قال رجل لأبي هريرة النحويّ: أريد أن أتعلّم العلم وأخاف أن أضيّعه.
فقال: «كفى بترك العلم إضاعة» .
وسمع الأحنف رجلا يقول: «التعلم في الصغر كالنقش في الحجر» .
فقال الأحنف: «الكبير أكبر عقلا، ولكنه أشغل قلبا» .
وقال أبو الدرداء: ما لي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلوا» .
قالوا: ولذلك قال عبد الله بن عباس ﵀، حين دلّى زيد بن ثابت في القبر، ﵀: «من سرّه أن يرى كيف ذهاب العلم فلينظر، فهكذا ذهابه» .
وقال بعض الشعراء في بعض العلماء:
[ ١ / ٢١٥ ]
أبعدت من يومك الفرار فما جاوزت حيث انتهى بك القدر
لو كان ينجي من الردى حذر نجّاك مما أصابك الحذر
يرحمك الله من أخي ثقة لم يك في صفو ودّه كدر
فهكذا يفسد الزمان ويفنى ال علم منه ويدرس الأثر
قال: وقال قتادة: لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نبي الله موسى ﵇، إذ قال للعبد الصالح: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) .
أبو العباس التميمي قال: قال طاوس: «الكلمة الصالحة صدقة» .
وقال ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنه قال: «فضل لسانك تعبّر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة» .
وقال الخليل: «تكثّر من العلم لتعرف، وتقلّل منه لتحفظ» .
وقال الفضيل «١»: «نعمت الهدية الكلمة من الحكمة يحفظها الرجل حتى يلقيها إلى أخيه» .
وكان يقال: يكتب الرجل أحسن ما يسمع، ويحفظ أحسن ما يكتب.
وكان يقال: اجعل ما في كتبك بيت مال: وما في قلبك للنفقة.
وقال أعرابي: حرف في قلبك خير من عشرة في طومارك «٢» .
وقال عمر بن عبد العزيز: «ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم، ومن عفو إلى قدرة» .
[ ١ / ٢١٦ ]
وكان ميمون بن سياه «١»، إذا جلس إلى قوم قال: إنّا قوم منقطع بنا.
فحدثونا أحاديث نتجمل بها.
قال: وفخر سليم مولى زياد، بزياد عند معاوية، فقال معاوية:
أسكت، فو الله ما أدرك صاحبك شيئا بسيفه إلا وقد أدركت أكثر منه بلساني.
وضرب الحجاج أعناق أسرى، فلما قدموا إليه رجلا لتضرب عنقه قال:
والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو! فقال الحجاج: أف لهذه الجيف، أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا الكلام! وأمسك عن القتل.
وقال بشير الرّجّال: «إني لأجد في قلبي حرا لا يذهبه إلا برد العدل أو حر السنان» .
قال: وقدموا رجلا من الخوارج إلى عبد الملك بن مروان لتضرب عنقه، ودخل على عبد الملك ابن له صغير قد ضربه المعلم، وهو يبكي، فهمّ عبد الملك بالمعلم، فقال له الخارجي: دعوه يبكي فإنه أفتح لجرمه، وأصح لبصره، وأذهب لصوته. قال له عبد الملك: أما يشغلك ما أنت فيه عن هذا؟
قال الخارجي: ما ينبغي لمسلم أن يشغله عن قول الحق شيء! فأمر بتخلية سبيله.
قال: وقال زياد على المنبر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يقطع بها ذنب عنز مصور «٢»، لو بلغت أمامه سفك بها دمه» .
وقال: وقال إبراهيم بن أدهم «٣»: «أعربنا كلامنا فما نحن نلحن، ولحنّا في أعمالنا فما نعرب حرفا» . وأنشد:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
[ ١ / ٢١٧ ]
قال: وعزل عمر زيادا عن كتابة أبي موسى الأشعري، في بعض قدماته فقال له زياد: أعن عجز أم عن خيانة؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكني أكره أن أحمل على العامّة فضل عقلك.
قال: وبلغ الحجاج موت أسماء بن خارجة فقال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء ومات حين شاء! قال: وكان يقال: «كدر الجماعة خير من صفو الفرقة» .
