قال الشاعر:
لها بشر مثل الحرير ومنطق رقيق الحواشي لا هراء ولا نزر
وقال ابن أحمر:
تضع الحديث على مواضعه وكلامها من بعده نزر
وقال الآخر:
حديث كطعم الشهد حلو صدوره وإعجازه الخطبان دون المحارم «١»
وقال بشار بن برد:
أنس غرائر ما هممن بريبة كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من أنس الحديث زوانيا ويصدهن عن الخنا الإسلام
[ ١ / ٢٣١ ]
ولبشار أيضا:
وكأن [رصف] حديثها قطع الرياض كسين زهرا
وتخال ما جمعت علي هـ ثيابها ذهبا وعطرا
وكأن تحت لسانها هاروت ينفث فيه سحرا
ولبشار العقيلي:
وفتاة صبّ الجمال عليها بحديث كلذة النشوان
وقال الأخطل:
فأسرين خمسا ثم أصبحن غدوة يخبّرن أخبارا ألذّ من الخمر
وقال بشار:
وحديث كأنه قطع الرو ض وفيه الصفراء والحمراء
وأخبرنا عامر بن صالح أن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى امرأته، وعنده إخوان له، بهذه الأبيات:
إن عندي أبقاك ربّك ضيفا واجبا حقّهم كهولا ومردا
طرقوا جارك الذي كان قدما لا يرى من كرامة الضيف بدّا
فلديه أضيافه قد قراهم وهم يشتهون تمرا وزبدا
فلهذا جرى الحديث ولكن قد جعلنا بعض الفكاهة جدا
وأنشد الهذلي:
كرّوا الأحاديث عن ليلى إذا بعدت إن الأحاديث عن ليلى لتلهيني
وقال الهذلي أيضا:
وإن حديثا منك لو تبذلينه جنى النحل أو ألبان عوذ مطافل
مطافيل أبكار حديث نتاجها تشاب بماء مثل ماء المفاصل
[ ١ / ٢٣٢ ]
العوذ: جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت، فإذا مشى ولدها فهي مرشح فإذا تبعها فهي متلية، لأنه يتلوها. وهي في هذا كله مطفل. فإن كان أول ولد ولدته فهي بكر. ماء المفاصل فيه قولان: أحدهما أن المفاصل ما بين الجبلين واحدها مفصل، وإنما أراد صفاء الماء، لأنه ينحدر عن الجبال، لا يمر بطين ولا تراب. ويقال إنها مفاصل البعير. وذكروا أن فيها ماء له صفاء وعذوبة.
وفي الكلام الموزون يقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
إلزم الصمت إن في الصمت حكما وإذا أنت قلت قولا فزنه
وقال أبو ذؤيب:
وسرب يطلّى بالعبير كأنه دماء ظباء بالنحور ذبيح
بذلت لهن القول إنك واجد لما شئت من حلو الكلام، مليح
السرب: الجماعة من النساء والبقر والطير والظباء. ويقال: فلان آمن السرب، بفتح السين، أي آمن المسلك. ويقال فلان واسع السرب وخلي السرب، أي المسالك والمذاهب. وإنما هو مثل مضروب للصدر والقلب. وعن الأصمعي:
فلان واسع السرب، مكسور، أي واسع الصدر، بطيء الغضب.
وأنشد للحكم بن ريحان، من بني عمرو بن كلاب:
يا أجدل الناس إن جادلته جدلا وأكثر الناس إن عاتبته عللا
كأنما عسل رجعان منطقها إن كان رجع كلام يشبه العسلا
وقال القطامي:
وفي الخدور غمامات برقن لنا حتى تصيّدننا من كل مصطاد
يقتلننا بحديث ليس يعلمه من يتقين ولا مكنونه بادي
فهن ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي
[ ١ / ٢٣٣ ]
ينبذن: يلقين. الغلة والغليل: العطش الشديد. والصادي: العطشان أيضا، والاسم الصّدى. وأنشد للأخطل:
شمس إذا خطل الحديث أوانس يرقبن كلّ مجذّر تنبال
أنف كأن حديثهن تنادم بالكأس كلّ عقيلة مكسال
الشّمس: النوافر. والتنبال: القصير. والأنف: جمع آنفة، وهي المنكرة للشيء غير راضية. العقيلة: المصونة في أهلها. وعقيلة كل شيء خيرته. والمكسال: ذات الكسل عن الحركة.
