ومن النسابين من بني العنبر ثم من بني المنذر: الحنتف بن يزيد بن جعونة. وهو الذي تعرض له دغفل بن حنظلة العلامة عند ابن عامر بالبصرة، فقال له: متى عهدك بسجاح أمّ صادر؟ فقال: «ما لي بها عهد منذ أضلت أمّ حلس»، وهي بعض أمهات دغفل. فقال له: نشدتك بالله، أنحن كنا لكم أكثر غزوا في الجاهلية أم أنتم لنا؟ قال: بل أنتم فلم تفلحوا ولم تنجحوا، غزانا فارسكم وسيدكم وابن سيدكم، فهزمناه مرة وأسرناه مرة، وأخذنا في فدائه
[ ١ / ٢٥٩ ]
خدر أمه. وغزانا أكثركم غزوا، وأنبهكم في ذلك ذكرا، فأعرجناه ثم أرجلناه.
فقال ابن عامر: أسألكما بالله لمّا كففتما.
وكان عبد الله بن عامر، ومصعب بن الزبير، يحبان أن يعرفا حالات الناس، فكانا يغريان بين الوجوه وبين العلماء، فلا جرم أنهما كانا إذا سبّا أوجعا.
وكان أبو بكر ﵀ أنسب هذه الأمة، ثم عمر، ثم جبير بن مطعم، ثم سعيد بن المسيّب، ثم محمد بن سعيد بن المسيب. ومحمد هذا هو الذي نفى آل عنكثة المخزوميين فرفع ذلك إلى والي المدينة فجلده الحدّ.
وكان ينشد:
ويربوع بن عنكثة ابن أرض وأعتقه هبيرة بعد حين
يعني هبيرة بن أبي وهب المخزومي.
ومن النسابين العلماء: عتبة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان من ذوي الرأي والدهاء، وكان ذا منزلة من الحجاج بن يوسف. وعمر بن عبد الرحمن خامس خمسة في الشرف.. وكان هو الساعي بين الأسد وتميم في الصلح.
ومن بني حرقوص: شعبة بن القعم، وكان ذا لسان وجواب وعارضة، وكان وصافا فصيحا، وبنوه عبد الله، وعمر، وخالد كليهم كانوا في هذه الصفة، غير أن خالدا كان قد جمع مع اللسن والعلم، الحلاوة والظرف.
وكان الحجاج بن يوسف لا يصبر عنه.
ومن بني أسيّد بن عمرو بن تميم، أبو بكر بن الحكم، كان ناسبا راوية شاعرا، وكان أبلى الناس لسانا، وأحسنهم منطقا، وأكثرهم تصرفا. وهو الذي يقول له رؤبة:
لقد خشيت أن تكون ساحرا راوية مرا ومرا شاعرا
[ ١ / ٢٦٠ ]
ومنهم معلّل بن خالد، أحد بني أنمار بن الهجيم، وكان نسابة علامة، راوية صدوقا مقلّدا. وذكر للمنتجع بن نبهان فقال: كان لا يجارى ولا يمارى.
ومنهم من بني العنبر، ثم من بني عمرو بن جندب: أبو الخنساء عبّاد بن كسيب، وكان شاعرا علامة، وراوية نسابة، وكانت له حرمة بأبي جعفر المنصور.
ومنهم عمرو بن خولة، كان ناسبا خطيبا، وراوية فصيحا، من ولد سعيد ابن العاصي. والذي أتى سعيد بن المسيب ليعلمه النسب هو إسحاق بن يحيى ابن طلحة.
وكان يحيى بن عروة بن الزبير ناسبا عالما، ضربه إبراهيم بن هشام المخزومي والي المدينة حتى مات، لبعض القول. وكان مصعب بن عبد الله ابن ثابت ناسبا عالما، ومن ولده الزبيري عامل الرشيد على المدينة واليمن.
ومنهم ثم من قريش: محمد بن حفص، وهو ابن عائشة، ويكنى أبا بكر. وابنه عبيد الله، كان يجري مجراه، ويكنى أبا عبد الرحمن.
