قال: وشخص يزيد بن عمر بن هبيرة إلى هشام بن عبد الملك فتكلم، فقال هشام: ما مات من خلف هذا. فقال الأبرش الكلبي: ليس هناك، أما تراه يرشح جبينه لضيق صدره! قال يزيد: ما لذلك رشح ولكن لجلوسك في هذا الموضع.
وكان الأبرش ثلّابة نسّابة، وكان مصاحبا لهشام بن عبد الملك، فلما أفضت إليه الخلافة سجد وسجد من كان عنده من جلسائه، والأبرش شاهد لم يسجد. فقال له: ما منعك أن تسجد يا أبرش؟ قال: ولم أسجد وأنت اليوم معي ماشيا، وغدا فوقي طائرا. قال: فإن طرت بك معي؟ قال: أتراك فاعلا؟ قال: نعم. قال: فالآن طاب السجود.
قال: ودخل يزيد بن عمر على المنصور وهو يومئذ أمير، فقال: «يأيها الأمير، إن عهد الله لا ينكث، وعقده لا يحل، وإن إمارتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها، وجنبوهم مرارتها» .
قال سهل بن هارون: دخل قطرب النحوي على المخلوع فقال: يا أمير
[ ١ / ٢٧٩ ]
المؤمنين، كانت عدتك أرفع من جائزتك- وهو يتبسم- قال سهل: فاغتاظ الفضل بن الربيع، فقلت له: إن هذا الحصر والضعف، وليس هذا من الجلد والقوة. أما تراه يفتل أصابعه، ويرشح جبينه.
قال: وقال عبد الملك بن سلمة المخزوميّ: من أخطب الناس؟ قال أنا. قال: ثم من؟ قال: سيد جذام- يعني روح بن زنباع- قال: ثم من؟
قال: أخيفش ثقيف- يعني الحجاج- قال: ثم من؟ قال: أمير المؤمنين.
قال: ويحك، جعلتني رابع أربعة. قال: نعم، هو ما سمعت.
ومن خطباء الخوارج وعلمائهم ورؤسائهم في الفتيا، وشعرائهم، ورؤساء قعدهم: عمران بن حطّان. ومن علمائهم وشعرائهم وخطبائهم:
حبيب بن خدرة الهلالي، وعداده في بني شيبان.
وممن كان يرى رأي الخوارج: أبو عبيدة النحويّ معمر بن المثنى، مولى تيم بن مرة. ولم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلم منه.
وممن كان يرى رأي الخوارج: الهيثم بن عدي الطائي ثم البحتريّ.
وممن كان يرى رأي الخوارج: شعيب بن رئاب الحنفي، أبو بكار، صاحب أحمد بن أبي خالد، ومحمد بن حسان السكسكيّ.
ومن الخوارج من علمائهم ورؤسائهم: مسلم بن كورين، وكنيته أبو عبيدة وكان إباضيا، ومن علماء الصفرية.
وممن كان مقنعا في الأخبار لأصحاب الخوارج والجماعة جميعا: مليل، وأظنه من بني تغلب. ومن أهل هذه الصفة أصفر بن عبد الرحمن، من أخوال طوق بن مالك.
ومن خطبائهم وفقهائهم وعلمائهم: المقعطل، قاضي عسكر الأزارقة، أيام قطريّ.
[ ١ / ٢٨٠ ]
ومن شعرائهم ورؤسائهم وخطبائهم: عبيدة بن هلال اليشكري.
وكان في بني السّمين من بني شيبان، خطباء العرب، وكان ذلك فيهم فاشيا، ولذلك قال الأخطل:
فأين السمين لا يقوم خطيبها وأين ابن ذي الجدّين لا يتكلم
وقال سحيم بن حفص: كان يزيد بن عبد الله بن رؤيم الشيباني من أخطب الناس، خطب عند يزيد بن الوليد، فأمر للناس بعطاءين.
ومن الخطباء معبد بن طوق العنبري، دخل على بعض الأمراء فتكلم وهو قائم فأحسن، فلما جلس تتعتع في كلامه فقال له: ما أظرفك قائما، وأموقك قاعدا! قال: إني إذا قمت جددت، وإذا قعدت هزلت. قال: ما أحسن ما خرجت منها.
ومن خطباء عبد القيس: مصقلة بن رقبة، ورقبة بن مصقلة، وكرب بن رقبة.
والعرب تذكر من خطب العرب «العجوز» وهي خطبة لآل رقبة، ومتى تكلموا فلا بد لهم منها أو من بعضها. و«العذراء» وهي خطبة قيس بن خارجة لأنه كان أبا عذرها. و«الشوهاء»، وهي خطبة سحبان وائل، وقيل لها ذلك من حسنها، وذلك أنه خطب بها عند معاوية فلم ينشد شاعر ولم يخطب خطيب.
وكان ابن عمار الطائي خطيب مذحج كلها، فبلغ النعمان حديثه فحمله على منادمته، وكان النعمان أحمر العينين، أحمر الجلد أحمر الشعر، وكان شديد العربدة قتالا للندماء، فنهاه أبو قردودة الطائي عن منادمته، فلما قتله رثاه فقال:
إني نهيت ابن عمار وقلت له لا تأمنن أحمر العينين والشعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم تطر بنارك من نيوانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
[ ١ / ٢٨١ ]
قال الأصمعي: وهو كقوله:
ومنطق خرّق بالعواسل لذ كوشي اليمنة المراحل «١»