قيل لشيخ ذي تجربة: ما أذهب ملك بني مروان؟ قال: ما زال ملكهم قائما حتى عميت عليهم الأخبار. وذلك أن نصر بن سيّار، كان صاحب خراسان، قبل خروج أبي مسلم وقوّة أمره، إلى أن قوي عليه حتى هرب منه. وذلك أنه، وإن كان واليا لأربعة خلفاء، فإنه كان مأمورا بمكاتبة صاحب العراق، وإن كان صاحب العراق لا يقدر على عزله، وقد كان يزيد ابن عمر يخاف أن يولّي مكانه نصر بن سيّار، أو مسور بن عمرو بن عباد، فاحتال لمسّور، ولم تمكنه الحيلة في نصر، فكان إذا كتب إليه بالرأي الذي يحسم به من أسباب قوّة المسوّدة، كتب بذلك إلى يزيد، فكان يزيد لا يرفع خبره ولا يمدّه بالرجال، طمعا في أن يهزم أو يقتل، ونسي يزيد أن غلبة أبي مسلم على خراسان، سبب لغلبته على الجبال، وإذا استحكم له ذلك، لم يكن له همّة إلا صاحب العراق. فلما طوى أخبار نصر سدّ وجه الرأي والتدبير على مروان، حتى كان الذي كان.
[ ٥٥ ]
قالوا: ولما بلغ المأمون اختلاط من حال البريد، وجّه ثمامة بن أشرس «١»، ليتعرّف له ذلك. فلما رجع إليه وسأله، قال: يا أمير المؤمنين، تركت بغلا على معلف كذا وكذا وهو يقرأ: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها.
ومررت بسكّة أخرى، فإذا بغل قد عدا على رجل عليه طيلسان أخضر، يظنّه حزمة علف، فعدا الرجل وعدا خلفه البغل، فصحت بالرجل: اطرح الطيلسان! فلما طرحه وقف البغل يشمّه.
ومررت بسكّة أخرى، وإذا على المعلف بغل، وإذا هو يغنّي:
ولقد أبيت على الطّوى وأظّله حتّى أنال به كريم المأكل
ومما قالوا في شأن البريد وأصحابه، قول ابن أبي أميّة:
إنّ ابن شاهك قد ولّيته عملا أضحى وحقّك عنه وهو مشغول
بسكّة أحدثت ليست بشارعة من دونها غيضة في وسطها غيل «٢»
ترى فرانقها في الرّكض مندفعا تجري خريطته والبغل مشكول «٣»
وقال دعبل في بعض رجال العسكر، ممن كان ولي البريد:
ألا أبلغا عنّي الإمام رسالة رسالة ناء عن جنابك شاحط
بأنّ ابن زيد حين يسحج شاحج يمرّ على القرطاس أقلام غالط
[ ٥٦ ]
أحبّ بغال البرد حبّا مداخلا يكلّفه إثباتها في الشّرائط
ولولا أمير المؤمنين لأصبحت أيور بغال البرد حشو الخرائط
وقال دعبل أيضا:
من مبلغ عنّي إمام الهدى قافية للعرض هتّاكه
لهذا جناح المسلمين الّذي قد قصّه بوليك الحاكه
أضحت بغال البرد منظومة إلى ابن زيد تحمل النّاكه
وذكر الفرزدق في مرثية وكيع بن أبي سود «١» البرد، فقال:
لتبك وكيعا خيل ليل مغيرة تساقى المنايا بالرّدينيّة السّمر
لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة دعوها وكيعا والجياد بهم تجري
وبين الّذي يدعو وكيعا وبينه مسيرة شهر للمقصّصة البتر
وقال ابن المعذّل «٢» في جارية لبعض ولد سعيد بن سلم، وقد ولي البريد:
دهتك بعلّة الحمّام فوز ومال بها الرّسول إلى سعيد
أرى أخبار دارك عنك تخفى فكيف وليت أخبار البريد
ولمّا فخّم ابن غسطة عظيم الروم شأن ملكه، ثم قال للرسول:
[ ٥٧ ]
هل عندكم بعض ما تعارضوني به؟ قال: نعم، لملكنا أربعون ألف بغل موقوفة على إبلاغ رسائله وأخباره، من واسطة ملكه إلى أقطار سلطانه. فأفحمه.