ومن بني خزاعيّ بن مازن: أبو عمرو وأبو سفيان، ابنا العلاء بن عمار ابن العريان. فأما أبو عمرو فكان أعلم الناس بأمور العرب، مع صحة سماع وصدق لسان. حدثني الأصمعي قال: جلست إلى أبي عمرو عشر حجج ما سمعته يحتج ببيت إسلامي. قال: وقال مرة: «لقد كثر هذا المحدث وحسّن حتى لقد هممت أن آمر فتياننا بروايته» . يعني شعر جرير والفرزدق وأشباههما.
وحدثني أبو عبيدة قال: كان أبو عمرو أعلم الناس بالغريب والعربية، وبالقرآن والشعر، وبأيام العرب وأيام الناس. وكانت داره خلف دار جعفر بن سليمان قال:
وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء، قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرّأ فأحرقها كلها، فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه. وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية.
وفي أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق:
[ ١ / ٢٦١ ]
ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها حتى أتيت أبا عمرو بن عمّار
قال: فإذا كان الفرزدق وهو راوية الناس وشاعرهم وصاحب أخبارهم يقول فيه مثل هذا القول، فهو الذي لا يشك في خطابته وبلاغته.
وقال يونس: لولا شعر الفرزدق لذهب نصف أخبار الناس.
وقال في أبي عمر مكّي بن سوادة:
الجامع العلم ننساه ويحفظه والصادق القول إن أنداده كذبوا
وكان أبو سفيان بن العلاء ناسبا، وكلاهما كناهما أسماؤهما. وكذلك أبو عمرو بن العلاء بن لبيد، وأبو سفيان بن العلاء بن لبيد التغلبيّ، خليفة عيسى ابن شبيب المازني على شرط البصرة.
وكان عقيل بن أبي طالب ناسبا عالما بالأمهات، بيّن اللسان سديد الجواب، لا يقوم له أحد.
وكان أبو الجهم بن حذيفة العدويّ ناسبا شديد العارضة، كثير الذّكر للأمهات بالمثالب.
ومن رؤساء النسابين: دغفل بن حنظلة، أحد بني عمرو بن شيبان، لم يدرك الناس مثله لسانا وعلما وحفظا. ومن هذه الطبقة زيد بن الكيّس النمري.
ومن نسابي كلب: محمد بن السائب، وهشام بن محمد بن السائب، وشرقي بن القطاميّ. وكان أعلاهم في العلم ومن ضرب به المثل، حماد بن بشر.
وقال سماك العكرمي:
فسائل دغفلا وأخا هلال وحمّادا ينبّؤك اليقينا
وقد ذكرنا دغفلا. وأخو هلال هو زيد بن الكيّس. وبنو هلال حي من النمر بن قاسط.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وقال مسكين بن أنيف الدارميّ في ذلك:
وعند الكيّس النمريّ علم ولو أمسى بمنخرق الشمال
وقال ثابت قطنة:
فما العضّان لو سئلا جميعا أخو بكر وزيد بني هلال «١»
ولا الكلبيّ حماد بن بشر ولا من فاد في الزمن الخوالي «٢»
وقال زياد الأعجم:
بل لو سألت أخا ربيعة دغفلا لوجدت في شيبان نسبة دغفل
إن الأحابن والذين يلونهم شرّ الأنام ونسل عبد أغزل
يهجو فيها بني الحبناء:
ومنهم: أبو إياس النصري. وكان أنسب الناس، وهو الذي قال: كانوا يقولون أشعر العرب أبو دؤاد الإياديّ، وعديّ بن زيد العبادي.
وكان أبو نوفل بن أبي عقرب، علامة ناسبا خطيبا فصيحا، وهو رجل من كنانة، أحد بني عريج.
ومن بني كنانة ثم من بني ليث، ثم من بني الشدّاح: يزيد بن بكر بن دأب. وكان يزيد عالما ناسبا، وراوية شاعرا. وهو القائل:
الله يعلم في عليّ علمه وكذاك علم الله في عثمان
وولد يزيد يحيى وعيسى. فعيسى هو الذي يعرف في العامة بابن دأب، وكان من أحسن الناس حديثا وبيانا، وكان شاعرا راوية، وكان صاحب رسائل وخطب، وكان يجيدهما جدا.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ومن آل دأب: حذيفة بن دأب، وكان عالما ناسبا. وفي آل دأب علم بالنسب والخبر.