وقال سهل بن هارون: «لو عرف الزنجي فرط حاجته إلى ثناياه في إقامة الحروف، وتكميل آلة البيان، لما نزع ثناياه» .
وقال عمر بن الخطاب ﵀ في سهيل بن عمرو الخطيب: «يا رسول الله، انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا.
وإنما قال ذلك لأن سهيلا كان أعلم من شفته السفلى.
وقال خلاد بن يزيد الأرقط: خطب الجمحي خطبة نكاح أصاب فيها معاني الكلام، وكان في كلامه صفير يخرج في موضع ثناياه المنزوعة، فأجابه زيد بن علي بن الحسين بكلام في جودة كلامه، إلا أنه فضله بحسن المخرج
[ ١ / ٦٩ ]
والسلامة من الصفير، فذكر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، سلامة لفظ زيد لسلامة أسنانه، فقال في كلمة له:
قلت قوادحها وتمّ عديدها فله بذاك مزية لا تنكر
ويروى: «صحت مخارجها وتم حروفها» . المزية: الفضيلة.
وزعم يحيى بن نجيم بن معاوية بن زمعة، أحد رواة أهل البصرة.
قال: قال يونس بن حبيب، في تأويل قول الأحنف بن قيس:
أنا ابن الزافرية أرضعتني بثدي لا أجد ولا وخيم
أتمتني فلم تنقص عظامي ولا صوتي إذا جد الخصوم
قال: إنما عنى بقوله عظامي أسنانه التي في فمه، وهي التي إذا تمت تمت الحروف، وإذا نقصت نقصت الحروف.
وقال يونس: وكيف يقول مثله: «أتمتني فلم تنقص عظامي» وهو يريد بالعظام عظام اليدين والرجلين وهو أحنف من رجليه جميعا. مع قول الحتات له: «والله إنك لضئيل، وإن أمك لورهاء» . وكان أعرف بمواقع العيوب وأبصر بدقيقها وجليلها. وكيف يقول ذلك وهو نصب عيون الأعداء والشعراء والأكفاء، وهو أنف مضر الذي تعطس عنه، وأبين العرب والعجم قاطبة.
قالوا: ولم يتكلم معاوية على منبر جماعة منذ سقطت ثناياه في الطست.
قال أبو الحسن وغيره: لما شق على معاوية سقوط مقادم فيه قال له يزيد ابن معن السلمي: «والله ما بلغ أحد سنك إلا أبغض بعضه بعضا، ففوك أهون علينا من سمعك وبصرك» . فطابت نفسه.
قال: وسألت مباركا الزنجي الفاشكار «١»، ولا أعلم زنجيا بلغ في
[ ١ / ٧٠ ]
الفشكرة مبلغه، فقلت له: لم تنزع الزنج ثناياها؟ ولم يحدد ناس منهم أسنانهم؟ فقال: أما أصحاب التحديد فللقتال والنهش، ولأنهم يأكلون لحوم الناس، ومتى حارب ملك ملكا فأخذه أسيرا أو قتيلا أكله، وكذلك إذا قاتل بعضهم بعضا أكل الغالب منهم المغلوب. وأما أصحاب القلع فإنهم قالوا:
نظرنا إلى مقادم أفواه الغنم فكرهنا أن تشبه مقادم أفواهنا مقادم أفواه الغنم، فكم تظنهم- أكرمك الله- فقدوا من المنافع العظام بفقد تلك الثنايا.
وفي هذا كلام يقع في كتاب الحيوان:
وقال أبو الهندي في اللثغ:
سقيت أبا المطرّح إذ أتاني وذو الرعثات منتصب يصيح
شرابا تهرب الذبان منه ويلثغ حين يشربه الفصيح
وقال محمد بن عمرو الرومي، مولى أمير المؤمنين: قد صحت التجربة وقامت العبرة على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحد شطريها الشطر الآخر.
وقد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس بعد أن سقطت جميع أسنانهم، وبعد أن بقي منها الثلث أو الربع.
فمن سقطت جميع أسنانه وكان معنى كلامه مفهوما: الوليد بن هشام القحذمي صاحب الأخبار. ومنهم أبو سفيان بن العلاء بن لبيد التغلبي، وكان ذا بيان ولسن.
وكان عبيد الله بن أبي غسان ظريفا يصرف لسانه كيف شاء، وكان الإلحاح على القيء قد برد أسنانه، حتى لا يرى أحد منها شيئا إلا أن تطلع في لحم اللثة، أو في أصول منابت الأسنان.
وكان سفيان بن الأبرد الكلبي كثيرا ما يجمع بين الحار والقار، فتساقطت أسنانه جمع، وكان في ذلك كله خطيبا بينا.
