وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة. والنصبة هي الحال الدالة، التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات، ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، ثم عن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامها، وعن طبقاتها في السار والضار، وعما يكون منها لغوا بهرجا، وساقطا مطرحا.
قال أبو عثمان: وكان في الحق أن يكون هذا الباب في أول هذا الكتاب، ولكنا أخرّناه لبعض التدبير.
وقالوا: البيان بصر والعي عمى، كما أن العلم بصر والجهل عمى.
والبيان من نتاج العلم، والعي من نتاج الجهل.
[ ١ / ٨٢ ]
وقال سهل بن هارون: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم.
وقال صاحب المنطق: حد الإنسان: الحي الناطق المبين.
وقالوا: حياة المروءة الصدق، وحياة الروح العفاف، وحياة الحلم العلم، وحياة العلم البيان.
وقال يونس بن حبيب: ليس لعيي مروءة، ولا لمنقوص البيان بهاء، ولو حك بيافوخه أعنان السماء.
وقالوا: شعر الرجل قطعة من كلامه، وظنه قطعة من علمه، واختياره قطعة من عقله.
وقال ابن التوأم: الروح عماد البدن، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم.
قد قلنا في الدلالة باللفظ. فأما الإشارة فباليد، وبالرأس، وبالعين والحاجب والمنكب، إذا تباعد الشخصان، وبالثوب وبالسيف. وقد يتهدد رافع السيف والسوط، فيكون ذلك زاجرا، ومانعا رادعا، ويكون وعيدا وتحذيرا.
والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه. وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط. وبعد فهل تعدو الإشارة أن تكون ذات صورة معروفة، وحلية موصوفة، على اختلافها في طبقاتها ودلالاتها. وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح، مرفق كبير ومعونة حاضرة، في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس. ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص، ولجهلوا هذا الباب البتة. ولولا أن تفسير هذه الكلمة يدخل في باب صناعة الكلام لفسرتها لكم. وقد قال الشاعر في دلالات الإشارة:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها إشارة مذعور ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم
[ ١ / ٨٣ ]
وقال الآخر:
وللقلب على القلب دليل حين يلقاه
وفي الناس من الناس مقاييس وأشباه
وفي العين غنى للمر ء أن تنطق أفواه
وقال الآخر في هذا المعنى:
ومعشر صيد ذوي تجلّه ترى عليهم للندى أدلّه
وقال الآخر:
ترى عينها عيني فتعرف وحيها وتعرف عيني ما به الوحي يرجع
وقال آخر:
وعين الفتى تبدي الذي في ضميره وتعرف بالنجوى الحديث المعمسا
وقال الآخر:
العين تبدي الذي في نفس صاحبها من المحبة أو بغض إذا كانا
والعين تنطق والأفواه صامته حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
هذا ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت. فهذا أيضا باب تتقدم فيه الإشارة الصوت.
والصوت هو آلة اللفظ، والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موزونا ولا منثورا إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع والتأليف. وحسن الإشارة باليد والرأس، من تمام حسن البيان باللسان، مع الذي يكون مع الإشارة من الدل والشكل «١» والتقتل والتثني «٢»، واستدعاء الشهوة، وغير ذلك من الأمور.
[ ١ / ٨٤ ]
قد قلنا في الدلالة بالإشارة. فأما الخط، فمما ذكر الله ﷿ في كتابه من فضيلة الخط والإنعام بمنافع الكتاب، قوله لنبيه ﵇: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
. وأقسم به في كتابه المنزل، على نبيه المرسل، حيث قال: ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
، ولذلك قالوا: القلم أحد اللسانين. كما قالوا: قلة العيال أحد اليسارين.
وقالوا: القلم أبقى أثرا، واللسان أكثر هذرا.
وقال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال القلم أجدر أن يحض الذهن على تصحيح الكتاب، من استعمال اللسان على تصحيح الكلام.
وقالوا: اللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب، وهو للغابر الحائن، مثله للقائم الراهن.
والكتاب يقرأ بكل مكان، ويدرس في كل زمان، واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوزه إلى غيره.
وأما القول في العقد، وهو الحساب دون اللفظ والخط، فالدليل على فضيلته، وعظم قدر الانتفاع به قول الله ﷿: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
. وقال جل وتقدس: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
. وقال جل وعز: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ
. وقال:
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ.
والحساب يشتمل على معان كثيرة ومنافع جليلة، ولولا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا لما فهموا عن الله ﷿ معنى الحساب في الآخرة. وفي عدم اللفظ وفساد الخط والجهل بالعقد فساد جل النعم، وفقدان جمهور المنافع، واختلال كل ما جعله الله ﷿ لنا قواما، ومصلحة ونظاما.
[ ١ / ٨٥ ]
وأما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد. وذلك ظاهر في خلق السموات والأرض، وفي كل صامت وناطق، وجامد ونام، ومقيم وظاعن، وزائد وناقص. فالدلالة التي في الموات الجامد، كالدلالة التي في الحيوان الناطق. فالصامت ناطق من جهة الدلالة، والعجماء معربة من جهة البرهان. ولذلك قال الأول:
«سل الأرض فقل: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟
فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا» .
وقال بعض الخطباء: «أشهد أن السموات والأرض آيات وآلات وشواهد قائمات، كل يؤدي عنك الحجة ويشهد لك بالربوبية موسومة بآثار قدرتك، ومعالم تدبيرك، التي تجليت بها لخلقك، فأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما أنسها من وحشة الفكر، ورجم الظنون. فهي على اعترافها لك، وافتقارها إليك شاهدة بأنك لا تحيط بك الصفات ولا تحدك الأوهام، وإن حظ الفكر فيك، الاعتراف لك» .
وقال خطيب من الخطباء، حين قام على سرير الاسكندر وهو ميت:
«الاسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس» .
ومتى دل الشيء على معنى فقد أخبر عنه وإن كان صامتا، وأشار إليه وإن كان ساكتا. وهذا القول شائع في جميع اللغات، ومتفق عليه مع إفراط الاختلافات.
وقال عنترة بن شداد العبسي جعل نعيب الغراب خبرا للزاجر:
حرق الجناح كأن لحيي رأسه جلمان بالأخبار هش مولع
الحرق: الأسود. شبه لحييه بالجلمين، لأن الغراب يخبر بالفرقة والغربة ويقطع كما يقطع الجلمان. وأنشدني أبو الرديني العكلي، في تنسم الذئب الريح واستنشائه واسترواحه:
يستخبر الريح إذا لم يسمع بمثل مقراع الصفا الموقع
[ ١ / ٨٦ ]
المقراع: الفأس التي يكسر بها الصخر. والموقع. المحدد. يقال وقعت الحديدة إذا حددتها. وقال آخر، وهو الراعي:
إن السماء وإن الريح شاهدة والأرض تشهد والأيام والبلد
لقد جزيت بني بدر ببغيهم يوم الهباءة يوما ما له قود
وقال نصيب في هذا المعنى، يمدح سليمان بن عبد الملك:
أقول لركب صادرين لقيتهم قفا ذات أوشال ومولاك قارب «١»
قفوا خبرونا عن سليمان إنني لمعروفه من أهل ودان طالب «٢»
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وهذا كثير جدا.