أمّا ما ذكرنا من أجناس الحيوان المركّبات، كالبغل والشّهري، والمقرف «١»، والهجين، وكالبخت والبهونيّ، والصّرصرانيّ «٢»، والطير الوردانيّ، والحمام الراعبيّ، فقد عرفنا كيف تركيب ذلك، وعرفنا اختلاف الآباء والأمّهات. فأمّا السّمع والعسبار والدّيسم «٣» والعدار «٤» والزّرافة، فهذا شيء لم أحقّه.
وقد أكثر الناس في هذا وفي الّلخم، وفي الكوسج، وفي الدّلفين، وفيما يتراكب بين الثعلب والسّنّور البرّيّ، فإنّ هذا كلّه إنما نسمعه في الأشعار، في البيت بعد البيت، ومن أفواه رجال لا يعرفون بالتحصيل والتثبّت، وليسوا بأصحاب توقّ وتوقّف.
وإذا كان إياس بن معاوية القاضي يزعم أن الشّبّوطة إنما خلقت من بين الزّجر والبنّيّ، وأنّ من الدليل على ذلك أن الشبّوطة لا يوجد في
[ ١٢١ ]
جوفها بيض أبدا، لأنّها كالبغلة، فأنا رأيت في جوفها البيض مرارا، ولكنّه بيض سوء لا يؤكل، ليس بالعظيم، ولا يستطيل في البطن كما يستطيل بيض جميع أناث السمك.
والشّبّوط جنس يكون ذكرانه أكثر، فلا يكاد إنسان يقلّ أكله للشبّوط يرى بيض الشّبّوط. فإذا كان إياس يغلط هذا الغلط، فما ظنّك بمن دونه.
وقد يكون هذا الذي نسمعه من اليمانية والقحطانيّة، ونقرؤه في كتب السّيرة، قصّ به القصّاص، وسمروا به عند الملوك.
وزعموا أنّ بلقيس بنت ذي مشرح، وهي ملكة سبأ، ذكرها الله في القرآن، فقال: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
، زعموا أن أمّها جنّيّة، وأن أباها إنسيّ، غير أن تلك الجنّيّة ولدت إنسّيّة خالصة صرفا بحتا، ليس فيها شوب، ولا نزعها عرق، ولا جذبها شبه، وأنّها كانت كإحدى نساء الملوك.
فاحسب أنّ التناكح يكون بين الجنّ والإنس، من أين أوجبوا التلاقح، ونحن نجد الأعرابيّ والشابّ الشّبق، بنيكان الناقة والبقرة والعنز والنعجة، وأجناسا كثيرة، فيفرغون نطفهم في أفواه أرحامها، ولم نر ولا سمعنا على طول الدهر، وكثرة هذا العمل الذي يكون من السّفهاء، ألقح منها شيء من هذه الأجناس، والأجناس على حالهم من لحم ودم، ومن النّطف خلقوا. وأصل الإنسان من طين، والجانّ خلق من نار السّموم، فشبه ما بين الجنّ والإنس، أبعد من شبه ما بين الإنسان والقرد. وكان ينبغي للقردة أن تلقح من الإنسان.
ومن العجب أنّهم يزعمون أنّما تصرع المرأة لأنّ واحدا من الجنّ
[ ١٢٢ ]
عشقها، وأنه لم يأتها إلّا على شهوة الذّكر للأنثى، أو شهوة الأنثى للذّكر.
وقيل لعمرو بن عبيد «١»: أيكون أن يصرع شيطان إنسانا؟ قال:
لو لم يكن ذلك لما ضرب الله به المثل لآكل الرّبا حيث يقول: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ
. فهذا شيء واضح. قال: ثم وقفنا على رجل مصروع، فقلت له: أرأيت هذا الصّرع، تزعم أنه من شيطانه؟ قال: أمّا هذا بعينه فلا أدري أمن فساد مرّة وبلغم، أم من شيطان؛ وما أنكر أن يكون خبط شيطان وصرعه، وكيف لا يجوز ذلك مع ما سمعنا في القرآن؟.
قال: وسمعته، وسأله سائل عن رجل هام على وجهه، مثل عمرو بن عديّ صاحب جذيمة الوضاح «٢»، ومثل عمارة بن الوليد «٣»، وطالب بن أبي طالب، فقال: قد قال الله: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ.
وأنا أعلم أنّ في الناس من قد استهوته الشياطين، ولست أقضي على الجميع بمثل ذلك. وقد قالوا في الغريض المغنّي «٤»، وسعد بن عبادة وغيرهما، وهذا عندنا قول عدل.
[ ١٢٣ ]
وكلّ ما قالوا من أحاديثهم في الخلق المركّب، فهو أيسر من قولهم في ولادة بلقيس.
وهم يروون في رواياتهم في تزويج الإنسان من الجنّ، حتى جعلوا قول الشاعر:
يا قاتل الله بني السّعلاة عمرا وقابوسا شرار النّات
- يريد: الناس- أنه الدليل على أن السّعلاة تلد الناس.
