قد سمعنا رواية القوم واحتجاجهم، وأنا أوصيك ألا تدع التماس البيان والتبيين إن ظننت أن لك فيها طبيعة، وإنهما يناسبانك بعض المناسبة، ويشاكلانك في بعض المشاكلة، ولا تهمل طبيعتك فيستولي الإهمال على قوة القريحة، ويستبد بها سوء العادة. وإن كنت ذا بيان وأحسست من نفسك بالنفوذ في الخطابة والبلاغة، وبقوة المنّة يوم الحفل، فلا تقصر في التماس أعلاها سورة «١»، وأرفعها في البيان منزلة. ولا يقطعنّك تهييب الجهلاء، وتخويف الجبناء، ولا تصرفنك الروايات المعدولة عن وجوهها، المتأولة على أقبح مخارجها.
وكيف تطيعهم بهذه الروايات المعدولة، والأخبار المدخولة، وبهذا الرأي الذي ابتدعوه من قبل أنفسهم، وقد سمعت الله ﵎، ذكر داود النبي صلوات الله عليه، فقال: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ
إلى قوله:
وَفَصْلَ الْخِطابِ
. فجمع له بالحكمة البراعة في العقل، والرجاحة في الحلم، والاتساع في العلم، والصواب في الحكم، وجمع له بفصل الخطاب تفصيل المجمل، وتلخيص الملتبس، والبصر بالحزّ في موضع الحز، والحسم في موضع الحسم.
وذكر رسول الله صلّى الله عليه وآله شعيبا النبي ﵇، فقال: «كان شعيب خطيب الأنبياء» . وذلك عند بعض ما حكاه الله في كتابه، وجلاه لأسماع عباده.
[ ١ / ١٧٥ ]
فكيف تهاب منزلة الخطباء وداود ﵇ سلفك، وشعيب إمامك مع ما تلوناه عليك في صدر هذا الكتاب من القرآن الحكيم، والآي الكريم. وهذه خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله مدونة محفوظة، ومخلدة مشهورة، وهذه خطب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃.
وقد كان لرسول الله شعراء ينافحون عنه وعن أصحابه بأمره، وكان ثابت ابن قيس بن الشماس الأنصاري خطيب رسول الله صلّى الله عليه وآله، لا يدفع ذلك أحد.
فأما ما ذكرتم من الإسهاب والتكلف، والخطل والتزيد، فإنما يخرج إلى الإسهاب المتكلف، وإلى الخطل المتزيد.
فأما أرباب الكلام، ورؤساء أهل البيان، والمطبوعون المعددون، وأصحاب التحصيل والمحاسبة، والتوقي والشفقة، والذين يتكلمون في صلاح ذات البين، وفي إطفاء نائرة، أو في حمالة «١»، أو على منبر جماعة، أو في عقد أملاك بين مسلم ومسلمة- فكيف يكون كلام هؤلاء يدعو إلى السلاطة والمراء، وإلى الهذر والبذاء، وإلى النفج والرياء. ولو كان هذا كما يقولون لكان علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن عباس أكثر الناس فيما ذكرتم. فلم خطب صعصعة بن صوحان عند علي بن أبي طالب، وقد كان ينبغي للحسن البصري أن يكون أحقّ التابعين بما ذكرتم؟
قال الأصمعي: قيل لسعيد بن المسيب «٢»: ها هنا قوم نساك يعيبون إنشاد الشعر. قال: «نسكوا نسكا أعجميا» .
وقد زعمتم أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «شعبتان من شعب النفاق: البذاء، والبيان. وشعبتان من شعب الإيمان: الحياء، والعيّ» . ونحن نعوذ بالله أن يكون القرآن يحث على البيان ورسول الله صلّى الله عليه وآله يحث على العيّ، ونعوذ بالله أن
[ ١ / ١٧٦ ]
يجمع رسول الله صلّى الله عليه وآله بين البذاء والبيان. وإنما وقع النهي على كل شيء جاوز المقدار، ووقع اسم العي على كل شيء قصر عن المقدار. فالعي مذموم والخطل مذموم، ودين الله ﵎ بين المقصر والغالي.
وهاهنا روايات كثيرة مدخولة، وأحاديث معلولة. رووا أن رجلا مدح الحياء عند الأحنف، وأن الأحنف قال ثمّ: يعود ذلك ضعفا. والخير لا يكون سبا للشر. ولكننا نقول: إن الحياء اسم لمقدار من المقادير ما زاد على ذلك المقدار فسمه ما أحببت. وكذلك الجود اسم لمقدار من المقادير، فالسرف اسم لما فضل عن ذلك المقدار. وللحزم مقدار، فالجبن اسم لما فضل عن ذلك المقدار. وللإقتصاد مقدار، فالبخل اسم لما خرج عن ذلك المقدار.
