كان الفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس، وكان متكلما قاصا مجيدا، وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد، وهشام بن حسان، وأبان بن أبي عياش، وكثير من الفقهاء. وهو رئيس الفضيلة، وإليه ينسبون. وخطب إليه ابنته سوادة بنت الفضل، سليمان بن طرخان التيمي، فزوّجه فولدت له المعتمر ابن سليمان. وكان سليمان مباينا للفضل في المقالة، فلما ماتت سوادة شهد الجنازة المعتمر وأبوه، فقدّما الفضل.
وكان الفضل لا يركب إلا الحمير، فقال له عيسى بن حاضر: إنك لتؤثر الحمير على جميع المركوب، فلم ذلك؟ قال: لما فيها من المرافق والمنافع.
قلت: مثل أي شيء؟ قال: لا تستبدل بالمكان على قدر اختلاف الزمان، ثم هي أقلها داء وأيسرها دواء، وأسلم صريعا، وأكثر تصريفا، وأسهل مرتقى وأخفض مهوى، وأقل جماحا، وأشهر فارها، وأقل نظيرا، يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويكون مقتصدا وقد أسرف في ثمنه.
قال: ونظر يوما إلى حمار فاره تحت سلم بن قتيبة، فقال: «قعدة نبيّ وبذلة جبار» .
وقال عيسى بن حاضر: ذهب إلى حمار عزيز، وإلى حمار المسيح، وإلى حمار بلعم. وكان يقول: لو أراد أبو سيارة عميلة بن أعزل، أن يدفع بالموسم على فرس عربي، أو جمل مهريّ لفعل، ولكنه ركب عيرا أربعين
[ ١ / ٢٥٢ ]
عاما، لانه كان يتأله «١» . وقد ضرب به المثل فقالوا: «أصح من عير أبي سيارة» .
والفضل هو الذي يقول في قصصه: «سل الأرض فقل: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا» .
وكان عبد الصمد بن الفضل أغزر من أبيه وأعجب وأبين وأخطب.
وقال: وحدثني أبو جعفر الصوفي القاص قال: تكلم عبد الصمد في خلق البعوضة وفي جميع شأنها ثلاثة مجالس تامة.
قال: وكان بزيد بن أبان عم الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، من أصحاب أنس والحسن، وكان يتكلم في مجلس الحسن، وكان زاهدا عابدا، وعالما فاضلا، وكان خطيبا، وكان قاصا مجيدا.
قال أبو عبيدة: كان أبوهم خطيبا، وكذلك جدهم، وكانوا خطباء الأكاسرة فلما سبوا وولد لهم الأولاد في بلاد الإسلام وفي جزيرة العرب، نزعهم ذلك العرق، فقاموا في أهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة، وفيهم شعر وخطب، وما زالوا كذلك حتى أصهر إليهم الغرباء ففسد ذلك العرق ودخله الخور.