وقال الأشل الأزرقي- من بعض أخوال عمران بن حطان الصفري القعدي- في زيد بن جندب الإيادي خطيب الأزارقة، وقد اجتمعا في بعض المحافل، فقال بعد ذلك الأشل البكري:
نحنح زيد وسعل لما رأى وقع الأسل
ويل أمه إذا ارتجل ثم أطال واحتفل
[ ١ / ٥٧ ]
وقد ذكر الشاعر زيد بن جندب الإيادي، الخطيب الأزرقي، في مرثيته لأبي داود بن حريز الإيادي، حيث ذكره بالخطابة وضرب المثل بخطباء إياد، فقال:
كقس إياد أو لقيط بن معبد وعذرة والمنطيق زيد بن جندب
وزيد بن جندب هو الذي قال في الاختلاف الذي وقع بين الأزارقة:
قل للمحلين قد قرت عيونكم بفرقة القوم والبغضاء والهرب
كنا أناسا على دين ففرقنا طول الجدال وخلط الجد باللعب
ما كان أغنى رجالا ضل سعيهم عن الجدال وأغناهم عن الخطب
إني لأهونكم في الأرض مضطربا ما لي سوى فرسي والرمح من نشب
وأما عذرة المذكور في البيت الأول فهو عذرة بن حجيرة الخطيب الإيادي. ويدل على قدره فيهم، وعلى قدره في اللسن وفي الخطب، قول شاعرهم:
وأي فتى صبر على الأين والظما إذ اعتصروا للوح ماء فظاظها «١»
إذا ضرجوها ساعة بدمائها وحل عن الكوماء عقد شظاظها «٢»
فإنك ضحاك إلى كل صاحب وأنطق من قس غداة عكاظها
إذا شغب المولى مشاغب معشر فعذرة فيها آخذ بكظاظها «٣»
فلم يضرب هذا الشاعر الإيادي المثل لهذا الخطيب الإيادي، إلا برجل من خطباء إياد، وهو قس بن ساعدة. ولم يضرب صاحب مرثية أبي داود بن حريز الإيادي المثل إلا بخطباء إياد فقط، ولم يفتقر إلى غيرهم، حيث قال في عذرة بن حجيرة:
[ ١ / ٥٨ ]
كقس إياد أو لقيط بن معبد وعذرة والمنطيق زيد بن جندب
وأول هذه المرثية قوله:
نعى ابن حريز جاهل بمصابه فعمّ نزارا بالبكا والتحوب «١»
نعاه لنا كالليث يحمي عرينا وكالبدر يعشي ضوؤه كل كوكب
وأصبر من عود وأهدى إذا سرى من النجم في داج من الليل غيهب «٢»
وأذرب من حد السنان لسانه وأمضى من السيف الحسام المشطب «٣»
زعيم نزار كلها وخطيبها إذا قام طأطأ رأسه كل مشغب
سليل قروم سادة ثم قالة يبذون يوم الجمع أهل المحصب
كقس إياد أو لقيط بن معبد وعذرة والمنطيق زيد بن جندب
في كلمة له طويلة. وإياهم عنى الشاعر بقوله:
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء
قال: أخبرني محمد بن عباد بن كاسب، كاتب زهير ومولى بجيلة من سبي دابق، وكان شاعرا راوية، وطلابة للعلم علامة، قال: سمعت أبا داود ابن حريز يقول وقد جرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام واقتضابه، وصعوبة ذلك المقام وأهواله، فقال: «تلخيص المعاني رفق. والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق من غير أهل البادية بغض، والنظر في عيون الناس عي، ومس اللحية هلك، والخروج مما بني عليه أول الكلام إسهاب» .