وقال أبو العميثل عبد الله بن خليد:
لقيت ابنة السهميّ زينب عن عفر ونحن حرام مسي عاشرة العشر
وإني وإياها لحتم مبيتنا جميعا، ومسرانا مغذ وذو فتر
فكلمتها ثنتين كالثلج منهما على اللوح والأخرى أحرّ من الجمر
يقال: ما يلقانا إلا عن عفر، أي بعد مدة. مسي: أي وقت المساء.
يقال أغذّ السير، إذا جد فيه وأسرع. واللوح بالفتح: العطش، يقال لاح الرجل يلوح لوحا، والتاح يلتاح التياحا، إذا عطش. واللوح بالفتح أيضا الذي يكتب فيه. واللوح بالضم: الهواء، يقال: «لا أفعل ذلك ولو نزوت في اللوح»، أو «حتى تنزو في اللوح» .
وأنشد:
وإنّا لنجري بيننا حين نلتقي حديثا له وشي كحبر المطارف «١»
حديث كطعم القطر في المحل يشتفى به من جوى في داخل القلب لاطف
المحل: الجدب، وسنة محول. وأمحل البلد فهو ماحل وممحل، وزمان ماحل وممحل. الجوى ها هنا: شدة الحب حتى يمرض صاحبه.
لاطف: لطيف. وأنشد للشماخ بن ضرار الثعلبي:
[ ١ / ٢٣٤ ]
يقر بعيني أن أنبأ أنها وإن لم أنلها أيّم لم تزوّج
وكنت إذا لاقيتها كان سرّنا وما بيننا مثل الشواء الملهوج
يريد أنهما كانا على عجلة من خوف الرقباء. والملهوج: المعجل الذي لم ينتظر به النضج.
وقال جران العود:
فنلنا سقاطا من حديث كأنه جنى النحل أو أبكار كرم يقطف
حديثا لو أن البقل يولى بمثله زها البقل واخضرّ العضاه المصنّف
زها: بدا زهره. العضاه: جمع عضة، وهي كل شجرة ذات شوك، إلا القتادة فإنها لا تسمى عضة.
وقال الكميت بن زيد:
وحديثهن إذا التقين تهانف البيض الغرائر
وإذا ضحكن عن العذاب لنا المسفات الثواغر
كان التهلل بالتبسم لا القهاقه بالقراقر
التهانف: تضاحك في هزء. الغرائر: جمع غريرة، وهي المرأة القليلة الخبرة، الغمرة. والعذاب، يريد الثغر. والمسفات: اللثات التي قد أسفّت بالكحل أو بالنؤور، وذلك أن تغرز بالإبرة ويذر عليها الكحل فيعلوها حوة.
والتهلل، يقال تهلل وجهه، إذا أشرق وأسفر. وقال الآخر:
ولما تلاقينا جرى من عيوننا دموع كففنا غربها بالأصابع
ونلنا سقاطا من حديث كأنه جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع
سقاط الحديث: ما نبذ منه ولفظ به. يقال ساقطت فلانا الحديث سقاطا. الوقائع والوقيع: مناقع الماء في متون الصخور، الواحدة وقيعة.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وقال أشعث بن سميّ:
هل تعرف المبدأ إلى السنام ناط به سواحر الكلام
كلامها يشفي من السقام
المبدأ وسنام: موضعان. ناط به: أي صار إليه.
وقال الراجز ووصف عيون الظباء بالسحر وذكر قوسا فقال:
صفراء فرع خطموها بوتر لأم ممرّ مثل حلقوم النغر
حدت ظبات أسهم مثل الشرر فصرّعتهن بأكناف الحفر
حور العيون بابليات النظر يحسبها الناظر من وحش البشر
اللام من كلّ شيء: الشديد. والممر: المحكم الفتل، وحبل مرير مثله. النغر: البلبل. والظبات: ظبة، وهي حد السيف والسنان وغيرهما.
وقال آخر:
وحديثها كالقطر يسمعه راعي سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيا ويقول من طمع هيا ربّا
[ ١ / ٢٣٦ ]