان في أوله زيادة الفعل نحو رجل اسمه تغلب ويزيد وما اشبه ذلك، تقول: هذا تغيلب، قال الشاعر:
قد عجبت مني ومن تغيلبا
وأما ما ينصرف في المصعر والمكبر كمحو زيد وبكر وما أشبه ذلك تقول: هذا زيدز زييد، ومررت بزييد.
لمنصور الفقيه: الهزج
إذا الفوت تأثى ل ك والصحة والأمن
وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن
قال عبد الرحمن بن كثير: خرج بعض ملوك الأعاجم إلى نزهة فانفرد عن أصحابه وانتهى إلى بستان، فرأى فيه امرأة ذات هيئة فقال لها: أيتها المرأة، إن مثلك لا ينبغي أن يكون في هذا الموضع، فما أخرجك من منزلك؟ قالت: كذلك يكون الناس إذا لم يكن لهم من ينظر في أمورهم، قال: وما ذاك؟ قالت: إن زوجي مات وترك علي عيالًا وترك ضيعة كنا نعيش بها، فعدا علينا وزير الملك فأخذها، فأتيت إلى القاضي أستعديه عليه فلم ينصفني، فأتيت
[ ٦ / ١٠٩ ]
الحاجب ليدخلني على الملك فلم يفعل، ثم أتيت صاحب الشرطة فلم يفعل، فقال لها: خذي هذا الكتاب وامضي به إلى احب الشطرة فأعطيه إياه فإنه سينصفك، قالت: ما أرجو الإنصاف، قال: ليس يضرك هذا الكتاب إن لم ينفعك، وكتب لها كتابًا وأعطاها إياه، فمضت به إلى صاحب الشرطة فناولته الكتبا، فقبله ثم دعا بالجلادين فقال: إن هذا كتاب الملك أمرني أن أقوم لتجلدوني بالسياط حتى يستنقع عقبي في دمي، ثم قام فضربوه حتى استنقع عقباه في الدم، ثم قال: إن الملك أمرني في هذا الكتاب أن أسود وجهي وأركب الجمل وأحول وجهي إلى ذنب الجمل، ويقاد الجمل وأنا عليه حتى أنتهي إلى باب الملك؛ قال: فلما انتهى إلى باب الملك قال له الملك: ما حملك على أن أتتك امرأة متظلمة فلم تنصفها؟ قال: خفت وزيرك، فأمر به فضرب عنقه ثم دعا بحاجبه فقال: إنما اتخذتك حاجبًا لتحجب عني المظلوم! ثم أمر به فضرب عنقه، ثم دعا بالوزير فضرب عنقه، ثم رد الضيعة على المرأة وولدها وقال: إن الملك لا يدوم إلا بالعدل، فإذا كان بالظلم فذلك غلة وليس بملك.
قال المأمون: لله نعم لا تحصى في أثناء المكروه: لقد شري بدني مرة زائدًا على ما كنت أعهده في كل حول، حتى نبا جنبي عن المهاد، وفقدت معه القرار وتمنيت الموت، فبينا أنا على ذلك ليلة، والحشم نوم والدنيا مقمرة، وأنا ساقط القوة لطول الحمية وخوف الزيادة في العلة، قد تنغصت بالحياة وبرمت بالعيش، حتى ثارت من أسفل قائمة السرير عقرب شائلة الذنب تطير، فقلت في نفسي: إنا لله، هذا الموت، ولم يكن في طوق فأتحرك أو أنادي، فاستسلمت، فما زالت تعدو على سننها حتى بلغت أوائل جسمي، ثم
[ ٦ / ١١٠ ]
دبت على أطرافي، وبلغت ناحية أضلاعي، ثم ضربتيني بقوتها كلها، وغمست حمتها، فغشي علي من هول المنظر ومن ألم الضرب، واتصلت عشيتي بالنوم، فلم أنتبه إلا مع قرن الشمس، فلما أفقت لم أجد مما أمسيت عليه قليلًا ولا كثيرًا، ونهضت من وقتي، واستعديت عادتي وراجعت صحتي وكأني لم أكن صاحب القصة.
منصور المصري: السريع
ما اجتمع المال وحسن الثنا مذ كانت الدنيا لإنسان
فأي هذين تخيرته ضنا به فاله عن الثاني
وله مصراع: الرجز
علي أن أزوركم ولا علي أن أصل
كان الشعبي يضمن الأجير المشترك كالصباع والقصار والخياط سئل إبراهيم النخعي عن حائك مشى بليل بشعلة نار فاحترق الغزل فقال: هو ضامن.
قال الشعبي: كل أجير ضامن إلا أجير يده مع يدك.
قال ابن أبي المر قال أوب الخيثم العطار: استأجرت حمالًا فحمل لي ستوقة فيها دهن، فوقعت منه فانكسرت، فأردته على الصلح فأبى، فاختصمنا إلى شريح فضمنه قيمة الدهن.
[ ٦ / ١١١ ]
قال الشعبي في المستعير والمستودع: إذا خالفا ضمنا قال الحكم: شهد رجلان عند شريح على رجل، فشهد أحدهما بالف وخمسمائة دينار وشهد الآخر بألف، فقضى شريح بأقل المالي، فقال الرجل: أتقضي علي وقد اختلفا؟ فقال شريح: إنهما قد اجتمعا على ألف.
وقال مجاهد: اختصم إلى شريح في ولد هرة فقال: ضعوها، فإن هي قرت ودرت فهي له، وإن هي فرت واسبطرت فليست له.
قال ابن سيرين: اشترى رجل بغلة فوجدها حمارة، فخاصم فيها إلى شريح فقال: أدخلوها دارًا لها بابان ثم أخرجوا البغال من باب والحمير من باب، فإن اتبعت الحمير فهي حمارة، وإن اتبعت البغال فليست بحمارة.
قال هشام بن محمد: تزوج رجل ابنة عبد خياط، فولدت غلامًا فانتفى منه، فارتفعت إلى شريح فقال لها: اكشفي عن وجه الصبي فكشفت، فقال شريح: لو كنت حالفًا لحلفت أنه ابنك، ولكن الذي حملك على أن تتزوج ابنة عبد خياط، وأنت رجل من العرب في شرف من العطاء هو الذي حملك على أن تنتفي منه؛ اذهبي فداعبيه.
قال عبد الرحمن بن عوف، قال رسول الله ﷺ: أنا الشجرة وفاطمة فرعها وعلي أغصانها الحسن والحسين ثمرتها وشيعتنا ورقها.
[ ٦ / ١١٢ ]
قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يقبل ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ.
قال ابن عباس: كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب في ريطتين بيضاوين سحوليين وفي برد حبرة.
قالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ: ناوليني الخمرة من المسجد، فقلت: إني حائض، قال: إنها ليست بيدك.
قال سماك: سمعت جابر بن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ أشكل العينين منهوس العقب.
قال أبو هريرة: نهى رسول الله ﷺ أن يقطع الخبز بالسكين.
قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: اشكنب درد؟ قم فصل فإن في الصلاة شفاء.
[ ٦ / ١١٣ ]
حدثنا ابن بشران بأبلة البصرة عن ابن الأنباري عن عبد الله بن خلف عن عبد الله بن بشير الطوسي قال، حدثنا عثمان بن عمر عن أبيه قال، سمعت يزيد بن هارون يقول: كان أبو شيبة القاضي من ألحن الناس، كان يقول: حدثنا أبي إسحاق الأسود عن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ، فسمعه رقبة بن مصقلة فقال: يا أبا شيبة، لو كان لحنك من الذنوب لكان من الكبائر التي لا يغفرها الله.
وأنا سمعت ابن شاهين المحدث في جامع المنصور يقول في الحديث: نهى النبي ﷺ عن تشقيق الحطب، فقال قوم من بعض الملاحين كيف نعمل والحاجة ماسة إلى الحطب؟ وقال ابن شاهين مرة أخرى في وجوه قوله تعالى: " وثيابك فطهر " المدثر: ٤، قيل: لا تلبسها على عذرة. ولي شهود بهذين الخبرين منهم عبد العزيز بن الخضر الكاتب التستري. وإنما نهى النبي ﵊ عن تشقيق الخطب كأنه كره للخطيب أن يتكلف، والتكلف مكروه لأنه زائد عما يحتاج إليه، والمنقوص عما يحتاج إليه أخف على النفوس من الزائد، وذلك أن الزيادة على المقدار نقص مكرر، والتقصير عن المقدار نقص غير مكرر.
وأما التصحيف الثاني وإنما هو فثيابك فطر أي لا تلبسها على عذرة،
[ ٦ / ١١٤ ]
وذلك أن العرب تعد العذرة نجاسة - وتسمي العذار نجسًا - ويقال رجل نجس ونجس، فكأنه إذا لوحظ المسمى أنبأ عليه بالكسر، وإذا أريد الصفة أنبأ بالفتح.
قال أبو هريرة: رأيت هندًا بمكة جالسة كأن وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، ومعاوية صبي يلعب، فمر رجل فنظر إليه فقال: إني لأرى غلامًا إن عاش ليسودن قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلا قومه فأماته الله.
أنشد في رجل ولي الحكم: الكامل
أبكي وأندب مهجة الإسلام إذ صرت تقعد مقعد الحكام
إن الحوادث ما علمت كثيرة وأراك بعض حوادث الأيام
وأنشد أيضًا: الطويل
تمنيت من أهوى فلما رأيته بهت فلم أعمل لسانًا ولا طرفا
وأطرت إجلالًا له ومهابة وحاولت أن يخفي الذي بي فلم يخفى
وأنشد لأعرابي: الطويل
وكم قد رأينا من فتى متجمل يظل ويمسي ليس يملك درهما
يبيت يراعي النجم من جوع بطنه ويصبح يلقي قومه متبسمًا
[ ٦ / ١١٥ ]
وما يسأل الأقوام ما في رحالهم ولو مات جوعًا عفة وتكرما
قال حمزة الزيات، قال رجل للحسن البصري: ما تقول في رجل مات وترك أبيه وأخيه، فقال: ترك رجل أباه وأخاه، قال: فما لأباه وأخاه، فقال الحسن: فمما لأبيه وما لأخيه، فقال الرجل: إني أراك كلما طاوعتك تخالفني.
قال أبو حامد: كان المزني إذا فاتته الجماعة صلى خمسًا وعشرين صلاة، فقال له محمد بن إسحاق بن خزيمة: أيها الشيخ، لجلوسك مع أصحابك أفضل من صلاتك هذه، يعني التطوع، فقال له المزني: لم؟ فقال: لأن صلاتك هذه لا تعدوك، وتعليمك إياهم يعدوك إليهم، فتعم بركاته وتتم عاقبته، فقال: صدقت، ولكني أجمع بين الأمرين: ألقي عليهم المسألة ويعملون فكرتهم فيها، وآخذ في تطوعي، فإلى أن يفرغوا أفرغ، فقال ابن خزيمة: ها هنا زيادة وهي أنك إذا ألقيت المسألة عليهم ثم أقبلت بوجهك إليهم كنت معينًا لهم على استخراج المسألة، قال: كذلك هو.
قال بعض الفلاسفة: جوامع شرف الإنسان وكماله في أربعة أشياء: في عرق صريح، وعقل صحيح، ولسان فصيح، وأخ نصيح.
قال مزدك: العاقل يلتمس علم ما أصابه بالطيرة والفال، كما يلتمس علم ما مضى بالإشارة والأمثال.
[ ٦ / ١١٦ ]
قال الشافعي: رأيت علي بن أبي طالب في المنام فقال: ناولني كتبك، فناولته فأخذها فبددها هكذا وهكذا، فأصبحت أخا كآبة، فأتيت الجعد فأخبرته فقال: سيرفع الله شأنك وينشر علمك. حكى لنا هذه الحكاية ابن القطان الفقيه شيخ أصحاب الشافعي.
لمنصور الفقيه: الطويل
إذا نحن زرنا أحمد بن محمد وأحمد للأمر المبرح فارج
نطقنا لديه بالذي في صدورنا ولم تتكسر في الصدور الحوائج
قال يعقوب: امرأة متعاونة وهي التي لا تستشب من صغر، ولا يرغب عنها من كب، قال: ومعنى تستشب أي تقول هي صغيرة انتظر بها أن تشب.
قال أبو يوسف: بقيت على باب الرشيد حولًا لا أصل إليه حتى حدثت مسألة، وذلك أن بعض أهله كانت له جارية فحلف أن لا يبيعة إياها ولا يهبها له، وأراد الرشيد شراءها فلم يجد أحدًا يفتيه، فقلت للفضل: أعلم أمير المؤمنين أن بالباب رجلًا من الفقهاء عنده الشفاء من هذه الحادثة، فدخل فأخبره فأذن لي، فلما وصلت مثلت فقال: ما تقول فيما قال الفضل بن الربيع؟ قلت: يا أمير المؤمنين أأقوله لك وحدك أو بحضرة الفقهاء؟ فقال: بحضرة الفقهاء ليكون الشك أبعد واليقين أقعد؛ فأمر باحضار الفقهاء وأعيد عليهم
[ ٦ / ١١٧ ]
السؤال فكل قال: لا حيلة عندنا، فأقبل أبو يوسف فقال: المخرج أن يهب لك نصفها ويبيعك نصفها، فإنه لا يقع الحنث، فقال القوم: صدق، فعظم أمري عند الرشيد، وعلم أني أتيت بما عجزوا عنه، فقال: أريد أن أطأها اليوم، قلت: يا أمير المؤمنين أعتقها ثم تزوجها، فسري عنه.
وإنما قال ذلك لأن مذهب أبي يوسف أن العتق إذا طرأ على الأمة سقط عنها الاستبراء.
قال المزني: سئل الشافعي عمن رؤي في الحمام مكشوفًا هل تقبل شهادته؟ قال: لا.
قال الربيع، سمعته يقول: العلم ما استودعته نفسك فحفظته عليك، ثم أردت ذكره في وقته فأدته إليك.
قال جابر بن عبد الله: مر رسول الله ﷺ برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء، فقال ﷺ: ما بال صاحبكم هذا؟ قالوا: صائم، قال: إنه ليس من البر الصوم في السفر، فعليكم برخصة الله فاقبلوها.
قال يعقوب: المؤثل: المثمر، يقال: تأثل فلان أي نبت له نبت كثير الأثلة، ويقال: تأثل: اكتسى، أثل أهله أي كساهم، بيت أثيل.
أنشد دعبل لحطان بن المعلى أبياتًا وقال: وددت أنها حظي
[ ٦ / ١١٨ ]
من الشعر وهي: الطويل
يذكرنيك الخير والشر والحجا وقيل الخنا والعلم والحلم والجهل
فألقاك عن مذمومها متنزها وألقاك في محمودها ولك الفضل
وأحمد من أخلاقك البخل إنه بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل
كتب عمرو بن مسعدة: وأنا أحب أن يتقرر عندك أن أملي فيك أقعد من أن أختلس الأمور منك اختلاس ن يرى أن في عاجلك عوضًا من آجلك، وفي الذاهب من يومك بدلًا من المأمول في غدك.
كان الرشيد جالسًا ذات يوم وعنده سليمان بن أبي جعفر وعيسى بن جعفر وعبد الملك بن صالح، فقال الرشيد لعبد الملك: كيف أرض كذا؟ قال: خضاب حمر، وبراث عبر، قال: فأرض كذا؟ قال: فيافي فاسحة، وجبال متناوحة، قال: فأرض كذا؟ قال: تربة حمراء، وشجرة خضراء وسبيكة صفراء، قال: فأرض كذا؟ قال: مسافي ريح، ومنابت شيح، فقال عيسى لسليمان: ما ينبغي أن نرضى لأنفسنا بالدون من الكلام.
قال سفيان بن عيينة، قال عبد الله بن مسعود لأصحابه: أنتم جلاء قلبي، ثم أقبل سفيان على أصحابه وقال: ولكنكم غطاء قلبي.
[ ٦ / ١١٩ ]
قال بعض السلف: سالم الزمان بحسن المعاشرة يتأت بك قليلًا، ولا تحمله شططًا فتعصف عليك ريحه، وأخر معاتبتك لا يكاشفك بالمكروه، ووادعه بالرضا عنه تقل همومك، فإنه إن عسفك لم تنتصر منه ولم تدفع ضيمه.
قال يعقوب: الجزارة حق الجازر؛ وحقه الرأس والفراسين بأوظفها والفرع والعجب في برمة من لحمها وشحمها؛ وثنيا الجزور أن بيبع الرجل ناقة من إبله تريد أن تموت ويستثني رأسها وضرعها وذنبها ومعه فقرة العجب، وهي فقرة القحقح، بنظير أن يذهب ضرعها ورأسها.
شاعر يمدح عبد الله بن طاهر: الوافر
أظن الشام يشمت بالعراق إذا عزم الأمير على انطلاق
يقول محمد تفديك نفسي أما تبقي علي من الفراق
فإن تدع العراق وساكنيها فقد تبلي المليحة بالطلاق
قال ابن عباس: تبكي على الرجل البقاع التي كان يصلي فيها، ويصعد عمله منها، فذلك قوله: " فما بكت عليهم السماء والأرض " الدخان: ٢٩.
كان القاضي ابنقريعة في مجلس المهلبي فوردت عليه رقعة
[ ٦ / ١٢٠ ]
فيها: ما يقول القاضي - أعوه الله - في رجل دخل الحمام وجلس في الأبزن لعلة كانت به، فخرجت منه ريح تحول الماء بها زيتًا، فتخاصم الحمامي والضارط فادعى كل واحد منهما أنه يستحق جميع الزيت لحقه فيه؟
فكتب القاضي في الجواب: قرأت هذه الفتيا الطريفة في هذه القصة السخيفة، وأخلق بها أن تكون عبثًا باطلًا، وكذبا ماحلًا، وإن كان ذلك كذلك، فهو من أعاجيب الزمان، وبدائع الحدثان؛ والجواب وبالله التوفيق أن للضارط نصف الزيت بحق وجعئه، وللحمامي نصف الزيت بقسط مائه، وعليهما أن يصدقا المبتاع له عن خبث أصله وقبح فصله، حتى يستعمله في مسرجته، ولايدخله في أغذيته.
كان المهلبي قد تقدم إلى ابن قريعة أن يشرف على البناء في داره، وأن لا يطلق شيء إلا بتوقيعه، فحضر يومًا بعض السوقة فقال: أصلح الله القاضي، إن لي ثمن ثلاثين بيضة استعملها المزوقون في البناء، فقال: بين عافاك الله، قال: قد بينت أيها القاضي، قال: إنما سمعنا بيضًا، وأجناس البيض كثيرة، قال: أيها القاضي أعني بيض الدنيا، قال: فكأنا ادعينا أن في الآخرة بيضًا! ويحك، إن البيض منه الهندي والنبطي والبطي والحمامي والعصافيري والدجاجي، فأي بيض بيضك؟ قال: بيض الدجاج النبطي، قال: فأعد دعواك، قال: لي أعز الله القاضي ثمن ثلاثين بيضة ن بي الدجاج النبطي، فقال لكاتبه: اكتب: ذكر أبو جعفر البياض خبط ونبط أن
[ ٦ / ١٢١ ]
له ثمن ثلاثين بيضة دجاجيًا، لا نبطيًا ولا هنديًا؛ ارجع - أعزك الله - إلى دفتر حسابك وميزان عملك، فإن وجدته صادقًا فقد وجب له ما يجب للصادقين من البر والإكرام وإعطاء الثمن على الوفاء والتمام، وإن كان كاذبًا فعليه ما على الكاذبين من اللعن والرجم، ثم الحرمان والامتهان، وقل له: باعدك الله من حريمه ما اقل وفاءك لشيبك.
سمعت أبا حامد العلوي يقول، قيل على مائدة بخيل: ما أحسن كثرة الأيدي على المائدة، فقال: نعم إذا كانت مقطعة.
وقال بعض الغوغاء في كلامه: فلان يأخذ من الحافي نعله. وسمعت آخر يقول: لعن الله فلانًا يطر والله من العريان كمه.
يقال: إن العرب كانت إذا أرادت أن يعين رجل رجلًا، أي يصيبه بالعين، يجوع ثلاثًا ثم ينصفه فيصرعه.
قال أعرابي: إن أحق من خفف عنه، واكتفي باليسير مه، رئيس مكثور عليه، وسيد منظور إليه.
كان إسماعيل القاضي لا يجلس في العشر، فجاء خصمان إلى رجل كان على بابه يعرف بالرضيع، وضمنا له عشرين درهمًا وقالا: علمنا ما
[ ٦ / ١٢٢ ]
نرتفع به إليه وتفصيلي ما شجر بيننا بين يديه، فقال لهما: إذا امتنع من النظر بينكما في هذه الأيام فقولا: أيها القاضي هل تأخذ من السلطان رزق هذه الأيام؟ فتقدما وقالا ذلك، فلما سمع إسماعيل جلس للحكم، فأول من تقدم الرضيع مع الرجلين، فقال القاضي: يا رضيع هذا من فعلاتك؟ قال: نعم أصلح الله القاضي، امتنعت من الحكم فاضطررت إلى القوت، وضمنا لي عشرين درهمًا، فقال إسماعيل: يا غلام أخرج إليه عشرين دينارًا.
سمعت أبا حامد يقول: رأيت بعض الصحابة في النوم فقلت له: ما الدلالة على التوحيد؟ فقال: " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب " آل عمران: ١٩٠.
قال أبو مسمع البصري: كنا نجالس أبا الهذيل في مجلسه فجاءنا شاب له رواء ومنظر وسمت، فقعد فأجللناه لظاهره، فقال أبو الهذيل: ليس للعجم كتاب أجل من الكتاب المترجم بجاويدان خرد وقد استفصح مؤلفه بثلاث كلمات ليس لهن نظير، منها أنه قال: من أخبرك ا، عاقلًا لم يصبر على مضض المصيبة فلا تصدقه، ومن أخبرك أن عاقلًا أساء إلى من أحسن إليه فلا تصدقه، ومن أخبرك أن حماة أحبت كنة فلا تصدقه؛ فانبرى الغلام وجثا وقال: حدثني أبي عن جدي بثلاث أحسن منهن، فقال أبو الهذيل: من علينا بهن، فقال، قال جدي ﵀، من أخبرك أن الجائع كالشبعان فلا تصدقه، ومن أخبرك أن النائم كاليقظان فلا تصدقه، ومن أخبرك أن الراضي كالغضبان فلا تصدقه؛ فقلنا له: أمن العرب أنت أم من العجم؟ قال: من بينهما، قلت: من أي بلد؟ قال: من دوين السماء وفويق الأرض، فقال له الجاحظ: ما أسمك؟ قال: لجام، قلنا: فالكنية؟ قال: أبو السرج، فقال له: فما لك لا
[ ٦ / ١٢٣ ]
تنهق وأنت حمار؟ فقام مغضبًا يجر إزاره ويقول: ليس الذنب لكم، الذنب لي كيف جالست أمثالكم وأنتم لا تدرون ما طحاها.
قال ابن أبي بشر: إنما بايع الناس أبا بكر ﵁ لأنهم سمعوا النبي ﷺ يقول: الحق مع عمر بعدي، فلما رأوا عمر مد يمينه لبيعة أبي بكر رضوا بذلك لما سبق إليهم.
قال أبو الجهم السامي الصوفي: الشرف شرفان: شرف بواسطة وشرف بلا واسطة، وإنما أعز الله تعالى الإسلام بخلافة أبي بكر ﵁ لأنه شابه شرفه شرف النبي ﵇ في عدم الوسائط، وما هكذا علي، فإن شرفه كان بوسائط كثيرة، فسبق لذلك.
ذكر أعرابي امرأة فقال: رحم الله فلانة إن كانت لقريبة بقولها بعيدة بفعلها، يكفها عن الخنا إسلامها، ويدعونا إلى الهوى كلامها؛ كانت والله تقصر عليها العين، ولا يخاف من أفعالها الشين.
كاتبك أنت - جعلت فداك - فتى العسكر، ومعدن الحرمة، ووطن الأدب، ومن كانت هذه صفاته فالخروج عن مودته خمور فضلًا عن الدخول في عداوته، وأنا وأنت أخوا مودة، ورحم المودة أمس من رحم القرابة، فكيف رميت بسهامك؟ أم كيف امتحنت بعداوتك؟ ولكنه كما قال الشاعر: الطويل
[ ٦ / ١٢٤ ]
بلى قد تهب الريح من غير وجهها ويقدح في العود الصحيح القوادح
قال الحراني الصوفي: التقى متعاشقان فقال أحدهما لصاحبه: أين تريد؟ قال: شغلًا، قال الآخر: أو لك شغل غيري؟ اذهب فأنت حري بالهجر.
قال جعفر بن محمد لأبي ولاد الكاهلي: أرأيت عمي زيدًا؟ قال: نعم رأيته مصلوبًا، ورأيت الناس فيه بين شامت حنق ومحزون ومحترق، فقال جعفر: أما الباكي فمعه في الجنة، وأما الشامت فشريك في دمه.
قال عيسى بن مريم ﵇: لا تفرح بكثرة المال، ولا تدع ذكري على كل حال، فإن كثرة المال تنسي الذنوب، وترك ذكري يقسي القلوب.
قال زيد بن علي ﵇: لا يسأل العبد عن ثلاث يوم الحساب: عما أنفق في مرضه، وعما أنفق في إفطاره، وعما أنفق في قرى ضيفه.
قال عمر لعثمان ﵄: توأدت، يعني تأخرت وشغلت القلوب، هذا حين أبطأ عن صلاة الجمعة.
