ذكر ناس من البلغاء والخطباء والأبيناء والفقهاء والأمراء ممن كان لا يكاد يسكت مع قلة الخطأ والزلل منهم: زيد بن صوحان. ومنهم: أبو واثلة إياس ابن معاوية المزنيّ «١»، القاضي القائف، وصاحب الزّكن، والمعروف بجودة الفراسة. ولكثرة كلامه قال له عبد الله بن شبرمة «٢»: «أنا وأنت لا نتفق. أنت لا تشتهي أن تسكت وأنا لا أشتهي أن أسمع» .
وأتى حلقة من حلق قريش في مسجد دمشق، فاستولى على المجلس، ورأوه أحمر دميما باذّ الهيئة، قشفا، فاستهانوا به فلما عرفوه اعتذروا إليه وقالوا له: الذنب مقسوم بيننا وبينك، أتيتنا في زيّ مسكين، تكلمنا بكلام الملوك.
[ ١ / ١٠٠ ]
ورأيت ناسا يستحسنون جواب إياس بن معاوية حين قيل له: ما فيك عيب غير أنك معجب بقولك. قال: أفأعجبكم قولي؟ قالوا: نعم. قال:
فأنا أحقّ بأن أعجب بما أقول، وبما يكون مني منكم.
والناس، حفظك الله، لم يضعوا ذكر العجب في هذا الموضع.
والمعيب عند الناس ليس هو الذي لا يعرف ما يكون منه من الحسن. والمعرفة لا تدخل في باب التسمية بالعجب، والعجب مذموم. وقد جاء في الحديث:
«إن المؤمن من ساءته سيئته وسرّته حسنته» . وقيل لعمر: فلان لا يعرف الشر. قال: «ذاك أجدر أن يقع فيه» . وإنما العجب اسراف الرجل في السرور بما يكون منه والإفراط في استحسانه، حتى يظهر ذلك في لفظه وفي شمائله. وهو الذي وصف به صعصعة بن صوحان، المنذر بن الجارود، عند علي بن أبي طالب ﵀، فقال: «أما إنه مع ذلك لنظار في عطفيه، تفّال في شراكيه، تعجبه حمرة برديه» .
قال أبو الحسن: قيل لإياس: ما فيك عيب إلا كثرة الكلام. قال:
فتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: لا، بل صوابا. قال: «فالزيادة من الخير خير» . وليس كما قال، للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن قدر الاحتمال ودعا إلى الاستثقال والملال، فذلك الفاضل هو الهذر، وهو الخطل، وهو الإسهاب الذي سمعت الحكماء يعيبونه.
وذكر الأصمعي أن عمر بن هبيرة لما أراده على القضاء قال: إني لا أصلح له. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنني عييّ، ولأني حديد. قال ابن هبيرة: أما الحدة فإن السوط يقوّمك، وأما الدمامة فإني لا أريد أن أحاسن بك أحدا، وأما العيّ فقد عبرت عما تريد.
فإن كان إياس عند نفسه عييا فذاك أجدر بأن يهجر الإكثار.
وبعد فما نعلم أحدا رمى إياسا بالعيّ، وإنما عابوه بالإكثار.
[ ١ / ١٠١ ]
وذكر صالح بن سليمان، عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث، قال ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض، إلا ما كان من الحجاج ابن يوسف، وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس كثيرا.
وقال قائل لإياس: لم تعجل بالقضاء؟ فقال إياس: كم لكفك من أصبع؟ قال: خمس. قال: عجلت. قال: لم يعجل من قال بعد ما قتل الشيء علما ويقينا. قال إياس: فهذا هو جوابي لك.
وكان كثيرا ما ينشد قول النابغة الجعدي:
أبى لي البلاء وأني امرؤ إذا ما تبينت لم أرتب
قال: ومدح سلمة بن عياش، سوار بن عبد الله «١»، بمثل ما وصف به إياس نفسه حين قال:
وأوقف عند الأمر ما لم يضج له وأمضى إذا ما شك من كان ماضيا
وكتب عمر بن عبد العزيز ﵀، إلى عديّ بن أرطأة: إنّ قبلك رجلين من مزينة، فولّ أحدهما قضاء البصرة. يعني بكر بن عبد الله المزني وإياس بن معاوية. فقال بكر: والله ما أحسن القضاء، فإن كنت صادقا فما يحل لك أن توليني، وإن كنت كاذبا إنها لأحراهما.
وكانوا إذا ذكروا البصرة قالوا: شيخها الحسن، وفتاها بكر.
وقال إياس بن معاوية: لست بخب والخب لا يخدعني. وقال:
الخبّ «٢» لا يخدع ابن سيرين، وهو يخدع أبي ويخدع الحسن.
[ ١ / ١٠٢ ]
ودخل الشام وهو غلام، فتقدّم خصما له، وكان الخصم شيخا كبيرا، إلى بعض قضاة عبد الملك بن مروان، فقال له القاضي: أتقدم شيخا كبيرا؟
قال: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي. قال: لا أظنك تقول حقا حتى تقوم. قال: لا إله إلا الله، (أحقا أم باطلا؟) . فقام القاضي فدخل على عبد الملك من ساعته، فخبره بالخبر، فقال عبد الملك:
اقض حاجته الساعة وأخرجه من الشام، لا يفسد عليّ الناس.
فإذا كان إياس وهو غلام يخاف على جماعة أهل الشام، فما ظنك به وقد كبرت سنه، وعضّ على ناجذه.
وجملة القول في إياس أنه كان من مفاخر مضر، ومن مقدمي القضاة، وكان فقيه البدن، دقيق المسلك في الفطن، وكان صادق الحدس نقابا «١»، وكان عجيب الفراسة ملهما، وكان عفيف الطعم، كريم المداخل والشيم، وجيها عند الخلفاء، مقدما عند الأكفاء. وفي مزينة خير كثير.
ثم رجعنا إلى القول الأول.
ومنهم ربيعة الرأي «٢»، وكان لا يكاد يسكت. قالوا: وتكلّم يوما فأكثر وأعجب بالذي كان منه، فالتفت إلى أعرابي كان عنده فقال: يا أعرابيّ: ما تعدون العيّ فيكم؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم.
وكان يقول: الساكت بين النائم والأخرس.