[ ١ / ٧١ ]
وقال أهل التجربة: إذا كان في اللحم الذي فيه مغارز الأسنان تشمير وقصر سمك «١» ذهبت الحروف وفسد البيان. وإذا وجد اللسان من جميع جهاته شيئا يفرعه ويصكه، ولم يمر في هواء واسع المجال، وكان لسانه يملأ جوبة فمه، لم يضره سقوط أسنانه إلا بالمقدار المغتفر، والجزء المحتمل. ويؤكد ذلك قول صاحب المنطق «٢»، فإنه زعم في كتاب الحيوان أن الطائر والسبع والبهيمة كلما كان لسان الواحد منها أعرض كان أفصح وأبين، وأحكى لما يلقن ولما يسمع، كنحو الببغاء والغداف وغراب البين، وما أشبه ذلك، وكالذي يتهيأ من أفواه السنانير إذا تجاوبت، من الحروف المقطعة المشاركة لمخارج حروف الناس. وأما الغنم فليس يمكنها أن تقول إلا «ما» . والميم والباء أول ما يتهيأ في أفواه الأطفال، كقولهم: ماما، وبابا، لأنهما خارجان من عمل اللسان، وإنما يظهران بالتقاء الشفتين. وليس شيء من الحروف أدخل في باب النقص والعجز من فم الأهتم، من الفاء والسين إذا كانا في وسط الكلمة فأما الضاد فليست تخرج إلا من الشدق الأيمن، إلا أن يكون المتكلم أعسر يسرا، مثل عمر بن الخطاب ﵀، فإنه كان يخرج الضاد من أي شدقيه شاء. فأما الأيمن والأعسر والأضبط، فليس يمكنهم ذلك إلا بالاستكراه الشديد.
وكذلك الأنفاس مقسومة على المنخرين، فحالا يكون في الاسترواح ودفع البخار من الجوف من الشق الأيمن، وحالا يكون من الشق الأيسر، ولا يجتمعان على ذلك في وقت إلا أن يستكره ذلك مستكره، أو يتكلفه متكلف، فأما إذا ترك أنفاسه على سجيتها لم تكن إلا كما قالوا.
وقالوا: الدليل على أن من سقط جميع أسنانه أن عظم اللسان نافع له، قول كعب بن جعيل ليزيد بن معاوية، حين أمره بهجاء الأنصار، فقال له:
[ ١ / ٧٢ ]
«أرادي أنت إلى الكفر بعد الإيمان، لا أهجو قوما نصروا رسول الله صلّى الله عليه وآله وآووه، ولكني سأدلك على غلام في الحي، كافر كأن لسانه لسان ثور» . يعني الأخطل.
وجاء في الحديث: «إن الله ﵎ يبغض الرجل الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلا بلسانها» .
قالوا: ويدل على ذلك قول حسان بن ثابت، حين قال له النبي ﵇: «ما بقي من لسانك؟» . فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف أرنبته، ثم قال: «والله إن لو وضعته على شعر لحلقه، أو على صخر لفلقه، وما يسرني به مقول من معد» .
وأبو السمط مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن أبي حفصة، وأبوه وابنه في نسق واحد، يقرعون بأطراف ألسنتهم أطراف أنفهم.
وتقول الهند: لولا أن الفيل مقلوب اللسان لكان أنطق من كل طائر يتهيأ في لسانه كثير من الحروف المقطعة المعروفة.
وقد ضرب الذين زعموا أن ذهاب جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف من ذهاب الشطر أو الثلثين، في ذلك مثلا، فقالوا: الحمام المقصوص جناحاه جميعا أجدر أن يطير من الذي يكون جناحاه أحدهما وافرا والآخر مقصوصا. قالوا: وعلة ذلك التعديل والاستواء، وإذا لم يكن ذلك كذلك ارتفع أحد شقيه وانخفض الآخر، فلم يجذف ولم يطر.
والقطا من الطير قد يتهيأ من أفواهها أن تقول: قطاقطا. وبذلك سميت ويتهيأ من أفواه الكلاب العينات والفاءات والواوات، كنحو قولها: وو وو، وكنحو قولها: عف عف.
قال الهيثم بن عدي: قيل لصبي: من أبوك؟ فقال: وو وو، لأن أباه كان يسمى كلبا.
[ ١ / ٧٣ ]
قال: ولكل لغة حروف تدور في أكثر كلامها كنحو استعمال الروم للسين، واستعمال الجرامقة للعين «١» .
وقال الأصمعي: ليس للروم ضاد، ولا للفرس ثاء، ولا للسرياني ذال.