[ ٦ / ١٢٥ ]
أنشد سعيد بن حميد لخزامى جارية ابن المعتز: الطويل
ذكرتكم ليلًا فنور ذكركم دجى الليل حتى انجاب عني دياجره
فوالله ما أري أضوء مسجر لذكركم أم يسجر الليل ساجره
وبت أسقى الشوق حتى كأنني صريع مدام لم ينهنهه دائره
وظلت أكف الشوق لما ذكرتكم تمثل لي منكم خيالًا أسايره
ولو كنتم أقصى البلاد لزرتكم إلى حيث يفنى ورده ومصادره
أرى قصرًا بالليل حتى كأنما أوائله مما تدانى أواخره
سمعت بعض العلماء يقول: الفناء سعة أمام الدار، وقال: أفانين الشباب: أوله.
وسمعت الأنصاري يقول: الأشياء كلها: نام وصامت وناطق، فالناس كالنبات، والصامت كالجبل، والناطق مثل الإنسان، فقيل له: فما تقول في البهائم والطير؟ فسكت انقطاعًا؛ فحكيت لأبي حامد فقال: قصر في القسمة فافتضح بالوصمة، وإنما النامي كالنبات والشجر، والجامد كالجبال والحجر، والصامت كالبهائم والطير، وأما الحكل فلا صوت لها.
سأل أعرابي ابن الزبير فحرمه، فقال الأعرابي: لعن الله ناقة
[ ٦ / ١٢٦ ]
حملتني إليك، فقال عبد الله: إن وراكبها، أي أجل.
وقال بعض العلماء: " إن هذان لساحران " طه: ٦٣ إن بمعنى ما، واللام في موضع إلا، كأنه قال: ما هذان إلا ساحران.
ورجل أننة والجمع أنن، وقولك: أنى بمعنى كيف ومن أي شيء، قال الكميت: المنسرح
أنى ومن أين آبك الطرب من حيث لا صبوة ولا ريب
وقوله تعالى " أنى لك هذا " آل عمران: ٣٧ أي من أين لك هذا؛ وقوله تعالى " أنى يكون له الملك علينا " البقرة: ٢٤٧ أي كيف يكون.
وقال بعض العلماء في قوله تعالى: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " البقرة ٢٢٣ على معنى كيف شئتم في الحال والهيئة، وأنى شئتم، على معنى في أي مكان شئتم في القبل والدبر.
سمعت الأندلسي يقول، سمعت العماني يقول، سمعت الزجاج يقول في قول الشاعر: الكامل
تالله قد سفهت أمية رأيها فاستجهلت حلماؤها سفهاؤها
معناه: تالله قد سفهت أمية رأيها سفهاؤها فأبدل سفهاؤها من أمية ثم قال: واستجهلت حلماؤها أي صارت في جملة الجهال.
[ ٦ / ١٢٧ ]
قال: وسئل الزجاج عن قابوس فقال: إذا جعلته أعجميًا لم تصرفه، وإن اشتققته من قولك: فبستك نارًا فهو فاعول صرفته، قيل: فجاموس؟ قال: اصرفه لأنه جنس، قال: ولم صرفته؟ قال: لأن العرب أخرجته من العجمة بالألف واللام فأجري مجرى أجناس العربية.
وقال الزجاج: لا نولك أن تفعل هو في موضع: لا ينبغي لك أن تفعل، تقول بغيت الشيء فانبغي لي، فعلى هذا ينبغي لي أن أفعل، أي يطاوعني هذا الفعل، ولا يحسن قولك: مني، وهو في موضع لا تناول أن تفعل ولا ينال لك أن تفعل، أي لا يصلح الفعل.
قال أبو إسحاق الكلابزي: تخرق كتاب سيبويه في كم المازني نيفًا وعشرين سنة.
قال إسماعيل بن إسحاق القاضي، سمعت نصرًا يحكي عن أبيه قال: قال لي سيبويه حين أراد أن يضع كتابه: تعال حتى نتعاون على إحياء علم الخليل، يعني بنصر نصر بن علي الهضمي.
قال بعض الأوائل: إن المسك الخالص كلما سحق ازداد طيبًا، والرجيع كلما سيط ازداد نتنًا.
[ ٦ / ١٢٨ ]
قال أعرابي لآخر: لا كل لسانك عن البيان، ولا أسكتك الزجر والهوان.
قال كسرى لمريم بنت قيصر حين زفت إليه: أنت من جوارحي قلبي، ومن عمادها روحي، وفي الهوى منتهى منية نفسي.
قال قيصر: مال الحيلة فيما أعيا إلا الكف عنه، ولا الرأي فيما لا ينال إلا اليأس منه.
قال أعرابي: فلان أسود الكبد، أي أحرقت العداوة كبده.
قال بعض النحويين في قوله تعالى: " حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين " الأنفال: ٦٣ إذا توجهت كان الله كافيك ومن اتبعك، فمن منصوب بكافيك، وإذا توهمت أن الله يكفيك ويكفيك من اتبعك فمن مرفوع بالفعل.
قال: حمل بهرام فلما رآه أخوه كرك استقبله في الميمنة، فاضطربا مليًا فلم ير إلا وهما يتمارسان ويتغالان ولا أسدين غضبانين يتنازلان ويتصاولان، ولا فيلين سكرانين يتنايبان ويتراكلان، ولا فحلين حانقين يتكادمان ويتساوران، ولا أسودين بتلازمان ويتناهشان.
قال أبو عثمان: من لم يوثق بعقله ولم ترج فيئته ضاع القول في مكالمته، وضل الرأي في مخاطبته، لأن العاقل لا يبذر في أرض لا تنبت، ولا يغرس شجرًا لا يثمر، ولا هو إن لم يثمر ينتفع بعوده وورقه، والحكماء عل محكم أقوالهم أشح منهم على مقدار الاستحقاق.
[ ٦ / ١٢٩ ]
قال إبراهيم بن عبد الصمد: لما عمل كسرى القاطول أضر ذلك بأهل الأسافل وانقطع عنهم الماء حتى افتقرا وذهبت أموالهم، فخرج أهل ذلك البلد إلى كسرى يتظلمون، فوافقوه في مسيره، فعرضوا له وقالوا: أيها الملك، جئناك متظلمين، قال: وممن تتظلمون؟ قالوا: منك، فثنى رجله عن دابته وجلس على الأرض، فأتاه بعض من معه بشيء يقعد عليه فأبى أن يقعد عليه وقال: لا أجلس إلا على الأرض إذ أتاني قوم يتظلمون، ثم قال: ما مظلمتكم؟ قالوا: أحدثت القاطولن قطع عنا شربنا فذهبت رواتبنا، قال: فإني آمر بسده حتى يرجع إليكم الماء وتعود أحوالكم، قالوا: أيها الملك لا نجشمك هذا، ولكن مر من يعمل مجرى الماء من فوق هذا القاطول، فعمل لهم مجرى مائهم من فوق القاطول شبه القروج فجرى فيه الماء فعمرت بلادهم ورجعت أحوالهم، وهو أول ما عرف القورج.
وكانت ملوك الفرس إذا بلغهم أن كلبًا مات بقرية لا يعرف لموته سبب، كتب الملك أن خذوا أهل هذه القرية بالبينة أن الكلب مات حتف أنفه ولم يمت جوعًا، وكانوا يأخذون أهل الحروث بحرث نصف أرضهم في العام وتبويرها في القابل، فيحرثون ما بوروه، ويبورون ما حرثوا.
أنشد أحمد بن الطيب لشاعر: البسيط
لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمن لكنني أعشق السمر المهلازيلا
فقيل لي أنت خوان فقلت لهم لا تكثرن علي القال والقيلا
شرطي الشريطي لا أبغي به بدلًا تخاله من نحول الجسم مسلولا
إني امرؤ أركب المهر المضمر في يوم البراز فدع أن أركب الفيلا
[ ٦ / ١٣٠ ]
قال أحمد بن الطيب: المسيخ من الألوان المغسول من حوادث الأبصار.
لأبي حفص الشطرنجي: السريع
أشبهك المسك وأشبهته قائمة في لونه قاعده
لا شك إذ لونكما واحد أنكما من طينة واحده
مصراع لمنصور الفقيه: مجزوء الخفيف
ذم من شئت منهم فهو للذم موضع
قال المفجع، قال المبرد: كان الأعشى كثير التطواف، فأصبح من ليلة كان يطوفها بأبيات علقمة بن علاثة، فلما نظر قائده إلى قباب الأدم قال: واسوء صباحاه! هذه والله أبيات علقمة، وخرج فتيان الحي فقبضوا على الأعشى فأتوا به علقمة، فلما مثل بين يديه قال علقمة: الحمد لله الذي أظفرني بك بغير عقد ولا ذمة، قال الأعشى: أو تدري لم ذاك جعلت فداك؟
[ ٦ / ١٣١ ]
قال: لتقواك علي الباطل من غير جرم، قال: لا ولكن ليبلو الله قدر حلمك في، فأطرق علقمة فانبعث الأعشى يقول: المتقارب
أعلقم قد صيرتني الأمور إليك وما كان بي منكص
كساكم علاثة أثوابه وقلدكم حلمه الأحوص
فهب لي ذنوبي فدتك النفوس ولا زلت تنمي ولا تنقص
فقال: قد فعلت، ووالله لو قلت في ما قلت في ما قلت في عامر ابن عمي لأغنيتك حياتك، ولو قلت فيه ما قلته في ما أذاقك برد الحياة.
كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن ناسًا قبلنا لا يؤدون ما قبلهم من الخراج إلا أن يمسهم شيء من العذاب، فكتب إليه عمر: أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب البشر، كأني جنة لك من عذاب الله، أو كأن رضاي ينجيك من سخط الله، إذا أتاك كتابي هذا فمن أعطاك ما قبله عفوًا فاقبله، وإلا فاستحلفه، فوالله لأن يلقوا الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقى الله بعذابهم.
العتابي: الطويل
ألفنا ديارًا لم تكن من ديارنا ومن يتألف بالكرامة يألف
شاعر: البسيط
[ ٦ / ١٣٢ ]
جاء الشتاء ولم أعدد له فنكًا إلا ارتعادًا وتصفيقًا بأسنان
وقد لبست قميصي في أوائله منكم على دمن أقوت بقضبان
قال ابن عباس: ثلاثة من عازهم عادت معازته إلى ذل: السلطان والوالد والغريم.
قال فيلسوف: الخوف على ثلاثة أناء: دين يخاف معادًا، وحر يخاف عارًا، وسفلة يخاف ردعًا.
قال فيلسوف: النيران أربع: نار تأكل وتشرب وهي نار المعدة، ونار تأكل ولا تشرب وهي نار الوقود، ونار تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر، ونار لا تأكل ولا تشرب وهي نار الحجر.
قال فوثاغورس: الصورة ذكر، والهيولي أنثى، والطبيعة رباط بينهما.
كتب المعتصم لما فتح عمورية إلى المأمون: كتبت في الوقت الذي فتح الله المصر على أعدائه والكفرة به، ودخلت عمورية وقتلت أكثر مقاتليها إلا القل اليسير، وسبيت جميع ذراريها، وجاءني هذا كتاب منه للخبر لا يعتد بالأثر.
[ ٦ / ١٣٣ ]
وكتب ابن الفرات وعلي بن عيسى ومحمد بن داود ومحمد بن عبدون رقعة إلى العباس بن الحسن الوزير يستزيدونه فيها، فوقع بخطه عل ظهرها: ما حالكم حال مستزيد، ولا فوق ما أنا عليه لكم مزيد، فإن تكن الاستزادة من مال فهو موور عليكم، وإن تكن من رأي فالأعمال لكم، ولي اسمها وعلي عبئها وثقل تدبيرها؛ وأقول لعلي بن محمد من بينكم الذي ما يطيق نفسه تذللًا واعتدالًا: أمن بؤس كانت هذه الاستزادة أم من بطر النعمة ودلال الترفه؟ ولي في أمر جماعتكم نظر ينكشف عن قريب، وحسبي وحسبكم الله ونعم الحسيب.
وكتب النعمان بن عبد الله إلى ولي الدولة كتابًا يستزيده فيه في رزقه، فوعق على ظهره: قد أعجبت بنفسك تعرفها، فإن أحببت أن أعرفكها عرفتك.
فكتب إليه النعمان: كنت كتبت إلى الوزير - أعزه الله - كتابًا أستزيده في رزقي، فوقع على ظهره تويع ضجر، لم يخرج فيه مع ضجره شيء من حياطته ونظره وقال - أيده الله - إنه قد حدث لعبده عجب بنفسه، وقد صدق - صدق الله قوله وأعلى طوله - لقد شرفني الله بخدمته، وأعلى ذكري بجميل ذكره، ونبه على كفايتي باستكفائه، ورفعني وكثرني عند نفسي، فإن أعجبت فبنعمة الله عندي، وجميل تطوله علي، ولا عجب؛ وهل خلا الوزير من قوم يصطفيهم بعد قلة، ويرفعهم بعد خمول، ويحدث لهم هممًا رفيعة وأنفسًا
[ ٦ / ١٣٤ ]
عليه، وفيهم شاكر وكفور، وأرجو أن أكون أشكرهم للنعمة أقومهم بحقها؛ وقال - أعزه الله - إن عرف نفسه وإلا عرفناه إياها، فما أنكرها، وهي نفس أنشأتها نعمة الوزير - أيده الله - وأحدثت فيها ما لم تزل تحدثه في نظرائها من سائر عبيده وخدمه؛ وأنكر - أيده الله - إخباري عما لم أشاهده، وهو - أيده الله - يعلم أن الخبر المجتمع عليه يقوم مقام العيان فيحققه من لميشاهده ولا ينكر عليه ذلك، وليس في المملكة أحد يذكر ارتفاعًا إلا حائن مغرور يصرعه حينه، واله يعلم ما يأخذ به نفسه من خدمة الوزير عنده، إما عادة ووراثة، وإما تأدبًا وهيبة، وإما شكرًا واستدامة للنعمة.
قال عبيد الله بن سليمان: كنت أكتب بين يدي أبي سليمان فقال لي يومًا: أصلح قلمك واكتب: أطال الله بقاءك، وأدام عزك وأكرمك، وأتم نعمته عليك، وزاد في إحسانه إليك، كتب الوكيل - أعزك الله - متصلة بشكرك، والضيعة ضيعتك، وكل ما تأيته في أمرها فموقعه يحسن مني، وشكري عليه يتضاعف - وخطابًا في هذا المعنى، وكانت هذه المخاطبة لا يخاطب بها إلا صاحب مصر أو فارس، فقلت: قد ابتاع ضيعة بأحد الموضعين، ثم أصلح الكتاب وقال: عنونه إلى الرخجي، وكان يتقلد النهروان الأوسط.
ثم رمى إلي كتابًا آخر لصاحب بريد فقال: وقع عليه: أنت - أعزك
[ ٦ / ١٣٥ ]
الله - تقف على ما تضمنه هذا الكتاب، ولئن كان ما تضمنه هذا الكتاب حقًا لأفعلن ولأضعن؛ وخطابًا غلظ فيه، ثم أصلح الكتاب وقال: عنونه إلى الرخجي، فعجبت من الكتابين، وكأنه علم ما في نفسي فقال لي: إني أظنك قد أنكرت الخطابين، هذه تناءتين خدمتها، وهذا حق سلطاني استوفيته.
قال ابن أبي الأصبغ: كنت بحضرة عبيد الله بن سليمان وهو يكتب للمعتضد أيام إمارته حين وردت عليه رقعة من أبي الحسين جعفر بن محمد بن ثوابة نسختها: قد فتحت للمظلوم بابك، ورفعت عنه حجابك، فأنا أحاكم الأيام إلى عدلك، وأشكو صروفها إلى فضلك، واستجير من لؤم غلبتها بكرم قدرتك وحسن ملكتك، فإنها تؤخرني إذا قدمت، وتحرمني إذا قسمت، فإن أعطت يسيرًا، وإن ارتجعت كثيرًا، ولم أشكها إلى أحد قبلك، ولا اعتمدت للانتصاف منها إلا فضلك، ولي مع ذمام المسألة لك، وحق الظلامة إليك، ذمام تأميلك، وقدم صدق في طاعتك، والذي يملأ من النصفة يدي، ويفرغ الحق علي، حتى تكون إلي محسنًا، وأكون بك إلى الأيام مقربًا، أن تخلطني بخواص خدمك الذين نقلتهم من حد الفراغ إلى الشغل، ومن الخمول إلى النباهة والذكر، فإن رأيت أن تعديني فقد استعديت إليك، وتنصرني فقد عذت بك، وتوسع لي كنفك فقد أويت إليه، وتسمني بإحسانك فقد عولت عليه، وتستعمل يدي ولساني فيما يصلحان له من خدمتك، فقد درست كتب أشلافك، وهم القدوة في البيان، واستضأت بآرائهم، واقتفرت آثارهم اقتفارًا جعلني بين وحشي الكلام وإنسيه، ووقفني منه على جاة متوسطة يرجع إليها الغالي، ويلحق بها المقصر التالي، فعلت إن شاء الله.
[ ٦ / ١٣٦ ]
قال: فجعل عبيد الله يرددها، ويستحسنها ثم قال: هذا أحق بديوان الرسائل.
قال عمر بن الخطاب ﵁: هلاك العرب أبناء بنات فارس.
دخل عمرو بن معدي كرب على عمر بن الخطاب وهو يحد الصمصامة، فقال له الأشعث بن قيس: يا عمرو، إلى متى تحد سيفك وقد فشا الإسلام، وأظهر الله الدين؟ قال عمرو: وماذا يريبك منه، فوالله إنه لسيف مازني بامرأة أبيه قط، ولا ارتد عن الإسلام، فقال له رجل زبيدي يا عمرو أللسيد تقول هذا؟ قال: اسكت فوالله ما أنت إلا بمنزلة النعرة التي تقع في أنف الحمار، فقال له الزبيدي: يا عمرو أما عملت أنها ربما أضرطته؟ فخجل عمرو.
المعلهج: الأحمق؛ انكفت: انقبض.
قال نور بن يزيد: كان عمر بن الخطاب يعس بالمدينة في الليل، فارتاب بالحال فتسور، فوجد رجلًا عنده امرأة وعنده خمر، فقال له: يا عدو الله، أكنت ترى أن الله يسرك وأنت على معصيته؟ فقال الرجل: لا تعجل
[ ٦ / ١٣٧ ]
علي يا أمير المؤمنين، إن كنت عصيت اللهفي واحد فقد عصيته أنت في ثلاث: قال الله تعالى: " ولا تجسسوا " الحجرات: ١٢ وقد تجسست، وقال: " وأتوا البيوت من أبوابها " البقرة: ١٨٩ وقد تسورت، وقال: " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها " النور: ٢٧ وأنت دخلت بغير سلام؛ فقال له عمر: فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، والله لئن عفوت عني لا أعود لمثلها أبدًا، فعفا عنه.
كتب عمر إلى معاوية: الزم الحق ينزلك الحق منازل أهل الحق، يوم لا يقضي إلا بالحق.
قال ابن عباس: لما أسلم عمر ﵁ قال المشركون: انتصف القوم منا.
قال المدائني: نظر عمر إلى أعرابي يصلي صلاة خفيفة، فلما قضاها قال: اللهم زوجني العين، فقال عمر: أسأت النقد وأعظمت الخطبة.
قال أبو زياد الفقيمي: أهدى رجل إلى عمر جزورًا ثم خاصم
[ ٦ / ١٣٨ ]
إليه بعد ذلك في خصومة، فجعل يقول: افصلها يا أمير المؤمنين كفصل رجل الجزور، فاغتاظ عليه عمر فقال: يا معشر المسلمين، إياكم والهدايا، فإن هذا منذ أيام أهدى إلي رجل جزور، فوالله ما زال يرددها حتى خفت أن أحكم بخلاف الحكم.
قال إبراهيم بن ميسرة، قال لي طاووس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر بن الخطاب ﵁ لأبي الزوائد: ما يمنعك من التزويج إلا عجز أو فجور.
جلس رجل إلى عمر ﵁ فأهذ من رأسه شيئًا فسكت عنه، ثم صنع به ذاك يومًا آخر، فأخذ بيده وقال: ما أراك أخذت شيئًا، فإذا هو كذلك، فقال: انظروا إلى هذا، صنع بي مرارًا، إذا أخذ أحدكم من رأس أخيه شيئًا فليره، قال الحسن: نهاهم والله أمير المؤمنين عن الملق.
قال الحكم بن عتيبة، قال عمر بن الخطاب ﵁: القاضي لا يصانع ولا يصارع، ولا يتبع المطامع، يصارع: يميل إلى أحد الخصمين؛ كذا كان التفسير مع الحديث.
قال أبو هريرة: لما استخلف عمر صعد المنبر فحمد الله وأثنى
[ ٦ / ١٣٩ ]
عليه ثم قال: أيها الناس إني نظرت إلى الإيمان فوجدته يقوم على أربع خصال، فقام إليه عمار بن ياسر فقال: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: تقوى الله في جمع المال من أبواب حله، فإذا جمعته عففت عنه، وإذا عففت عنه وضعته في مواضعه حتى لا يبقى عندي منه دينار ولا درهم ولا عند آل عمر خاصة؛ والثانية: أعرف للمهاجرين حقهم وأقرهم على منازلهم؛ والثالثة: الأنصار الذين آووا ونصروا، أحفظ وصية رسول الله ﷺ فيهم فأقبل من محسنهم وأتجاوز عم مسيئهم وأكون أنا عيالهم حتى ينصرفوا إلى منازلهم؛ والرابعة: أهل الذمة، أفي لهم بعدهم وأقاتل من ورائهم ولا أكلفهم إلا طاقتهم؛ قال: إذا فعلت ذلك كنت معترفًا عند الله - جل اسمه - بالذنوب.
وقال أيضًا على المنبر: اقرأوا القرآن تعرفوا به، واعلموا به تكونوا من أهله، إنه لن يبلغ من حق ذي حق أن يطاع في معصيتة الله، ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي ايتيم، إن استغنيت عففت، إن افتقرت أكلت بالمعروف تقرم البهمة الأعرابية: القضم لا الخضم.
مات أبو عبيد سنة تسع ومائتين وله أربع وتسعون سنة، وقيل له في علته: ما بك؟ فقال: هذا النوشجاني دخلت إليه مسلمًا فجاء بموز كأنه
[ ٦ / ١٤٠ ]
أيور المساكين، فأكثرت منه فكان سبب علتي.
قال أبو عبيدة: اسم السلام هو السلام، كما تقول: هذا وجه الأمر، وهذا وجه الحق، وثم وجه الله ﷿، أي الله.
قال محمد بن يزيد الواسطي: كنت في مجلس المبرد فجرى ذكر قول أبي عبيدة في أن الاسم هو المسمى، فقال المبرد: غلط أبو عبيد القاسم وأخطأ أبو عبيد، والذي عندنا أنه أراد بقوله: اسم السلام، اسم الله، والسلام من الأسامي التي تسمى بها الله ﷿ في كتابه، ثم التفت إلي وقال: هذا الذي أختاره ويختاره أصحابنا، فأمسكت ولم ير في وجهي قبولًا؛ فلما رضيته وإن كان قد ذهب إليه أصحابنا، فقال لي: وأي شيء عقدك؟ قلت: أما أبو عبيد فمذهبه في هذا خطأ، وقد غلط على أبي عبيدة لأن الذي قاله أبو عبي فذهبه في هذا خطأ، وذد غلط على أبي عبيدة هو اللفظة الموضوعة علامة لتقضي الأشياء، فتختم بها الرسائل والخطب والكلام الذي يستوفي معناه وليس لها مسمى غيرها وهي مثل حسب وقط والموضوعة كالعلامات لتضي الأشياء، فتختم بها الرسائل والخطب والكلام الذي يستوفي معناه وليس لها مسمى غيرها وهي مثل حسب وقط والموضوعة كالعلامات لتقضي الأشياء وختم الكلام، فهي اسم لا مسمى له غيره، فأعجب أبا العباس ذلك وقال لي: لا عدمتك. ثم رجعت إلى المعنى الأول فقلت: وذاك الأول، وإن كان ذهب إليه بعض أصحابنا، فإنه قول من لا يفهم الشعر ومعاني الشعر، ولبيد أفصح من أن يقول عند توديعه وتناهي
[ ٦ / ١٤١ ]
مكانه: اسم الله عليك، وإنما يسمى الله تعالى فيما يداوله النمو والبركة والزيادة أو يعوذ لحسنه وجماله، فقال لي: يا أبا عبد الله حسبك، فما سرني بهذه الفائدة حمر النعم.
أنشد الأصمعي لجارية من العرب: الطويل
تحمل عداك الله عني رسالة إليه جديدًا كل يوم سماعها
وخبر عن الوعساء أن قد توجهت إليها مراعيها وطال نزاعها
لقد قطع البين المشت أكفة عزيز علينا أن يحم انقطاعها
قال ابن دريد: الفتلاء التي يتجافى كتفاها عن زورها - وهو مدح -؛ والسرح: السهلة؛ واستناع: تمادى واستنعى.
قال الأصمعي: العميان أكثر الناس نكاحًا، والخصيان أصح الناس أبصارًا، لأنهما طرفان: إذا نقص من أحدهما زاد في الآخر.