قال أبو الحسن: مرّ عمر بن ذر «١»، بعبد الله بن عياش المنتوف «٢»، وقد كان سفه عليه فأعرض عنه، فتعلق بثوبه ثم قال له: «يا هناه، إنّا لم نجد لك إن عصيت الله فينا خيرا من أن نطيع الله فيك» .
وهذا كلام أخذه عمر بن ذر، عن عمر بن الخطاب ﵀. قال عمر: «إني والله ما أدع حقا لله لشكاية تظهر، ولا لضب يحتمل، ولا لمحاباة بشر، وإنك والله ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن نطيع الله فيه» .
قال: وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: «يا سعد سعد بني أهيب، إن الله إذا أحبّ عبدا حبّبه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أن ما لك عند الله مثل ما لله عندك» .
قال: ومات ابن لعمر بن ذر فقال: «أي بنيّ، شغلني الحزن لك، عن الحزن عليك» .
وقال رجل من بني مجاشع: جاء الحسن في دم كان فينا، فخطب فأجابه رجل فقال: قد تركت ذلك لله ولوجوهكم. فقال الحسن: لا تقل هكذا، بل قل: لله ثم لوجوهكم. وآجرك الله.
[ ١ / ٢١٨ ]
وقال: ومرّ رجل بأبي بكر ومعه ثوب، فقال: أتبيع الثوب؟ فقال: لا عافاك الله. فقال أبو بكر ﵁: لقد علّمتم لو كنتم تعلمون. قل:
لا، وعافاك الله.
قال: وسأل عمر بن الخطاب رجلا عن شيء فقال: الله أعلم. فقال عمر: لقد شقينا إن كنا لا نعلم أن الله أعلم. إذا سئل أحدكم عن شيء لا يعلمه فليقل: لا أدري.
وكان أبو الدرداء يقول: أبغض الناس إليّ أن أظلمه من لا يستعين عليّ بأحد إلا بالله.
وذكر ابن ذر الدنيا فقال: كأنكم زادكم في حرصكم عليها ذمّ الله لها.
ونظر أعرابي إلى مال له كثير، من الماشية وغيرها، فقال: «ينعة، ولكل ينعة استحشاف «١»» . فباع ما هناك من ماله، ثم يمّم ثغرا من ثغور المسلمين، فلم يزل به حتى أتاه الموت.
قال: وتمنى قوم عند يزيد الرقاشي، فقال: أتمنى كما تمنيتم؟ قالوا:
تمنّه. قال: «ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نعص، وليتنا إذ عصينا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذّب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلّد» .
وقال الحجاج: «ليت الله إذ خلقنا للآخرة كفانا أمر الدنيا، فرفع عنا الهم بالمأكل والمشرب والملبس والمنكح. أوليته إذا أوقعنا في هذه الدنيا كفانا أمر الآخرة، فرفع عنا الاهتمام بما ينجّي من عذابه.
فبلغ كلامهما عبد الله بن الحسن بن حسن، أو علي بن الحسين، فقال: ما علما في التمني شيئا، ما اختاره الله فهو خير.
[ ١ / ٢١٩ ]
وقال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
قال شريح «١»: «الحدة كناية عن الجهل» .
وقال أبو عبيدة: «العارضة «٢» كناية عن البذاء» .
قال: وإذا قالوا فلان مقتصد فتلك كناية عن البخل، وإذا قالوا للعامل مستقص فتلك كناية عن الجور.
وقال الشاعر، أبو تمام الطائي:
كذبتم ليس يزهى من له حسب ومن له نسب عمّن له أدب
إني لذو عجب منكم أردده فيكم، وفي عجبي من زهوكم عجب
لجاجة لي فيكم ليس يشبهها إلا لجاجتكم في أنكم عرب
وقيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك عن ابنك؟ قالت: إن مصيبته أمّنتني من المصائب بعده.
قال: وقال سعيد بن عثمان بن عفان ﵀ لطويس المغني: أيّنا أسنّ أنا أم أنت يا طويس؟ فقال: «بأبي أنت وأمي، لقد شهدت زفاف أمك المباركة إلى أبيك الطيب» . فانظر إلى حذقه وإلى معرفته بمخارج الكلام، كيف لم يقل: زفاف أمك الطيبة إلى أبيك المبارك. وهكذا كان وجه الكلام فقلب المعنى.
