ومن أمثال العامة: «أحمق من معلم كتّاب» . وقد ذكرهم صقلاب فقال:
وكيف يرجّى الرأي والعقل عند من يروح على أنثى ويغدو على طفل
وفي قول بعض الحكماء: «لا تستشيروا معلما ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء» . وقالوا: «لا تدع أم صبيك تضربه، فإنه أعقل منها وإن كانت أسن منه» . وقد سمعنا في المثل: «أحمق من راعي ضأن ثمانين» .
فأما استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون ذلك صوابا وقد رعى الغنم عدة من جلة الأنبياء صلى الله عليهم. ولعمري إن الفدّادين من أهل الوبر ورعاة الإبل ليتنبلون على رعاة الغنم، ويقول أحدهم لصاحبه: «إن كنت كاذبا فحلبت قاعدا» . وقال الآخر:
[ ١ / ٢٠٩ ]
ترى حالب المعزى إذا صرّ قاعدا وحالبهن القائم المتطاول
وقال امرأة من غامد، في هزيمة ربيعة بن مكدّم، لجمع غامد وحده:
ألا هل أتاها على نأيها بما فضحت قومها غامد
تمنيتم مائتي فارس فردكم فارس واحد
فليت لنا بارتباط الخيو ل ضأنا لها حالب قاعد
وقد سمعنا قول بعضهم: الحمق في الحاكة والمعلمين والغزالين. قال:
والحاكة أقل وأسقط من أن يقال لها حمقى. وكذلك الغزالون، لأن الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب الجيد ثم يجيء بخطأ فاحش والحائك ليس عنده صواب جيد في فعال ولا مقال، إلا أن يجعل جودة الحياكة من هذا الباب، وليس هو من هذا في شيء.
ويقال: فلان أحمق. فإذا قالوا مائق، فليس يريدون ذلك المعنى بعينه، وكذلك إذا قالوا أنوك. وكذلك إذا قالوا رقيع. ويقولون: فلان سليم الصدر، ثم يقولون عيي، ثم يقولون أبله. وكذلك إذا قالوا معتوه ومسلوس وأشباه ذلك.
قال أبو عبيدة: يقال للفارس شجاع، فإذا تقدم في ذلك قيل بطل، فإذا تقدم شيئا قيل بهمة، فإذا صار إلى الغاية قيل أليس. وقال العجاج:
أليس عن حوبائه سخيّ
وهذا المأخذ يجري في الطبقات كلها: من جود وبخل، وصلاح وفساد، ونقصان ورجحان. وما زلت أسمع هذا القول في المعلمين.
والمعلمون عندي على ضربين: منهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى تعليم أولاد الخاصة، ومنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة إلى تعليم أولاد
[ ١ / ٢١٠ ]
الملوك أنفسهم المرشيحن للخلافة. فكيف تستطيع أن تزعم أن مثل علي بن حمزة الكسائي، ومحمد بن المستنير الذي يقال له قطرب «١»، وأشباه هؤلاء يقال لهم حمقى. ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم. فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى فإن لكل قوم حاشية وسفلة، فما هم في ذلك إلا كغيرهم. وكيف تقول مثل ذلك في هؤلاء وفيهم الفقهاء والشعراء والخطباء، مثل الكميت بن زيد، وعبد الحميد الكاتب، وقيس بن سعد «٢»، وعطاء بن أبي رباح «٣»، ومثل عبد الكريم بن أبي أمية «٤»، وحسين المعلم «٥»، وأبي سعيد المعلم.
ومن المعلمين: الضحاك بن مزاحم. وأما معبد الجهني وعامر الشعبي، فكانا يعلمان أولاد عبد الملك بن مروان. وكان معبد يعلم سعيدا، ومنهم أبو سعيد المؤدب، وهو غير أبي سعيد المعلم، وكان يحدث عن هشام بن عروة وغيرهم. ومنهم عبد الصمد بن عبد الأعلى، وكان معلم ولد عتبة بن أبي سفيان. وكان إسماعيل بن علي ألزم بعض بنيه عبد الله بن المقفع ليعلمه.
وكان أبو بكر عبد الله بن كيسان معلما. ومنهم محمد بن السكن «٦» .
وما كان عندنا بالبصرة رجلان أروى لصنوف العلم، ولا أحسن بيانا، من أبي الوزير وأبي عدنان المعلمين، وحالهما من أول ما أذكر من أيام الصبا.
وقد قال الناس في أبي البيداء، وفي أبي عبد الله الكاتب، وفي الحجاج بن
[ ١ / ٢١١ ]
يوسف وأبيه ما قالوا، وقد أنشدوا مع هذا الخبر شاهدا من الشعر على أن الحجاج وأباه كانا معلمين بالطائف.
ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول.
قالوا: أحق الناس بالرحمة عالم يجري عليه حكم جاهل.
قال: وكتب الحجاج إلى المهلب يعجله في حرب الأزارقة ويسمعه، فكتب إليه المهلب: «إن البلاء كل البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره» .