قال إسحاق الموصلي: قبل الأصمعي يد الرشيد بعقب كلام قرظة به فقال له: والله يا أمير المؤمنين ما شممت طيبًا قط أطيب من نسيم يدك، فطيب الله نفسك كما طيبها، وأنعم بالك كما أنعمها، وألان زمانك كما ألانها ضد ما قال الأسدي لابن مطيع العدوي حين جلس ليأخذ البيعة لابن الزبير، قال: وما قال له؟ فأنشد: الطويل
دعا ابن نطيع للبياع فجئته إلى بيعة قلبي لها غير آلف
[ ٦ / ١٤٢ ]
فأبرز لي حشناء لما لمستها بكفي ليست من أكف الخلائف
قال أبو حاتم: ما رأيت رجلًا قط أحسن ترجمة للكلام من الأصمعي، سألته: لأي شيء قدم جريرًا من قدمه؟ قال: كان أغزرهم وأغزلهم، وأقلهم سرقة وألهجهم هجاء؛ أبو حاتم: ألهجهم: أثقبهم، يقال رجل لهجة إذا كان منكرًا.
قال الأصمعي، قال لي الرشيد: أنشدني أشعر ما تعرف في المجون، فأنشدته: الوافر
ألم ترني وعمار بن بشر نشاوى ما نفيق من الخمور
وكنا نشرب الإسفنط صرفًا ونصقى بالصغير وبالكبير
إذا ما قبحة وقعت لنيك رفعناها هنالك بالأيور
بكل مدور صلب متين شديد الرهز ليس بذي فتور
قال: ثم قلت: قول بكر بن النطاح: السريع
وقحبة أعطيتها خمسة فنكتها نيكًا بألفين
تركته يطلع من فرجها طلع حمار بين وقريم
قال الأصمعي: قال لي المأمون أيام الرشيد: لمن هذا البيت؟
[ ٦ / ١٤٣ ]
مخلع البسيط
هل كنت إلا كلحم ميت دعا إلى أكله اضطرار
قلت: لابن أبي عيينة المهلبي، قال: كلام شريف كأنه قول الشاعر: الطويل
وإن بقوم سودوك لفاقة إلى سيد لو يظفرون بسيد
قال الأصمعي، قال أبو فرعون العدوي: الرمل المجزوء
ليتني في بيت ورد منقعًا في الآدب سرد
قاعدًا أعمل فيه سنه ما يحرد كرد
فأجا حرها بأيري ولحا مقمور بدرد
قال الأصمعي: مر يتساوك: إذا انثنى؛ وقال: يعوج: يميل، ويعيج: يلتفت. وقال: الحرمة: الغلمة، ومنها يقال: استحرمت المعز.
قال الأصمعي: حدث رجل عند المنصور فأكثر من قوله: قال أبي ﵀، فقال له الفضل: كم تترحم على أبيك في مجلس أمير المؤمنين؟ فقال: لو ذقت حلاوة الآباء ما نسيتها.
قال الأصمعي، سمعت أبا فرعون الساسي يقول: الرجز
[ ٦ / ١٤٤ ]
لقد غدوت خلق الثياب معلق الزنبيل والجراب
طبا بدق حلق الأبواب أسمع ذات الخدر والحجاب
قال، وله: الرجز
رب عجوز خبة زبون سريعة الرد على المسكين
تظن أن بوركا يكفيني إذا غدوت باسطًا يميني
عدمت كل علجة تؤذيني
البنك: ضرب من طيب، الكفت: القبض؛ جذا يجذو جذوًا إذا انتصب.
قال بعض الأدباء: يقال للإنسان ما دام رضيعًا: صبي، فإذا فطم عن اللبن فهو وليد، فإذا راهق فهو غلام، فإذا خرج شعر وجهه فهو شاب، ثم يكون مجتمعًا، ثم يكون كهلًا، ثم شيخًا، فإذا خالطه البياض فهو أشمط، تقول: وخطه الشيب، وإذا كان لون وجهه إلى البياض قيل آدم، فإذا كان إلى السمرة فهو أسمر، وينسب المماليك إلى أجناسهم ثم يخلون، فإذا بدا الشعر على شاربه قيل طر شاربه، فإذا ظهر الشعر على وجهه قيل بقل وجهه، فإذا كان واسع الجبهة قيل رحب الجبهة، فإذا كان فوق جبهته خطوط قيل: بجبهته غضون، فإذا كان بين حاجبيه فرجة قيل: أبلج، فإذا اتصل الشعر بينهما فهو مقرون، فإذا كان على حاجبه شعر كثير فهو أزب، فإذا كان الحاجب سابغًا فهو أزج، فإذا لم يكن على حاجبيه شعر فهو أمرط وأنمص،
[ ٦ / ١٤٥ ]
فإذا كان واسع العينين فهو راعين، فإذا كان أحجر فهو غائر، فإذا خرجت مقلته وظهرت فهو جاحظ، وإذا صغرت عينه وضاقت فهو أحوص، فإذا نظر إلى جانب الأذن فهو أخزر، ويقال: رجل أحول ورجل أخوص ورجل أصم، فإذا كان غير مرتفع الأنف فهو أفطس، وإذا كان قصير الأنف ليس بعريض فهو أذلف، فإذا كان فيها خطط دم فهو أشكل، والأهتم: الذي انقلعت ثناياه، والأثرم: الذي قد انكسرت سنه، فإذا انكسرت سنه عرضًا قيل قد انقصت سنه، فإذا انشقت طولًا قيل: انقاصت؛ فإذا كان غليظ الشفتين فهو أثلم، فإذا اتصلت أسنانه فهو مرصف، وإذا كانت متفرقة فهو أفلج؛ فإذا ذهب الشعر عن مقدم رأسه فهو أجلح، فإذا كان أكثر من ذلك فهو أصلع، فإذا ذهب من قبل الصدغين كان أنزع؛ فإذا لم يبصر بالليل فهو أعشى، وإذا لم يبصر بالنهار فهو أخفش، فإذا فسدت عينه وسال منها الماء فهو أعمش، فإذا كثر سواد العين فهو أكحل، فإذا كثر سوادها وصفاء بياضها فهي حوراء، يقال رجل أحور، وامرأة حوراء؛ فإذا كان في الفم زيادة سن فهو أشغى؛ فإذا كان مسترخي اللثة فهو أهدل؛ فإذا كان صغير الأذن فهو أصمع؛ فإذا كان واسع الفم فهو أجدع، فإذا كان مقطوع طرف الأنف فهو أخرم؛ فإذا كان مقطوع الأذن فهو أصلم؛ فإذا كان واسع الفم رحب الشدقين فهو أشدق؛ فإذا كان مقطوع الشفة السفلى فهو أفلح، فإذا كان مقطوع الشفة العليا فهو أعلم، فإذا اجتمعت شفتاه فهو أفوه؛ فإذا كانت عيناه ممسوحتين فهو مطموس؛ فإذا يبس كفه أو ذراعه فهو أعسم، فإذا فسدت يده واسترخت فهو أشل؛ فإذا كان بوجهه خال أو شامة أو وشم أو أثر كي أو حرق كتب بذلك أو أثر جدري أو ضربة فكذلك؛ وإذا كان قصير العنق فهو أو قص، وإذا كان طويل العنق فهو
[ ٦ / ١٤٦ ]
أجيد، وإذا عمل بيمينه ويساره قيل: أعسر يسر، وإذا عمل بيساره وضعفت يمنيه قيل: أعسر، ورجل أخلف وامرأة خلفاء؛ ويقال لمن قطعت يده: رجل أجذم وأقطع وأكوع وأتك وأصرم؛ ويقال: تعلوه حمرة، تعلوه صفرة؛ ويقال: أبح الصوت وأجش الصوت وأغن وأخن.
هذه ألفاظ مهدت للكاتب إذا تولى العرض أو أعان صاحب العرض، وهي نافعة، ولولا أني توخيت حكاية ما قال الأديب لبسطت فيه، ولكني قد اشمأزيت من كل ما يؤدي إلى تثقيل، وإن جاوز الفائدة وجلب النفع وذخر الفضل.
أنشد الأصمعي لأبي فرعون الساسي: الرجز
يا رب جبس قد علا في شانه لا يسقط الخردل من بنانه
ولا يريم الدهر من مكانه أشجع من ليث على دكانه
لا يطمع السائل في رغفانه لم يعطني الفلس على هوانه
يا رب فالعنه بترجمانه
قال أبو العيناء: ما رأيت مثل الأصمعي قط، أنشد بيتًا من الشعر فاختلس الإعراب؛ وقال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: كلام العرب الدرج؛ قال: وحدثني عبد الله بن سوار أن أباه قال: إن العرب تجتاز بالإعراب اجتيازًا؛ قال الأصمعي: وحدثني عيسى بن عمر أن ابن أبي إسحاق قال: العرب ترفرف على الإعراب ولا تتفيهق به؛ قال: وسمعت يونس يقول: العرب تشام الإعراب ولا ت تحققه؛ قال: وسمعت الحسحاس بن حباب
[ ٦ / ١٤٧ ]
يقول: العرب تقع بالإعراب وكأنها لم ترد؛ قال: وسمعت أبا الخطاب يقول: إعراب العرب الخطف والحذف؛ قال: فتعجب الناس منه.
قال الأصمعي: ما أحسن ما قال الأعشى: الطويل
وإني إذا ما قلت قولًا فعلته ولست بمخلاف لقولي مبدل
قال الزبير بن بكار: تقدم وكيل مؤنسة إلى شريك بن عبد الله، وكان الوكيل يدل عليه بمكانه من مؤنسة وخدمتها ويسطو على خصمه، فقال له شريكك كف لا أم لك، فقال: توقل لي هذا وأنا وكيل مؤنسة؟ فقال شريك: يا غلام اصفعه، فصفعه عشر صفعات، فانصرف إلى صاحبته فعرفها ما ناله، فكتبت إلى المهدي تشكو شريكًا وتذكر ما صنع بوكيلها، فعزله. وقد كان شريك قبل ذلك دخل على المهدي فأغلظ له، وكان فيما قال له: مثلك يولى أحكام المسلمين؟ قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لخلافك على الجماعة وقولك بالإمامة، قال، فقال شريك: ما أعرف دينًا إلا عن الجماعة فكيف أخالفها وعنها أخذت ديني؟ وأما الإمامة فما أعرف إمامًا إلا كتاب الله وسنة نبيه، فهما إمامي وعليهما عقيدتي، وأما ما ذكره أمير المؤمينن أن مثلي لا يتولى أحكام المسلمين فذاك شيء أنتم فعلتموه، فإن كان خطأ لزمكم
[ ٦ / ١٤٨ ]
الاستغفار منه، وإن كان صوابًا وجب عليكم الإمساك عنه؛ المهدي: فما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: أقول فيه الذي قال فيه جداك العباس وعبد الله، قال: وما قالا؟ قال: أما العباس فإنه مات وعلي عنده أفضل أصحاب رسول الله ﷺ، وقد شاهد أكثر المهاجرين يحتاجون إليه في الحوادث، ولم يحتج إلى أحد منهم إلى أن خرج من الدنيا. وأما عبد الله فضارب عنه بسيفين وشهد حروبه كلها، وكان فيها رأسًا متبعًا وقائدًا مطاعًا، فلو كانت إمامته جورًا كان أول ما يقعد عنه أبوك، لعلم أبيك بدين الله وفقهه في أحكام الله؛ فسكت عنه المهدي، وخرج شريك؛ وكان العزل بعد هذا بجمعة.
قرأت هذا الحديث على أبي حامد فقال: ما أعجب الدنيا وأسبابها! وإنما تحرك أبو حامد عند هذا الحديث للقضاء، فإنه أن قيمًا بهذه الصول والفروع، ثم قال: يا شريك بن عبد الله، من أين يصح لكأن العباس مات وعلي عنده أفضل أصحاب رسول الله ﷺ، اللهم إلا أن يشير إلى البقية بعد الصدر الأول؛ على ا، عليك فيه كلامًا، وكيف يسلم لك فضل رجل باعتقاد رجل؟ ألا تعلم أن العباس لو لم يفضل عليًا لكان علي فاضلًا لأنه غرر به وحسده، ولو كان فهي خير لقعد موضع أبي بكر وموضع علي، ولكن سبق موضع سيادته في الجاهلية سؤدد من سوده الله في الإسلام، ومتى فزع إلى العباس في ترتيب الناس؟ يكفيه أنه لم يدخل في الشورى ولم يشهد بدرًا، ولم يبادر الحظ بالاستبصار في الدين ولا بالرأي في الدنيا، وحقه موفور، ومكانه من الشيخوخة والتقدم مشهور، ولكن أين الفقه والورع والاجتهاد والتدبير والسبق؟ ذاك تراث حازه قوم. أما عبد الله فقد ضارب عنه بسيفين، لكنه قعد عنه أحوج ما كان إليه، وانفرد بإمارة البصرة واستأثر بأموالها وأعمالها، فلما استقدمة وطلب منه ما اجتمع من مال الله تعالى ومال المسلمين طوى الأرض إلى مكة وبلغ الطائف، واستكثر من السراري إلى
[ ٦ / ١٤٩ ]
أن عمي، وهذا بعد أن دخل إلى معاوية وسالم وطلب العطاء وقارب وأعطى من نفسه وتغافل؛ أهكذا تكون نصرة الأئمة في مصالح الأمة؟ ما أحوجه إلى العفو والرحمة.
ثم قال - أعني أبا حامد: دعونا نسكت عن مساوئ الناس بمحاسنهم، فلو قد أثرنا الدفائن ونثرنا الكنائن كان للعقل والعين ما يحير أحدهما ويسخن الآخر.
وقال كلامًا آخر لم يلتق طرفاه طولًا، لأنه أخذ في مبادئ الإسلام، فذكر أهل الدين وإخلاص الموقنين وجود المستبصر واستسلام المتوكل وروغان الضعيف وخب المنافق وتربص الحاسد وفرح الشامت، وصرف القول تصريفًا يخلص الزبد المحض من الممذوق، ويميز اليقين من الشك، وكان ذا عارضة عريضة ولسن بين وصدر جموع وقلب ذكي ولهجة بسيطة، مع لكنة خراسان وفجاجة العجم وقلة فصاحتهم، لأنه كان من مرو الروذ ورحل إلى العراق وهو باقل الوجه مجتمع القوة، وكان من العرب من بني عامر واسمه أحمد بن بشر، ومات بالبصرة سنة اثنتين وستين وثلايمائة.
وحكى لنا في هذا اليوم أن صالح بن عبد الجليل، وكان مفوهًا ناسكًا، دخل على المهدي وسأله أن يأذن له في الكلام، فقال: تكلم، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول
[ ٦ / ١٥٠ ]
إليك، قمنا مقام المؤدي عنهم وعن رسول الله ﷺ بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي لانقطاع عذر الكتمان في البينة، لا سيما حين اتسمت بميسم التواضع ووحدت الله، وحملت كتابه إيثارًا للحق على ما سواه، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التحميص ليتم مؤدينا على موعد الأداء عنهم، وقابلنا من موعود القبول، ما أوردنا تحميص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية؛ وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل، وأشد مه عذابًا من أقبل إليه العلم فأدبر عنه، ومن أهدي إليه علم فلم يعمل به، فقد رغب عن هدية الله وقصر بها، فأقبل على ما أدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل لا قبول رياء وسمعة، فإنه لا يخلفك منا إعلام على ما نجهل أو مواطأة على فضل ما تعلم، فقد وطن الله جل اسمه نبيه ﵊ على تزولها تعزية عما فات، وتحصينًا من التمادي، ودلالة على المخرج فقال: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله " فصلت: ٣٦ فأطلع على قلبك بما ينور به القلب من إيثار الحق ومباينة الهوى، فإنك إن لم تفعل لم تر لله أثرة على قلبك.
[ ٦ / ١٥١ ]
فبكى المهدي حتى هم من كان على رأسه بضرب صالح وظنوا أنه يسكت حين ذهب به البكاء فقال: يا صالح، لو وجدت رجالًا يعملون بما آمرهم وبما أنوي في رعيتي لظننت أني ألقى الله ﷿ وأمر أمة محمد ﷺ أقل ذنوبي وأهون حسابي، ولكن دلني على وجه النجاة، فإن لم أعمل كنت أنا الجاني على طهري والمؤثر هواي على رضا ربي، قال له صالح: أنت يا أمير المؤمنين أعلم مني بمواضع النجاة، قال: لو كنت أعلم بموضع النجاة ما كنت أولى بعظتي، وما هو إلا أن أركب سيرة عمر بن الخطاب، ولا يصلح عليها أحد من أهل هذا العصر، وذاك أن الناس في الزمن الماضي كان يرضي أحدهم الطمر البالي، وتقنعه الكسرة اليابسة والماء القراح، وهم اليوم في مضاعف الخز والوشي، ومائدة أحدهم في اليوم بمثل غنى ذي العيال في زمن عمر؛ أو أسيح في الأرض ذات العرض، فإلى من أكلهم؟ إلى ولد أبي طالب؟ فوالله ما أعلم للمسلمين راحة فيهم ولا فرجًا عندهم. ولو أنني حملت الناس على سيرة العمرين في هذا العصر كنت أول مقتول، وذلك أن الفطام عن هذا الحطام شديد، ولا يصبر عليه إلا المبرز السابق، فأنى ذلك اليوم، يا صالح؟ والله لقد بلغني أن لسعيد بن سلم ألف سراويل، ولحازم ألف جبة، ولعمارة بن حمزة ألف دواج، وهي أقل ملكهم، فما ظنك بي وهم عددي وناسي وسهام كنانتس ومن أشبههم كمعن بن زائدة وعبد الله بن مالك، فلو أني حملتهم على التقشف والنسك وأخذت ما في أيديهم فوضعته حيث راه أنت وأنا، هل كانت نفس أبغض إليهم من نفسي، أو حياة أثقل عليهم من حياتي؟ فأطرق صالح مفكرًا ثم رفع رأسه وقال: يا أمير المؤمنين، إنه ليقع في خلدي أنك قبلت قولي قبول تحقيق لا قبول رياء وسمعة، فقال المهدي: شهيدي على ذلك الله، فقام صالح فدنا من المهدي فقيل رأسه وقال: أعانك الله يا أمير المؤمنين على صالح نيتك، وأعطاك أفضل ما تأمله في رعيتك، ووهب لك أعوانًا بررة صالحين، يعلمون بما يجب عليهم فيك، ثم خرج. فقال له
[ ٦ / ١٥٢ ]
أصحابه: ما صنعت؟ قال: والله ما ترك شيئًا عليه إلا سبقني إليه، ولا شيئًا له إلا أوضح العذر فيه.
منصور الفقيه: الطويل
سألت رسوم القبر عمن ثوى به لأعلم ما لاقى فقالت جوانبه
أتسأل عمن عاش بعد وفاته بمعروفه إخوانه وأقاربه
وله: الوافر
منافسة الفتى فيما زول على نقصان همته دليل
ومختار القليل أقل منه وكل فوائد الدنيا قليل
وله: الطويل
فما هو إلا مثل سيف مفضض يروعك باديه ولا خير في النصل
فإن هز لم يهتز أو سل في الوغى لدفع ملم فالفضيحة في السل
وله: البسيط
أمر من طعم كل مر خضوع حر لغير حر
سأل أبو عمرو بن العلاء رؤبة بن العجاج: ما السانح؟ فقال ما ولاك ميامنة، قال: فما البارح؟ قال: ما ولاك مياسرة، والذي يأتيك من أمامك، النطيح، والذي يأتيك من خلفك: القعيد.
[ ٦ / ١٥٣ ]
قال إبراهيم بن شهاب، قال أبو الحسن البرذعي، حدثني أبو يعقوب الشحام عن أبي الهذيل عن عثمان الطويل قال: جاء عمرو بن عبيد إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: هل تعرف في كلام العرب أن أحدًا فرط فيما لا يقدر عليه؟ قال: لا، قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: " يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله " الزمر: ٥٦ أفرط فيما فدر عليه أو فيما لم يقدر عليه؟ فقال أبو عمرو بن العلاء لأصحابه: قد أبان لكم أبو عثمان لقدر بحرفين.
قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: كنت امضي أنا وشعبة إلى أبي نوفل بن أبي عقرب فيسأله شعبة عن الحديث، وأسألهن أنا عن الشعر والغريب، فيقوم شعبة لم يحفظ شيئًا مما سألته عنه أنا، وأقوم أنا ولم أحفظ شيئًا مما سأله عنه شعبة.
رأيت امرأة قدمت زوجها إلى أبي جعفر الأبهري المالكي، وكان على قضاء المحول فقالت: أعز الله القاضي، هذا زوجي ليس يمسكني كما يجب، حسبك أنه ما أطعمني لحمًا منذ أنا معه، فقال القاضي: ما تقول؟
[ ٦ / ١٥٤ ]
قال: أعز الله القاضي، البارحة أكلنا مضيرة، قالت المرأة: ويلي، أليس كان طعامنا رائب؟ قال: وتنايكنا ستًا، احسبي أنا أكلنا مضيرة بعصبان.
شاعر: الطويل
سلوت عن اللذات لما تولت وأزلمت نفسي تركها فاستمرت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطعمت تاقت وإلا تسلت
وأنشد: البسيط
حيتك عنا شمال طاف طائفها بجنة فجنت روحًا وريحانًا
هبت سحيرًا فهاج الغصن صاحبه موسوسًا وتناجى الطير إعلانا
كأن طائرها نشوان من طرب والغصن من هزه عطفيه نشوانا
قال علي بن عبيدة: الأيام مستدعات الأعمال، ونعم الأرضون لمن بذر فيها الخيرات.
وقال الصولي: قال رجل لمحمد بن أبي أمية الكاتب: أين الشعير الذي وعدتني به، فقال: أين البرذون الذي ضمنت لي؟ أنت والله كما قال ابن هرمة: المتقارب
يحب المديح أبو خالد ويفرق من صلة المادح
كبكر تحب لذيذ النكاح وتفرق من صولة الناكح
[ ٦ / ١٥٥ ]
قال عبد الله بن إبراهيم الجمحي، قيل لابن هرمة: أتمدح عبد الواحد بن سليمان بما لم يقل مثله في غيره: الوافر
أعبد الواحد الميمون إني أغص حذار سخطك بالقراح
فقال: إني أخبركم القصة: أصابني أزمة وقحمة بالمدينة، فاستنهدتني بنت عمي للخروج فقلت لها: ويحك ليس عندي ما يصل جناحي، فقالت لي: أنا أشيع صحابتك بما أمكنني، وكانت عندي ناب لي، فنهضت بها وهيتهجد النوام وتؤذي المساء وليس من منزل أنوله إلا قال الناس: ابن خرمة، حتى وقعت دمشق فأويت إلى مسجد عبد الواحد بن سليمان في جوف الليل، فجلست في المسجد إلى أن نظرت إلى بزوغ الفجر، فإذا الباب ينفلق عن رجل كأنه البدر، فدنا فأذن ثم أهذب ركعتيه فتبينته فإذا هو عبد الواحد، فقمت فدنوت منه وسلمت عليه، فقال: أبا إسحاق؟ قلت: لبيك بأبي وأمي، فقال: آن لك أن تزورنا، طالت الغربة واشتد الشوق فما
[ ٦ / ١٥٦ ]
وراءك؟ قلت: لا تسألني بأبي أنت، فإن الدهر قد أخنى علي فما وجدت مستغاثًا غيرك؛ فوالله إني لأخاطبه إذا بثلاثة فتية قد خرجوا كأنهم الأشجان فسلموا، فاستدنى الأكبر منهم فهمس إليه بشيء دوني، ودون أخويه، فمضى إلى منزله ولم يلبث أن خرج ومعه عبد ضابط يحمل حزمة من ثياب حتى ضرب بها بين يدي، فهمس إليه ثانية فعدا، فإذا به قد رجع ومعه مثل ذلك، فضرب به بين يدي، فقال لي عبد الواحد: ادن يا أبا إسحاق فإني أعلم أنك لم تصر إلينا حتى تفاقهم صدعك، فخذ هذا وارجع إلى عيالك، فوالله ما سللنا لك هذا إلا من أشداق عيالنا، ودفع إلي ألف دينار وقال لي: قم فارحل فأغق من وراءك، فقمت إلى الباب فلما نظرت إلى ناقتي ضقت، فلما نظر إليها قال: ما هذه؟ واسوأتاه، يا غلام قرب إليه جملي فلانًا، فوالله لأنا كنت بالجمل أشد سرورًا مني بكل ما نلت، فهل تلومونني أن أغص حذار سخط هذا بالماء القراح؟! والله ما أنشدته ليلتئذ بيتًا واحدًا.
أنشد الأصمعي لشاعر: السريع
رب غريب ناصح الجيب وابن أب متهم الغيب
ورب عياض له منظر مشتمل الثوب على العيب
والناس في الدنيا على نقلة على شباب وعلى شيب
أنشد المبرد لبشار: الطويل
خليلي من كعب أعينا أخاكما على دهره إن الكريم معين
[ ٦ / ١٥٧ ]
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه مخافة أن يرجى نداه حزين
كأن عبيد الله لم يلق ماجدًا ولم يدر أن المكرمات تكون
إذا جئته في حاجة سد بابه فلم تلقه إلا وأنت كمين
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلى وفي كل معروف عليك يمين
وقع أبو صالح ابن يزداد في وزارته إلى عامل: ليس عليك بأس ما لم يكن منه يأس.
ووقع أيضًا إلى عامل: قد تحاوزت لك، وإن عدت أعدت إليك ما صرفته عنك.
ووقع أيضًا إلى عامل اعتد بكفاية وزاد: أدللت فأمللت، فاستصغر ما فعلت تبلغ ما أملت.