يعني بغال البريد. قال هذا وحال البرد على غير هذه الحال، ولم يعرفوا توجيه الخرائط «١» في الماء، وعلى أيدي الرجال.
وابن غسطة هو الذي ذكره سلم الخاسر «٢» في قصيدته التي مدح فيها الرّشيد، قال:
منع ابن غسطة رأسه بخراجه ولقد يكون وما عليه خراج
قالوا: ولمّا رأى نصر أنّ يزيد بن عمر يميت أخباره، ليموت ذكره عند الخليفة كتب إليه:
أبلغ يزيد وخير القول أصدقه وقد علمت بأن لا خير في الكذب
وكتب إليه:
أرى تحت الرّماد وميض نار فيوشك أن يكون لها ضرام
فإنّ النّار بالعودين تذكى وإنّ الحرب أوّلها الكلام
فقلت تعجّبا: يا ليت شعري أأيقاظ أميّة أم نيام
حدثني عليّ بن المديني، قال: كان يزيد بن زريع «٣» إذا سمع
[ ٥٨ ]
أصحاب الحديث يخوضون «١» في أبي حنيفة، وفي كيف عظم شأنه بعد خموله، قال: هيهات! طارت بفتياه البغال الشّهب! قالوا: ووجّه معاوية لما كلّموه في يزيد بن ربيعة بن مفرّغ رجلا مجرّدا، لإخراجه من السجن، فخرج حتى أتى سجستان فأخرجه، فبلغ ذلك عبّاد بن زياد، فأرسل إلى حمحام، فلما رأى عهد معاوية كفّ، وأقبل حمحام بابن مفرّغ على بغلة من بغال البريد، وأنشأ ابن مفرّغ يقول:
عدس ما لعبّاد إمارة نجوت وهذا تحملين طليق
طليق الّذي نجّى من الكرب بعد ما تلاحم في درب عليك مضيق
قوله: «عدس ما لعبّاد عليك إمارة»، فزعم ناس أن «عدس» اسم لكلّ بغلة كمن، وذهبوا إلى قول الشاعر:
إذا حملت بزّتي على عدس على الّتي بين الحمار والفرس
فما أبالي من غزا ومن جلس
قالوا: وإنما قوله: «عدس» على مثل قول خالد بن صفوان حين فاخر اليمانية، وقال: «والله ما منهم إلّا ناسج برد، أو سائس قرد، أو دابغ جلد، أو راكب عرد «٢»، غرّقتهم فأرة، وملكتهم امرأة، ودلّ عليهم هدهد» .
وقال آخرون: قولهم: «عدس» للبغلة مثل قولهم: «سأسأ» للحمار، و«حا» للجمل، و«حل» للناقة. ألا تراه حين سخر
[ ٥٩ ]
الأعرابيّ من صاحبه، وحين جهّله قال:
يقول للنّاقة قولا للجمل يقول حا ثمّ يثنّيه بحل
قالوا: ألا ترون أنّ الفرزدق لما خلع لجام بغلته، وأشرعها في ثغاب مسجد بني أسيّد، قال له جرنفش المجنون: نحّ بغلتك، جدّ الله ساقيك! قال الفرزدق: ولم عافاك الله؟ قال: لأنك زاني الكمرة «١»، كذوب اللسان. فلما سمع ذلك منه ركب بغلته، وقال: عدس، كما يقال للفرس «اجدم»، وللثور: «وح» .
