قال أبو عثمان عمرو بن بحر، ﵀:
اللهمّ إنّا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلّف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من السّلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العيّ والحصر. وقديما ما تعوذوا بالله من شرهما وتضرعوا إلى الله في السلامة منهما.
وقد قال النّمر بن تولب «١»:
أعذني ربّ من حصر وعيّ ومن نفس أعالجها علاجا
[ ١ / ٢٧ ]
وقال الهذلي «١»:
ولا حصر بخطبته إذا ما عزّت الخطب
وقال مكّيّ بن سوادة «٢»:
حصر مسهب جريء جبان خير عيّ الرجال عي السكوت
وقال الآخر:
مليّ ببهر والتفات وسعلة ومسحة عثنون وفتل أصابع
ومما ذموا به العي قوله:
وما بي من عي ولا أنطق الخنا إذا جمع الأقوام في الخطب محفل
وقال الراجز وهو يمتح بدلوه:
علقت يا حارث عند الورد بجابىء لا رفل التردّي
ولا عييّ بابتناء المجد «٣»
وهذا كقول بشار الأعمى «٤»:
وعيّ الفعال كعي المقال وفي الصمت عيّ كعي الكلم
وهذا المذهب شبيه بما ذهب إليه شتيم بن خويلد في قوله «٥»:
ولا يشعبون الصدع بعد تفاقم وفي رفق أيديكم لذي الصّدع شاعب
[ ١ / ٢٨ ]
ومثل هذا قول زبّان بن سيار «١»:
ولسنا كأقوام أجدوا رياسة يرى مالها ولا يحسّ فعالها
يريغون في الخصب الأمور ونفعهم قليل إذا الأموال طال هزالها
وقلنا بلا عي وسسنا بطاقة إذا النار نار الحرب طال اشتعالها
لأنهم يجعلون العجز والعي من الخرق، كانا في الجوارح أم في الألسنة.
وقال ابن أحمر الباهلي:
لو كنت ذا علم علمت وكيف لي بالعلم بعد تدبّر الأمر
وقالوا في الصمت كقولهم في المنطق. قال أحيحة بن الجلاح:
والصمت أجمل بالفتى ما لم يكن عيّ يشينه
والقول ذو خطل إذا ما لم يكن لب يعينه
وقال مخرّز بن علقمة:
لقد وارى المقابر من شريك كثير تحلم وقليل عاب
صموتا في المجالس غير عيّ جديرا حين ينطق بالصواب
وقال مكّيّ بن سوادة:
تسلّم بالسكوت من العيوب فكان السكت أجلب للعيوب
ويرتجل الكلام وليس فيه سوى الهذيان من حشد الخطيب
وقال آخر:
جمعت صنوف العي من كل وجهة وكنت جديرا بالبلاغة عن كثب
أبوك معمّ في الكلام ومخول وخالك وثاب الجراثيم في الخطب
[ ١ / ٢٩ ]
وقال حميد بن ثور الهلاليّ «١»:
أتانا ولم يعدله سحبان وائل بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتى كأنه من العي لما أن تكلم باقل
سحبان مثل في البيان، وباقل مثل في العي، ولهما أخبار.
وقال الآخر:
ماذا رزينا منك أمّ الأسود من رحب الصدر وعقل متلد
وهي صناع باللسان واليد
وقال آخر:
لو صخبت شهرين دأبا لم تمل وجعلت تكثر من قول وبل
حبّك للباطل قدما قد شغل كسبك عن عيالنا قلت أجل
تضجّرا مني وعيا بالحيل
قال: وقيل لبزرجمهر بن البختكان الفارسي «٢»: أي شيء أستر للعييّ؟
قال: عقل يجمله. قالوا: فإن لم يكن له عقل. قال: فمال يستره. قالوا: فإن لم يكن له مال؟ قال: فإخوان يعبرون عنه. قالوا: فإن لم يكن له إخوان يعبرون عنه؟ قال: فيكون عييا صامتا. قالوا: فإن لم يكن ذا صمت. قال: فموت وحي خير له من أن يكون في دار الحياة.
وسأل الله ﷿ موسى بن عمران، ﵇، حين بعثه إلى فرعون بإبلاغ رسالته، والإبانة عن حجته، والإفصاح عن أدلته، فقال حين ذكر العقدة
[ ١ / ٣٠ ]
التي كانت في لسانه، والحبسة التي كانت في بيانه: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي.
