وقال علي ﵀: «قيمة كل امرئ ما يحسن» . فلو لم نقف من هذا الكتاب إلا على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية، ومجزئة مغنية، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، وغير مقصرة عن الغاية. وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكان الله ﷿ قد ألبسه من الجلالة، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه، وتقوى قائله. فإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع، بعيدا من الاستكراه، ومنزها عن الاختلال مصونا عن التكلف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة. ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد، ما لا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة.
[ ١ / ٨٧ ]
وقد قال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» .
وقال الحسن ﵀، وسمع رجلا يعظ، فلم تقع موعظته بموضع من قلبه، ولم يرق عندها، فقال له: «يا هذا، إن بقلبك لشر أو بقلبي» .
وقال علي بن الحسين بن علي ﵀: لو كان الناس يعرفون جملة الحال في فضل الاستبانة، وجملة الحال في صواب التبيين، لأعربوا عن كل ما تخلج في صدورهم، ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى حالهم. وعلى أن درك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدة، والفكرة القصيرة المدة، ولكنهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب ومعدول بالهوى عن باب التثبت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التعلم.
وقد جمع محمد بن علي بن الحسين صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين، فقال: «صلاح شأن جميع التعايش والتعاشر، ملء مكيال ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل» . فلم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير، ولا حظا في الصلاح لأن الإنسان لا يتغافل إلا عن شيء قد فطن له وعرفه.
وذكر هذه الثلاثة الأخبار إبراهيم بن داحة، عن محمد بن عمير. وذكرها صالح بن علي الأفقم، عن محمد بن عمير. وهؤلاء جميعا من مشايخ الشيع، وكان ابن عمير أغلاهم.
وأخبرني إبراهيم بن السندي، عن علي بن صالح الحاجب، عن العباس ابن محمد قال: قيل لعبد الله بن عباس: أنّى لك هذا العلم؟ قال: «قلب عقول، ولسان سؤول» . وقد رووا هذا الكلام عن دغفل بن حنظلة العلامة.
وعبد الله أولى به منه. والدليل على ذلك قول الحسن: إن أول من عرف بالبصرة ابن عباس، صعد المنبر فقرأ سورة البقرة، ففسرها حرفا حرفا، وكان مثجا يسيل غربا.
المثج: السائل الكثير، وهو من الثجاج. والغرب، ها هنا: الدوام.
[ ١ / ٨٨ ]
هشام بن حسان وغيره، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد، إن قوما زعموا أنك تذم ابن عباس. قالوا: فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: إن ابن عباس كان من الإسلام بمكان، إن ابن عباس كان من القرآن بمكان، وكان والله له لسان سؤول، وقلب عقول، وكان والله مثجا يسيل غربا.
قالوا: وقال علي بن عبد الله بن عباس: من لم يجد مس الجهل في عقله، وذل المعصية في قلبه، ولم يستبن موضع الخلة في لسانه، عند كلال حده عن حد خصمه، فليس ممن ينزع عن ريبة، ولا يرغب عن حال معجزة، ولا يكترث لفصل ما بين حجة وشبهة.
قالوا: وذكر محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، بلاغة بعض أهله فقال: إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله.
وهذا كلام شريف نافع، فاحفظوا لفظه وتدبروا معناه، ثم اعلموا أن المعنى الحقير الفاسد، والدني الساقط، يعشش في القلب ثم يبيض ثم يفرخ، فإذا ضرب بجرانه ومكن لعروقه، استفحل الفساد وبزل، وتمكن الجهل وقرح «١»، فعند ذلك يقوى داؤه، ويمتنع دواؤه، لأن اللفظ الهجين الردي، والمستكره الغبي، أعلق باللسان، وآلف للسمع، وأشد التحاما بالقلب من اللفظ النبيه الشريف، والمعنى الرفيع الكريم. ولو جالست الجهال والنوكى، والسخفاء والحمقى، شهرا فقط، لم تنق من أوضار كلامهم، وخبال معانيهم، بمجالسة أهل البيان والعقل دهرا، لأن الفساد أسرع إلى الناس، وأشد التحاما بالطبائع. والإنسان بالتعلم والتكلف، وبطول الاختلاف إلى العلماء، ومدارسة كتب الحكماء، يجود لفظه ويحسن أدبه، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخير.
[ ١ / ٨٩ ]
ومما يؤكد قول محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، قول بعض الحكماء حين قيل له: متى يكون الأدب شرا من عدمه؟ قال: إذا كثر الأدب، ونقصت القريحة.
وقد قال بعض الأولين: «من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه» . وهذا كله قريب بعضه من بعض.
وذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب ﵀ فقال: «كان والله أفضل من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع» .
وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: «كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل» .
وكان عبد الرحمن بن إسحاق القاضي يروي عن جده إبراهيم بن سلمة، قال: سمعت أبا مسلم يقول: سمعت الإمام إبراهيم بن محمد يقول: يكفي من حظ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع.
قال أبو عثمان: أما أنا فأستحسن هذا القول جدا.
[ ١ / ٩٠ ]