وأنشد: الرجز
يا عمر بن عمر بن الخطاب إن وقوفًا بفناء الأبواب
يدفعني الحاجب بعد البواب يعدل عند الحر قلع الأنياب
قال الماهاني: كانت في بعض الديارات راهبة قد انفردت بعبادتها، وكانت تقري الضيف وتجير المنقطع، وكانت النصارى تتمثل بعبادتها وعفافها، فمر بالدير رجل كان من شأنه أن يدخر الوفواكه، فيحمل في الضيف فواكه الشتاء، وفي الشتاء فواكه الصيف إلى الملوك، ومعه غلام له وحمار موقر من كل فاكهة حسنة، فقال للغلام: ويحك، أنا منذ زمان أشتهي
[ ٦ / ١٥٨ ]
هذه الراهبة، فقال العلام: كيف تصل إليها وهي في نهاية العفاف والعبادة؟ فقال: خذ معك من هذه الفاكهة وأنا أسبقك إلى سطح الدير فإذا سمعتني أتحدث معها بشيء فأرسل ما معك من الروزنة؛ فأصعد الغلام سطح الدير، وجاء الرجل فدق الباب فقالت: من هذا؟ قال: ابن سبيل وقد انقطع بي، وهذا الليل قد دهمني، ففتحت ودخل، وصار إلى البيت الذي الغلام على ظهره، وأقبلت هي على صلاتها، وقالت: لعله يحتاج إلى عام، فجاءته به وقالت: كل، فقال: أنا لا آكل، قالت: ولم؟ قال: لأني ملك بعثني الله تعالى إليك لأهب لك ولدًا، فارتاعت لذلك وجزعت، وقالت: أليس كان طريقك على الجنة فهلا جئت معك بشيء منها؟ قال: فرفع الرجل رأسه وقال: اللهم بعثني إلى هذه المرأة، وهي بشر، وقد ارتابت فأرها يا رب برهانًا، وأنزل عليها من فاكهة الجنة فتزداد بصيرة ومعرفة، فرمى الغلام برمانة من فوق، وأتبعها بسفرجلة، ثم بكمثراة، ثم بخوخة، فقال: ما بعد هذا ريب فشأنك وما جئت له، فشال برجليها وجعل يدفع فيها وهي تمر يديها على جنبيه كأنها تطلب شيئًا، فقال لها: ما تلتمسين؟ قالت: نجد ف كتابنا أن للملائكة أجنحة وأراك بلا جناح، فقال: صدقت، ولكنا معشر الكروبيين بلا جناح.
لما ولى خالد بن عبد الله القسري بلال بن أبي بردة، وكان حمزة بن بيض صديقًا له صار إليه، وأقام على بابه أيامًا لا يؤذن له، فكتب رقعة: البسيط
[ ٦ / ١٥٩ ]
قل للأمير جزاك الله صالحة قرم إليه التقى والمجد والدين
فهل ترى حرجًا في شرب صافية صهباء ينقب عن خرطومها الطين
وهل ترى حرجًا في نيك أرملة مسكينة ناكها قوم مساكين
فلما قرأها بلال قال: ابن بيض والله، أدخلوه، فلما دخل ابن بيض قال: ما كنت والله لأصل إليك يا فاسق إلا بالشر.
كان المغيرة بن شعبة من كبار المدنين للشراب، لم ينهه الإسلام وصحبة الرسول ﵇ حتى قال لصاحب له يوم خيبر: قدمت إلى الشراب ومعي درهمان زائفان، فأعطني زكرتين، فأعطاه، فصب في إحداهما ماء، وحتى بعض الخمارين فقال: كل بدرهمين، فكال في زكرته، فأعطاه الدرهمين فردهما وقال: هما زئفان، فقال: ارتجع ما أعطيتين فكاله وأخذه، وبقيت في الزكرة بقية فصبها في الفارغة، ثم فعل ذلك بكل خمار بخيبر حتى ملأ زكرته ورجع ومعه درهماه.
وهذا الفعل يجمع نذالة وإثمًا وخبثًا وسقوطًا.
محمد بن عبد الله الحمصي: الخفيف المجزوء
عاشر الناس بالجمي ل وسدد وقارب
واحترس من أذى الكرا م وجد بالمواهب
لا يسود الجميع من لم يقم بالنوائب
[ ٦ / ١٦٠ ]
ويحوط الأدنى وير عى ذمام الأقارب
فتفهم فإنني عالم ذو تجارب
لا تواصل إلا الشري ف الكريم الضرائب
من له خير شاهد وله خير غائب
واجتنب وصل كل وغد دنيء المكاسب
نيرب لا يزال يو قد نار الحباحب
لا تبع عرضك المصو ن بعرض المكالب
أنا للشر كاره وله غير هائب
سرق رجل من مجلس معاوية كيسًا فيه دنانير، ومعاوية يراه، فقال الخازن: يا أمير المؤمنين قد نقص من الماس كيس دنانير، قال: صدقت وأنا صاحبه، وهو محسوب لك.
شاعر: الطويل
وهبت شمالًا ما اهتدى اللص هديها أن سلالأ متى تنظر إلى الماء يبرد
تكاد رقاق القمص وهي خفيفة على الشرب تندى م نسيم لها ندي
وما أدركت في مرها لم تطر به ولو كان من أطراف قطن مزبد
قال أبو ذر: نرعى الخطائط ونرد المطائط، وتأكلون خضمًا ونأكل قضمًا، والوعد الله، قال يعقوب: الخطيطة: أرض لم يصبها مطر بين أرضين قد مطرت؛ والمطيطة: ما تسأره الإبل في الحياض فيخثر بأنفاسها، والخضم: أكل الشيء الرطب، والقضم: أكل الشيء اليابس.
[ ٦ / ١٦١ ]
قال يعقوب: هذا معلقم أي فيه مرارة.
روى الرئيس ابن العميد في أمثال العرب إذا حثت على المواساة في الشيء القليل: أطعم أخاك عقنقل الضب.
وقال: ويقال: أطعم أخاك من كلية الأرنب ويقال: لا يقوم بهذا الأمر إلا ابن إحداهما، أي ابن الداهية التي هي إحدى الدواهي.
ويقال لمن يفسد ولا يصلح: يوهي الأديم ولا يرقعه.
ويقال: الصبي أعلم بمصغى خده، أي هو أعلم بمن ينفعه.
ويقال: سطي مجر، ترطب هجر، أيتوسطي المجرة، لأنها إذا توسطت السماء أرطب النخل بهجر.
[ ٦ / ١٦٢ ]
يقال: لا يملك حائن دمه.
ويقال: رب حام لأنفه وهو جادعه.
ويقال: جاء فلان يضحك ظهرًا لبطن، أي يلتفت يمينًا وشمالًا.
ويقال للشيخ: أدبر غريره، وأقبل هريرة، والغرير: الخلق الحسن.
ويقال: خل بين أهل الخلاعة والمجانة، ويريد أهل الفحش والخنا.
ويقال: لأصحبنه صبوحًا حازرًا، إذا توعد، والحازر: لبن قد حمض.
ويقال: ما أسن الرجل إلا تقبل أباه.
ويقال: لم يبق من شيخك إلا حبقه.
ويقال: أرض من العشب بالخوصة.
ويقال: لا تكن كالباحث عن الشفرة.
ويقال: يكسو الناس واسته عارية، يعني المغزل.
[ ٦ / ١٦٣ ]
ويقال: جرى منه كلامي مجرى اللدود، يعني بلغ كل مبلغ، واللدود دواء يصب في إحدى شقي الإنسان.
ويقال: بينهم داء الضرائر.
ويقال: أنت كالخروف، أين مال اتقي الأرض بصوف.
ويقال: ما كانوا عندنا إلا كلفة الثوب.
والغزل والمحاضنة والمراودة والسمودة واحدة.
ويقال: ذهبت دماؤهم درح الرياح، أي طلت.
ويقال: إن في المرقعة لكل كريم مقنعة؛ والمقنعة: الغنى، وهو أيضًا من قنع، والقنع: الغنى.
ويقال في الدعاء السوء: زادك الله رعالة كلما ازددت مثاله؛ والرعالة: الحماقة، يقال: رجل أرعل، وامرأة رعلاء، وقوم رعل.
ويقال: إذا قل الأعوان كل اللسان.
ويقال: للجرادة: بقلة شهر وشوك دهر.
وقالت فارك لأمها بعدما نشزت على زوجها: إنه بارد الكمرة، فقال زوجها لبني عمه: يا بني عم سحنوا الكمر، فذهبت مثلًا.
[ ٦ / ١٦٤ ]
ويقال: فلان بين العصا ولحائها، إذا كان جيد المنزلة ثابت المودة.
ويقال: تركته على مثل مشفر الأسد، في الشدة والخوف.
ويقال: كلمتته فميا وجم لي وجمة ولا أظهر رحمة ولا نأم نأمة ولا وشم لي وشمة ولا هم لي ببنت شفة ولا نغى لي نغية.
ويقال: قد قلينا صفيركم.
ويقال: قوم يمصون الثماد وآخرون حلوقهم في الماء.
ويقال: ليس الرقاد للفتى بمغنم.
ويقال: استر عورة أخيك ما يعلم فيك.
ويقال: رب مخيل مخلف.
ويقال: ربما صدقك المادح.
ويقال: حتى متى نكرع وأنت لا تنقع.
ويقال: يسقيه من كل يد بكاس، والقلب بين طمع ويأس.
مثل يمثلون به: الرجز
مالك لا يقصى ولا يسرح واليأس مما لا ينال أروح
هكذا كان فس مسودة ابن العميد يقصى بالصاد ولعله: يقضي ويسرح.
ويقال: اهتك ستور الشك بالسؤال.
[ ٦ / ١٦٥ ]
ويقال: الرجز
النحب يكفيك النطى المحيلا
ويقال: شمر إذا جد بك لسير.
ويقال: كل مبذول مملول.
ويقال: ما هذا البر الطارق؟ ويقال: ما شهم حمار؟ أي ما ذعرك.
ويقال: الليل جنة كل هارب.
ويقال: اللهم قدر الأية، والأية مصدر أوى أي رحم.
ويقال: الصدق في بعض المواطن عجز.
ويقال: الأيام عوج رواجع.
ويقال: لا تنفع حيلة من غيلة.
ويقال: لا تطمع في كل ما تسمع.
ويقال: لا علة، لا علة، هذه أوتاد وأخلة.
ويقال: دع الوعيد يذهب بالبيد.
ويقال: حافظ على الصديق ولو في الحريق.
[ ٦ / ١٦٦ ]
ويقال: هلا على إبل بالدهناء؛ الدهناء تمد وتقصر.
ويقال: أنف في السماء واست في الماء.
ويقال: أنت بين كبدي وخلبي.
إلى ها هنا هو ما نقلته من مسودة ابن العميد، وكان فيها أيضًا أبيات، وهي في تشبيه الذوائب بالكرم والعناقيد.
البسيط
تسبي الحليم ببراق عوارضه من الجوازئ بين الحل والحرم
وفاحم كقضيب الكرم عقده أيدي المواشط بالحناء والكتم
آخر: الكامل
ويضل مدارها المواشط في جعد أغم كأنه كرم
ولشاعر: البسيط
يسبين قلبي بأطراف مخضبة وبالعيون وما وارين بالخمر
وارين جعدا رواء في أكمته من كرم دومة بين السيح والجدر
ترى نواطيره في كل مرقبة يرمون عن وارد الأطراف منهمر
لبعض قريش: الرجز
[ ٦ / ١٦٧ ]
جارية فوعها كروم صحيحة كأنها سقيم
كالشمس تنشق لها الغيوم
لابن مطير: الطويل
سبتني بعيني مغزل وبارد تعكف تعكيف الكروم ضفائره
كثير: الطويل
وتدرأ بالمدرى أثيثًا نباته كجنة غربيب تدلت كرومها
لمعن بن أوس: الطويل
ووحف تنثنى في العقاص كأنه عليها إذا دبت غدائره كرم
لابن مقروم: البسيط
قامت تريك غداة البين منسدلًا تخاله فوق متنيها العناقيدا
ابن مقبل: الطويل
عشية أبدت جيد أدماء مغزل وطرفًا يريك الإثمد الجون أخضرا
[ ٦ / ١٦٨ ]
وأسحم مجاج الدهان كأنه عناقيد من كرم دنا فتهصرا
سئل بعض الأعراب عن معنى هذه الآية: " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا " الكهف: ١٠٣ قال: البخيل الذي يأكل ماله غيره.
كان خالد بن صفوان بن الأهتم من سمار أبي العباس، ففخر ناس من بلحارق بن كعب وأكثروا، فقال أبو العباس: لم لا تتكلم يا خالد؟ قال: أخوال أمير المؤمنين وأهله؛ قال: فأنتم أعمام المؤمنين وعصبته، قال: خالد: ما عسى أن أقول لقوم كانوا بين ناسج برد، وقائد قرد، ودابغ جلد، دل عليهم هدهد، وغرقتهم فأرة، وملكتهم امرأة.
قالت أعرابية: أصبحنا ما يرود لنا فرس، ولا ينام حرس.
اشترى بعض الأمراء أرضًا بالبادية فقال له صاحبها: إن ترسل إليها أيها الأمير فهي أوفر من الرمانة، وإن تدعها فهي أمنع من آست النمر.
قال الحسن: البلاغة ما فهمته العامة ورضيته الخاصة.
قال ابن المقفع: إياك والتتبع لوحشي الكلام طمعًا ف نيل البلاغة، فذلك العي الأكبر.
[ ٦ / ١٦٩ ]
كاتب: تفيأ ظل الخفض والدعة، وتبوأ محل الخصب والسعة، فذا للغرض المقصود بك مخالف، وأنت بما فيه من العضيهة عارف.
السعيد من زادت مجاري القدر في استبصاره، ووقعت حوادث الغير موقعها من اعتباره.
لا عارض جنابك خورن ولا رد باعك قصر.
وانتقض من الأسباب ما هو منتظم، وامتد من الأطماع ما هو من حسم.
وضعت خدي للأيام أستعيد منها عهد الاجتماع، وأستعيذ بها من برح النزاع.
وهب كدر قوله لصفاء عقيدته، ونقصان إصابته لزيادة طاعته، فسفحت العيون دمًا، واستبيح من العزاء حمى.
سقطة صريعها لا يستقل، وسليمها لا يبل.
يستولي في النصح على الأمد، ويستمر في الذب على الوعث والجدد.
حمدًا يصعد في أطيب الكلم إلى الله، ويرجع بأدوم المزيد من الله.
نسأل الله توفيقك لكل أمر جامع في الحظ منك، بالحظ لك، وقضاء الحق عليك بالحق فيك.
نحن نستعذب مزيد الثناء عليك كما نستحسن جديد البلاء منك، ثم
[ ٦ / ١٧٠ ]
لا ترى كثير يكافئ صدق اجتهادك، كما أنك لا ترى كثير البلاء يبلغ كنه اعتقادك.
نيأل الله أن لا يخلينا من لسان طويل في الثناء عليك، ولا يخليك من باع طويل إلى كفاية اأسندناه إليك، وكلما جربناه أحمدناه، وكلما أمضيناه ارتضيناه.
حتى إذا كان طول الاستعمال يؤثر في حده، لطف الله تعالى برده إلى غمده، فصان حده من أن ينفتل، وحمى متنه من أن يحتمل.
ومن خصائص ما رفع الله تعالى بين الأولياء قدرك أنه جعل الشكر لنا ممن في وزن البر منك، فلا النعماء نقصت، ولا حقوقها بخست، بل كرم منها ورد وصدر، وطاب غرس وثمر، وزكا أول وآخر، وصفا باطن وظاهر؛ تلك منزلتك التي تبوأتها ي الجماعة، وتوطأتها في صدث الطاعة.
أهنأ التهاني موقعًا، وأزكاها موضعًا، تهنئة كان مصدرها عن صدر بالولاء معمور، وعقد بالصفاء مخبور.
سيفك من دمائهم ينطف وأقدامهم من خوفك ترجف، بهم حرس الله أكنافها، وعليهم ادر أخلافها.
به يرجع كوكب الوحشة للأفول، ويزحزح موكب الأنس للقفول.
هذا الكاتب الذي رويت عنه هذه الفصول هو أبو القاسم الإسكافي كاتب خراسان، ولم يوجد في أهل المشرق أكتب منه في زمانه، وهذا مختار مما مر في طريقته، على أنه مردود الفن بالعراق، وذلك لتكلف يسير يعتري كلامه، وتباعد في التأليف عن العادة.
[ ٦ / ١٧١ ]
سرف رجل درة رائعة لجعفر بن سليمان الهاشمي، وباعها السارق ببغداد بمال جليل، فعرفها أصحاب الجوهر، وكان قد تقدم إليهم في البحث عنها، فحملوا الرجل إلى جعفر، فلا بصر به عرفه فاستحيا منه، فقال للسارق: ألم تك طلبت مني هذه الجوهرة فوهبتها لك؟ قال: بلى أصلح الله الأمير، فقال: لا تتعرضوا له؛ فباعها الرجل بمال عظيم.
كان سليمان بن عبد الملك خرج في أيام أبيه لنزهة، فقعد يتغدى مع جماعة، فلما حان انصرافه شغل حشمه بالترحال، فجاء أعرابي فوجد منهم غفلة، فأخذ دواج سليمان فألقاه على عاتقه، وسليمان ينظر إليه، فصاح به بعض الحشم: ألق ما معك ويلك، قال: لا، ولا كرامة لك، قد خلعه علي الأمير، فضحك سليمان وقال: صدق، أنا كسوته، ومر الأعرابي كالريح.
واستلب رجل رداء طلحة بن عبيد الله، فذهب ابن أخيه يتبعه، فقال له طلحة: دعه، فما فعل هذا إلا من حاجة.
قال عبي بن عبيدة: من أنس بالساعات، أباح نفسه للغوائل.
أخذ رجل مع زنجية قد أعطاها نصف درهم، فلما أتي به إلى الوالي أمر بتجريده وجعل يضربه ويقول: يا عدو اله، أتزني بزنجية؟ فلما أكثر قال: أصلحك الله فبنصف درهم أيش كنت أجد؟ فضحك وخلاه.
[ ٦ / ١٧٢ ]
وجد قوم زنجية مع شيخ في مسجد ليلة الجمعة، وقد نومها على جنازة، فقيل له: قبحك الله من شيخ، فقال: إذا كنت أشتهي وأنا شيخ لا ينفعني شبابكم، قالوا: فزنجية؟ قال: من منكم يزوجني بعربية؟ قالوا: ففي المسجد؟ قال: من منكم يفرغ لي بيته ساعة؟ قالوا: فعلى جنازة؟ قال: من يعطيني سريره؟ قالوا: فليلة جمعة؟ قال: إن شئتم فعلت ليلة السبت، فضحكوا منه وخلوه.
قال يعقوب: يقال: تسدى فلان فلانًا إذا أخذه من فوقه وأنشد لابن مقبل: البسيط
أنى تسديت وهنًا ذلك البينا
وتسدى في المشي إذا انبسط قال يعقوب: كلب فغم: مولع بالصيد حريص عليه. ويقول العرب للكلب: ما أشد فغمه؛ ويقال: فغمتني ريح إذا سدت خسا شيمك.
ويقال: لص كذا إلى كذا إذا ضم بعضه إلى بعض؛ وأنشب أظفاره أي أعلقها؛ الهبول: الثكول.
ويقال: رجل أنسى ونس إذا اشتكى نساه؛ كما يقال أرمد ورمد، وأحدب وحدب، وأحمق وحمق، وأخرق وخرق، وشيء أخشن وخسن، وأنكد ونكد، والحجم: المص، وبه سمي الحجام؛ سمعت غيطلة القوم أي أصواتهم، وكل شجر ملتف: غيظل.
[ ٦ / ١٧٣ ]
أيام الصفرية: نحو من عشرين يومًا في آخر القيظ، وقيل البرد، ويقال: سميت الصفرية لأن المال يتصفر فهيا، أي تحسن ألوانه.
ويقال للرجل: قد عجر لقتال القوم إذا أجمع قتالهم، وقد عجر الفرس بذنبه إذا شال به أي رفع.
ويقال: جاء بثريد مصمعة إذا دققها وأحد رأسها، ومنه سميت الصومعة؛ وحرب صمعاء أي شديدة.
الجحاف: مزاحمة السيل، جحفة، يجحفه؛ يقال للرجل إذا كان غليظًا: إنه لذو كدنة، والجحاف: المزاحمة، والموادحة: الكسر، يقال: سيل جحاف وجراف وقعاف. قال الكلابي: فلان يقلف ما مر به: أي يذهب به؛ ويقال: ناس قد أجحف بهم الدهر.
كتب أبو شراعة الشاعر البصري إلى عيسى بن موسى بن موسى ابن صالح بن شيخ بن عميرة السدي: وصل كتابك بسلامة الله لك، وإجرائه إياك على جميل العافية، فسرني وآنسني، ألا وإن عهدك وودك كرها إلي الناس بعدك، فلا أجالس إلا مذمومًا، ولا أعاشر إلا ملوما، ولا أبيت بعد فراقك إلا مهمومًا.
وكتب أو شراعة إلى سعيد بن موسى بن سعيد بن مسلم بن قتيبة يستهديه نبيذًا: أما بعد، فإن في التمسك بحبلك دليلًا على حظ المائل إليك، وتمييز المختار لك، وإن المخصوص من ذلك بنعمة أجهدت الشكر، وأكلت الوصف، وما خسر قسم الزائر لك، ولا اعتاص المتخلف عنك. وللنبيذ خطلات يغتفرها لهوك، ويجل عنها صحوك، ولو كنت تشرب ما تجنبت قربك، ولا شربت إلا على رؤيتك، فاسقني ريًا، فإن الملوك لا يستحيى من مسألتهم، وإن برك ليرفع الخسيسة، ويتمم النقيصة؛ أسترعي الله جنابك،
[ ٦ / ١٧٤ ]
وأستمتعه ميل العافية لك، وفيك أقول: الخفيف
يا سعيد الندى فداك الأخلا ء وأسقاك ذو العلى من سمائه
يا فتى ما اختبرته قط إلا زادني الخبر رغبة في إخائه
غلب الدين والوفاء عليه فهو صب بدينه ووفائه
مستهام بالحمد مصغ إلى المج د جواد لذاته في عطائه
فإذا سيل كاد أن يتجلى وجهه الحر من بشاشة مائه
تنازع أحمد بن أبي خالد والسندي بن شاهك بين يدي المأمون فقال أحمد: أمير المؤمنين أفضل من آبائه قدرًا، وأرفع محلًا، فقال إبراهيم: بل أمير المؤمنين دون آبائه، وفوق غيره، وأرفع أهل دهره، فقال المأمون: يا أحمد، إن إبراهيم يبنين وأنت تهدمني، ويبرم حبل مريرتي وأنت تنقضني.
قال أحمد بن رشيد: أمر لي أحمد بن أبي خالد بمال فامتنعت من قبوله، فقال لي: إني والله أحب الدراهم، ولولا أنك أحب إلي منها ما بذلتها لك.
وقع أحمد بن أبي خالد: غررتنا بالله فحبسناك لله.
لأبي شراعة البصري: الرجز
قالت أبعد ثمد تخله
ومستراد جدب تمله
بان عليك من نعيم دله
حين عداك نهلة وعله
ومن جاور البحر كفاه قله
[ ٦ / ١٧٥ ]
ويحك هذا خير موسى كله
من جبل يؤوي معدا ظله
قد أصبحت سادتها تحله
وكلهم أضحى عليه كله
لا نزر النيل ولا معتله
مستلين العطف يعم غله
أخوك عند النائبات كله
كاتب: أنا للعناية بك معتقد، وفي حاجتك مجتهد، وللجهد فيها مستنفد.
قال أعرابي لرجل: أنت عند الأمل موثل، وعند الأجل معقل.
كاتب: بنا إلى معروفك حاجة، وبك على صلتنا قوة، فانظر في ذلك بما أنت ونحن أهله.
كاتب: كان لي فيك أملان: أحدهما لك، والآخر بك، فأما الأمل لك فقد بلغته، وأما الأمل بك فأرجو أن يحققه الله ويوشكه.
كاتب: أعارني الله حياتك وأعاذني من ارتجاعها، وأمتعني بدوام نعمتك وأجارني من انقطاعها.
كاتب: أطال الله بقاءك لرجاء تصدقه، وأمل تحققه، وعان
[ ٦ / ١٧٦ ]
تعتقه، وأسير تطلقه، ولا أزال عن الدنيا ظلك، ولا أعدم أهلها فضلك.
كاتب: أطال الله بقاء الوزير لظلم يزيله، وعرف ينيله، وحلم يطيله، وعثار يقيله، وضر يحيله، وعدو يديله، وصديق يذيله.
كاتب: وكان موقع وعده المنتظر عائدته، موقع رفده المحتضر فائدته.
كاتب: والله تعالى أوسع منيل، والعقل أهدى دليل، والأدب آنس خليل، والقناعة أوطأ مقيل، والتوكل آمن سبيل، والإخلاص أمضى حويل، والبر أحفظ كفيل.
وكتب بعض العمال إلى المهدي: أما بعد، فإن أمير المؤمنين قد شغلني بولاية الفرات عن الكسب على عيالي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر لي بسعة من الرزق يغنيني بها، ولا يضطرني بالفاثة إلى الشيطان ونزغاته، فإن المضطر إلى الميتة يأكل ما يأكل منها حلالًا، وإن المعافى يزداد بالغنى عفافًا، فعل إن شاء الله.
