قال: وجعل ابن السماك «١» يوما يتكلم، وجارية له حيث تسمع كلامه، فلما انصرف إليها قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما أحسنه، لولا أنك تكثر ترداده. قال: أردده حتى يفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لا يفهمه قد ملّه من فهمه.
عباد بن العوام، عن شعبة عن قتادة قال: مكتوب في التوراة: «لا يعاد الحديث مرتين» .
سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: «إعادة الحديث أشد من نقل الصخر» .
وقال بعض الحكماء: «من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤونة الاستماع منك» .
وجملة القول في الترداد، أنه ليس فيه حد ينتهي إليه، ولا يؤتى على وصفه. وإنما ذلك على قدر المستمعين، ومن يحضره من العوام والخواص.
[ ١ / ١٠٥ ]
وقد رأينا الله ﷿ ردد ذكر قصة موسى وهود، وهارون وشعيب، وإبراهيم ولوط، وعاد وثمود. وكذلك ذكر الجنة والنار وأمور كثيرة، لأنه خاطب جميع الأمم من العرب وأصناف العجم، وأكثرهم غبي غافل، أو معاند مشغول الفكر ساهي القلب.
وأما أحاديث القصص والرقة فإني لم أر أحدا يعيب ذلك.
وما سمعنا بأحد من الخطباء كان يرى إعادة بعض الألفاظ وترداد المعاني عيّا، إلا ما كان من النخار بن أوس العذري، فإنه كان إذا تكلم في الحمالات «١» وفي الصفح والاحتمال، وصلاح ذات البين، وتخويف الفريقين من التفاني والبوار- كان ربما ردد الكلام عن طريق التهويل والتخويف، وربما حمى فنخر.