قال: وسمعته يقول: «رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير الألفاظ. والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه» . وأنشدني بيتا له في صفة خطباء إياد:
[ ١ / ٥٩ ]
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء
فذكر المبسوط في موضعه، والمحذوف في موضعه، والموجز، والكناية والوحي باللحظ ودلالة الإشارة. وأنشدني له الثقة في كلمة له معروفة:
الجود أخشن مسا يا بني مطر من أن تبزّكموه كف مستلب
ما أعلم الناس إن الجود مدفعة للذم لكنه يأتي على النشب
قال: ثم لم يحفل بها، فادعاها مسلم بن الوليد الأنصاري، أو ادعيت له. وكان أحد من يجيد قريض الشعر وتحبير الخطب.
وفي الخطباء من يكون شاعرا ويكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغا مفوها بينا، وربما كان خطيبا فقط وبيّن اللسان فقط.
فمن الخطباء الشعراء، الأبيناء الحكماء: قس بن ساعدة الإيادي.
والخطباء كثر، والشعراء أكثر منهم، ومن يجمع الشعر والخطابة قليل.
ومنهم: عمرو بن الأهتم المنقري، وهو المكحل، قالوا: كأن شعره في مجالس الملوك حلل منشورة. قيل لعمر بن الخطاب ﵀: «قيل للأوسية أي منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر»، فأنشد عند ذلك عمر بن الخطاب، بيت عدي بن زيد العبادي:
كدمى العاج في المحاريب أو كال بيض في الروض زهره مستنير
قال: فقال قسامة بن زهير: «كلام عمرو بن الأهتم آنق، وشعره أحسن» . هذا، وقسامة أحد أبيناء العرب.
ومن الخطباء الشعراء: البعيث المجاشعي، واسمه خداش بن بشر بن بيبة.
ومن الخطباء الشعراء: الكميت بن زيد الأسدي، وكنيته أبو المستهل.
ومن الخطباء الشعراء: الطرماح بن حكيم الطائي، وكنيته أبو نفر. قال
[ ١ / ٦٠ ]
القاسم بن معن: قال محمد بن سهل راوية الكميت: أنشدت الكميت قول الطرماح:
إذا قبضت نفس الطرماح أخلقت عرى المجد واسترخى عنان القصائد
قال: فقال الكميت: أي والله، وعنان الخطابة والرواية.
قال أبو عثمان الجاحظ: ولم ير الناس أعجب حالا من الكميت والطرماح. وكان الكميت عدنانيا عصبيا، وكان الطرماح قحطانيا عصبيا. وكان الكميت شيعيا من الغالية، وكان الطرماح خارجيا من الصفرية. وكان الكميت يتعصب لأهل الكوفة، وكان الطرماح يتعصب لأهل الشام. وبينهما مع ذلك من الخاصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط، ثم لم يجر بينهما صرم ولا جفوة ولا إعراض، ولا شيء مما تدعو هذه الخصال إليه. ولم ير الناس مثلهما إلا ما ذكروا من حال عبد الله بن يزيد الإباضي، وهشام بن الحكم الرافضي «١»، فإنهما صارا إلى المشاركة بعد الخلطة والمصاحبة.
وقد كانت الحال بين خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، الحال التي تدعو إلى المفارقة بعد المنافسة والمحاسدة، للذي اجتمع فيهما من اتفاق الصناعة والقرابة والمجاورة، فكان يقال: لولا أنهما أحكم تميم لتباينا تباين الأسد والنمر. وكذلك كانت حال هشام بن الحكم الرافضي، وعبد الله بن يزيد الإباضي، إلا أنهما أفضلا على سائر المتضادين، بما صارا إليه من الشركة في جميع تجارتهما. وذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال: «ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية»، فلم يعارضه شبيب. وتدل كلمة خالد هذه على أنه يحسن أن يسب سب الأشراف.
ومن الشعراء الخطباء: عمران بن حطان، وكنيته أبو شهاب، أحد بني عمرو بن شيبان أخوة سدوس.
[ ١ / ٦١ ]
فمن بني عمرو بن شيبان مع قلتهم من الخطباء والعلماء والشعراء عمران ابن حطان رئيس القعد من الصفرية، وصاحب فتياهم، ومفزعهم عند اختلافهم.