لما قتل عبيد الله بن زياد مسلم بن عقيل بالكوفة قال لكاتبه: اكتب إلى يزيد كتابًا، فكتب وطول، ثم أتى به عبيد الله فعرضه عليه فقال له: طولت، ثم دعا بكاتب فقال: اكتب: لعبد الله يزيد أمير المؤمنين من
[ ٦ / ١٧٧ ]
عبيد الله بن زياد، سلام عليك؛ أما بعد، فإن مسلم بن عقيل قدم الكوفة مشاقا، فآواه أهل الشقاق فبغيته، فلما خشي أن أظفر به خرج في شرذمة قليلة، لا ناصرة ولا منصورة، فهزمه الله فانجحر مجحر اليربوع، فلما نخس في ذنبه أطلع رأسه فجدعه الله وقتله، وقتل هانئًا مع، والخبر مع رسولي فليسأله أمير المؤمنين عما أحب.
فكتب إليه يزيد: من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى عبيد الله بن زياد، سلام عليك؛ أما بعد، فإنك لم تعد أن تكون كما أحب، فعلت فعل الحازم الناصح، وصلت صولة الشجاع الباسل، فقد أغنيت وكفيت وصدقت ظني بك، والسلام.
قال الحسين بن الصحاك: رأيت إبراهيم بن العباس وهو حدث يخط بين يدي أحمد بن أبي خالد، وهو إذ ذاك وزير، فرمى إليه أحمد بكتاب من قاضي الري إلى المأمون وقال له: ينبغي أن تنشيء الجواب عنه، وتنفذه إلي لأحرره. فأخذ إبراهيم الكتاب فقلبه وكتب على ظهره من غير تفكر: قد قرأ أمير المؤمنين كتابك، وفهم اقتصاصك، وأمر بإجابتك، فليكن عدلك في أقتضيتك، وحسن سيرتك في رعيتك، ما يقربك إلى الله تعالى ويدنيك من أمير المؤمنين وجميل رأيه، فاستشعر في سريرتك طاعة الله ورضاه، وفي علانيتك خشيته وتقواه: " فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " النحل: ١٢٨. قال المبرد، قال الحسين بن الضحاك، قال لي يحيى بن
[ ٦ / ١٧٨ ]
خاقان: يا أبا علي والله لستولين هذا الحديث على ديوان هذا الشاب.
قال المبرد: كان سيبويه كثيرًا ما يتمثر بهذا البيت: الطويل
إذا بل من داء به خال أنه نجا وبه الداء الذي هو قاتله
مات سيبويه بشيراز وله ثمان وثلاثون سنة.
قال المبرد: كان الأخفش أعلم الناس بالكلام، واحذقهم فيه بالجدل، وكان غلام أبي شمر على مذهبه.
قال المبرد، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال أحمد بن المعذل: لما جاءنا الأخفش ليؤدبنا قال: جنبوني ثلاثة أشياء: أن تقولوا بس، وأن تقولوا: هم كذا، وليس لفلان بخت.
قال المازني، حدثني الأخفش قال، قال لي أبو حية النميري:
[ ٦ / ١٧٩ ]
أتدري ما يقول القدريون؟ قلت: ما يقولون؟ قال: يقولون: إن الله يكلف العباد ما لا يطيقون، وصدق والله القدريون، ولكن لا نقول كما يقولون.
قال أبو حاتم: كنت والأخفش عند سعيد بن مسعدة وعنده التوزي، فقال لي: يا أبا حاتم، ما صنعت في كتاب المذكر والمؤنث؟ قلت: قد عملت في ذلك شيئًا، قال: فما تقول في الفردوي؟ قلت: مذكر، قال: فإن الله تعالى يقول في الفردوس: " هم فيها خالدون " المؤمنون: ١١ قلت: ذهب إلى الجنة فأنث، قال التوزي: يا غافل، أما تسمع الناس يقولون: الفردوس الأعلى؟ فقلت له: يا نائم، الأعلى ها هنا أفعل وليس بفعلي.
قال المبرد: مات الأخفش بعد الفراء، ومات الفراء سنة سبع ومائتين بعد دخول المأمون العراق، ومات النضر بن شميل سنة أربع ومائتين.
قال الأخفش: " فظلت أعناقهم لها خاضعين " الشعراء: ٤ يزعمون أنها على الجماعات نحو: هذا امرؤ لا أحب الشر.
وذكر رجل لرقبة بن مصقلة فقال: كان أحد بنات مساجد
[ ٦ / ١٨٠ ]
الله، كأنه جعله حصاة.
قال النضر بن شميل: استنش ني المأمون فأنشدته: المنسرح
إني امرؤ أزل، وذاك من الل هـ، أديب يعلم الأدبا
أقيم بالدار ما اطمأنت بي الدا ر وإن كنت نازحًا طربا
والنذل لا يطلب العلاء ولا يعطيك شيئًا إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لا يحسن مشيًا إلا إذا ضربا
ولم أجد عروة الخلائق إ لا الدين لما اختبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وما شد بعنس رحلًا ولا قتبا
ويحرم الرزق ذم المطية والر حل ومن لا يزال مغتربا
قال أبو زيد: يقال: أراد فلان ظلامي، أي ظلمي؛ أنشدني بعض بني أسد: الكامل
أكل المغالق صرمتي إذ أمحلوا جشعًا ولطوا دونها بظلام
[ ٦ / ١٨١ ]
قال أبو زيد: سمعت جراهة القوم وجراهيتهم، أي أصواتهم وجلبتهم، وسمعت وجأتهم. مات أبو زيد سنة خمس عشرة ومائتين وله خمس وتسعون سنة.
قال أبو زيد، قال أبو عبيدة، قال لي أبي: يا بني إذا كتبت كتابًا فالحن فيه فإن الصواب حرفة والخطأ أنجح.
أنشدنا السيرافي لخارجي في زيد بن علي بن حسين بن علي ابن أبي طالب ﵇ لما قتل: الكامل
يابا حسين والحوادث جمة أولاد درزة أسلموك وطاروا
يابا حسين لو شراة عصابة علقتك كان لوردهم إصدار
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارًا عليك ورب قتل عار
وقال لنا: أولاد درزة: الخياطون، وإنما يعني أرذال الناس وسفلتهم، وشراة عصابة: مزاح عن حقه، أراد: عصابة شراة، وإنما قالوا: نحن شراة أي نحن شرينا أنفسنا أي بعناها في ذات الله.
وأنشدنا أبو سعيد: الكامل
أولاد درزة أسلموه مبسلًا يوم الخميس لغير ورد الصادر
[ ٦ / ١٨٢ ]
تركوا ابن فاطمة الكريم جدوده بمكان مسخنة لعين الناظر
وعزاها إلى بعض الخوارج أيضًا.
سمعت بعض العلماء يقول: الضب: الحقد، والضبة كذلك؛ ويروى لعلي بن أبي طالب ﵇: البسيط
تلكم قريش تمناني لتقتلني فلا وربك ما بروا ولا ظفروا
فإن قتلت فرهن ذمتي لهم بذات ودقين لا يعفو لها أثر
زعموا أن ذات ودقين هي الضبة، يقال لها حران، فكأنه كنى عن الحقد بصفة دالة وكناية مستترة.
قال ثعلب: الكلام مبني على الحركة والسكون، فالحركة يبتدأ بها، وبالسكون يوقف، ولو كان متحركًا كله لقلق اللسان وطاش، ولو كان ساكنًا ما كان كلامًا، وباجتماع الحركة والسكون يكون كلام.
وأنشد السريع
شيخ لنا يعرف بالخلدي يريده في غلظ المردي
أدخلني يومًا إلى داره فناكني والأير من عندي
سمعت علي بن عيسى يقول: قسمة التقدير في الممكن على
[ ٦ / ١٨٣ ]
أربعة أوجه؛ فالأول: تقدير ممتنع، مثاله لو كان في هذا المحل حركة وسكون لكان متحركًا ساكنًا في حال؛ والثاني: تقدير ممكن، مثاله لو سقط حجر من رأس جبل لوصل إلى الأرض؛ الثالث: تقدير ممكن بممتنع، مثاله لو آمن أبو لهب لم يكن العالم عالمًا بأنه لا يؤمن، فهذا تقدير ممكن بممتنع؛ الرابع: تقدير ممتنع بممكن، مثاله لو كان الإنسان قديمًا، وكل قديم جسم، لكان الإنسان جسمًا، فهذا تقدير ممتنع بممكن.
أصحابنا لا يرون له طبقة في المنطق، وهو يتسع كما ترى.
قال المفجع، حدثنا الكديمي، حدثنا الأصمعي قال: وعظ أعرابي قومه فقال: يا قوم، إن يسار النفس أفضل من يسار المال، فمن لم يرزق غنى فلا يحرمن تقوى الله، فرب شبعان كاس من النعيم كان غرثان عريان من الكرم، وإن المؤمن على خير حين ترحب به الأرض وتستبشر به السماء، وإن يسأ إليه في بطنها فقد أحسن إليه على ظهرها، ومن عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء ولم يجزع فيها عند بلوى.
قال الكسائي: رحت القوم، وأنت تريد: رحت إليهم، مثل قولك: ذهبت الشام؛ وسمعت من يقول: تعرضت معروفهم: أي التمسته.
ويقال: أخرطت خريطة وأشرجتها، بمعنى واحد.
ويقال: أعبدت العبد: أي عبدته، وأنشد: البسيط
حتام يعبدني قومي وقد كثرت فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان
[ ٦ / ١٨٤ ]
ويقال: ضربته المجبة والجبوب وهي الأرض، تريد: ضربت به الأرض.
قال المفجع، قال أعرابي يهجو أمه: الرجز
شائلة أصداغها لا تختمر تعدو على الضيف بعود منكسر
حتى يفر أهلها كل مفر لو نحرت في بيتها عشر جزر
لأصبحت من لحمهن تعتذر بحلف ثج ودمع منهمر
وقال: يريد بالبيت الأول: قد قام شعرها من الخصومة والغضب، لا تلبس خمارها من مبادرتها إلى الشر. قال: ويريد بالبيت الثاني عصًا قد تكسرت من طول ما تضرب بها. يقال: اعتذر الشيء وتعذر إذا أعجز فلم يقدر عليه، وتتابع الأيمان كالماء الثجاج أنه ما عندها شيء.
قال، وقال العنبري: الرجز
ماذا يريني الليل من أهواله أنا ابن عم الليل وابن خاله
إذا دجا دخلت في سرباله لست كمن يفرق من خياله
وأنشد أيضًا: الرجز
رب خليل لك بالعراق يقرن طيب النفس بالعناق
لو تعلم الليلة ما ألاقي وما تلاقي قدمي وساقي
من الحفا وعدم السواق لم تطعم النوم من الإشفاق
قال: الكوبة: المزبلة، والكوبة: الطبل، والكوب:
[ ٦ / ١٨٥ ]
الإبريق وهو الذي لا خرطوم له واسع الرأس، وجمعه أكواب.
أريد أن أسوق ها هنا فصلًا في الطب تباعد عن بابه في الجزء التاسع واعترض النسيان دونه وبالله أستعين: قال بعض الأطباء: وأما العمل فينقسم قسمين: أحدهما حفظ الصحة، والآخر: اجتلاب الصحة.
وحفظ الصحة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: حفظ الصحة على الأبدان الصحيحة وذلك بتعديل الأسباب العامية المشتركة وهي: الهواء والأكل والشرب والنوم واليقظة والاستفراغ والاحتقان والحركة والسكون والأعراض النفسانية.
والثاني: التقدم بحفظ الأبدان التي تميل عن حال الصحة، ويكون ذلك إما باستفراغ الخلط الغالب على البدن، وإما بإيداع البدن مادة محمودة.
والثالث: تدبير الأبدان الضعيفة كأبدان المشايخ، وأبدان الصبيان، وأبدان الناقهين.
وأما اجتلاب الصحة فبثلاثة أشياء: أحدها التدبير، والآخر الأدوية، والثالث علاج البدن.
فهذه أقسام لجزأي الطب: العلم والعمل.
وأجناس المرض ثلاثة: أحدها تغير المزاج، والثاني تغير الاتصال، والثالث مرض مشترك، وسوء المزاج إما أن يكون حارًا أو باردًا أو رطبًا أو يابسًا، وهذه مفردات، وإما أن يكون حارًا يابسًا، أو حارًا رطبًا، أو باردًا رطبًا، أو باردًا يابسًا، وهذه مركبة.
قال أبو العيناء: قال لي المتوكل: امض إلى موسى بن عبد
[ ٦ / ١٨٦ ]
الملك، واعتذر إليه، ولا تعرفه أني وجهتك، فقلت له: تستكتمني بحضرة ألف؟ قال: إنما عليك أن تنفذ فيما تؤمر به، فقلت: وعلي أن أحترس مما أخاف منه.
قال الكندي: من ذل البذل أنك تقول نعم مطأطئًا رأسك، ومن عز المنع أنك تقول لا رافعًا رأسك.
قال أبو رواحة الباهلي، حدثنا سعيد بن سلم قال: دخلت على الرشيد فجهرني وملأ قلبي، فلما لحن خف علي أمره.
قالت فاطمة بنت علي بن الحسين ﵃: ما تحنأت امرأة منا ولا امتشطت ولا اكتحلت بعد قتل الحسين حتى بعث المختار برأس عبيد الله بن زياد.
قال أبو مسهر: كتب الحجاج إلى عبد الملك: أما بعد، أصلح الله أمير المؤمنين، فإن النفاق قد فرخ بيضه في العراق، وشب فيها وأشيب، ووكر فيها وقر، وأوطن عقر دارها، ونفث حمته عل أهلها، فلكل ناعق
[ ٦ / ١٨٧ ]
مجيب، ولكل داع ملب، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في اجتثاث هذه العروق الناجمة، استئصال هذه المقادح الناشبة فعل، فإن في ذلك صلاح جنده ودهمائه.
فكتب إليه عبد الملك: أما بعد يا حجاج، فمه، فلا أرب لأمير المؤمنين في تسليط عاديتك، وإعمال فورتك، وغرسال حيفك، لا يفعل ذلك أمير المؤمنين ما خمدت نارها، وقل شغب من فيها.
قال العباس بن محمد لمؤدب بنيه: إنك قد كفيت أعراضهم، فاكفني آدابهم، علمهم كتاب الله جل وعز، فإنه عليهم نزل، ومن عندهم فصل، فإنه كفى بالمرء جهلًا أن يجهل فضلًا عند أحد، وفقههم في الحلال والحرام فإنه حابس أن يظلموا، وغذهم بالحكمة فإنها ربيع القلوب، والتمسني عند آثارك فيهم تجدني.
قال الحباب بن الحسحاس عن أبيه، سمعت زيادًا الأعجم ينشد: الوافر
ألم تر أنني وترث كوسي لأنكع من كلاب بني تميم
قال القحذمي عن بعض أشياخه، قال جرير لزياد الأعجم: يا
[ ٦ / ١٨٨ ]
أبا أمامة، إنه عسى أن تنكع فلا تعجل حتى يتبين لك، فقال زياد: كل ما شئت إذا كنت كلبًا.
قال عدي بن الفضل: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب بخناصرة ويقول: أيها الناس، إن يكن لأحدكم رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأته، فأجملوا في الطلب.
وقال الزبيري: ما أحدث الناس مروءة أحب إلي من طلب النحو.
قال أبو الأسود الدؤلي: إني لأجد للنحو سهوكًا كسهك العمر.
قال أبو العيناء: كتب أحمق إلى أبيه من البصرة: كتابي هذا، ولم يحدث علينا بعدك إلا خيرًا، والحمد لله، إلا أن حائطنا وقع فقتل أمي وأختي وجاريتنا، ونجوت أنا والسنور والحمار، فعلت إن شاء الله.
قال الصولي، قال أحمد بن محمد بن إسحاق: تذاكرنا فضل المبرد عند المعتضد فقال: ما رأى مثل نفسه، دخل إلى عيسى بن
[ ٦ / ١٨٩ ]
فرخانشاه وقد رضي عنه بعد أن غضب عليه فقال له: أعزك الله، لولا تجرع مرارة الغضب لم نلتذ بحلاوة الرضا، ولا يحسن مديح الصفو إلا عند ذم الكدر، ولقد أحسن البحتري حيث يقول: البسيط
ما كان إلا مكافاة وتكرمة هذا الرضا وامتحانًا ذلك الغضب
وربما كان مكروه الأمور إلى محبوبها سببًا ما مثله سبب
هذي مخايل برق خلفه مطر وذاك وري زناد خلفه لهب
وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه وأول الغيث قطر ثم ينسكب
فقال له عيسى: أطال الله بقاءك، وأحسن عنا جزاءك، فأنت كما قال أبو نواس: الرجز
من لا يعد العلم إلا ما عرف
كالبحر ما نشاء منه نغترف
رواية لا تجتنى من الصحف
وأنا أصل البحتري لتمثلك بشعره، ووصله بنحو من صلته.
قال القطربلي في كتابه: كان أبو العباس من العلم وغزارة المعرفة، وكثرة الحفظ وحسن الإشارة، وصحة اللسان وبراعة البيان، مع ركانة المجالسة وكرم العشرة، وبلاغة المكاتبة وحلاوة المخاطبة، وجودة الخط وصحة
[ ٦ / ١٩٠ ]
القريحة، وتقريب الفهام وواضح الشرح، على ما ليس عليه أحد.
قال ابن كيسان، قلت للمبرد: ثعلب أعلم أهل زمانه فقال: السريع
أقسم بالمبتسم العذب ومشتكى الصب إلى الصب
لو كتب النحو عن الرب ما زاده إلا عمى القلب
فأعدت على ثعلب بعد إلحاح منه فأنشدني: السريع
شاتمني عبد بني مسمع فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له من ذا يعض الكلب إن عضا
قال شيخ من النحويين: من تكون زائدة، وتكون تجنيسًا، وتكون ابتداء غاية، وتكون تبعيضًا.
فقول الله تعالى " وأنزلنا من السماء ماء " المؤمنون: ١٨ وقوله تعالى: " وينزل من السماء من جبال فيها من برد " النور: ٤٣ ابتداء غاية من حال تبعيض ومن برد تجنيس.
وقيل في قوله تعالى " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " النور: ٣٠ ولم يقل: يغضوا أبصارهم، لأنه لم يحظر عليهم غض الأبصار في ملك اليمين.
[ ٦ / ١٩١ ]
سألت ابن الخليل عن مثنيات مرت في الجزء التاسع وهي: قلت له: ما الأسودان؟ قال: الفحم والحمم، وهذا خلاف ما قاله الجمهور.
قلت: فما الأبيضان؟ قال: السرور والنعم.
قلت: فما الأسوءان؟ قال: الثكل واليتم.
قلت: فما الأعجمان؟ قال: العي والبكم.
قلت: فما الأفخران؟ قال: العرب والعجم.
قلت: فما الأنقصان؟ قال: الحب والعقم.
قلت: فما الأشهران؟ قال: الطبل والعلم.
قلت: فما الأبخلان؟ قال: الجدب والعدم.
قلت: فما الأكذبان؟ قال: الآل والحلم.
قلت: فما الأصدقان؟ قال: العهد والقسم.
قلت: فما الأوضران؟ قال: اللحم والوضم.
قلت: فما الأرفعان؟ قال: البشر والسلم.
قلت: فما الأوحشان؟ قال: المقت والسأم.
قلت: فما الأوفقان؟ قال: الملك والحشم.
قلت: فما الأعودان؟ قال: البيض والهمم.
قلت: فما الأنكدان؟ قال: اليأس والندم.
قلت: فما الأعدمان؟ قال: السيل والضرم.
قلت: فما الأقطعان؟ قال: السيف والقلم.
[ ٦ / ١٩٢ ]
قلت: فما الأقومان؟ قال: الدين والحسب قلت: فما الأمنعان؟ قال: الحصن والحرم.
قلت: فما الأنفسان؟ قال: المجد والكرم.
قلت: فما الأعليان؟ قال: الهام والقمم.
قلت: فما الأشبهان؟ قال: الراح والنعم.
قلت: فما الأنفسان؟ قال: النفس والندم.
قلت: فما الأغزران؟ قال: البحر والديم.
قلت: فما الأشينان؟ قال: الدع والهتم.
وكان قد ألقى علينا هذه الحروف ثم سألناه عنها فأجاب، ولا أدري أهو أبو عذرتها أم لا، وكان حافظًا غزير الحفظ حديد الخاطر حاضر البديهة، وقد رويت عنه طرائف.
سئل أبو حامد، وأنا أسمع، عن رجل حلف أن لا يدخل هذه الدار، فهدمت ثم بنيت، فقال: قد سقطت اليمين، ومتى دخل لم يحنث، لأن هذه غير تلك؛ ألا ترى أنه لو دخلها مهدومة لم يحنث، وكأنه دخل دارًا أخرى. قال: وهكذا إن حلف لا يلبس هذا القميص، ففتق ثم خيط، أو لا يستعمل هذه السكين فنزعت ثم عملت، ولا يلبس هذا الخاتم فكسر ثم صيغ.
فقال له بعض الحاضرين: إن أعيدت الدار على هيئتها الأولى فإن الداخل يحنث لأنها هي، وإن بنيت في الحال الثانية مخالفة لأشكالها المتقدمة لم يحنث؛
[ ٦ / ١٩٣ ]
قال: وإنما لحق الدار ما يحلق الرجل من المرض؛ ألا ترى أن رجلًا لو حلف أن لا يكلم زيدًا، ثم مرض زيد ثم برأ، أن الحالف على يمينه لم يحنث ومتى فاتحه الكلام حنث، كذلك الدار، فضحك منه. قيل له: لو ولدت على الحقيقة لقلت: هدم الدار كموت زيد، واستهدامها كمرضه، فقال: لا شك أن زيدًا لو مات ثم عاش بقدرة الله أن الحالف على يمينه لا يحنث، ومرضه يقوم مقام موته؛ فقال له أبو حامد: فإن حلف لا يكلم عمرًا فمات عمرو فكلمه زيد، هل يحنث؟ قال: لا، فإنه ليس على هيئته حين انعقدت اليمين، فسخف به ولم يكلم.
قال جعفر بن محمد ﵁: معنى قوله: " لئن شكرتم لأزيدنكم " إبراهيم: ٧ لئن شكرتم هدايتي لأزيدنكم ولايتي، ولئن شكرتم ولايتي لأزيدنكم قربي، ولئن شكرتم قربي لأزيدنكم رؤيتي.
قال الجنيد الصوفي في قوله " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " العنكبوت: ٤٥: الفحشاء مشاهدة الدنيا بالنزاع إليها، والمنكر مطالعة الآخرة بالاقتصار عليها، والصلاة تنهى عنهما جميعًا، ويشير إلى توحيد الحق بمحو الخلق.
للصوفية إشارات سليمة وألفاظ صحيحة ومرامات بعيدة، وفيها حشو كثير وفوائد جمة، وكان ظبي أني سأتفرغ لإفراد جزء من الكتاب لوساوسهم وملحهم، ونوادرهم وحقائقهم، لكني عجزت عجزًا أوضح عذري، وكشف حجتي، ولو لقط من أثناء الكتاب ما يشاكل عبارتهم ويطابق إشارتهم لكان له موقع وأثر، وإذا أتاح الله لي فرجًا وقيض لي مخرجًا فرعت همتي لنظم جزء من نحو هذا الفن، نعم، وأتكلف أيضًا جزءًا ثانيًا في غرائب كلام الفلاسفة، فإن التصوف والفلسفة يتجاوران ويتزاوران، وإن كان قد مر في الكتاب ما يعجز جمعه.
[ ٦ / ١٩٤ ]
قال فيلسوف: كما أن الخنفساء تكره الرائحة الطيبة، كذلك من لا لطافة له يكره الموسيقى.
وقال سقراط: ما جاعت نفسي قط إلا صفا ذهني.
قال بوزون: النفس إذا فارقت الجسد صارت خالصة خالدة، لأنها إذا فارقته لا تألم.
قال أفلاطون: لست صورة ولكني متصور، قال: والدليل عليه أني جزء ولست بكل.
قال ابن دريد، أخبرني أبو حاتم، أنشدني أبو عبيدة لقطري بن الفجاءة: البسيط
يا رب ظل عقاب قد وقيت بها مهري من الشمس والأبطال تجتلد
ورب يوم حمى أرعيت عقوته خيلي اقتسارًا وأطراف القنا قصد
ويوم لهو لأهل الخفص ظل به لهوي اصطلاء الوغى وناره تقد
مشهرًا موقفي والحرب كاشفة عنها القناع وبحر الموت يطرد
ورب هاجرة تغلي مراجلها مخرتها بمطابا غارة تخد
تجتاب أودية الأفزاع آمنة كأنها أسد تقتادها أسد
فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمدًا على الطعان وقصر العاجز الكمد
[ ٦ / ١٩٥ ]
ولم أقل لم أساق اقتل شاربه في كأسه والمنايا شرع ورد
ثم قال لي: هذا هو الشعر، لا ما تعللون به أنفسكم من أشعار المخانيث.
قال يعقوب، قال أبو صاعد: رحبت الأرض إذا اتسع ربيعها واتصل، فتشبع النعم أينما دارت؛ قال: ويقال: أرض ملتفعة إذا كان بقلها بعضه إلى جنوب بعض ملتصقًا؛ قال، وقال أبو القاسم: يقال: أرض ملتفعة خضراء إذا وصفت بالخضرة وأرض مستطيلة بالخضرة؛ قال، وقال أبو حامد: يقال: ائتصر النبت إذا كانت عروقه مؤتصرة أي متقابلة قوية ثخينة، ويقال: أرض مؤتصرة الكلأ؛ أبو عمرو: يقال: ائتصر النبت إذا طال، وهو من الأصير، يقال: هدب أصير إذا كان ثخينًا، وأنشد: الوافر
لكل منامة هدب أصير
قرئ على السيرافي وأنا أسمع، قرأه عبد السلام البصري، أخبركم ابن دريد قال، أنشدني بندار بن إبراهيم الكرخي: الطويل
[ ٦ / ١٩٦ ]
أي طويل مستدير وطوله كشبر أو أدنى أو يزيد أقله
وفي رأسه شق وثقب بطوله وليس بذي نفع إذا لم تبله
هكذا قال.