وللشجاعة مقدار، فالتهور والخدب اسم لما جاوز ذلك المقدار.
وهذه أحاديث ليست لعامتها أسانيد متصلة، فإن وجدتها متصلة لم تجدها محمودة، وأكثرها جاءت مطلقة ليس لها حامل محمود ولا مذموم. فإذا كانت الكلمة حسنت استمتعنا بها على قدر ما فيها من الحسن. فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، وتنسب إلى هذا الأدب، فقرضت قصيدة، أو حبرت خطبة، أو ألّفت رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، أو يدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله وتدعيه، ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب، فإن رأيت الأسماع تصغي له، والعيون تحدج إليه، ورأيت من يطلبه ويستحسنه، فانتحله. فإن كان ذلك في ابتداء أمرك، وفي أول تكلفك فلم تر له طالبا ولا مستحسنا، فلعله أن يكون ما دام ريّضا قضيبا «١»، أن يحل عندهم محل المتروك. فإذا عاودت أمثال ذلك مرارا، فوجدت الأسماع عنه منصرفة، والقلوب لاهية، فخذ في غير هذه الصناعة، واجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه، أو زهدهم فيه.
[ ١ / ١٧٧ ]
وقال الشاعر:
إن الحديث تغر القوم خلوته حتى يلجّ بهم عي وإكثار
وفي المثل المضروب: «كل مجر في الخلاء مسرّ»، ولم يقولوا مسرور. وكل صواب.
فلا تثق في كلامك برأي نفسك، فإني ربما رأيت الرجل متماسكا وفوق المتماسك، حتى إذا صار إلى رأيه في شعره، وفي كلامه، وفي ابنه، رأيته متهافتا وفوق المتهافت.
وكان زهير بن أبي سلمى، وهو أحد الثلاثة المتقدمين، يسمي كبار قصائده «الحوليات» .
وقال نوح بن جرير: قال الحطيئة: «خير الشعر الحوليّ المنقّح» .
قال وقال: البعيث الشاعر، وكان أخطب الناس: «إني والله ما أرسل الكلام قضيبا خشيبا «١»، وما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكك» .
وكنت أظن أن قولهم «محكك» كلمة مولدة، حتى سمعت قول الصعب بن علي الكناني:
أبلغ فزارة أن الذئب آكلها وجائع سغب شرّ من الذيب
أزل أطلس ذو نفس محككة قد كان طار زمانا في اليعاسيب «٢»
وتكلم يزيد بن أبان الرقاشي، ثم تكلم الحسن، وأعرابيان حاضران فقال أحدهما لصاحبه: كيف رأيت الرجلين؟ فقال: أما الأول فقاص مجيد، وأما الآخر فعربي محكك.
قال: ونظر أعرابي إلى الحسن، فقال له رجل: كيف تراه؟ قال: أرى خيشوم حرّ.
[ ١ / ١٧٨ ]
قالوا: وأرادوا عبد الله بن وهب الراسبي «١» على الكلام يوم عقدت له الخوارج الرياسة فقال: «وما أنا والرأي الفطير، والكلام القضيب» ! ولما فرغوا من البيعة له قال: «دعوا الرأي يغبّ، فإن غبوبه يكشف لكم عن محضه» .
وقيل لابن التوأم الرقاشي: تكلم. فقال: «ما أشتهي الخبز إلا بائتا» .
قال: وقال عبيد الله بن سالم لرؤبة: مت يا أبا الجحاف إذا شئت.
قال: وكيف ذاك؟ قال: رأيت اليوم عقبة بن رؤبة ينشد شعرا له أعجبني.
قال: فقال رؤبة: نعم إنه ليقول ولكن ليس لشعره قران. وقال الشاعر:
مهاذبة مناجبة قران منادبة كأنهم الأسود
يريد بقوله «قران» التشابه والموافقة.
وقال عمر بن لجأ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك! قال: وبم ذلك؟
قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه.
قال: وذكر بعضهم شعر النابغة الجعدي، فقال: «مطرف بآلاف، وخمار بواف «٢»» . وكان الأصمعي يفضله من أجل ذلك. وكان يقول:
«الحطيئة عبد لشعره» . عاب شعره حين وجده كله متخيرا منتخبا مستويا، لمكان الصنعة والتكلف، والقيام عليه.
وقالوا: لو أن شعر صالح بن عبد القدوس «٣» وسابق البربري»
كان مفرقا في أشعار كثيرة، لصارت تلك الأشعار أرفع مما هي عليه بطبقات،
[ ١ / ١٧٩ ]
ولصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق. ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالا لم تسر، ولم تجر مجرى النوادر. ومتى لم يخرج السامع من شيء إلى شيء لم يكن لذلك عنده موقع.