ومنهم: دغفل بن حنظلة النسابة، الخطيب العلامة. ومنهم القعقاع بن شور. وسنذكر شأنهم إذا انتهينا إلى موضع ذكرهم إن شاء الله.
ومن الخطباء الشعراء: نصر بن سيار، أحد بني ليث بن بكر، صاحب خراسان، وهو يعد في أصحاب الولايات والحروب، في التدبير، وفي العقل وشدة الرأي.
ومن الخطباء الشعراء العلماء: زيد بن جندب الإيادي، وقد ذكرنا شأنه.
ومن الخطباء الشعراء: عجلان بن سحبان الباهلي، وسحبان هذا هو سحبان وائل، وهو خطيب العرب.
ومن الخطباء الشعراء العلماء، وممن قد تنافر إليه الأشراف: أعشى همدان.
ومن الشعراء الخطباء: عمران بن عصام العنزي، هو الذي أشار على عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه، والبيعة للوليد بن عبد الملك، في خطبته المشهورة وقصيدته المذكورة. وهو الذي لما بلغ عبد الملك بن مروان قتل الحجاج له قال: ولم قتله، ويله؟ ألا رعى له قوله فيه:
وبعثت من ولد الأغر معتب صقرا يلوذ حمامه بالعرفج
فإذا طبخت بناره أنضجتها وإذا طبخت بغيرها لم تنضج
وهو الهزبر إذا أراد فريسة لم ينجها منه صياح مهجهج «١»
ومن خطباء الأمصار وشعرائهم والمولدين منهم: بشار الأعمى، وهو
[ ١ / ٦٢ ]
بشار بن برد، وكنيته أبو معاذ، وكان من أحد موالي بني عقيل. فإن كان مولى أم الظباء على ما يقول بنو سدوس، وعلى ما ذكره حماد عجرد، فهو من موالي بني سدوس. ويقال إنه من أهل خراسان نازلا في بني عقيل. وله مديح كثير في فرسان أهل خراسان ورجالاتهم. وهو الذي يقول:
من خراسان وبيتي في الذرى ولدى المسعاة فرعي قد بسق
وقال:
وإني لمن قوم خراسان دارهم كرام وفرعي فيهم ناضر بسق
وكان شاعرا راجزا، وسجاعا خطيبا، وصاحب منثور ومزدوج. وله رسائل معروفة.
وأنشد عقبة بن رؤبة، عقبة بن سلم، رجزا يمتدحه به، وبشار حاضر، فأظهر بشار استحسان الأرجوزة، فقال له عقبة بن رؤبة هذا طراز يا أبا معاذ لا تحسنه. فقال بشار: ألمثلي يقال هذا الكلام؟ أنا والله أرجز منك ومن أبيك ومن جدك. ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التي أولها:
يا طلل الحيّ بذات الصمد بالله خبّر كيف كنت بعدي
وفيها يقول:
اسلم وحييت أبا الملد لله أيامك في معدّ
وفيها يقول:
الحر يلحى والعصا للعبد وليس للملحف مثل الرد
وفيها يقول:
وصاحب كالدمل الممد حملته في رقعة من جلدي
وما درى ما رغبتي من زهدي
[ ١ / ٦٣ ]
أي لم أره زهدا فيه ولا رغبة. ذهب إلى قول الأغر الشاعر:
لقد كنت في قوم عليك أشحة بنفسك، لولا أن من طاح طائح
يودون لو خاطوا عليك جلودهم وهل يدفع الموت النفوس الشحائح
والمطبوعون على الشعر من المولدين بشار العقيلي، والسيد الحميري، وأبو العتاهية، وابن أبي عيينة. وقد ذكر الناس في هذا الباب يحيى بن نوفل وسلما الخاسر، وخلف بن خليفة «١» . وأبان بن عبد الحميد اللاحقي أولى بالطبع من هؤلاء، وبشار أطبعهم كلهم.
ومن الخطباء الشعراء ومن يؤلف الكلام الجيد، ويصنع المناقلات الحسان ويؤلف الشعر والقصائد الشريفة، مع بيان عجيب ورواية كثيرة، وحسن دل وإشارة: عيسى بن يزيد بن دأب، أحد بني ليث بن بكر، وكنيته أبو الوليد.
ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن: كلثوم بن عمرو العتابي، وكنيته أبو عمرو، وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع من يتكلف مثل ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النمري، ومسلم بن الوليد الأنصاري وأشباههما.
وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع. ولم يكن في المولدين أصوب بديعا من بشار، وابن هرمة.
والعتابي من ولد عمرو بن كلثوم، ولذلك قال:
إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتي واجتاح ما بنت الأيام من خطري
أيام عمرو بن كلثوم يسوّده حيا ربيعة والأفناء من مضر
أرومة عطلتني من مكارمها كالقوس عطلها الرامي من الوتر
[ ١ / ٦٤ ]
ودل في هذه القصيدة على أنه كان قصيرا بقوله:
نهى ظراف الغواني عن مواصلتي ما يفجأ العين من شيبي ومن قصري
ومن الخطباء الشعراء الذين قد جمعوا الشعر والخطب، والرسائل الطوال والقصار، والكتب الكبار المخلدة، والسير الحسان المدونة، والأخبار المولدة: سهل بن هارون بن راهيوني «١» الكاتب، صاحب كتاب ثعلة وعفرة، في معارضة كتاب كليلة ودمنة، وكتاب الإخوان وكتاب المسائل، وكتاب المخزومي والهذلية، وغير ذلك من الكتب.
ومن الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة، ويكنى أبا الحسن وسنذكر كلام قس بن ساعدة وشأن لقيط بن معبد، وهند بنت الخس، وجمعة بنت حابس، وخطباء إياد، إذا صرنا إلى ذكر خطباء القبائل إن شاء.
الله.
ولإياد وتميم في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الذي روى كلام قس بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته، وهو الذي رواه لقريش والعرب، وهو الذي عجب من حسنه وأظهر من تصويبه. وهذا إسناد تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال. وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس بن ساعدة لاحتجاجه للتوحيد، ولإظهاره معنى الإخلاص وإيمانه بالبعث. ولذلك كان خطيب العرب قاطبة.
وكذلك ليس لأحد في ذلك مثل الذي لبني تميم، لأن النبي ﵇ لما سأل عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر «٢» قال: «مانع لحوزته، مطاع في أدنيه» . فقال الزبرقان: «أما إنه قد علم أكثر مما قال، ولكنه حسدني شرفي» . فقال عمرو: «أما لئن قال ما قال فو الله ما علمته إلا ضيق الصدر،
[ ١ / ٦٥ ]
زمر المروءة لئيم الخال، حديث الغنى»، فلما رأى أنه خالف قوله الآخر قوله الأول، ورأى الإنكار في عيني رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الآخرة» . فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله عند ذلك: «إن من البيان لسحرا» .
فهاتان الخصلتان خصت بهما إياد وتميم، دون جميع القبائل.
ودخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان، فأشار له إلى الوساد فقال له: اجلس. فجلس على الأرض، فقال له معاوية: وما منعك يا أحنف من الجلوس على الوساد؟ فقال يا أمير المؤمنين، إن فيما أوصى به قيس بن عاصم المنقري ولده أن قال: «لا تغش السلطان حتى يملك، ولا تقطعه حتى ينساك، ولا تجلس له على فراش ولا وساد، واجعل بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين، فإنه عسى أن يأتي من هو أولى بذلك المجلس منك فتقام له، فيكون قيامك زيادة له، ونقصانا عليك» . حسبي بهذا المجلس يا أمير المؤمنين، لعله إن يأتي من هو أولى بذلك المجلس مني، فقال معاوية:
«لقد أوتيت تميم الحكمة، مع رقة حواشي الكلم» . وأنشأ يقول:
يا أيها السائل عما مضى وعلم هذا الزمن العائب
إن كنت تبغي العلم أو أهله أو شاهدا يخبر عن غائب
فاعتبر الأرض بسكانها واعتبر الصاحب بالصاحب
وذهب الشاعر في مرثية أبي دؤاد في قوله:
وأصبر من عود وأهدى إذا سرى من النجم في داج من الليل غيهب
إلى شبيه بقول جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب، حين وقف على قبر عامر بن الطفيل فقال: «كان والله لا يضل حتى يضل النجم، ولا
[ ١ / ٦٦ ]
يعطش حتى يعطش البعير، ولا يهاب حتى يهاب السيل، وكان والله خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيرا» .