وقرئ عليه: سكر مزبد يومًا وجاء إلى امرأته فقالت: أسأل الله أن يبغض إليك النبيذ، فقال: وإليك القبيب.
قال، وقرئ عليه: قيل لمديني: أتحب رمضان؟ قال: ما أتهنأ بشهور سائر السنة من أجله فكيف أحبه؟ ومر ابن أبي علقمة على جماعة من عبد القيس، فضرط بعض فتيانهم فالتفت إليهم فقال: يا عبد القيس كنتم فسائين في الجاهلية فصرتم ضراطين في الإسلام، وإن جاء آخر خريتم.
وقال الرشيد لجمين: لم لا تدخل على محمد بن يحيى؟ قال: أدخل يا أمير المؤمنين وأنا أكسى من الكعبة وأخرج وأنا أعرى من الحجر الأسود.
رأى رجل مزبدًا وهو يستنجي ويطيل الغسل لآسته فقال: إلى كم تلبقها؟ قال: حتى تتنظف وأسقيك فيها سويقًا.
[ ٦ / ١٩٧ ]
وسمعت أبا سعيد يقول، قال ابن السراج: دخلنا على ابن الرومي في مرضه الذي توفي فأنشد لنفسه: الكامل المجزوء
ولقد سئمت مآربي فكأن أطيبها خبيث
إلا الحديث فإنه مثل اسمه أبدًا حديث
وقرئ على أبي سعيد: رؤي مزبد مع امرأة، فقيل له: ما تريد منها؟ قال: أناظرها في شيء من النكاح.
وقرئ: وقيل له: ما تقول في القبلة؟ قال: الفطام قبل اللطام.
وسمعت أبا سعيد يقول: ذكروا أنه كان لرجل ولدان فقتل أحدهما أخاه، فعفا الأب عن الابن الثاني ووهب له جرمه، فذكر ذلك للملك فقال: لا يقبل قول الأب وليس إلا أن يقاد بأخيه، فقتل، فزعموا أن أباهما ذهل عقله، وكان يدور في الطرقات ويقول: كان لي ولدان قتل أحداهما أخاه، وقتل الآخر الملك.
وجرت في مجلسه مسألة وهي: هل يصح أن يقال: هذا هذا هذا هذا هذا هذا، فقال: تجعل الأول مبتدأ، والثاني توكيدًا، والثالث فعلًا من قولك: هاذي يهاذي من المهاذاة، والرابع توكيدًا للفعل، والخامس مفعولًا به، والسادس توكيدًا للمفعول به.
[ ٦ / ١٩٨ ]
سمع الجاحظ رجلًا ينشد: الرمل المجزوء
إنما الراح شقيقي وحليفي وأليفي
فهو فروي في شتائي وهو خيشي في مصيفي
فقال له: لو عرف النبيذ حسن رأيك فيه لحاباك وقت السكر.
كان الحارث بن هشام المخزومي في وقعة البرموك، ويها أصيب، فأثخنته الجراح، فاستسقى ماء فأتي به، فلما تناوله نظر إلى عكرمة بن أبي جهل صريعًا في مثل حاله، فرد الإناء على الساقي وقال: امض به إلى عكرمة ليشرب أولًا فإنه أشرف مني، فمضى به إليه فأبي أن يشرب قبله، فرجع إلى الحارث فوجده ميتًا، فرجع إلى عكرمة فوجده ميتًا.
قال غلام لأبيه: أسمع الأصمعي يردد بيتين لا أرى فيهما ما يرى، قال: وما هما يا بني؟ قال: قوله: الطويل
سقى الله أيامًا مضت لسن رجعًا إلينا وعصر العامرية من عصر
ليالي أعطيت البطالة مقودي تمر الليالي والشهور ولا أدري
فقال: يا بني، لو كنت عاشقًا لرأيت فيهما أضعاف ما يرى.
[ ٦ / ١٩٩ ]
أنشد أبو العيناء قول الشاعر: الطويل
وفي أربع مني حلت منك أربع فما أنا أدري أيها هاج لي كربي
أوجهك في عيني أم الريق في فمي أم النطق سمعي أم الحب في قلبي
فقال لقد قسمها قسمة حسنة.
دخل ابن أبي علقمة على بلال بن أبي بردة وحمزة بن بيض ينشده: الطويل
ومن لا يرد مدحي فإن مدائحي نوافق عند الأكرمين نوامي
نوافق عند المشتري الحمد بالندى نفاق بنات الحارث بن هشام
فقال ابن أبي علقمة: يا ابن أخي، وما بلغ من نفاق بنات الحارث قال: كان يزوجهن ويسوقهن ومهورهن إلى بعولتهن، فقال له ابن أبي علقمة: يا ابن أخي، والله لو فعل هذا إبليس ببناته لتنافست فيهن الملائكة المقربون.
[ ٦ / ٢٠٠ ]
أنشد ثعلب: الطويل
ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على حدب المطايا رحالنا ولا ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطي الأباطح
وأنشد: الكامل
ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح
وأنشد الطويل
ولأئمة لامتك يا فيض في الندى فقلت لها هل يقدح اللوم في البحر
أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر
مواقع جود الفيض في كل بلدة مواقع ماء المزن في البلد القفر
كأن وفود الفيض يم تحملوا إلى الفيض لاقوا عنده ليلة القدر
خاصم أحمد بن يوسف رجلًا بين يدي المأمون، فكان قلب
[ ٦ / ٢٠١ ]
المأمون على أحمد، فعرف أحمد ذلك فقال: يا أمير المؤمنين، إنه يستملي من عينيك ما يلقاني به، ويستثير من حركتك ما تجنه له، وبلوغ إرادتك أحب إلي من بلوغ إرادتي، ولذة إجابتك آثر من لذة ظفري، وقد تركت له ما نازعني فيه، وسلمت إليه ما طلبني به؛ فشكر له المأمون ذلك.
قال أحمد بن يوسف: البغضاء تجلب الغموم وتثير الهموم، وتمر العذب وتؤلم القلب، وتقدح في النشاط وتطوي الانبساط.
أنشد لنهار بن توسعة: الكامل
قدمت صدر السيف ثم تبعته كالفجر مد عموده المنجابا
في مظلم الأرجاء يؤنسني به سيف وقلب لم يكن وجابا
كان أحمد بن يوسف يكتب بين يدي المأمون، فطلب المأمون منه السكين، فدفعها إليه والنصاب في يده، فنظر إليه المأمون نظر منكر فقال: على عند فعلت ذلك ليكون الحد لأمير المؤمنين على أعدائه؛ فعجب المأمون من سرعة جوابه وشدة فطنته.
[ ٦ / ٢٠٢ ]
وكتب أحمد بن يوسف إلى إبراهيم بن المهدي: قد أحلك الله من الشرف أعلى ذروته، وبلغك من الفضل أبعد غايته، فالآمال إليك مصروفه، والأعناق نحوك معطوفة، إليك تنتهي الهمم السامية، وعليك تقف الظنون الحسنة، وبك تثنى الخناصر بعد الأكالبر، ونحوك تساق الرغائب وتستفتح أغلاق المطالب، ولا يستبطئ النجح من رجال، ولا تعروه النوائب في ذراك.
قال عبد الله بن طاهر في علته: لم يبق علي من لباس الزمان إلا العلة والخلة، وأشدهما علي أهونهما على الناس، لأن ألم جسمي بالأوجاع أهون علي من ألم قلبي بالحق المضاع.
قال يعقوب: يقال: قد أزبأر شعره.
قال ابن الأعرابي، يقال: أصبحت الأرض غديرًا واحدًا إذا اعتم نبتها وخضل وندي، والتبس في غضاضة وري؛ ويقال: أرض مأبورة، إذا علاها الماء.
قال يعقوب: أثفت القدر وثفيتها وأثفيتها، ورماه بأثفية: أي بحجر يملأ الكف؛ ورجل مثفى: يموت عنه النساء، وامرأة مثفاة: تموت عنها الأزواج.
قال علي بن عبيدة: عين الدهر تطرف بالمكاره، والخلائق بين أجفانه.
[ ٦ / ٢٠٣ ]
قال إبراهيم بن العباس: والله لو وزنت كلمة رسول الله ﷺ بمحاسن الناس لرجحت، وهي قوله: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم؛ هذا أبو عباد كان كريم العهد كثير البذل سريعًا إلى فعل الخير، فطمس ذلك سوء خلقه، فما يرى له حامد.
وقع ابن يزداد في وزارته إلى عامل اعتد بباطل: ما يبين لنا منك حسن أثر، ولا يأتينا عنك سار خبر، وأنت مع ذا تمدح نفسك، وتصف كفايتك، والتصفح لأفعالك يكذبك، والتتبع لآثارك يرد قولك، وهذا الفعل إن اتكلت عليه وأخلدت إليه، أعلقك الذم وألحقك العجز، فليكن رائد قولك مصدقًا لموجود فعلك، إن شاء الله.
شاعر أعرابي: الطويل
لا تعذلن النبع فالنبع إنما مكاسرة تبدو غداة التغالب
فليس بغاث الطير مثل صقورها وليس الأسود الغلب مثل الثعالب
وليس العصي الصم كالجوف خبرة وليس البحور في الندى كالمذانب
[ ٦ / ٢٠٤ ]
قال القاسم بن معن: من لم يرو أشعار المحدثني لم يظرف.
قال المبرد: ليس بقدم العهد يفضل القائل، ولا يحدثان عهد يهتضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق، ألا ترى كيف يفضل قول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير على قرب عهده: الطويل
تبحثتم سخطي فغير بحثكم نخيلة نفس كان نصحًا ضميرها
ولن يلبث التخشين نفسًا كريمة عريكتها أن يستمر مريرها
وما النفس إلا نطفة بقرارة إذا لم تكدر كان صفوًا غديرها
وأنشد لبشار: الكامل
والله ما جمر الغضا متوقدا بأحر من حرق الهوى المتضرم
والله ما رمت السلو عن الهوى إلا وقلبي يستشيط على دمي
والله ما لي عن هواك معرج إلا إليه فأخري أو قدمي
يا عبد لو أبصرتني وتقلبي ليلي الطويل عجبت أن لم ترحمي
[ ٦ / ٢٠٥ ]
أيقنت أني من من هواك مسابق أجلي علمت بذاك أو لم تعلمي
أنشدني الأندلسن: الرمل
لي صديق وهو عندي عوز من سداد لا سداد من عوز
قال أبو عمرو الشيباني في كتاب العار والساعد؟: وكان يقال للرجل: تذكر شيخًا وتتنحى عنه، أي هو فوق ذلك؛ ويقال: له جمة فينانة، هي جمة كثيرة الذوائب.
قلت للسيرافي: ما يقال للشاطر؟ قال، الملغ، قلت: فما الملط؟ قال: الخبيث.
وقال كعب بن زهير: الطويل
أنا ابن الذي لم يخزني في حياته ولم أخزه لما تغيب في الرجم
أقول شبيهات بما قال عالم بهن ومن يشبه أباه فما ظلم
وأشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم
وقال أعرابي: البسيط
أغلظ خزيرك واعلم حين تصنعه ما في استراط الرويثيين تفتير
طالت بلاعيمهم للقم وامتقعت وفي العلابي وألأوداح توتير
لو توقد النار دون الزاد جامعة طاح الرويثي فيه وهو محضير
[ ٦ / ٢٠٦ ]
ما بين لقمته الأولى إذا أخذت وبين أخرى تليها قيس أظفور
قال النضر بن شميل: كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت عليه ذات ليلة، وعلي قميص مرقوع فقال: يا نضر، ما هذا التقشف؟ أتدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ ضعيف وحر مرو شديد فأتبرد بهذه الخلقان، قال: لا، ولكنك قشف. وأجرينا الحديث، فجرى ذكر النساء فقال: حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان في ذلك سداد من عوز، قلت: صدق أمير المؤمنين، حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن علي بن أبي طالب الحديث كان فيها سداد من عوز، وكان متكئًا فاستوى جالسًا فقال: يا نضر، كيف قلت؟ قلت: يا أمير المؤمنين، السداد ها هنا لحن، قال: وكيف؟ قلت: إنما لحن هشيم، وكان لحانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد: القصد في الدين والسداد: البلغة، وكل ما سددت به شيئًا، قال: أو تعرف العرب
[ ٦ / ٢٠٧ ]
ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول: الوافر
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
قال: قبح الله من لا أدب له، ثم وصلني بخمسين ألف درهم.
شاعر: الرمل المجزوء
دمعة كاللؤلؤ الرط ب على الخد الأسيل
هطلت في ساعة الب ن من الطرف الكحيل
إنما يفتضح العش اق في وقت الرحيل
قال أبو مسلم بن أبي معمر، أنشدني أبو الحسين ابن أبي البغل وقد رد عن طريق أصفهان إلى بغداد: الرمل المجزوء
أمل كان مكان الشم س في بعد المكان
فدنا حتى إذا صا ر بلمس وعيان
استردته يد الده ر فعدنا في الأماني
أعرابية: الطويل
من النفر الشوس الذين طعامهم سمام وأيديهم ثمال ذوي الفقر
[ ٦ / ٢٠٨ ]
مغاوير مناعون للبيض والقنا وجودًا على المتناب في العسر واليسر
وإنا لنعلي بالعبيط لضيفنا ويرخص فينا في الجفان وفي القدر
وننتاب حتى ما تهر كلابنا غريبًا وما نعضي عيونًا على قهر
وتطعم حتى يترك الضيف فضلنا إذا بل في أطرافنا سبل القطر
يبصبصن لأضياف كلبي تألفا وإن رام نبحًا لم يعش في بني نصر
قيل ليحيى بن معين: أكان أبو حنيفة يكذب في الحديث؟ قال: كان أنبل من أن يكذب.
قال ابن راهويه: كان أبو حنيفة يفتي ديانة، وكان الشافعي يفتي تفقها.
قال أحمد بن حرب: أبو حنيفة في العلماء كالخليفة في الأمراء.
وقال أبو عاصم النبيل: كان أبو حنيفة يقال له الوتد لكثرة صلاته.
[ ٦ / ٢٠٩ ]
قال ابن عباس: نظر رسول الله ﷺ إلى الكعبة فقال: مرحبًا بك من بيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والله إن المؤمن أعظم حرمة عند الله منك، لأن الله حرم منك واحدة ومن المؤمن ثلاثة: دمه وماله وأن يظن به ظن السوء.
قال عبد الرحمن بن أحمد: سمعت أبا العيناء يقول: ما قطعني أحد قبل المهتدي، قال لي: بلغني أنك تغتاب الناس، فقلت: يبطل ما قيل علي شغلي بعيني، قال: ذاك والله أشد لتغيظك على أهل العافية.
قال المتوكل لأبي العيناء: أكان أبوك مثلك في البيان؟ قال؟ والله يا أمير المؤمينن لو رأيته لرايت والله عبدا لك لا ترضاني أكون عبدًا له.
وقال أبو العيناء: أنا أول من أظهر العقوق بالبصرة، قال لي أبي: يا بني، إن الله قرن طاعته بطاعتي فقال تعالى " أن اشكر لي ولوالديك " لقمان: ١٤ فقلت: يا أبة إن الله ائتمنني عليك ولم يأتمنك علي فقال " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق " الإسراء: ٣١.
قال المتوكل لأبي العيناء: إني لأفرق من لسانك، قال: يا أمير المؤمنين، إن الشريف فروقة ذو إحجام، وإن اللئيم ذو منة وإقدام.
[ ٦ / ٢١٠ ]
ذكر أبو العيناء الصحابة فقال: هم الذين جلوا بكلامهم الأبصار العليلة، وشحذوا بمواعظهم الأذهان الكليلة، ونبهوا القلوب من رقدتها، ونقلوها من سوء عادتها، فشفوا من داء الشقوة، وغباوة الغفلة، وداووا من العي الفاضح، ونهجوا سبل الطريق الواضح، رحمة الله عليهم أجميعن.
قال أبو العيناء، قال أبو زيد البلخي النحوي، قال أبو عمرو بن العلاء: ما رأينا شيئًا يمنع سؤددًا إلا وجدناه في سيد من السادات: أول ذلك الحداثة تمنع السؤدد وقد ساد أبو جهل قريشًا وما طرشاربه، ودخل دار الندوة وما استوت لحيته؛ والبخيل لا يسود وقد ساد أبو سفيان بن حرب؛ والعاهر لا يسود وقد ساد عامر بن الطفيل؛ والظالم لا يسود وقد ساد كليب وائل وحذيفة بن بدر؛ والأحمق لا يسود وقد ساد عيينة بن حصن، وقليل القوم لا يسود وقد ساد شبل بن معبد بلا عشيرة؛ والفقير لا يسود وقد ساد عتبة بن ربيعة.
[ ٦ / ٢١١ ]
والأخلاق المانعة للسؤدد الكذب والكبر والسخف والتعرض للعيب وفرط العجب؛ وأنشد: الرجز
لا بد للسؤدد من أرماح ومن سفيه دائم النباح
ومن عديد يتقى بالراح
قال أبو عمرو بن العلاء: إن أهل الجاهلية لا يسودون إلا من تكاملت فيه ست خصال: السخاء والنجدة والصبر والبيان والحلم وتمامهن الإسلام.
قال الأصمعي: وسئل أبو عمرو بن العلاء عن أكرمك الله فقال: محدثة، فقيل له: ما تقول في الحلف بحق رسول الله؟ فقال: حلفة محدث.
قال عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني: ضرب في الله بالسياط عبد الله بن ذكوان أبو الزناد، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ومالك بن أنس، وأبو عمرو بن العلاء، ضربه عبيد الله بن زياد، وسعيد بن المسيب،
[ ٦ / ٢١٢ ]
وعطية العوفي، وثابت البناني، وعبد الله بن عون، ويزيد الضبي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وحبس الربيع بن أنس ثلاثين سنة حتى مات في الحبس؛ وحبس إبراهيم بن الربيع التيمي في حبس واسط فمات فرمي به في الخندق، ولم يستجرئ أحد أن يدفنه حتى مزقته الكلاب؛ وإبراهيم الصائغ ضرب حتى مات؛ وأحمد بن حنبل ضرب بالسياط.
قال أبو عمرو بن العلاء: إن عتبة بن ربيعة قال لبنته: إنما خطبك إلي رجلان، خطبك السم ناقعًا وخطبك الأسد عاديًا، فأيهما أحب إليك أن أزوجك؟ قالت: الذي أكل أحب إلي من الذي يؤكل، فتزوجها أبو سفيان وهو الأسد العادي؛ والسم الناقع هو سهيل بن عمرو.
قال عبد الوارث بن سعيد، قال أبو عمرو بن العلاء: كانت وقعة الحرة بالمدينة وبها ألف عين تنظر، قد رأت رسول الله، قتل أكثرهم،
[ ٦ / ٢١٣ ]
والله لو أنها عين واحدة لوجب أن تصان وتحمى؛ قال عبد الوارث: صدق أبو عمرو، وكان والله ثقة صدوقًا.
أبو عمرو عن رجل قال: الرجز
أفلح من كانت له كرديده يأكل منها وهو ثان جيده
الكرديدة: الغدرة من التمر.
قال أبو عمرو بن العلاء: ذاكرني أبو حنيفة بشيء فقلت: هذا بشع، فقال: ما معنى بشع؟ فعجبت من ذلك.
سمع أبو عمرو أبا حنيفة يتكلم في الفقه ويلحن، فاستحسن كلامه واستقبح لحنه، فقال: إنه لخطاب لو ساعده صواب، ثم قال لأبي حنيفة: إنك أحوج إلى إصلاح لسانك من جميع الناس.
قال أبو عمرو بن العلاء للأعمش: ما معنى ننكسه، إنما التنكيس لترديد الفعل إنما هو ننكسه، لأن الله جل اسمه لم يفعل هذا بالمعمر إلا مرة.
قال الفضل بن مروان، قال لي المأمون، كان الرشيد يقول:
[ ٦ / ٢١٤ ]
وددت أن لك بلاغة محمد وأن علي غرم كذا وكذا.
قال الفضل: سمعت محمدًا يقول وقد عرض عليه كتاب: كلام بليغ وليست له حلاوة، مثله مثل طعام طيب ليست له لطافة.
وقال عبد الله بن صالح: سمعت محمدًا يقول لكاتب بين يديه: دع الإطناب والزم الإيجاز، فإن للإيجاز إفهامًا كما أن مع الإسهاب استبهامًا.
قال أبو سهل الرازي: كنت واقفًا على رأس الأمين فقال لكاتب بين يديه: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله محمد أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسين؛ أما بعد، فإن الأمر قد خرج بيني وبين أخي إلى هتك الستور، وكشف الحرم، ولست آمن أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد، لشتات ألفتنا، واختلاف كلمتنا، وقد رضيت أن تكتب لي أمانًا فأرج إلى أخي به، فإن تفضل علي بالعفو فأهل ذلك هو، وإن قتلني فمروة كسرت مروة، وصمصامة قطعت صمصامة، وأن يفترسني الأسد أحب إلي من أن تنهشني الكلاب. وأمر بختم الكتاب وأرسله مع ثقة إلى طاهر، فلما قرأه طاهر قال: الآن حين انحرف عنه مراقه وفساقه، وبقي مخذولًا معلولًا، يلوذ بالآمال؟! لا والله، أو يجعل في عنقه ساجورًا ويقول: ها أنا ذا قد نزلت على حكمك، فقلنا له: فما الجواب؟ قال: ما سمعتم، فانصرفنا إلى محمد بالخبر فقال: كذب العبد السوء العاض هن أمه، والله ما أبالي وقعت على الموت أو وقع علي الموت.
[ ٦ / ٢١٥ ]
أبو العتاهية: الوافر المجزوء
هي الأيام والغير وأمر الله ينتظر
أتيأس أن ترى فرجًا فأين الله والقدر
قال معاوية ليزيد: إذا دليتني في قبري فأدخل عمرو بن العاص القبر ووله أن يسويني في قبري، واخرج أنت عن الحفرة واسلل سيفك وأمر عمرًا يبايعك، فإن فعل وإلا دفنته قبلي: ففعل يزيد ما أمره به معاوية فلما نظر عمرو إلى السيف بايعه وقال: يا يزيد، هذا من عمل صاحب الحفرة وما هو من كيسك.
قال معاوية لخالد بن معمر: كيف حبك لعلي؟ قال: أحبه على ثلاث خصال: على حلمه إذا غضب، وصدقه إذا قال، ووفائه إذا ولي.
أنشد أبو حاتم السجستاني لشاعر: البسيط
واعلم بأن الذي ترجو وتأمله من البرية مسكين ابن مسكين
ما أقتل الحرص في الدنيا لصاحبه وأسمج الكبر في من صيغ من طين
سمعت السيرافي يقول " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " النساء: ٣ ما ها هنا وقعت على من يعقل، وهن النساء، والأصل أن ما تقع على من لا يعقل ومن على من يعقل، فإن هذا جائز؛ ألا ترى إلى قوله " والسماء وما بناها " الشمس: ٥، أي:
[ ٦ / ٢١٦ ]
ومن بناها، وإن كان قد قيل فيه وجه آخر وهو: " والسماء وما بناها " أي وبنائها؛ قال: ويجوز أن تكون ما ها هنا بمنزلة الذي، كأنه قال: الذي طاب لكم من النساء، فإن قيل على هذا الوجه، فكيف تكون بمعنى الذي وهو للمذكر، قيل: هذا يجوز لأنه عبارة عن الجنس، ألا ترى إلى قولك: من في الدار صحيح، مع علمك أن في الدار امرأة أو رجلًا وكما قال تعالى " النار الذي كنتم به تكذبون " الطور: ١٤، ويكون ها هنا عائدًا على نفس اللفظ؛ قال: وهذا وجه صالح.
قال: ويجوز على معنى ثالث وهو أن تكون ما عبارة عن أي وقت وزمان كأنه قال: وانكحوا من النساء ما طاب أي وقت طاب، وقال: إن صح هذا فهو جيد.
سمعت علي بن عيسى يقول: كان عندنا صيدناني يقال له أبو شجاع، وكان يتمثل لدوائه ودواء غيره ويقول: مثال ذلك مثال رجلين على أحدهما جبة خلق وعلى الآخر جبة خز دخلا حمامًا، فخرجا وقد سرقت جبتاهما، فهذا يبكي ويقول: واجبتاه، وهذا يبكي ويقول: واجبتاه، يريد أنه يبكي كل واحد منهما على قدر جبته.
وسمعته يقول: في قوله تعالى " ومن دخله كان آمنًا " آل عمران: ٩٧ وجهان: أحدهما انه على طريق الأمر والحكم كأنه في التقدير: ومن دخله يأمنونه؛ وحكي عن بعض القرامطة أنه قال لما دخل مكة وقتل الناس بها: ألم يقل الله " ومن دخله كان آمنًا "، والله لقد أخفنا السبيل، وأطلنا العويل، فقال له بعض الحاج: يا هذا إنما هو على طريق الأمر: أمنوه، قال: فكأنما ألقمه حجرًا.
[ ٦ / ٢١٧ ]
قال: والوجه الثاني أن المعنى على ظاهره، وذلك أن الله تعالى جبل الخلق في أول الفطرة على الطهارة والخير، إلا أنهم ربما أكرهوا أنفسهم على النجاسة والشر، فعلى هذا التأويل: ومن دخل كان آمنًا على حسب ما فطر عليه وتقدم إليه؛ ألا ترى أن الشاة والذئب والحمام تأتلف في الحرم.