وأنبأنا الله ﵎ عن تعلق فرعون بكل سبب، واستراحته إلى كل شغب، ونبهنا بذلك على مذهب كل جاحد معاند، وكل محتال مكايد، حين خبرنا بقوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ. وَلا يَكادُ يُبِينُ.
وقال موسى ﵇: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي
وقال: وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي
رغبة منه في غاية الإفصاح بالحجة، والمبالغة في وضوح الدلالة، لتكون الأعناق إليه أميل، والعقول عنه أفهم، والنفوس إليه أسرع، وإن كان قد يأتي من وراء الحاجة، ويبلغ أفهامهم على بعض المشقة.
ولله ﷿ أن يمتحن عباده بما شاء من التخفيف والتثقيل، ويبلو أخبارهم كيف أحب من المحبوب والمكروه. ولكل زمان ضرب من المصلحة ونوع من المحنة، وشكل من العبادة.
ومن الدليل على أن الله تعالى حل تلك العقدة، وأطلق ذلك التعقيد، والحبسة، قوله: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي
إلى قوله: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
. فلم تقع الاستجابة على شيء من دعائه دون شيء، لعموم الخبر.
وسنقول في شأن موسى ﵇ ومسألته، في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
وذكر الله ﵎ جميل بلائه في تعليم البيان، وعظيم نعمته في تقويم اللسان، فقال: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ
، وقال تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ
، ومدح القرآن بالبيان والإفصاح، وبحسن التفصيل والإيضاح، وبجودة الإفهام وحكمة الإبلاغ، وسماه فرقانا كما سماه
[ ١ / ٣١ ]
قرانا. وقال: عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
، وقال: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا
وقال:
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ
، وقال: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا.
وذكر الله ﷿ لنبيه ﵇ حال قريش في بلاغة المنطق، ورجاحة الأحلام، وصحة العقول، وذكر العرب وما فيها من الدهاء والنكراء والمكر، ومن بلاغة الألسنة، واللدد عند الخصومة، فقال تعالى: فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
. وقال: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا
. وقال:
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ
، وقال: آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
. ثم ذكر خلابة ألسنتهم، واستمالتهم الأسماع بحسن منطقهم، فقال: وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ.
ثم قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
مع قوله: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ.
وقال الشاعر في قوم يحسنون في القول ويسيئون في العمل، قال أبو حفص: أنشدني الأصمعي للمكعبر الضبي «١»:
كسالى إذا لاقيتهم غير منطق يلهّى به المحروب وهو عناء
وقيل لزهمان: ما تقول في خزاعة؟ قال: جوع وأحاديث! وفي شبيه بهذا المعنى قال أفنون بن صريم التغلبي:
لو أنني كنت من عاد ومن إرم غذيّ قيل ولقمان وذي جدن
لما وقوا بأخيهم من مهولة أخا السكون ولا حادوا عن السنن
[ ١ / ٣٢ ]
أنى جزوا عامرا سوأى بفعلهم أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به رئمان أنف إذا ما ضن باللبن
رئمان، أصله الرقة والرحمة. والرؤوم أرق من الرؤوف. فقال: «رئمان أنف»، كأنها تبر ولدها بأنفها وتمنعه اللبن.
ولأن العرب تجعل الحديث والبسط، والتأنيس والتلقي بالبشر، من حقوق القرى ومن تمام الإكرام به. وقالوا: «من تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المواكلة» . وقال شاعرهم، وهو حاتم الطائي:
سلي الجائع الغرثان يا أم منذر إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
هل أبسط وجهي أنه أول القرى وأبذل معروفي له دون منكري
وقال الآخر.
إنك يا ابن جعفر خير فتى وخيرهم لطارق إذا أتى
ورب نضو طرق الحي سرى صادف زادا وحديثا ما اشتهى
إن الحديث جانب من القرى
وقال الآخر:
لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ولم يلهني عنه غزال مقنع
أحدثه إن الحديث من القرى وتعلم نفسي أنه سوف يهجع
ولذلك قال عمرو بن الأهتم «١»:
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا فهذا مبيت صالح وصديق
[ ١ / ٣٣ ]
وقال آخر:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
ثم قال الله ﵎ في باب آخر من صفة قريش والعرب: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا
وقال: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
وقال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
. وقال: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ.