وكان زيد بن جندب أشغى أفلح «١» ولولا ذلك لكان أخطب العرب قاطبة.
وقال عبيدة بن هلال اليشكري في هجائه له:
أشغى عقبناة وناب ذو عصل «٢» وفلح باد وسن قد نصل
وقال عبيدة أيضا فيه:
ولفوك أشنع حين تنطق فاغرا من في قريح قد أصاب بريرا «٣»
وقد قال الكميت:
تشبه في الهام آثارها مشافر قرحى أكلن البريرا
وقال النمر بن تولب في شنعة أشداق الجمل:
كم ضربة لك تحكي فاقراسية من المصاعب في أشداقه شنع»
القراسية: بعير أضجم «٥» . والضجم اعوجاج في الفم، والفقم مثله.
والروق: ركوب السن الشفة.
وفي الخطباء من كان أشغى، ومن كان أشدق، ومن كان أروق، ومن كان أضجم، ومن كان أفقم. وفي كل ذلك قد روينا الشاهد والمثل.
[ ١ / ٦٧ ]
وروى الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير، قال: قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة، مع المصعب بن الزبير، فما رأيت خصلة تذم في رجل إلا وقد رأيتها فيه: كان صعل الرأس أحجن الأنف، أغضف الأذن «١»، متراكب الأسنان، أشدق، مائل الذقن، ناتىء الوجنة، باخق العين «٢»، خفيف العارضين، أحنف الرجلين، ولكنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه.
ولو استطاع الهيثم أن يمنعه البيان أيضا لمنعه. ولولا أنه لم يجد بدا من أن يجعل له شيئا على حال لما أقر بأنه إذا تكلم جلى عن نفسه.
وقوله في كلمته هذه كقول هند بنت عتبة، حين أتاها نعي يزيد بن أبي سفيان، فقال لها بعض المعزين: إنا لنرجو أن يكون معاوية خلف من يزيد، فقالت هند: «ومثل معاوية لا يكون خلفا من أحد، فو الله إن لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها، لخرج من أي أعراضها شاء» . ولكنا نقول:
المثل الأحنف يقال: «إلا أنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه»؟
ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول فيما يعتري اللسان من ضروب الآفات. قال ابن الأعرابي: طلق أبو رمادة امرأته حين وجدها لثغاء، وخاف أن تجيئه بولد ألثغ، فقال:
لثغاء تأتي بحيفس ألثغ تميس في الموشيّ والمصبّغ
الحيفس: الولد القصير الصغير.
وأنشدني ابن الأعرابي كلمة جامعة لكثير من هذه المعاني، وهي قول الشاعر:
اسكت ولا تنطق فأنت حبحاب «٣» كلّك ذو عيب وأنت عياب
[ ١ / ٦٨ ]
إن صدق القوم فأنت كذاب أو نطق القوم فأنت هياب
أو سكت القوم فأنت قبقاب «١» أو أقدموا يوما فأنت وجاب «٢»
وأنشدني في هذا المعنى أيضا:
ولست بدميجة في الفرا ش وجابة يحتمي أن يجيبا
ولا ذي قلازم عند الحياض إذا ما الشريب أراب الشريبا
الدميجة: الثقيل عن الحركة. والقلازم: كثرة الصياح. وأنشدني:
رب غريب ناصح الجيب وابن أب متهم الغيب
ورب عياب له منظر مشتمل الثوب على العيب
وأنشدني أيضا:
وأجرأ من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال ذوو العيوب.