سمعت السيرافي يقول، سمعت نفطويه يقول: لحن الكبراء النصب والجر، ولحن الأواسط الرفع، ولحن السفلة الكسر.
سمعت ابن مهدي الطبري يقول، مشايخ بغداد يقولون: ما رأينا أفصح من ابن داود مطبوعًا، ولا أفصح من نفطويه متكلفًا.
شاعر: الطويل
لئن كان قومي قلدوني أمورهم ولم أكفهم إني إذن للئيم
علام إذن أدعى أميرًا وأرتجى وتعصب بي الأمر العظيم تميم
فقل لتميم ما حميت ذماركم ولا حطت منكم ما يحوط كريم
إذا أنا لم أغضب جذامًا وحميرًا بخوف له بين الضلوع نئيم
وأقذف عبد القيس بن بحر ذلة تظل به بين التراب تعوم
اعتلت امرأة، فقدم إليها فالوذج، فنظرت إليه وقالت: والله إنك لهين المزدرد لين المسترط، وإنك لتعلم أن العودة إلى مثلك لتطول مدتها، فما يمنعني أن أتلقى حرارتك بحلقوم لهجم، وبلعوم سرطم، ثم يقضي الله في قضاءه.
[ ٦ / ٢١٨ ]
قيل لأعرابي: هل استمريت ما أكلت البارحة؟ فقال: لو تغذى أحدنا بالدنيا وما فيها لأحب أن يتعشى بالآخرة.
وقال بعضهم: المائدة بلا بقل كالشيخ بلا عقل.
وكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابًا فيه: ولا تولين الأحكام بين الناس جاهلًا بالأحكام، ولا حديدًا طائشًا عند الخصام، ولا طعمًا هلعًا يقرب أهل الغنى، ويبش بأهل السعة، يكسر بذلك أفئدة ذوي الحاجة، ويقطع ألسنتهم عن الإفلاج بالحجة والإبلاغ في الصفة، واعلم أن الجاهل لا يعلم، والحديد لا يفهم، والطائش القلق لا يعقل، والطمع الشره لا تنفع عنده الحجة ولا تغني فيه البينة، والسلام.
قد وليناك كذا لما بلوناه من جميل أثرك، ورضيناه على الامتحان من مختبرك.
وفصل آخر في حديث القضاء من إنشاء بعض البلغاء: يعتمد على الحق وبيناته، ويتجنب الزيغ وشبهاته، ولا يقطع ضعيفًا عن حجته، ولا يطمع خصمًا في منزلته، وينعم النظر في مشكلات الأحكام، آخذًا بالاحتياط، معتقدًا للإقسام، مجتهدًا في الفصل بين الخصوم، والأخذ من الظالم للمظلوم، ويستبطن أهل الحجى، ويستظهر بذوي النهى.
فصل آخر في هذا المعنى: هذا ما عهد عبد الله الإمام أمير المؤمنين إلى فلان حين رداه رداء الشرف، وبوأه المتبوأ العالي المنيف،
[ ٦ / ٢١٩ ]
واعتمد عليه في القضايا والأحكام، وأطلق له النظر بما أمر الله ﷿ في أموال الوصايا والوقوف والأيتام، لدينه المعرى من الشوائب، وورعه المبرإ من المعائب، وعلمه الذي قد جمع أطرافه، وبذ به أشكاله وأخلافه، واقتصاده الذي هو عنوانه، وعليه يجري أصحابه وأعوانه، وتأنيه في إمضاء الحكومات، ودرئه الحدود بالشبهات، واقتداره على كف أربه، واشتماله على ما يقربه من ربه، وأمير المؤمنين يسأل الله تعالى أن يوفق آراءه ولا يعروها فند، ويصل له وبه صلاحًا يبقى على الأبد، ويعين فلانًا على ما تحمله، فإنه عبء ثقيل، وأمر عظيم جليل.
شاعر من الكتاب: الطويل
أعاتك أدني من أبيك السنورا فقد أصبحت نار العشيرة أنورا
وجاش بعبد القيس ما في صدورهم علينا من الأخبار حتى تفطرا
وما ضرنا أن القبائل أصبحت علينا غضابًا ليس تنكر منكرا
وأنا نعد الناس منبر ملكهم إذا اضطرب الخيلان حتى نؤمرا
وأنا إذا ما خيرونا وجدتنا وإن كثروا منهم أعز وأكبرا
فهاتي سلاحي أكف قومي أمورهم وقد قلدوني الأمر أروع أزهرا
وبئس أخو القوم الكرام وشيخهم أبوك غدًا إن أقدموا وتأخرا
وإن هو لم يركب قرا الحرب كلما تسنم منها قاعدًا وتنمرا
وإن يسأم الإقدام في الروع آمنًا ولو خاض بحر الموت حولًا مكدرا
قال بعض السلف: عليك بالإخوان، ألم تسمع قوله تعالى " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " الشعراء: ١٠٠ - ١٠١.
[ ٦ / ٢٢٠ ]
قال بعض السلف: إن الله تعالى خلق النساء من عي وعورة، فداووا العي بالسكوت، واستروا العورة بالبيوت.
قال بعض السلف: مكتوب في الصحف الأولى: إذا أغنيت عبدي عن طبيب يستشفيه، وعما في يد أخيه، وعن باب سلطان يستعديه، وعن جار يؤذيه، فقد أسبغت عليه النعم.
رأى أعرابي في دهليز دار ابن زياد صورة أسد وكلب وكبش، فقال: أسد جائح، وكبش ناطح، وكلب نابح، أما إنه لا يتمتع بها أبدًا؛ فما لبث عبيد الله إلا أيامًا.
سمعت الحراني الصوفي بمكة يقول: قم في مغاني الأسى، على الترب والحصا، وناد فلعل وعسى.
رفع إلى كسرى: خذلتم ثم سميتم فلانًا مخذولًا، فوقع: لأنه تظلم منا إلى الله تعالى قبل أن يتظلم إلينا.
ووقع الفيض في وزارته على ظهر رقعة معتذر: التوبة للمذنب كالدواء للمريض، فإن صحت توبته كمل الله تعالى شفاءه، وإن فسدت نيته أعاد الله تعالى داءه.
قال أبو الدرداء: معاتبة الأخ أخاه خير من فقده، ومن لك
[ ٦ / ٢٢١ ]
بأخيك كله؛ أطع أخاك ولن له، ولا تسمع فيه قول حاسد وكاشح، غدًا يأتيك أجله فيكفيك فقده، ويكفيك مضض الحسرة عليه بعد فقده إذا قصرت في حقه حال حياته، فكيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة تركت وصله؟ قال عمر بن الخطاب ﵁: لو كان المراء قوم من قدح لوجد له غامز.
وقف أعرابي على خالد بن سلمة المخزومي فقال له: يا أعرابي ممن أنت؟ قال: من تميم، قال: أنت من دارم الأكرمين؟ قال: لا، قال: فأنت من حنظلة الأشدين؟ قال: لا، قال: فأنت من سعد الأكبرين؟ قال: لا، قال: اذهب لا تبال أن تكون عربيًا؛ فتنحى فقال: من هذا الذي على بابه جالس؟ قالوا: خالد بن سلمة المخزومي، فرجع إله فقال: ممن أنت؟ قال: من قريش، قال: من هاشم المرسلين؟ قال: لا، قال: فمن أمية المستخلفين؟ قال: لا، قال: فمن عبد الدار المستحجبين؟ قال: لا، قال: فاذهب ولا تبال أن تكون قرشيًا.
قال ابن الأعرابي عن المفضل: جاء رجل إلى مطيع بن إياس فقال: قد جئتك خاطبًا، قال: لمن؟ قال: لمودتك، قال: قد أنكحتك إياها، وجعلت الصداق أن لا تقبل في مقالة قائل.
[ ٦ / ٢٢٢ ]
قال المفجع: يقال: مرت الطير لها خوات ومرت الطير لها خواته، أي حس وصوت.
وقال: المهود: الطرف الملهي، وتهود القوم في السير إذا ساروا سيرًا ضعيفًا، وبينهم هوادة من هذا أي سكون، واليهود منه.
يقال: ما له حيلة ولا حول ولا محالة ولا حويل ولا حيل، إذا كان لا يتجه لأمره؛ وقال: الحيل: القوة، والحيل أيضًا الحجر الناتئ من الجبل، والجميع الحيلة، حكاه أبو العباس عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي.
وقال: قارعة الطريق أي محجته.
وقال: تقول العرب: هدهد، وهداهد - بضم الهاء - سواء كل واحد، فإذا جمعوا قالوا: هداهد - بفتح الهاء، وكذلك: عراعر: سيد القوم، فإذا جمعوا قالوا: عراعر، وكذلك: رجل حلاحل للملك الكثير العطاء، والجمع حلاحل، وهذه أحرف يسيرة جاءت ناردة.
وتقول العرب في الذئب: نيه طلسة وغبرة، وغبشة كل ذلك للذي يضرب إلى السواد والحمرة؛ وفي الضبع غبرة وشكلة، وهو لون فيه سواد وصفرة قبيحة.
قال أبو العيناء: سمعت رجلًا يقول لأبي زيد: أتتهمني على دين الله؟ قال: لا ولكني أتهمك عل لغة رسول الله ﷺ.
قال أبو العيناء، حدثني القحذمي قال: دخل خالد بن صفوان الحمام وفيه رجل مع ابنه، فأراد أن يعرف خالدًا ببلاغته فقال لابنه: يا بني،
[ ٦ / ٢٢٣ ]
ابدأ بيداك وثن برجلاك، ثم التفت إلى خالد وقال: با ابن صفوان، هذا كلام قد ذهب أهله، فقال خالد: هذا كلام ما خلق الله له أهلًا.
قال أبو العيناء: خطب رجل في حسبه شيء إلى رجل شريف قد مسته حاجة، فأنشأ يقول: البسيط
قل للذين سعوا يبغون رخصتها ما أرخص الجوع عندي أم كلثوم
الجوع خير لها من فعل منقصة ساقت أباها إليه جلة كوم
قدم محمد بن إسحاق البصرة، فكان فتيانها يضعون له المراثي لبنات عبد المطلب فيصلها هو بالسيرة والغزوات.
قال أبو العيناء، قال الثوري: سألت الأصمعي لم سمي الشجاع بهمة، قال: لأن أمره مستبهم لا يدري من أين يتأتى له.
قال الأصمعي: حمل يزيد بن مرة شيئًا على رأس حمال، فعاسره في الكراء، فقال: إن الذي على رأسك لك.
قال المعتمر بن سليمان: كان على أبي دين، فكان يستغفر، فقلت: لو سألت الله أن يقضي دينك، قال: إذا غفر لي قضى ديني.
قال أبو مرثد: العرب تقول: فلان نظورة قومه، أي المنظور له من بينهم.
[ ٦ / ٢٢٤ ]
قال أبو زيد: سمعت رؤبة بن العجاج يقول: ما رأيت أروى لأشعارنا من أبي مسلم، من رجل يرتضخ لكنة، فهو أفصح الناس.
قال يحيى بن خالد: شر الأمور التخليط الذي لا ينقطع.
في أول كتاب إبراهيم الإمام: احذروا العرب فإنها لم تزل تبغينا مذ بعث الله محمدًا ﷺ فينا.
قال جعفر بن محمد: يعرف نفاق الرجل في ولده أن لا يكون بارًا بهم رفيقًا عليهم.
قال ابن عباس: إذا أسف الله على خلق من خلقه فلم يعجل لهم النقمة بمثل ما أهلك به الأمم من الريح وغيرها، خلق الله لهم خلقًا من خلقه يعذبهم بهم لا يعرفون الله تعالى.
قال عبد الصمد بن موسى: لما وجد عمر بن فرج كتابًا من أهل الكرخ إلى علي بن محمد بن جعفر ﵈ جاء به إلى المأمون، فقال المأمون: محمد أولى من ستر هذا - ولم يشعه، ودعا علي بن محمد فقال: له: قد وقفنا على أمرك، وقد وهبنا ذلك لعلي وفاطمة، فاذهب فتخير ما شئت من الذنوب فإنا نتخير لك مثل ذلك من العفو.
[ ٦ / ٢٢٥ ]
قال عبد الصمد بن موسى: كان متطبب محمد بن إبراهيم أبو خالد نصرانيًا ثم أسلم، فغلب على يحيى بن خالد ثم على الرشيد، فلما حضرته الوفاة وجه إلى محمد بن إبراهيم: إن لك علي حقًا أرعاه، فوجه إليي من يفهم عني حتى أوصيك بشيء أنصح لك فيه، فحدثني أبي موسى قال: وجهني محمد بن إبراهيم إليه، فأمرت الغلام بدواة وقرطاس فقال: أقرئه السلام، والأمر أيسر من أن نكتبه، قل له: لا تجامع حتى يأتي عليك من الوقت الذي تجامع فيه إلى ذلك الوقت مقدار ثلاثة أيام بلياليها، فإنك إن فعلت لم يضررك، وذلك أن المني إنما يكون من الدم، ولا يصير الدم في أقل من هذه المدة، ومتى فعلت قبل ذلك استكرهته فقلعته قلعًا تؤذيك عاقبته بعد؛ ولا تغلظ على أضراسك لقمة فتلقيها إلى معدتك فتضر بها لأن المعدة أرق منها، وإذا لم تقدر عليها الأضراس فالمعدة أجدر؛ والدم فمتى هاج بك فأخرجه؛ والحمام فتعاهده في كل خمسة أيام، فإن للأبدان خبثًا فانفضه عنك؛ واعلم أنه ليس شيء أنفع في الجوف من الرائحة الطيبة، فلا تبت ليلة حتى تستعمل الطيب وتعرض نفسك على الخلاء.
ضمرة بن رجاء: الطويل
فإن أك بدلت البياض فأنكرت معالمه مني العيون اللوامح
فقد يستجد المرء حالًا بحالة وقد يستشن الجفن والنصل جارح
وما شان عرضي من فراق علمته ولا أثرت في الخطوب الفوادح
شاعر: الطويل
[ ٦ / ٢٢٦ ]
وسار تعناه المبيت فلم يدع له جانب الظلماء في الليل مذهبا
رأى ضوء نار من بعيد فأمها وقد شهبتها العين باللمح كوكبا
فقلت ارفعاها بالصعيد كفى بها منارًا لساري ليلة إن تأوبا
رفعت له بالقفر نارًا تشبها شآمية علياء أو حرجف صبا
فلما أتانا والسماء تبله رجعت له أهلًا وسهلًا ومرحبا
قال محمد بن عبد الملك لأبي العيناء: بلغني أنك مأبون، قال: مكذوب علي وعليك أصلحك الله.
دخل مالك بن هبيرة السكوني على معاوية فأدناه، وكان شيخًا كبيرًا، فخدرت رجله فهزها، فقال له معاوية: ليت لنا يا أبا سعيد جارية لها مثل ساقيك، قال: متصلان بمثل عجيزتك، فخجل معاوية وقال: البادئ أظلم.
دب رجل إلى آخر فقال له المدبوب عليه: يا شيخ ما تصنع؟ قال: لا تسأل عما تعلم.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: حدثني رجل من أهل الأدب قال: كانت لفتى من قريش وصيفة نظيفة جميلة الوجه حسنة الأدب، وكان
[ ٦ / ٢٢٧ ]
الفتى بها معجبًا، فأضاق واحتاج إلى ثمنها، فحملها إلى العراق في زمن الحجاج وباعها، فوقعت إلى الحجاج فكانت تلي خدمته، فقدم عليه فتى من ثقيف، أحد بني أبي عقيل، فأنزله قريبًا منه وألطفه، فدخل عليه يومًا والوصيفة تغمر رجل الحجاج وكان للفتى جمال وهيئة فجعلت الوصيفة تسارق الثقفي النظر، وفطن الحجاج فقال للفتى: ألك أهل؟ قال: لا، قال: فخذ بيد هذه الوصيفة فاسكن إليها واستأنس بها إلى أن أنظر لك في بنات عمك إن شاء الله، فدعا له وأخذ بيدها مسرورًا وانصرف إلى رحله، فباتت معه ليلتها، وهربت مه بغلس، فأصبح لا يدريي أين هي؛ وبلغ الحجاج ذلك فأمر مناديًا ينادي: برئت الذمة ممن آوى وصيفة، من صفتها وأمرها كيت وكيت، فلم تلبث أن أتي بها فقال لها: أي عدوة الله، كنت عندي من أحب الناس إلي، واخترت لك ابن عمي شابًا حسن الوجه، ورأيتك تسارقينه النظر، فدفعتك إليه وأوصيته بك، فما لبثت إلا سواد ليلتك حتى هربت، قالت: يا سيدي، اسمع قصتي ثم اصنع ما أحببت، فقال: هات، قالت: كنت لفلان القرشي، وكان بي معجبًا فاحتاج إلى ثمني، وحملني إلى الكوفة، فلما صرنا قريبًا منها دنا مني فوقع علي، فلم يلبث أن سمع زئير الأسد، فوثب عني إليه واخترط سيفه فحمل عليه وضربه فقتله، ثم أقبل إلي وما برد ما عنده فقضى حاجته، وكان ابن عمك هذا الذي اخترته لي لما أظلم الليل قام إلي، فإنه لعلى بطني إذ وقعت فارة من السقف عليه، فضرط ثم وقع مغشيًا عليه، فمكثت ليلًا طويلًا أقلبه وأحركه وأرش على وجهه الماء ولا يفيق، فخفت أن تتهمني به فهربت. فما ملك الحجاج نفسه وقال: ويحك لا تعلمي بهذا أحدًا فإنه فضيحة، قالت: يا سيدي على أن لا تردني إليه، قال: لك ذلك.
[ ٦ / ٢٢٨ ]
خرج أبو الحارث جمين مع عيسى بن موسى إلى الصيد فخلا به، فانحنى عيسى على قربوس سرجه فافلت منه ضرطة، فالتفت إلى أبي الحارث جمين فقال: إنك ستجعل هذه نادرة تأكل بها، وإني أعطي الله عهدًا لئن بلغني أنك حدثت بهذا لأضربن عنقك، فقال جمين: سبحان الله أيها الأمير، وأنا لا أدري بمن أتعبث وحديث من أتحدث؟! فلما انصرفا قام إليهما بعض أهل الدار فقال: كم اصطدتم؟ قال: فبادر أبو الحارث فقال: لا والله ما اصطدنا شيئًا، وما كان معنا انفلت، وأشار إلى نحو بطن عيسى.
ضرط أشعب في صلاته فقيل له: ويحك، أتضرط في صلاتك؟ فقال: وما خير آست لا تضرط من خشية ربها.
وضرط الدلال في سجوده فقال: سبح لك أعلاي وأسفلي، ففتن الناس في صلاتهم.
أبو عداس النميري: الرمل
أيها اللاحي على ما قد مضى إن علمت الرشد فاستقبل لغد
إنما يعرف قومي خلتي إن هم نادوا وواراني البلد
سأذب الناس عن أعراضهم ذبك الناهل عن حوض الثمد
بلسان حسن تشقيقه وسنان مثل كلاب معد
[ ٦ / ٢٢٩ ]
نفس إن الحزم في عاداته ما تعرى من زمان محتصد
فاستبدي مرة واحدة إنما العاجز من لا يستبد
قال أبو العيناء، قال ابن ماسويه الطبيب، قال لي أخ لعبيد الله ابن يحيى: أخبرني عن الطبائع الأربع، هي من عقاقير الجبل؟ فضحكت، فقال: لم تضحك؟ قلت: أخو وزير الخليفة لا يعرف الطبائع؟ فقال لي: أنا طبيب؟ قال أبو العيناء: وشكا بعض الكتاب في نكبته، وكان قد زور، فقال: أخذوا مالي وقلعوا أسناني، إلا أن داري لم تبرح مكاني.
قال أبو العيناء: سمعت الحسن بن سهل يقول: كان أنوشروان أربع خواتيم: فخاتم للخراج نقشه: العدل وخاتم للضياع نقشه: العمارة، وخاتم للمعونة نقشه: الأناة، وخاتم للبريد نقشه: الوحى، وما نخن من هذا في شيء.
قال أبو دلف: دخلت يومًا على الرشيد وهو في طارمة وعلى بابها شيخ جليل قد ألقيت له طنفسة خارج الطارمة، فلما سلمت قال الرشيد: كيف أرضك؟ قلت: خراب يباب، أخربها الأعراب والأكراد، فقال قائل: هذه آفة الجبل، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن صدقك فأنا سبب
[ ٦ / ٢٣٠ ]
إصلاحه، قال: وكيف؟ قلت: أأكون سببًا لإفساده وأنت علي، ولا أكون سبب إصلاحه وأنت معي؟! قال الطالقاني كنا عند ابن منارة الكاتب وعنده ابن المرزبان، فدخل أبو العيناء فقال ابن المرزبان: أريد أن أعبث به، فنهاه ابن منارة فلم يقبل، فلما جلس قال له: يا أبا عبد الله، لم لبست جباعة؟ قال: وما الجباعة؟ قال: التي ليست بجبة ولا دراعة، فقال أبو العيناء: ولم أنت صفديم؟ قال: وما الصفديم؟ قال: الذي بين الصفعان والنديم، فوجم لذلك وضحك أهل المجلس.
بعث سهل بن هارون إلى الحسن بن سهل كتابًا عمله في مدح البخل، واستماحه فيه، فوقع الحسن: قد مدحت ما ذم الله، وحسنت ما قبح الله، وما يقوم بفساد معناك صلاح لفظك، وقد جعلنا ثوابك قبول قولك، فما نعطيك شيئًا.
اعتل بعض إخوان الحسن بن سهل، فكتب إليه الحسن: اجدني وإياك كالجسم الواحد، إذا خص عضوًا منه ألم عم سائره، فعافاني الله بعافيتك، وأدام لي الإمتاع بك.
قال سعيد بن حميد: أمر يحيى كاتبين له أن يكتبا في معنى واحد، فأطال أحدهما واختصر الآخر، فقال للمختصر: ما أجد موضع
[ ٦ / ٢٣١ ]
زيادة، وقال للمطيل: ما أجد موضع نقصان.
قال بعضهم: عداوة يحيى خير لعدوه من صداقة غيره لصديقه.
دخل الأحنف بن قيس إلى معاوية بعدما تم له الأمر فقال له: أنت الخاذل لأمير المؤمنين ومقاتلنا بصفين؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن مددت شبرًا من غدر، لنمدن باعًا من ختر، وإنك لجدير أن تستصفي قلوبنا وكدرها بفضل حلمك، قال: أفعل.
سأل عمر بن الخطاب عمرو بن معد يكرب عن الحرب فقال: مرة المذاق، إذا شمرت عن ساق، من صبر فيها عرف، ومن ضعف عنها تلف.
كلم الفضل المأمون في وعد رجل تأخر: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تهب لوعدك تذكرًا من نفسك، وتذيق سائليك حلاوة تعجيلك، وتجعل فعلك حاثًا لقولك، فافعل.
وقع الفضل إلى مستميح: كن بالباب يأتك الجواب.
وقف أحمد بن أبي خالد بين يدي المأمون، وخرج يحيى بن أكثم من بعض المستراحات وقعد، فقال له المأمون: اصعد إلى السرير، فصعد وجلس على طرفه، فقال أحمد: يا أمير أمير المؤمنين، إن يحيى صديقي
[ ٦ / ٢٣٢ ]
وأخي، ومن أثق به في أمري كله ويثق بي، وقد تغير عما أعهده عليه، فإن رأيت أن تأمره بالعود إلى ما كان عليه فإني له على مثله، فقال المأمون: يا يحيى، إن فساد أمر الملوك بفساد الحال بين خاصتهم، وما يعدلكما عندي أحد، فما هذا النزاع بينكما؟ فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين إنه ليعلم أني له على أكثر مما وصف وأني أثق بمثل ذلك منه، ولكنه رأى منزلتي منك هذه المنزلة فخاف أن أتغير له يومًا فأقدح فيه عندك فتقبل مني فيه، فأحب أن يقول هذا ليأمن مني، وإنه لو بلغ نهاية مساءتي ما قدرت أن أذكره عندك بسوء، فقال المأمون: أكذلك يا أحمد؟ قال: نعم، فقال: أستعين الله عليكما، ما رأيت أتم دهاء ولا أبلغ فطنة منكما.
كان أبو فرعون الأعرابي يرقص ابنته ويقول: الرجز
بنيتي ريحانتي أشمها فديت بنتي وعدمت أمها
قال علي بن عبيدة: إن أخذت عفو القلوب زكا ريعك، وإن استقصيت أكديت.
لما مات الإسكندر قالت أمه: واعجبا ممن بلغت السماء حكمته، وأقطار الأرض مملكته، وذانت له الملوك عنوة، أصبح نائمًا لا يستيقظ، وصامتًا لا يتلكم، ومحمولًا على يدي من كان لا يناله نصره؛ ألا من
[ ٦ / ٢٣٣ ]
مبلغ عني الإسكندر بأن قد وعظتني فاتعظت، وعزيتني فصبرت، ولولا أني لاحقة بك ما فعلت ما فعلت، والسلام عليك حيًا وميتًا، فنعم الحي كنت، ونعم الميت أنت.
قيل لأم هارون الرشيد: أتحبين الموت؟ فقالت: لا، قيل: ولم؟ قالت: لو عصيت مخلوقًا ما أحببت لقاءه فكيف وقد عصيت الله؟! قال المفجع: اتهم الرجل فهو متهم، من التهمة، وأتهم: أتى تهامة.