وقد ذكر امرؤ القيس البريد، فقال:
ونادمت قيصر في ملكه فأوجهني وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكّة سبقت الفرانق سبقا بعيدا
ومما قالوا: في البريد، قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
طال ليلي وبت أسقي المداما إذ اتاني البريد ينعي هشاما
وأتاني بحلّة وقضيب وأتاني بخاتم ثم قاما
وذكر البريد الكميت في مديح أسماء بن خارجة، فقال:
إذا ما مات أسماء بن حصن فلا مطرت على الأرض السّماء
ولا قام البريد بغنم جيش ولا حملت على الطّهر النّساء
قيوم منك خير من رجال يروح عليهم نعم وشاء
وقال أيمن بن خريم الأسديّ»
:
[ ٦٠ ]
ركبت من المقطّم في جمادي إلى بشر بن مروان البريدا
فلو أعطاك بشر ألف ألف رأى حقا عليه أن يزيدا
وقال آخر:
إذا ما بريد الشّام أقبل نحونا ببعض دواهي الدّهر سار فأسرعا
فإن كان شرّا سار يوما وليلة وإن كان خيرا قصّد السّير أربعا «١»
سمعت أبا شعبة الأعمى المعبّر، ونحن بالنّهروان، سنة قدم الحسن بن سهل، وهو يقول لمويس بن عمران «٢»: اذكر لإخوانك هؤلاء رؤياك، وتعبيري لها. قال: نعم، قلت لك: رأيت فيما يرى النائم كأنّي على بغل بريد، فقلت لي: تحمّ يومين وثلثي يوم، فكان كما قلت؛ فسألتك عن العّلة، فقلت: لأن تشريف ذنب البغلة تشريفتان وثلثا تشريفة.
وقال الأصمعيّ: أرسل الحجّاج إلى الجرميّ المعبّر، ييسأله عن رجل رأى كأنّه على بغلة، وكأنه على شرف، وكأنه يستفّ ترابا، فقال له: أما البغل فطول عمر، وأما الشرف فشرف من شرف الدنيا، وأما التّراب ففيء تأكله.
وقالوا: وسأل بعض المصريّين الفرّاء المعبّر، فقال: رأيت كأنّ معي درهما بغليّا. قال: لست تمسي حتى تأكل شيئا طيّبا. فكان كذلك.
[ ٦١ ]
ثم أتاه بعد أيّام، فقال: رأيت فيما يرى النائم كأنّ معي درهما بخيّا. قال: لست تمسي حتى تضرب ضربا وجيعا! فكان كذلك.
فسأله عن العّلة، فقال: الدرهم البغليّ مكتوب عليه بالفارسيّة: «خش بخر» ترجمة هذه الكلمة: «كل طيّبا» . والدّرهم البخيّ مكتوب عليه: «ضرب هذا الدرهم» . وهما مختلفان.
وأنشد الحكم بن عبدل أسماء بن خارجة شعرا ذكر [فيه] أنه رآه في المنام، فقال:
أغفيت قبل الصّبح نوم مسهّد في ساعة ما كنت قبل أنامها
فرأيت أنّك رعتني بوليدة مغنوجة حسن عليّ قيامها
وببدرة حملت إليّ وبغلة شهباء ناجية يصلّ لجامها
فدعوت ربّي أن يثيبك جنّة عوضا يصيبك بردها وسلامها
قال أسماء: كلّ ما رأيته في النوم فهو عندنا كما رأيت، إلّا البغلة فإنّها دهماء! قال: أعتق ما أملك إن كان رآها إلّا دهماء، ولكنّه غلط.
ومما اشتقّ من اسم البغل: «الدرهم البغليّ» . وفي بني تغلب «رأس البغل» وهو رئيس من رؤسائهم، وهو الذي كان إبراهيم بن هانىء الخليع نسب إليه.
وإذا كان الإنسان عظيم الرأس لقّبوه: «رأس البغل» .
والبغلات: جوار من رقيق مصر، نتاج ما بين الصّقالبة وجنس آخر، والواحدة منهنّ يقال لها: «بغلة»، ولهنّ أبدان ووثارة وحدارة «١» .
