نبدأ إن شاء الله، بما وصف الأشراف من شأن البغلة، في حسن سيرتها، وتمام خلقها، والأمور الدالّة على السرّ الذي في جوهرها، وعلى وجوه الإرتفاق بها، وعلى تصرّفها في منافعها، وعلى خفّة مئونتها في التنقّل في أمكنتها وأزمنتها، ولم كلف الأشراف بارتباطها، مع كثرة ما يزعمون من عيوبها ولم آثروها على ما هو أدوم طهارة خلق منها وكيف ظهر فضلها مع النقص الذي هو فيها؟ وكيف اغتفروا مكروه ما فيها، لما وجدوا من خصال المحبوب فيها؟ حتى صار الرجل منهم ينشد العذّال «١» فيها كقول السّعديّ:
أخ لي كأيّام الحياة إخاؤه تلوّن ألوانا علىّ خطوبها
إذا عبت منه خصلة فهجرته دعتني إليه خصلة لا أعيبها
ولقد كلف بارتباطها الأشراف. حتى لقّب بعضهم من أجل اشتهاره بها ب «روّاض البغال»، ولقّبوا آخر: ب «عاشق البغل»؛ هذا مع طيب مغارسهم، وكرم نصابهم، ولذلك قال الشاعر:
[ ٢١ ]
وتثعلب الرّوّاض بعد مراحه وانسلّ بين غرارتيه الأعور
وهجاه أيضا الفرزدق بأمر الحجّاج، ففحش عليه، حتى قال:
وأفلت روّاض البغال ولم تدع له الخيل من أحراح زوجيه معشرا
وقال لشريف آخر:
ما زلت في الحلبات أسبق ثانيا حتّى رميت بعاشق البغل
لو كان شاور ما عبأت به يوم الرّهان وساعة الحفل
وشاور هذا: رائض كان ببغداد، والشاعر رجل من بني هاشم؛ ولم يعن بقوله: «ما زلت في الحلبات أسبق ثانيا»: أنه جاء ثاني اثنين، وإنما ذهب إلى أنه جاء متمهّلا، وقد ثنى من عنانه.
وكتب روح بن عبد الملك بن مروان إلى وكيل له: «أبغني بغلة حصّاء «١» الذّنب، عظيمة المحزم، طويلة العنق، سوطها عنانها، وهواها أمامها» .
وكان مسلمة بن عبد الملك يقول: «ما ركب الناس مثل بغلة قصيرة العذار، طويلة العنان» .
وقال صفوان بن عبد الله بن الأهتم، لعبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن المطّلب، وكان ركّابا للبغلة: «مالك وهذا المركب الذي لا تدرك عليه الثار، ولا ينجيك يوم الفرار»؟ قال:
«إنها نزلت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلّة العير، وخير الأمور أوساطها» . فقال صفوان: «إنّا نعلّمكم، فإذا علمتم تعلّمنا منكم!.
وهو الذي كان يلقّب: «روّاض البغال» لحذقه بركوبها، ولشغفه
[ ٢٢ ]
بها، وحسن قيامه عليها. وكان يقول: «أريدها واسعة الجفرة «١»، مندحّة «٢» السّرّة، شديدة العكوة «٣»، بعيدة الخطوة، ليّنة الظهر، مكربة «٤» الرّسغ، سفواء «٥» جرداء عنقاء، طويلة الأنقاء» .
وقال ابن كناسة «٦»: سمعت رجلا يقول: «إذا اشتريت بغلة فاشترها طويلة العنق، نجدة في نجائها «٧» مشرفة الهادي «٨» نجدة في طباعها، ضخمة الجوف، نجدة في صبرها» .
والعرب تصف الفرس بسعة الجوف. قال الراجز:
غشمشم يعلو الشّجر ببطنه يعدو الذّكر
قال الأصمعيّ: لم يسبق الحلبة قطّ أهضم «٩» .
وقال يونس: كان النابغة الجعديّ «١٠» أوصف النّاس لفرس، قال فأنشدت رؤبة قوله:
[ ٢٣ ]
فإن صدقوا قالوا: جواد مجرّب ضليع، ومن خير الجياد ضليعها
فقال: ما كنت أظنّ المرهف منها إلا أسرع «١» .
قالوا: ولم يكن رؤبة وأبوه صاحبي خيل.