وعلى هذا المذهب قال: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ
. وقد قال الشاعر في نظر الأعداء بعضهم إلى بعض:
يتقارضون إذا التقوا في موقف نظرا يزيل مواطىء الأقدام
وقال الله ﵎: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
، لأن مدار الأمر على البيان والتبيين، وعلى الأفهام والتفهم. وكلما كان اللسان أبين كان أحمد كما أنه كلما كان القلب أشد استبانة كان أحمد.
والمفهم لك والمتفهم عنك شريكان في الفضل، إلا أن المفهم أفضل من المتفهم وكذلك المعلم والمتعلم. هكذا ظاهر هذه القضية، وجمهور هذه الحكومة، إلا في الخاص الذي لا يذكر، والقليل الذي يشهر.
وضرب الله ﷿ مثلا لعيّ اللسان ورداءة البيان، حين شبه أهله بالنساء والولدان، فقال تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
. ولذلك قال النمر بن تولب:
وكل خليل عليه الرعا ث والحبلات، ضعيف ملق
الرعاث: القرطة. والحبلات: كل ما تزينت به المرأة من حسن الحلى، والواحدة حبلة.
وليس، حفظك الله، مضرة سلاطة اللسان عند المنازعة، وسقطات الخطل يوم إطالة الخطبة بأعظم مما يحدث عن العيّ من اختلال الحجة، وعن
[ ١ / ٣٤ ]
الحصر من فوت درك الحاجة. والناس لا يعيرون الخرس، ولا يلومون من استولى على بيانه العجز. وهم يذمون الحصر، ويؤنبون العيّ، فإن تكلفا مع ذلك مقامات الخطباء، وتعاطيا مناظرة البلغاء، تضاعف عليهما الذم وترادف عليهما التأنيب. ومماتنة العيّ الحصر للبليغ المصقع، في سبيل مماتنة المنقطع المفحم للشاعر المفلق «١»، واحدهما ألوم من صاحبه، والألسنة إليه أسرع.
وليس اللجلاج «٢» والتمتام، والألثغ والفأفاء، وذو الحبسة والحكلة «٣» والرتة «٤» وذو اللفف «٥» والعجلة، في سبيل الحصر في خطبته، والعييّ في مناضلة خصومه، كما أن سبيل المفحم عند الشعراء، والبكي «٦» عند الخطباء، خلاف سبيل المسهب الثرثار، والخطل المكثار.
ثم اعلم- أبقاك الله- أن صاحب التشديق والتقعير «٧» والتقعيب من الخطباء والبلغاء مع سماجة التكلف، وشنعة التزيد، أعذر من عييّ يتكلف الخطابة، ومن حصر يتعرض لأهل الاعتياد والدربة. ومدار اللائمة ومستقر المذمة حيث رأيت بلاغة يخالطها التكلف، وبيانا يمازجه التزيد. إلا أن تعاطي الحصر المنقوص مقام الدرب التام، أقبح من تعاطي البليغ الخطيب، ومن تشادق الأعرابي القح وانتحال المعروف ببعض الغزارة في المعاني والألفاظ، وفي التحبير والارتجال، إنه البحر الذي لا ينزح، والغمر الذي لا يسبر، أيسر من انتحال الحصر المنخوب إنه في مسلاخ «٨» التام الموفر، والجامع
[ ١ / ٣٥ ]
المحكك «١»، وإن كان النبي صلّى الله عليه وآله قد قال: «إياي والتشادق»، وقال: «أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون» «٢»، وقال: «من بدا جفا»، وعاب الفدادين والمتزيدين، في جهارة الصوت وانتحال سعة الأشداق، ورحب الغلاصم وهدل الشفاه، وأعلمنا ان ذلك في أهل الوبر أكثر، وفي أهل المدر أقل فإذا عاب المدري بأكثر مما عاب به الوبري «٣»، فما ظنك بالمولد القروي والمتكلف البلدي. فالحصر المتكلف والعيي المتزيد، ألوم من البليغ المتكلف لأكثر مما عنده. وهو أعذر، لأن الشبهة الداخلة عليه أقوى. فمن أسوأ حالا- أبقاك الله- ممن يكون ألوم من المتشدقين، ومن الثرثارين المتفيهقين، وممن ذكره النبي صلّى الله عليه وآله نصا، وجعل النهي عن مذهبه مفسرا، وذكر مقته له وبغضه إياه.