[ ٦٢ ]
ويروى عن بعض العراقيّين، قال: كنت عند قاضي مصر، وهو يقول لبعض جلسائه: عندي جارية أطؤها منذ حين، وقد اعتراني شبق، وأنا على أن أشترى بغلة. قلت: وما تصنع ببغلة؟ قال:
أطؤها، وأصيب منها. فقلت في نفسي: هذا أمجن الناس وأحمقهم، يتكلّم بهذا وهو قاض؟! ثم حكيت ذلك عند رجل من أهل مصر، فقال: عافاك الله، ما منّا من أحد إلّا وعنده بغلات ينيكهنّ! فتعجّبت، فلما رأى إنكاري ذلك، فسّر لي معنى البغلة عندهم.
قالوا: وإذا عظمت المرأة، وعظم بطنها، قالوا: «ما هي إلّا بغلة»، وما رأس فلان إلّا رأس بغل، وما أيره إلّا أير بغل، وما خلقه إلّا من أخلاق البغال.
والمثل السائر: «كأنه جاء برأس خاقان «١»»، «ورأس الجالوت» «٢»، و«رأس الفاعوس «٣»»، و«رأس الكيتبة والقبيلة» .
فلذلك قال عمرو بن كلثوم:
برأس من بني جشم بن بكر ندقّ به السّهولة والحزونا
وقال أبو المهوّش الأسديّ «٤»:
تراه يطوّف الآفاق حرصا ليأكل رأس لقمان بن عاد
ورأس بن أبي الرأس القائد، مشهور معروف.
ويقولون: «هذا على رأس الثّمام» .
[ ٦٣ ]
وبالشّام موضع يقال له: «بيت رأس» تباع فيه الخمر؛ ولذلك قال الشاعر:
مجاجة كرمة من بيت رأس
وبيت رأس بالشام مثل أبيات، وبيت لهيا.
ويقال: فلان رأس من الرؤوس.
والرأس: رئيس السّوّاس.
ومن سير الإبل سير يسمّى: «التبغيل «١»»، قال الراعي:
وإذا ترقّصت المفاوز غادرت ربذا يبغّل خلفها تبغيلا
والبغيلة: اسم ناقة كانت لجميل بن معمر، ولذلك قال:
أضرّ بأخفاف البغيلة أنّها حذار ابن ربعيّ بهنّ تحوم
ولذلك قال الرّقاشيّ «٢» في صفة ناقة له تسمّى «سروة»:
لعمرك ما البغيلة حين تغدو وصيدح حين تسرح في الرّحاب
كسروة حين تذرع عرض خرق بعيد الآل مشتيه الظّراب
ومما قالوا في البريد، قال رجل من الأنصار عند ولاية عمر بن عبد العزيز، ﵁:
ثمّ جاء البريد يخبر أنّ ال قوم طرّا لم يحرموا التوفيقا
[ ٦٤ ]
من سكون وألفة واجتماع لم يفارق منهم فريق فريقا
قلّدوا الأمر سيّد النّاس كلّ ال نّاس نفسا وأسرة وعروقا
من أبوه عبد العزيز بن مروا ن ومن كان جدّه الفاروقا
وقال ابن أذينة اللّيثيّ «١»:
أتانا البريد التّغلبيّ فراعنا له خبر شفّ الفؤاد فأنعما
بموت أبي حفص فلا آب راكب بموت أبي حفص أخبّ وأرسما «٢»
وذكر يزيد بن معاوية البريد، فقال:
جاء البريد بقرطاس يخبّ به فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكم قالوا: الخليفة أمسى مدنفا وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا كأنّ أغبر من أركانها انقلعا
وقد كان أيضا بالكوفة [نتاج «٣»] بين الخراسانيّة والهنديّات، وكان أملح وأحسن قدودا من البغلات اللواتي بمصر؛ وكانت ألوانهنّ تجيء ذهبيّة، لها حلاوة الهندية، وروعة الخراسانية.
وكذلك مطهّمات جواري الكوفة، زرقا تجدهنّ، إلّا الواحدة بعد
[ ٦٥ ]
الواحدة، وإنّما الثمينات المرتفعات، والغوالي الخطيرات بصريّات، مثل عجوز عمير، ومتيّم، وبذل، وعريب، وبذل: جارية المراكبيّ، وشارية: جارية إبراهيم بن المهدي، وزرياب الكبرى، وعساليج:
جارية الأحدب، وفضل: جارية العبديّ. وقبل هذا سلسل وأشباه سلسل.