وقال سليمان بن عليّ لخالد بن صفوان، ورآه على حمار: ما هذا يا أبا صفوان؟ قال: أصلح الله الأمير، ألا أخبرك عن المطايا؟
قال: بلى. قال: الإبل للحمل والزّمل «٢»، والبغال للأسفار والأثقال، والخيل للطّلب والهرب، والبراذين للجمال والوطاءة، وأما الحمير فللدّبيب والمرفق» .
قالوا: وكانت للنبيّ ﷺ بغلة تسمّى «دلدل»، وحمار يسمّى «يعفور»، وفرس يسمّى «السّكب»، وله ناقتان: «العضباء»، «والقصواء» .
قالوا: وكان عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، يكثر ركوب بغلة عبد الله بن وهب «٣» الشهباء، التي غنمها يوم النّهروان. هذا في قول الشيعة، وأما غيرهم فينكرون أن يكون عليّ، كرّم الله وجهه، يرى أن يغنم شيئا من أموال أهل الصلاة، كما لم يغنم من أموال أصحاب الجمل.
قال البقطريّ، ويكنى أبا عثمان، واسمه فهدان:
لقي رجل بكر بن عبد الله المزنيّ، فقال له: رأيتك على فرس
[ ٢٤ ]
كريم، ثم رأيتك على غير لئيم، ثم رأيتك قد أدمنت ركوب هذه البغلة! قال: البغال أعدل، وسيرها أقصد.
عليّ بن المدينيّ «١» قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم «٢» قال:
حدّثني أبي عن أبي إسحاق، قال: حدثني حكيم بن حكيم «٣»، عن مسعود بن الحكم «٤»، عن أمه، قالت: كأني أنظر إلى عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه، على بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، في شعب الأنصار» .
ويروى عن عبد الرحمن بن سعد، قال: رأيت عثمان بن عفّان ﵁، على بغلة بيضاء، يضفر لحيته.
ومن حديث الزّهريّ وغيره، عن كثير بن العبّاس، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يوم حنين على بغلته الشّهباء» في حديث طويل في المغازي.
وفي هذا الحديث: فحضّهم رسول الله ﷺ، وقال: «الآن حمي الوطيس» . وهذه كلمة لرسول الله ﷺ، لم يسبقه إليها أحد، وكذلك قوله: «مات حتف أنفه»، وكذلك قوله: «كلّ الصيد في جوف الفرا»، وكذلك قوله: «هدنة على دخن»، وكذلك قوله: «لا
[ ٢٥ ]
يلسع المؤمن من جحر مرّتين» . فصارت كلها أمثالا.
قالوا: وكان ابن أبي عتيق يركب البغال، وكذلك ابن أبي ربيعة وكان هشام بن عبد الملك أكثر الناس ركوبا لها.
وعن أبي الأشهب، عن الحسن قال: قال قوم وعثمان ﵁ محصور: لو بعثتم إلى أمّ المؤمنين ﵂ فركبت، فلعلّهم أن يكفّوا» فأرسلوا إلى أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، فجاءت على بغلة شهباء في محفّة. قالوا: من هذه؟ قالوا: أمّ المؤمنين، أمّ حبيبة. قالوا: لا- والله- لا تدخل، فردّوها.
وقالوا: وقع بين حيّين من قريش منازعة، فخرجت عائشة أم المؤمنين ﵂ على بغلة، فلقيها ابن أبي عتيق، فقال: إلى أين- جعلت فداك؟ قالت: أصلح بين هذين الحيّين. قال: والله ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل، فكيف إذا قيل: يوم البغل! فضحكت وانصرفت.
هذا- حفظك الله- حديث مصنوع، ومن توليد الرّوافض، فظنّ الذي ولّد هذا الحديث، أنه إذا أضافه إلى ابن أبي عتيق، وجعله نادرة وملحة، أنه سيشيع، ويجري عند الناس مجرى الخبر عن أمّ حبيبة وصفيّة. ولو عرف الذي اخترع هذا الحديث طاعة الناس لعائشة﵂- لما طمع في جواز هذا عنه.
وقال عليّ بن أبي طالب- كرّم الله وجهه-: «منيت بأربعة:
منيت بأشجع الناس، يعني الزّبير، وأجود الناس، يعني طلحة؛ وأنضّ الناس «١»، يعني يعلى بن منية، وأطوع الناس في الناس، يعني
[ ٢٦ ]
عائشة» .