قال: وقال بعض الشعراء لرجل: أنا أقول في كلّ ساعة قصيدة، وأنت تقرضها في كل شهر. فلم ذلك؟ قال: لأني لا أقبل من شيطاني مثل الذي تقبل من شيطانك.
قال: وأنشد عقبة بن رؤبة (أباه رؤبة) بن العجاج شعرا وقال له: كيف تراه؟ قال: يا بنيّ إن أباك ليعرض له مثل هذا يمينا وشمالا فما يلتفت إليه.
وقد رووا مثل ذلك في زهير وابنه كعب.
قال: وقيل لعقيل بن علّفة: لم لا تطيل الهجاء؟ قال: «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» .
وقيل لأبي المهوّش: لم لا تطيل الهجاء؟ قال: لم أجد المثل النادر إلا بيتا واحدا، ولم أجد الشعر السائر إلا بيتا واحدا.
قال: وقال مسلمة بن عبد الملك لنصيب الشاعر: ويحك يا أبا الحجناء، أما تحسن الهجاء؟ قال: أما تراني أحسن مكان عافاك الله: لا عافاك الله! ولاموا الكميت بن زيد على الإطالة، فقال: «أنا على القصار أقدر» .
وقيل للعجاج: ما لك لا تحسن الهجاء؟ قال: هل في الأرض صانع إلا وهو على الإفساد أقدر.
وقال رؤبة: «الهدم أسرع من البناء» .
وهذه الحجج التي ذكروها عن نصيب والكميت والعجاج ورؤبة، إنما ذكروها على وجه الاحتجاج لهم. وهذا منهم جهل إن كانت هذه الأخبار صادقة وقد يكون الرجل له طبيعة في الحساب وليس له طبيعة في الكلام،
[ ١ / ١٨٠ ]
وتكون له طبيعة في التجارة وليست له طبيعة في الفلاحة، وتكون له طبيعة في الحداء أو في التغيير، أو في القراءة بالألحان، وليت له طبيعة في الغناء وإن كانت هذه الأنواع كلها ترجع إلى تأليف اللحون. وتكون له طبيعة في الناي وليس له طبيعة في السرناي «١»، وتكون له طبيعة في قصبة الراعي ولا تكون له طبيعة في القصبتين المضمومتين، ويكون له طبع في صناعة اللحون ولا يكون له طبع في غيرهما، ويكون له طبع في تأليف الرسائل والخطب والأسجاع ولا يكون له طبع في قرض بيت شعر. ومثل هذا كثير جدا.
وكان عبد الحميد الأكبر، وابن المقفع، مع بلاغة أقلامهما وألسنتهما لا يستطيعان من الشعر إلا ما يذكر مثله.
وقيل لابن المقفع في ذلك، فقال: الذي أرضاه لا يجيئني، والذي يجيئني لا أرضاه» .
وهذا الفرزدق وكان مستهترا بالنساء، وكان زير غوان، وهو في ذلك ليس له بيت واحد في النسيب مذكور، مع حسده لجرير. وجرير عفيف لم يعشق امرأة قط، وهو مع ذلك أغزل الناس شعرا.
وفي الشعراء من لا يستطيع مجاوزة القصيد إلى الرجز، ومنهم من لا يستطيع مجاوزة الرجز إلى القصيد، ومنهم من يجمعها كجرير وعمر بن لجأ، وأبي النجم، وحميد الأرقط، والعماني. وليس الفرزدق في طواله بأشعر منه في قصاره.
وفي الشعراء من يخطب وفيهم من لا يستطيع الخطابة، وكذلك حال الخطباء في قريض الشعر. والشاعر نفسه قد تختلف حالاته.
وقال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر الناس وربما مرت علي ساعة ونزع ضرس أهون عليّ من أن أقول بيتا واحدا.
[ ١ / ١٨١ ]
وقال العجاج: لقد قلت أرجوزتي التي أولها:
بكيت والمحتزن البكيّ وإنما يأتي الصبا الصبي
أطربا وأنت قنسري «١» والدهر بالإنسان دواري
وأنّا بالرمل، في ليلة واحدة، فانثالت عليّ قوافيها انثيالا، وإني لأريد اليوم دونها في الأيام الكثيرة فما أقدر عليه.
وقال لي أبو يعقوب الخريمي: خرجت من منزلي أريد الشماسية، فابتدأت القول في مرثية لأبي التختاخ، فرجعت والله وما أمكنني بيت واحد.
وقال الشاعر:
وقد يقرض الشعر البكيّ لسانه وتعيي القوافي المرء وهو خطيب