وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة، ويكون لفظه متخيرا فاخرا، ومعناه شريفا كريما، ويعلم مع ذلك السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطي. وكذلك إذا تكلم الخراساني على هذه الصفة، فإنك تعلم مع إعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه، إنه خراساني. وكذلك إن كان من كتاب الأهواز.
ومع هذا إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم، لا يغادر من ذلك شيئا. وكذلك تكون حكايته للخراساني والأهوازي والزنجي والسندي والأجناس وغير ذلك. نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم، فإذا ما حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل طرفة في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد. وتجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينيه وأعضائه، لا تكاد تجد من ألف أعمى واحدا يجمع ذلك كله، فكأنه قد جمع جميع طرف حركات العميان في أعمى واحد.
ولقد كان أبو دبوبة الزنجي، مولى آل زياد، يقف بباب الكرخ، بحضرة المكارين «١»، فينهق، فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير، ولا متعب بهير إلا نهق. وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة، فلا تنبعث لذلك، ولا يتحرك منها متحرك حتى كان أبو دبوبة يحركه. وقد كان جمع جميع الصور التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد. وكذلك كان في نباح الكلاب. ولذلك زعمت الأوائل أن الإنسان إنما قيل له العالم الصغير سليل
[ ١ / ٧٧ ]
العالم الكبير، لأنه يصور بيديه كل صورة، ويحكي بفمه كل حكاية، ولأنه يأكل النبات كما تأكل البهائم، ويأكل الحيوان كما تأكل السباع وإن فيه من أخلاق جميع أجناس الحيوان أشكالا.
وإنما تهيأ وأمكن الحاكية لجميع مخارج الأمم، لما أعطى الله الإنسان من الاستطاعة والتمكين، وحين فضله على جمع الحيوان بالمنطق والعقل والاستطاعة. بطول استعمال التكلف ذلت جوارحه لذلك. ومتى ترك شمائله على حالها، ولسانه على سجيته، كان مقصورا بعادة المنشأ على الشكل الذي لم يزل فيه. وهذه القضية مقصورة على هذه الجملة من مخارج الألفاظ، وصور الحركات والسكون. فأما حروف الكلام فإن حكمها إذا تمكنت في الألسنة خلاف هذا الحكم. ألا ترى أن السندي إذا جلب كبيرا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زايا ولو أقام في عليا تميم، وفي سفلى قيس، وبين عجز هوازن، خمسين عاما. وكذلك النبطي القح، خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط، لأن النبطي القح يجعل الزاي سينا، فإذا أراد أن يقول زورق قال سورق، ويجعل العين همزة، فإذا أراد أن يقول مشمعل، قال مشمئل.
والنخاس يمتحن لسان الجارية إذا ظن أنها رومية وأهلها يزعمون أنها مولدة بأن تقول ناعمة، وتقول شمس، ثلاث مرات متواليات.
والذي يعتري اللسان مما يمنع من البيان أمور: منها اللثغة التي تعتري الصبيان إلى أن ينشئوا، وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج «١»، المسترخي الحنك، المرتفع اللثة، وخلاف ما يعتري أصحاب اللكن من العجم، ومن ينشأ من العرب مع العجم، فمن اللكن ممن كان خطيبا، أو شاعرا، أو كاتبا داهيا زياد بن سلمى أبو أمامة، وهو زياد الأعجم. قال أبو عبيدة: كان ينشد قوله:
فتى زاده السلطان في الود رفعة إذا غير السلطان كل خليل
[ ١ / ٧٨ ]
قال: فكان يجعل السين شيئا والطاء تاء، فيقول: «فتى زاده الشلتان» .
ومنهم سحيم عبد بني الحسحاس، قال له عمر بن الخطاب ﵀ وأنشد قصيدته التي يقول أولها:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال له عمر: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. فقال له: ما سعرت. يريد ما شعرت، جعل الشين المعجمة سينا غير معجمة.
ومنهم عبيد الله بن زياد والي العراق، قال لهانىء بن قبيصة: أهرري سائر اليوم! يريد أحروري.
ومنهم صهيب بن سنان النمري، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يقول: إنك لهائن، يريد إنك لخائن. وصهيب بن سنان يرتضخ لكنة رومية، وعبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية، وقد اجتمعا على جعل الحاء هاء.
وازدانقاذار لكنته لكنة نبطية، وكان مثلهما في جعل الحاء هاء. وبعضهم يروي أنه أملى على كاتب له فقال: اكتب: «الهاصل ألف كر «١»» فكتبها الكاتب بالهاء كاللفظ بها فأعاد عليه الكلام، فأعاد الكاتب. فلما فطن لاجتماعهما على الجهل قال: أنت لا تهسن أن تكتب، وأنا لا أهسن أن أملي، فاكتب: «الجاصل ألف كر»: فكتبها بالجيم معجمة.
ومنهم أبو مسلم صاحب الدعوة، وكان حسن الألفاظ جيد المعاني، وكان إذا أراد أن يقول: قلت لك، قال: كلت لك. فشارك في تحويل القاف كافا عبيد الله بن زياد. كذلك خبرنا أبو عبيدة.
قال: وإنما أتي عبيد الله بن زياد في ذلك أنه نشأ في الأساورة عند شيرويه الاسواري، زوج أمه مرجانة.
[ ١ / ٧٩ ]
وقد كان في آل زياد غير واحد يسمى شيرويه. قال: وفي دار شيرويه عاد علي بن أبي طالب زيادا من علة كانت به.
فهذا ما حضرنا من لكنة البلغاء والخطباء والشعراء والرؤساء. فأما لكنة العامة ومن لم يكن له حظ في المنطق فمثل فيل مولى زياد فإنه قال مرة لزياد «اهدوا لنا همار وهش» . يريد حمار وحش. فقال زياد: ما تقول ويلك! قال: «أهدوا إلينا أيرا» . يريد عيرا. فقال زياد: الأول أهون! وفهم ما أراد.
وقالت أم ولد لجرير بن الخطفي، لبعض ولدها: «وقع الجردان في عجان أمكم» «١»، فأبدلت الذال من الجرذان دالا وضمت الجيم، وجعلت العجين عجانا. وقال بعض الشعراء في أم ولد له، يذكر لكنتها:
أول ما أسمع منها في السحر تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر
والسوءة السوآء في ذكر القمر
لأنها كانت إذا أرادت أن تقول القمر، قالت: الكمر.
وقال ابن عباد: ركبت عجوز سندية جملا، فلما مضى تحتها متخلعا اعتراها كهيئة حركة الجماع، فقالت: هذا الذمل يذكرنا بالسر. تريد أنه يذكرها بالوطء، فقلبت السين شينا والجيم ذالا. وهذا كثير.
وباب آخر من اللكنة. قيل لنبطي: لم ابتعت هذه الأتان؟ قال:
«أركبها وتلد لي» فجاء بالمعنى بعينه ولم يبدل الحروف بغيرها، ولا زاد فيها ولا نقص، ولكنه فتح المكسور حين قال وتلد لي، ولم يقل تلد لي.
قال: والصقلبي يجعل الذال المعجمة دالا في الحروف.
[ ١ / ٨٠ ]