ومن بعد هذا، فأيّ رئيس قبيل من قبائل قريش كانت تبعث إليه عائشة﵂- رسولا فلا يسارع، أو تأمره فلا يطيع، حتى احتاجت أن تركب بنفسها؟ وأيّ شيء كان قبل الركوب من المراسلة والمراوضة والمدافعة والتقديم والتأخير، حتى اضطرّها الأمر إلى الرّكوب بنفسها؟ وإنّ شرّا يكون بين حيّين من أحياء قريش، تفاقم فيه الأمر، حتى احتاجت عائشة﵂- إلى الركوب فيه، لعظيم الخطر، مستفيض الذّكر؛ فمن هذا القبيلان؟ ومن أيّ ضرب كان هذا الشرّ؟ وفي أيّ شيء كان؟ وما سببه؟ ومن نطق من جميع رجالات قريش فعصوه وردّوا قوله، حتى احتاجت عائشة فيه إلى الركوب؟ ولقد ضربوا قواديم الجمل، فلما برك ومال الهودج صاح الفريقان: «أمّكم! أمّكم» .
فأمر عائشة أعظم، وشأنها أجلّ، عند من يعرف أقدار الرجال والنساء، من أن يجوّز مثل هذا الحديث المولّد، والشرّ المجهول، والقبيلتين اللتين لا تعرفان.
والحديث ليس له إسناد؛ وكيف وابن أبي عتيق شاهد بالمدينة، ولم يعلم بركوبها، ولا بهذا الشرّ المتفاقم بين هذين القبيلتين؟ ثم ركبت وحدها، ولو ركبت عائشة لما بقي مهاجريّ ولا أنصاريّ، ولا أمير ولا قاض إلّا ركب؟ فما ظنّك بالسّوقة والحشوة، وبالدّهماء والعامّة.
وما هو إلّا أن ولّد أبو مخنف «١» حديثا، أو الشّرقيّ بن
[ ٢٧ ]
القطاميّ «١»، أو الكلبيّ «٢»، أو ابن الكلبيّ «٣»، أو لقيط المحاربيّ «٤»، أو شوكر «٥» أو عطاء الملط «٦»، أو ابن دأب «٧»، أو أبو الحسن المدائنيّ «٨»، ثم صوّره في كتاب، وألقاه في الورّاقين، إلّا رواه من لا يحصّل ولا يتثبّت ولا يتوقّف. وهؤلاء كلّهم يتشيّعون.
وكان يونس بن حبيب يقول: «يا عجبا للناس، كيف يكتبون عن حمّاد وهو يصحّف ويكذب ويلحن ويكسر» !.
ومن أراد الأخبار فليأخذها عن مثل قتادة، وأبي عمرو بن العلاء وابن جعدبة «٩»، ويونس بن حبيب، وأبي عبيدة، ومسلمة بن محارب، وأبي عاصم النّبيل «١٠»، وأبي عمر الضّرير، وخلّاد بن يزيد
[ ٢٨ ]
الأرقط «١»، ومحمد بن حفص- وهو ابن عائشة الأكبر، وعبيد الله بن محمد- وهو ابن عائشة الأصغر، ويأخذها عن أبي اليقظان سحيم بن قادم. فإنّ هؤلاء وأشباههم مأمونون، وأصحاب توقّ وخوف من الزوائد، وصون لما في أيديهم، وإشاق على عدالتهم.
ولما خرج قطريّ بن الفجاءة، أحبّ أن يجمع إلى رأيه رأي غيره، فدسّ إلى الأحنف بن قيس رجلا، ليجريّ ذكره في مجلسه، ويحفظ عنه ما يقول. فلما فعل قال الأحنف: «أما إنّهم إن حنبوا بنات الصّهّال، وركبوا بنات النّهّاق، وأمسوا بأرض وأصبحوا بأرض، طال أمرهم» .
قالوا: فلا نرى صاحب الحرب يستغني عن البغال، كما لا نرى صاحب السّلم يستغني عنها، ونرى صاحب السّفر فيها كصاحب الحضر.