وبرد كتب الملوك كانت تختلف ما بين فرغانة القصيا إلى السّوس الأقصى، وكانت البرد منظومة إلى كسرى، من أقصى بلاد اليمن إلى بابه، أيام وهرز «١»، وأيام قتل مسروق «٢»، عظيم الحبشة. وكذلك كان عظيم الروم. قال امرؤ القيس:
ونادمت قيصر في ملكه فأوجهني وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكّة سبقت الفرانق سبقا بعيدا
وكذلك كانت برد كسرى إلى الحيرة: إلى النعمان وإلى آبائه.
وكذلك كانت برده إلى البحرين: إلى المكعبر مرزبان الزّارة «٣»، وإلى مشكاب، وإلى المنذر بن ساوى، وكذلك كانت برده إلى عمان، إلى الجلندى ابن المستكبر. فكانت بادية العرب وحاضرتها مغمورتين ببرده، إلّا ما كان من ناحية الشام؛ فإنّ تلك الناحية من مملكة خثعم وغسّان إلى الروم، إلّا أيّام غلبت فارس على الروم. ولذلك صرنا نرى النواويس بالشّامات إلى قسطنطينية «٤» .
[ ٦٦ ]
وهل كانت برد كسرى إلى وهرز، وباذام، وفيروز ابن الدّيلميّ، وإلى اليمن، وإلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى النّعمان بالحيرة، إلّا البغال؟ وهل وجدوا شيئا لذلك أصلح منها؟.
ومما ذكروا به شأن البغال في الشعر وغيره، قول الشاعر:
جعل ابن حزم حاجبين لبابه سبحان من جعل ابن حزم يحجب
وعجبت أن ركب ابن حزم بغلة وركوبه فوق المنابر أعجب
وقال أعشى همدان، في خالد بن عتّاب بن ورقاء «١» - وكنية خالد أبو سليمان، اكتنى بكنية خالد بن الوليد، فقال:
تمنّيني إمارتها تميم وما أمّي بأمّ بني تميم
وكان أبو سليمان خليلي ولكنّ الشّراك من الأديم
أنينا أصبهان فهزّلتنا وكنّا قبل ذلك في نعيم
أتذكرنا ومرّة إذ غزونا وأنت على بغيلك ذي الوشوم
ويركب رأسه في كلّ وهد ويعثر في الطّريق المستقيم
وليس عليك إلّا طيلسان نصيبيّ وإلّا سحق نيم «٢»
وكان عكرمة بن ربعيّ التّيميّ، الذي يقال له «الفيّاض»، يعجب ببغلة عنده، وكان على شرط الحجّاج، وكان لا يأتي الحجّاج في موكبه مع الأشراط والوجوه إلّا عليها، وفيها يقول عكرمة:
[ ٦٧ ]
لم أر شيئا بين شيئين مثله أشدّ انتزاعا للتّشابه في الأصل
تقسّمه أطرافه فاستزالها بقسمة عدل من يدي حكم عدل
وأنشد أبو زيد النحويّ:
فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوح «١»
[ ٦٨ ]
ومؤنته في الصّيف والشّتو واحد ولا خير في المؤنات من حامل الكلّ
ولا تركب الأرماك والحجر دونها لدى المصر والبغلات تركب كالبغل
وقد فرّق الرّحمن بين شكولها كما بين عير الوحش والآخر الأهلي
وفي البغل في كلّ الأمور مرافق ومركب قاض أو شيوخ ذوي فضل
فيركبها والخيل محدقة به ويؤثرها يوم المباهاة والحفل
وقد جاوزت في السوّم كلّ مثمّن من الرّائع المنسوب والجامل البزل «١»
يفوت هماليج البراذين سيرها على قحة الأعيار من شبه النّجل
[ ٧٧ ]