هذا سوى ما قالوا في الشّق وواق واق «١» ودوال باي «٢»، وفي الناس والنسناس «٣» .
ولم يرض الكميت بهذا حتى قال:
نسناسهم والنّسانسا
فقسم الأقسام على ثلاثة: على الناس، والنّسناس، والنّسانس.
وتزعم أعراب بني مرّة أنّ الجن إنما استهوت سنانا لتستفحله إذ كان منجبا، وسنان إنّما هام على وجهه. وقال رجل من العرب: «والله لقد كان سنان أحزم من فرخ العقاب» .
وقال محمد بن سلّام الجمحيّ: قلت ليونس بن حبيب: آلبراذين من الخيل؟ فأنشدني:
وإنّي امرؤ للخيل عندي مزيّة على فارس البرذون أو فارس البغل
وقالوا: إنما ذهب الشاعر من اسم الخيل إلى العتاق.
[ ١٢٤ ]
وإنما يوصف الفرس العتيق بصفة الإنسان من بين جميع الحيوان يقولون: فرس كريم، وفرس جواد، وفرس رائع.
فأمّا قولهم «كريم» و«عتيق» فإنّما يريدون أن يبروه من الهجنة والإقراف، وكيف يجعلون البرذون لاحقا بالعتيق، وإن دخل الفرس من أعراق البراذين شيء هجّنه؟.
وفي القرآن: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ
حين أراد أن يعدّد أصناف نعمه؛ أفتراه ذكر نعمه في الحمار والبغل، ويدع نعمته في البراذين، والبراذين أكثر من البغال، ولعلّها أكثر من الحمير الأهليّة، التي هي للركوب، لأنّ الله تعالى قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها
؟ وحمر الوحش وإن كانت حميرا فليست بمراكب. وفرسان العجم تختار في الحرب البراذين على العتاق، لأنها أحسن مواتاة.
والفحل والحصان من العتاق ربّما شمّ ريح الحجر في جيش الأعداء، فتقحّم يفارسه حتّى يعطب، ولذلك اختاروا البراذين للصّوالجة والطّبطابات «١» والمشاولة «٢»، وإنما أرادوا بذلك كلّه أن يكون دربة للحرب وتمرينا وتأسيسا.
فأكثر الحمير والبغال تتّخذ لغير الركوب، وليس في البراذين طحّانات ولا نقّالات، ولا تكسح عليها الأرض إلا في الفرط. فكيف يدع ذكر ما هو أعظم في المنفعة، وأظهر في النّعمة، مع الجمال والوطاءة إلى ذكر ما لا يدانيه؟.
قال: وممّا يهجّن شأن البغل ويخبر عن إبطائه عند الحاجة إلى سرعته، أنّ القائد الشّجاع، والرئيس المطاع، إذا أراد أن يعلم
[ ١٢٥ ]
أصحابه أنه لا يفرّ، حتى يفتح الله عليه أو يقتل، ركب بغلا. ولذلك قال الشاعر:
إذا ركب الأسوار بغلا وبغلة لدى الحرب والهيجاء قد شبّ نارها «١»
فذاك دليل لا يخيل، وعزمة على الصّبر حتّى يستبان بشارها «٢»
وذو الصّبر أولاهم بكلّ سلامة وبالصّبر يبدو عقبها وعيارها «٣»
ذهب إلى قول أبي بكر، ﵁، لخالد بن الوليد:
«احرص على الموت توهب لك الحياة» .
يقول: إذا صبرتم ولم تفرّوا، هزمتم العدوّ، فصار صبركم سببا لحياتكم.
وحدّثني نهيك بن أحمد بن نهيك، كاتب عبد الله بن طاهر، قال: اقتتل أصحاب الأمير عبد الله بن طاهر، وأصحاب نصر بن شبث يوما على باب كيسوم «٤»، ونصر في آخر القوم جالس على مصلّى، محتب بحمائل سيفه، وبين يديه بغل مسرج مجلل، والله ما أدري أكان الجّل تحت الّلبد، أم كان فوق السّرج، وشدّ عزيز على أصحاب نصر شدّة كشفتهم، حتى جاوزوا مكان نصر، وصار عزيز بحذاء نصر، ونصر جالس؛ فلما رأى ذلك وثب وثبة فإذا هو على ظهر البغل، وقال: مكانك يا عزيز! أتبلغ إلى موضعي، وتطأ حريمي؟! ثم شدّ نحوه على بغله، وعزيز على برذون، فعزف- والله- عزيز عنه، وعزيز يومئذ فارس العسكر غير مدافع.
[ ١٢٦ ]
وأنشدوا في البغل:
أردت مديح البغل يا شيخ مذحج فجئت بشء صيّر البغل كالكلب
وحسبك لؤما بالكلاب ودقّة وقد ثمّنوا شرواه شأوا من التّرب «١»
لأن في الحديث: إنّ دية الكلب زبيل من تراب، حقّ على القاتل أن يفعله، وحقّ على صاحب الكلب أن يقبله.
تم الكتاب بعون الله تعالى ومنّه
[ ١٢٧ ]