قال الأصعميّ عن جرير بن حازم عن الزّبير بن الخِّيريت «٢»، عن أبي لبيد- واسمه لمازة بن زبّار «٣» - قال: مرّ بنا زياد في سكّتنا هذه، وهو على بغلة قد لوى رسنها على عنقها تحت اللّجام، ومعه رجل أو رجلان.
هذا وزياد على العراق أجمع.
[ ٢٩ ]
قال: وتهيّأ الناس لخالد بن عبد الله «١» مقدمه من الشأم، وركب ابن هبيرة «٢» بغلته، ووقف له في المضيق. فلما طلع خالد غمز ابن هبيرة بغلته غمزة فإذا ابن هبيرة بينه وبين الذي كان يسايره، فقال:
كيف أنت يا أبا الهيثم؟ وليت منّا أمرا تولّى الله أحسنه، ولك منا المكافأة! فقال له خالد: فررت منّي فرار العبد! فقال عمر: حين نمت عن حفظي نوم الأمة! فانتهى الخبر إلى هشام، فقال: «قاتله الله» !.
قالوا: والهدايا النفيسة، والطّرف العجيبة، والكرامات الثمينة، التي أهدتها بلقيس بنت ذي شرح إلى سليمان بن داود، هي الهدايا التي أخبر الله عن سليمان بن داود. ﵉- أنه قال: بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
. ولم تكن الملكة تبتهج بتلك الهدايا- وهي إلى سليمان، وسليمان هو الذي أعطاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده- إلّا وهي هدايا شريفة.
قالوا: فهذه الهدايا الشريفة إنّما كانت على البغال الشّهب.
وكان ممن يركبها كثيرا إسماعيل بن الأشعث، وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث «٣» .
[ ٣٠ ]
قال: وقال حوشب بن يزيد بن رويم لعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث: دعني أهيّج عليك عمّك أبا الفضل إسماعيل بن الأشعث.
قال: لا تعرّضني له، فإنه ضعيف، فأشفق عليه. فقال: يا أبا الفضل، إنّ ابن أخيك زعم أنّ بغلتك جلّالة. قال: لكنّ بغلته لو أفلتت ما تركت بيت زانية ولا بيت خمّار، إلّا وقفت عليه! قال عبد الرحمن: ما كان أغنانا عمّا أظهرت لنا من ضعف شيخنا!.
ولمّا وفدت عائشة بنت طلحة على عبد الملك بن مروان، وأرادت الحجّ، حملها وأحشامها «١» على ستّين بغلا من بغال الملوك؛ فقال عروة بن الزّبير:
يا عيش يا ذات البغال السّتّين أكلّ عام هكذا تحجّين
وكان مروان ابو السّمط «٢» يركب بغلة له بالبصرة، لا يكاد يفارقها. فقال الجمّاز «٣» وهو يهجوه:
اجتمع النّاس وصاحوا: الحريق بباب عثمان وسوق الرّقيق
فجاء مروان على بغلة فأنشد الشّعر فأطفا الحريق
يرمي شعره بالبرد. وكان حسده حين سمع قائلا يقول: لم يصب
[ ٣١ ]
شاعر قطّ ما أصاب أبو السّمط، ولا أصاب حجّام ما أصاب أبو حرملة.
وقد هجاه أيضا فقال:
يا أبا السّمط، حزيرا ن وتموز وآب
كن لنا منها مجيرا لك في ذاك ثواب
بشعير يذهب الح - رّ ويهنينا الشّراب
وقال ابن سيرين لرجل: ما فعلت بغلتك؟ قال: بعتها. قال:
ولم؟ قال: لمؤونتها. قال: أفتراها خلّفت رزقها عندك؟.
وذكر يوسف بن خالد السّمتيّ «١»، عن مجالد «٢»، فيما أحسب، قال: بال بغلي فتنحّيت. فقال الشّعبيّ: ما عليك لو أصابك.
قال: وكانت لابن سيرين بغلتان: بغلة لخاصّة نفسه، وبغلة للعاريّة.
وكتب سليمان بن هشام إلى أبيه: إنّ بغلتي قد عجزت، فإن رأيت أن تأمر لي بدابّة فافعل. فكتب إليه: «قد فهمت كتابك، وما ذكرت من ضعف بغلتك، وما ذاك إلّا لقلة تعهّدك «٣»، فتقّدها، وأحسن القيام عليها. ويرى أمير المؤمنين في ذلك رأيه» .
[ ٣٢ ]