وقال أمعن في الأرض: أسرع، وأمعن بحقي: أتى به متبرعًا، وأذعن به: أقر به، واخترف الرجل فهو مخترف إذا اخترف من الكسب.
ويقال: ما أطيب أريجته وأرجه، والأرج: الرائحة الطيبة.
ويقال: وزعت بينهما وورعت أي حجزت.
وأنشد: الرجز
يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يومًا وأمري مجمع
قال: مجمع، ولم يقل مجموع، كأنه أرد مجمع عليه؛ يقولون: أجمعت على الأمر، وأزمعت عليه.
غلط المفجع في هذا، يقال: أجمعت الأمر، وهو الفصيح، قال الله تعالى: " فأجمعوا أمركم " يونس: ٧١، وأزمعه مسموع أيضًا.
[ ٦ / ٢٣٤ ]
قال المفجع: لم أره منذ زمنة يا هذا، يريد منذ زمان.
وقال: هذا مطيبة لنفسي ومخبثة لجسمي.
ويقال: تأنقت هذا المكان أي أحببته واخترته؛ قال: وسمعت أبا موسى يقول: أظن معنى قولهم تأنقت في الشيء مأخوذ من النيق، وهو أعلى الجبل، كأنه بالغ في الشيء.
قال: وسمعته يقول: الحق مطيتك مخففة، وقد تثقل.
وقال: وقعوا في مرطلة، يعني طينًا ووحلًا، وقد مرطلت الأرض عليهم.
وقال: ما قارنتهم بلادنا أي ما وافقتهم، وهذا أمر لا يقاييني ولا ينايينني، أي لا يصلح لي ولا يلائمني.
وقال: أخذه إباء شديد، معناه: كلما قيل له شيء يأباه.
وسمعت من يقول: وجرت الدواء إذا شربته.
قال: وسمعت: أخلف الله عليك وخلف أيضًا.
[ ٦ / ٢٣٥ ]
روى أبو عبيدة العسكري في تاريخه عن أبي وائل عن حذيفة قال: بعث رسول الله ﷺ إلى عثمان يستعينه في غزاة، فبعث إليه عثمان ﵁ عشرة آلاف دينار، فصبت بين يدي رسول الله ﷺ، فجعل يقلبها ويقول: غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما أخفيت وما أبديت، وما قدمت وما أخرت، ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا.
قال، وقال سعيد بن المسيب: بلغ عثمان أن قومًا على فاحشة، فأتاهم وقد تفرقوا، فحمد الله وأعتق رقبة.
أهدى الموبذ إلى المتوكل قارورة دهن وكتب: إذا كانت الهدية من الصغير إلى الكبير، فكلما لطفت ودقت كانت أبهى وأحسن، ومن الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلت كانت أنفع وأوقع، وأرجو ألا أكون قصرت بي همة صيرتني إليك، ولا أخرني زمان دلني عليك، ولا قعد بي رجاء حداني على بابك، وحسب معتمدك ظفرًا بفائدة وغنيمة، ولجأ إلى موئل وسند.
قيل لمغنية: صوم يوم عرفة كفارة سنة، فصامت إلى الظهر ثم أفطرت، فقيل لها: لم فعلت؟ قالت: يكفيني كفارة ستة أشهر.
قال أبو العيناء: كان يالري مجوسي موسر فأسلم، وحضر شهر
[ ٦ / ٢٣٦ ]
رمضان فلم يطق الصوم، فنزل إلى سرداب له وقعد يأكل، فسمع ابنه حسًا من السرداب، فاطلع فيه وقال: من هذا؟ فقال الشيخ: أبوك الشقي يأكل خبز نفسه ويفزع من الناس.
قال الزبير: حدثني عمي مصعب، حدثني موسى بن صالح قال: كان عيسى بن دأب كثير الأدب عذب الألفاظ، وكان قد حظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد، وكان يدعو له بمتكأ، ولم يكن يطمع في هذا أحد من خلق الله في مجلسه، وكان يقول له: ما استطلت بك يومًا ولا ليلة، ولا غبت عني إلا تمنيت ألا أرى غيرك، وكان لذيذ المفاكهة طيب المسامرة كثير النادرة جيد الشعر حسن الانتزاع له.
قال علي بن عبيدة: ثقف نفسك بالآداب قبل صحبة الملوك، ولا تنظر إلى من نال الحظ بالسخف، فإن كل أحد يوزن بقدره إذا خرج مما كان فيه.
وقال البكائي عن أبيه، وكان أدرك الجاهلية: كان الربيع بن زياد العبسي نديمًا للنعمان بن المنذر، وكان يسمى من شطاطه وبياضه وجماله
[ ٦ / ٢٣٧ ]
الكامل؛ فقدم وفد من بني عامر - ثلاثون رجلًا - عليهم أبو براء عامر ابن مالك بن جعفر بن كلاب - وهو ملاعب الأسنة، خمسة منهم من بني الحريش، وثلاثة من بني عقيل من بني خفاجة، وخندف بن عون بن شداد بن المحلق ومالك بن ربيعة وهو فارس مدرك، وقتادة بن عوف، ولبيد بن ربيعة بن مالك، وهو يومئذ غلام، وأم لبيد نفيرة بنت حذيم. وكان الربيع من أكرم الناس على النعمان، فضرب النعمان قبة على أبي براء وأجرى عليه وعلى من معه، فلم يزل الربيع يتنقصه عنده حتى نزع القبة عن أبي براء وقطع النزل، وهموا بالأنصراف، فقال لهم لبيد: ما لكم تتناجون؟ قالوا: إليك عنا! قال: أخبروني لعل لكم عندي فرجًا، فأخبروه، فقال: عندي، أرجز به غدًا حين يقعد الملك، فقالوا: وهل عندك ذاك؟ قال: نعم، قالوا: فقل في هذه البقلة نبلوك بها، أي نجربك، فقال: هذه البقلة الرذلة لا تستر جارًا، ولا تؤهل دارًا، ولا تذكي نارًا، المقيم عليها قانع، والمغتر بها جائع، أقبح البقول مرعى، أقصرها فرعا؛ القوا بي أخا بني عبس، أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه غدًا من أمره في لبس. فغدوا وقد جلس النعمان وإلى جانبه الربيع، وأقبل لبيد وقد دهن أحد شقي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلًا واحدة، وكذلك كانت تفعل الشعراء في الجاهلية إذا أرادت الهجاء، فمثل بين يديه ثم أنشأ يقول: الرجز
أنا لبيد ثم هذا منزعه يا رب هيجا هي خير من دعه
في كل يوم هامتي مقزعه نحن بني أم البنين الأربعه
المطعمون الجفنة المدعدعه والضاروبن الهام تحت الخيضعه
[ ٦ / ٢٣٨ ]
نحن خيار عامر بن صعصعه مهلًا أبيت اللعن لا تأكل معه
إن آسته من برص ملمعه وإنه يدخل فيها إصبعه
يدخلها حتى يواري أشجعه كأنما يطلب شيئًا ضيعه
أف لهذا طامع ما أطعمه فأقامه النعمان وقال: إنك لهكذا؟ فقالك كذب أيها الملك، فطرده وقرب وفد بني عامر وأعاد على أبي براء القبة، فذلك قول لبيد: الرمل
ومعي حامية من جعفر حين يدعون ورهط ابن شكل
وقبيل من عقيل صادق وليوث بين غاب وعصل
فقال النعمان للربيع: البسيط
شرد برحلك عني حيث شئت ولا تكثر علي ودع عنك الأباطيلا
فقد رميت بشيء لست ناسيه ما جاوز النيل يومًا أهل إمليلا
قد قيل ذلك إن حق وإن كذب فما اعتذارك من شيء إذا قيلا
كتب ابن مكرم إلى نصارني أسلم: الحمد لله الذي وفقك لعبادته، وأكرمك بهدايته، وطهر من الارتياب قلبك، ومن الافتراء عليه لبك.
ضرط كاتب عمر بن عبد العزيز بين يديه، فرمى بقلمه وقام خجلًا، فقال له عمر: لا عليك، خذ قلمك واضمم إليك جناحك، وأفرخ
[ ٦ / ٢٣٩ ]
روعك، فما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي.
يقال سليمان بن ربيعة لعمرو بن معدي كرب: فرسك هذا مقرف، فقال: المقرف يعرف المقرف.
كان أبو جلدة اليشكري بخراسان مع شرب في بيت، فخرج ليبول فضرط، فضحكوا منه، فأخذ السيف وقام على الباب، وحلف ليضربن من لم يضرط، فضرط سائرهم إلا رجل من عبد القيس فإنه قال: يا أبا جلدة، إن عبد القيس ليسوا بأصحاب ضراط، فهل لك أن تقبل عشر فسوات بضرطة؟ فأعرض عنه أبو جلدة وقال: ألم يكن لؤمًا بكم أن تضحكوا مما تفعلون.
رفع الواقدي إلى المأمون رقعة يذكر فيها ما عليه من الدين وقلة الصبر، فوقع المأمون في ظهر رقعته: أنت رجل فيك خلتان: السخاء والحياء؛ فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فبلغ بك ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، فإن كنا أصبنا إرادتك فازدد في بسط يدك، وإن كنا لم نصب إرادتك فتماسك على نفسك، وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول
[ ٦ / ٢٤٠ ]
الله ﷺ قال للزبير: يا زبير، إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله تعالى للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثر كثر له، ومن قلل قلل له، قال الواقدي: وكنت أنسيت هذا الحديث، فكانت مذاكرته إياي أعجب إلي من صلته.
قال أسامة يوم الفتح: يا رسول الله، أين ننزل غدًا إن شاء الله؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ ثم قال: لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكفار؛ قيل للزبير: فمن ورث أبا طالب؟ قال: ورثه عقيل وطالب.
قال الثوري: وسمعت أبا عبيدة يقول: من شغل نفسه بغير المهم أضر بالمهم.
قال أبو حاتم: سمعت أبا عبيدة يقول: إذا كان الملك محصنًا لسره، بعيدًا من أن يعرف ما في نفسه، متخيرًا للوزراء، مهيبًا في أنفس العامة، مكافئًا بحسن البلاء، لا يخافه البريء ولا يأمنه المذنب، كان خليقًا ببقاء ملكه.
شاعر: الطويل
وقد أشمت الأعداء طرًا بنفسه وقد وجدت فيه مقالًا عواذله
ولم يزع النفس اللجوج عن الهوى من الناس إلا واحد العقل كامله
[ ٦ / ٢٤١ ]
قال الهدادي: لم يقل هشام شعرًا إلا بيتًا، وهو: الطويل
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال
قال ابن المعتز: وكل مكروه ختم بمحبوب وانتهى إلى السلامة فالهم عنه زائل، والأجر عليه حاصل.
شاعر: السريع
أفرد من أهوى لأن الهوى توحيده أفضل من شركه
ولو أراد الله ستر الهوى ما سلط الدمع على هتكه
كتب رجل إلى أخ له يعذله على غلبة الهوى عليه فقال: من لم يكن في طبعه الاقتدار على نفسه بحسن سياستها، والانتصاف من هواها، منعه الحزم قيادة، وجاذبه الفهم خطامه، وحرمه الدهر حسن الذكر.
فأجابه المعذول: ليس كل من شاء انتصف من هواه، وقهر غضبه رضاه.
للهيثم بن خالد: المنسرح
ولي صديق ما مسني عدم مذ وقعت عينه على عدمي
بشرني بالغنى تهلله وقبل هذا تهلل الخدم
ومحنة الزائرين بينة تعرف قبل اللقاء في الحشم
[ ٦ / ٢٤٢ ]
وجد على ظهر كتاب من كتب ذي الرياستين بخطه: نسخته في الشهر الذي حين ننتقل إليه تكون النكبة التي نسأل الله دفعها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأتوكل على الله، والأغلب علي إن صح من حساب الفلك شيء أن الأمر واقع، فنسأل الله أن يثبت قوانا حتى ننتقل إلى داره التي وعدها الله أولياءه على خير سبيل.
لأبي البيداء الرياحي: الطويل
إذا ما أبو البيداء رمت عظامه وسرك أن يحيا فهات نبيذا
نبيذ إذا مر الذباب بدنه تقطر أو خر الذباب وقيذا
قال الأصمعي: مررت بكناس في بعض الطريق وهو ينشد الطويل
وأكرم نفسي إنني إن أهنتها وحقك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت: عن أي شيء أكرمتها وهذه الجرة على رقبتك؟ فقال: عن الوقوف على باب مثلك.
قال جعفر بن محمد: غسل علي بن أبي طالب النبي ﷺ، فكان إذا اجتمع الماء في جفون عينيه حساه علي.
قال علي ﵇: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لإزالة الجبال أيسر من ملك مؤجل.
[ ٦ / ٢٤٣ ]
قال عبد الملك بن الحر: لما أدخل سعيد بن جبير على الحجاج قال: أنت الشقي بن كسير؟ قال: لا ولكني سعيد بن جبير، فقال الحجاج: اختر أي قتلة فإني قاتلك، فقال له: بل اختر أنت فهو قصاص.
قال جعفر بن بكر بن صاعد: سمعت شريكًا يقول رأيت أبا حنيفة يطوف على الحلق كأن لحيته لحية تيس.
قال عبد الملك بن عمير، قال قبيصة بن جابر: ما رأيت أحدًا أرأف برعيته ولا خيرًا من أبي بكر الصديق ﵁؛ ولا رأيت أحدًا أقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله ولا أقوم بحدود الله ولا أهيب في صدور الرجال من عمر بن الخطاب؛ ولا رأيت أحدًا أشد استحياء من عثمان بن عفان؛ ولا رأيت أحدًا أشجع قلبًا ولا أوسع علمًا من علي بن أبي طالب؛ ولا رأيت أحدًا أعطى للمال عن ظهر يد من غير سلطان أصابه من طلحة بن عبيد الله؛ ولا رأيت أحدًا أحلم من معاوية؛ ولا رأيت أنصع ظرفًا ولا أسرع جوابًا من عمرو بن العاص؛ ولا رأيت أحدًا المعرفة عنده أنفع إلا المغيرة بن شعبة؛ ولا رأيت أحدًا أحلم طبعًا ولا أخصب رفيقًا ولا أشبه سرا بعلانية من زياد بن أبيه.
قال حفص بن عتاب: سمعت الأعمش يقول قد رددتموها علي حتى صارت في فمي أمر من العلقم، ما أطفتم بأحد إلا حملتموه على الكذب.
[ ٦ / ٢٤٤ ]
كان ابن سيرين يحدث بالحديث فيقال: من حدثك؟ قال: قوم استكتموني أسماءهم ما داموا أحياء، فإذا ماتوا فأنا أرى أن أكتم أسماءهم.
قال ابن شبرمة: كان طلحة يشبه بعضه بعضًا.
قال الشعبي: لو أصبت تسعًا وتسعين وأخطأت واحدة حملوا الواحدة.
قال وكيع: جئنا مرة إلى الأعمش، فحين سمع حسًا قام ودخل، فلم يلبث أن خرج فقال: رأيتكم فأبغضتكم فدخلت إلى من هي أبغض منكم فخرجت إليكم.
قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يجمع بين البطيخ والرطب.
يقال: يطبخ - بكسر الباء - وطبيخ؛ هكذا قال يعقوب.
قال مسعر: من أبغضني، فجعله الله محدثًا.
قال نافع: كان ابن عمر تأتيه الجوائز في كل عام من معاوية وابن عامر وأرزاق ما بين سبعة وسبعين ألفًا وثلاثة وثمانين ألفًا، ما يحول عليه الحول وعنده منها درهم.
وقع رجل في رجل في مجلس عطاء، فجاء ذلك الرجل إلى عطاء فقال: اشهد لي بما سمعت، فقال عطاء: ليس لك عندي شهادة، وإنما كانت أمانة.
[ ٦ / ٢٤٥ ]
قال الشعبي، قال عدي بن حاتم: لو قتل عثمان ما حبقت فيه عناق، فلما كان يوم الجمل فقئت عين عدي، وقتل ابنه طريف يوم الزبير، وهرب ابن له إلى معاوية، فقيل له: يا أبا طريف، هل حبقت في عثمان عناق؟ قال: أي والذي في السماء بيته، والتيس الأكبر.
قال الشعبي: كنية الدجال أبو يوسف؛ ولا أدري من أين له هذا.
قيل للمغيرة: إن آذنك يحابي، فقال: المعرفة تنفع عند الكلب العقور، والجمل الصؤول، فكيف بالرجل المسلم.
قال أبو السائب الهمذاني: سمعت أبا نعيم يقدم إدريس الخزاز إلى شريك عنده بشهادة فقال: أنت الذي تزعم أن الصلاة ليست من الإيمان؟ سمعت أبا حنيفة المتكلم يقول في مجلس: المرجئ إنما أخذ من الرجاء. ومر على الخطأ، وليس كما وهم، أي ذهب وهمه إليه، المرجئ مهموز، وتليين الهمزة جائز، وحذفها لغة، وقد قرئ " أرجه وأخاه " الأعراف: ١١١، ومعنى الكلمة التأخير. إن المرجئ مؤخر الكلام في عفو الله عن صاحب الكبيرة، والمعتزلي يقطع بتخليده في النار، وليس دخول الرجاء في المعنى على الاتساع بما نشتق الكلام منه في الإرجاء؛ الراجي غير المرجئ، والله تعالى يقول: " وآخرون مرجون لأمر الله " التوبة: ١٠٦
[ ٦ / ٢٤٦ ]
ومرجوون أيضًا، لا اختلاف في المعنى بين اللفظتين. المتكلم محتاج إلى معرفة الأسماء والصفات، ليكون كلامه عل أصل ممهود، وأساس موتود.
وقال ثعلب: تقول العرب في أيمانها: لا وقائت نفسي القصير، لا ومعيشتي يريد؛ والقائت من قولك: قات يقوت قوتًا، والقوت: ما يقتات به، والمقيت كالحافظ، هكذا قيل في قوله: " وان الله عل كل شيء مقيتًا " النساء: ٨٥.
وقال ثعلب: تقول العرب: لا والذي خلق الرجال للخيل، وشق الجبال للسيل؛ لا والذي شقهن خمسًا من واحدة، زعم أنه يراد بهذه اليمين أن الكف شقت منها الأصابع.
قال: وقال أيضًا: لا والذي وجهي أمم بيته، أي مقابل بيته، قال: ويقال: مرتهن على أمم من طريقتك.
قال ثعلب: وتدعو العرب على الإنسان فيقال: ماله آم وعام، وقد تفسير هذا، وأعيده أيضًا، أما آم: صار أيمًا، والأيمة صفة تعتور الذكر والأنثى، وأما عام فمعناه صار مشتهيًا للبن، كأنه دعا عليه أن يفتقر ولا يكون له لبن.
ويقال: ما له حرب وحرب، وجرب وذرب، وما له شل عشره، يراد الأصابع، وما له يدي من يده، وأبرد الله محه أي هزله، وأبرد الله غبوقه، أي لا كان له لبن حتى يشرب الماء.
قال ثعلب: ويقولون: قل خيسه، أي خيره، بالخاء منقوطة من فوق.
[ ٦ / ٢٤٧ ]
قالت الفلاسفة: فضائل النفس أربع وفضائل الجسد أربع: للنفس الحكمة، وللجسد بإزائها التمام والكمال؛ وللنفس العدل، وللجسد الحسن والجمال؛ وللنفس الشجاعة، وللجسد القوة؛ وللنفس العفة، وللجسد الصحة.
هذا كلام شريف واعتبار صادق، فكن جامعًا بين فضائل نفسك ومحاسن جسدك بالرغبة التامة في العلم، والنية الصادقة في العمل، والفكر الصحيح في الاستنباط، والعهد المحفوظ في العشرة، والخير المعمول في الخلوة، ولا تمكن الهوى من نفسك، واتهم كل من حسنه عندك فقربه إلى قلبك، وأروح روحك من حبس جسدك بكد جسدك.
قال أفلاطون: إذا أكثرتم جمع النساء في منازلكم انقسمت عقولكم، وإذا انقسمت عقولكم لم تقدروا أن تكونوا حكماء.
وكان أفلاطون إذا أراد تعليم تلامذته يمشي معهم إكبارًا للحكمة.
يقال: ما الفقر، والأفر، والوفر، والزفر، والسفر، والضفر، والشفر، والعفر، والغفر، والكفر، والنقر، والذفر.
فأما القفر: فالمكان الخالي الذي لا نبات فيه، ومنه يقال: أكل خبزة قفارًا، إذا أكله بحتًا لا أدم معه. والأدم جمع، والإدام واحد، كقولك: كتاب وكتب. هكذا سمعت ممن يوثق به.
وأما الأفر فالعدو، يقال: أفر يأفر.
وأما الوفر فالمال، يقال: فلان ذو وفر أي ذو مال، ويقال: فر عرض فلان أي لا تدنسه، ووفرت عرضه - بخفة الفاء؛ وأما وفرت - بتشديد الفاء - ففي غير العرض، ومنه التوفير والاستيفار من الوفارة والوفور.
[ ٦ / ٢٤٨ ]
والوفرة: شعر كالجمة.
وأما الزفر والزفير والزفر أيضًا: شد الشيء على إحكام.
وأما السفر فالمسافرون.
وأما الضفر فالفتل، يقال: ضفرت المرأة شعرها ولها ضفيرتان، والظاء فيه خطأ، والكتاب يقولون: نحن نتضافر على هذا الأمر، وهو صحيح، لأن المراد نتقابل أي نتفادى ونتعاضد. فأما الظاء فإن المعنى يستحيل لأنه يصير من الظفر، فكأنه يكون: هذا ظافر بهذا، وهذا ظافر بهذا، وليس الغرض ذلك.
وأما الشفر فإنه يقال: ما بالدار شفر أي أحد.
وأما العفر فالتراب، والعفر: البعد، يقال: لقيته على عفر أي على بعد.
وأما الغفر: فمصدر قولك: غفر الله لك غفرًا، والغفر: زئير الخز - بكسر الزاي - وهو الصحيح، والغفر أيضًا هو الغطاء، والأصل التغطية، فإذا قلت: غفر الله لك، فكأنك قلت: ستر الله عليك ذنوبك، وكذلك الزئير، يقال: اصبغ الثوب فإنه أغفر للوسخ؛ كذا قال يعقوب.
وأما الكفر فالقرية، ومنه الخبر: يخرجكم الروم منها كفرًا كفرًا.
وأما النفر فمصدر نفر الناس إلى مكة في المنسك.
وأما الذفر فالنتن، ومنه: يا ذفار للأمة، مبنية، وهي خفيفة، يراد بها المنتنة.
قال بعض مشايخ البصرة: أتيت أبا عبد الله بن عرفة أيام حداثني وغرارتي لأثمر نفسي من فضله، وأحلي جوهري بأدبه، فلحظني متوهمًا للنجابة، حاكمًا علي بحسن الاستجابة، وقال لي: يا بني هل لك
[ ٦ / ٢٤٩ ]
حاد مستحث على طلب العلم؟ فقلت: نعم، فقال: قل نعم، فإن النعم الإبل والبقر، وأراد نشري وبسطي بهذا الرد، قال: أي أقوى في نفسك أن تعلم الحلال والحرام، أو أن تتعمق في الكلام، أو أن تواصل هذا الأدب والبيان؟ فقلت: بل مواصلة الأدب، فقال: ما اختال سحابك ولا خلب برقك، فقال: أما إنك إذ أبيت إلا ذلك لما تجد في طباعك من النزاع إليه، والاشتمال عليه، فخذ من الشعر القديم أفصحه، ومن الخبر المأثور أملحه، واستغن بجليل النحو عن دقيقه، وليكن علمك اللغة، واحرص أن تعلم، ولا تحرص أن ترسم، واكتف بأدنى علمك، ولا تترأس على من دونك، بل إن كان معه شيء فأره أنك دونه حتى تأخذه منه، فإن من استعجل الرياسة قبل حينها ذل.
قال أبو حاتم، قال أبو عبيدة: لا تردن على أحد خطأ في حفل فإنه يستفيد منك ويتخذك عدوًا.
هذا آخر الجزء السادس وهو مقطع الكتاب، وقد غرست فيه وصايا شريفة، وحكمًا عزيزة، وآدابًا غريبة، وأصولًا قوية، وفروعًا بديعة، متى ذللت بروايتها لسانك، وشحذت بحفظها طباعك، وراسلت بمحاسنها سجراءك، وثقفت بأحسنها نفسك، وحبرت بعيونها آدابك، كنت مخصوصًا بالسعادة، معانًا بالتوفيق، متفقًا عليه في الفضل، مشارًا إليه بالنبل، مدركًا نهاية الأصل، مجتنيًا ثمرة العمر، رفيعًا عند السلطان، بهيًا بين الإخوان، مخيبًا عند الخصوم. والذي لا أمل تكراره عليك وإعادته عليك: الزهد في هذه الدار المؤوفة، والحذر من العاقبة المخوفة، والبدار إلى ما أراح الروح من كد
[ ٦ / ٢٥٠ ]
الجسم، وأودع النفس روح الخلد، فنيل كل شيء عداه جلل، وطلب كل ما سواه خلل. قرن الله تعالى الهداة بنا وبك، وأفرغ التوفيق علينا وعليك، ورضي عنا وعنك، وجملنا وإياك بالتقوى، وختم لنا ولك بأحمد العقبى.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصواته على خير خلقه محمد النبي وآله وصحبه وأزواجه وسلامه.
[ ٦ / ٢٥١ ]
//بسم الله الرحمن الرحيم