ونحن بالبصرة إذا رأينا الرجل يطلب الرأي، ويركب بغلا، ويردف خلفه غلاما، قضينا بأنه يطمع في القضاء. قال ابن الممزّق:
إذا ركب الشّيخ الشّريف بغيلة وناظر أهل الرّأي عند هلال
فذاك الّذي يبغي القضاء بسمته الذّئب أمّ غزال
فإن أردف العبد الصّغير وراءه فويل لأيتام وإرث رجال
وإن ركب البرذون واشتدّ خلفه فصاحب أشراط وحمل إلال «١»
وقال ابن مناذر في واحد من هذا الشكل:
رأيت أبا موسى يغرّ بسمته ويقسم في الجيران كرّ طعام «٢»
ويخدعهم والله غالب أمره بقدّ كقدّ المشرفيّ حسام
يريد قضاء المصر والمصر منكر لكلّ مراء مهتر بغلام
[ ٧٩ ]
ببشر وسمت واكتئاب وخشعة وكثرة تسبيح ولين كلام
ويركب بغلا ثمّ يردف خلفه غلاما كما أبصرت شقّ جلام
يريد هلالا لا يحاول غيره وقدما سما للرّأي غير مام
سواء لذي الرّأي الشّريف وغيره إذا كنت ذا حفظ فلج بسلام
يصير فقيها في شهور يسيرة فيالك حفظا لم يشب بغرام
ولو كان خيرا كدّ كما كدّ ذا الآثار بعد مرام
وما ضرّ سلمانا «١» وكعبا «٢» وبعده شريحا وسوّارا «٣» ورهط هشام «٤»
وياسا وياسا والغلابيّ بعده ألآك الأولى كانوا نجوم ظلام
وما عرفوا النّعمان ولا زفر المسقيّ صوب غمام
لقد تاب ممّا أحدث القوم توبة لساعة إخلاص ووقت حمام
قالوا: ويشبّهون الأسد بالبغل، إذا كان الأسد تامّ الخلق. قال نهشل بن حرّيّ:
وما سبق الحوادث ليث غاب يجرّ لعرسه جزر الرّفاق
[ ٨٠ ]
كميت تعجز الخلعاء عنه كبغل السّرج خطّ من الوثاق
وقال أبو زبيد الطائيّ:
من الأسد عاديّ بصوته رءوس الجبال الرّاسيات
كأنّ اهتزام الرّعد خيط بجوفه إذا جرّ فيه الخيزران المعتّر «١»
فأبصر ركبا رائحين عشيّة فقالوا: أبغل مائل الرّجل أشقر
أم اللّيث؟ فاستنجوا فهذا وربّ الرّاقصات المزعفر «٢»
ولأبي زبيد مثلها، في قصيدته التي ذكر فيها شأن كلبه، وشأن الأسد، فقال:
فجال أكدر مشتالا كعادته حتّى إذا كان بين البئر والعطن
لاقى لدى ثلل الأطواء داهية أسرت وأكدر تحت الّليل في درن
إلى مقابل خطو السّاعدين له فوق السّراة كذفرى الفالج الغضن
رئبال غاب فلا قحم ولا ضرع كالبغل حطّ من المحلين في شطن
[ ٨١ ]