قال: وقال رجل من أهل الشام: كنت في حلقة أبي مسهر «٣»، في
[ ١ / ٢٢٠ ]
مسجد دمشق، فذكرنا الكلام وبراعته، والصمت ونبالته، فقال: كلا إن النجم ليس كالقمر، إنك تصف الصمت بالكلام، ولا تصف الكلام بالصمت.
وقال الهيثم بن صالح لابنه وكان خطيبا: يا بني إذا قلّلت من الكلام أكثرت من الصواب، وإذا أكثرت من الكلام أقللت من الصواب. قال: يا أبه، فإن أكثرت وأكثرت؟ - يعني كلاما وصوابا- قال: يا بني، ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك! قال: وقال ابن عباس: «لولا الوسواس، ما باليت ألا أكلم الناس» .
قال: وقال عمر بن الخطاب ﵀: «ما تستبقوه من الدنيا تجدوه في الآخرة» .
وقال رجل للحسن: إني أكره الموت. قال: ذاك أنك أخّرت مالك، ولو قدمته لسرك أن تلحق به.
قال: وقال عامر بن الظرب العدواني: «الرأي نائم، والهوى يقظان، فمن هنالك يغلب الهوى الرأي» .
وقال: مكتوب في الحكمة: «اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكر لك» .
وقال بعضهم: «أيها الناس، لا يمنعنّكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا» .
وقال عبد الملك على المنبر: «ألا تنصفوننا يا معشر الرعية؟ تريدون منا سيرة أبي بكرة وعمر ولم تسيروا في أنفسكم ولا فينا بسيرة رعية أبي بكر وعمر، أسأل الله أن يعين كلا على حال» .
وقال رجل من العرب: «أربع لا يشبعن من أربعة: أنثى من ذكر، وعين من نظر، وأرض من مطر، وأذن من خبر» .
قال: وقال موسى ع لأهله: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها
[ ١ / ٢٢١ ]
بِخَبَرٍ
، فقال بعض المعترضين: فقد قال: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ
. فقال أبو عقيل: «لم يعرف موقع النار من أبناء السبيل، ومن الجائع المقرور» .
وقال لبيد بن ربيعة:
ومقام ضيق فرجته ببيان ولسان وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله زلّ عن مثل مقامي وزحل
ولدى النعمان مني موطن بين فاثور أفاق فالدّحل «١»
إذ دعتني عامر أنصرها فالتقى الألسن كالنبل الدّول «٢»
فرميت القوم رشقا صائبا ليس بالعصل ولا بالمقثعل «٣»
فانتضلنا وابن سلمى قاعد كعتيق الطير يغضي ويجل
وقبيل من لكيز شاهد رهط مرجوم، ورهط ابن المعل
وقال لبيد أيضا:
وأبيض يجتاب الخروق على الوجى خطيبا إذا التفّ المجامع فاصلا
يجتاب: يفتعل من الجوب، وهو أن يجوب البلاد، أي يدخل فيها ويقطعها. والخروق: جمع خرق، والخرق: الفلاة الواسعة. والوجى:
الحفا، مقصور كما ترى، وأنه ليتوجى في مشيته، وهو وج. وقال رؤبة:
به الرذايا من وج ومسقط
وقال أيضا لبيد:
لو كان حيّ في الحياة مخلّدا في الدهر أدركه أبو يكسوم
والحارثان كلاهما ومحرّق أو تبع أو فارس اليحموم «٤»
[ ١ / ٢٢٢ ]
فدعي الملامة ويب غيرك إنه ليس النوال بلوم كل كريم
ولقد بلوتك وابتليت خليقتي ولقد كفاك معلمي تعليمي
وله أيضا:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكّلون مغالة وخيانة ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
والخلف: البقية الصالحة من ولد الرجل وأهله. والخلف ضد هذا.
وقال زيد بن جندب، في ذكر الشّغب:
ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهم عن الجدال وأغناهم عن الشّغب
وقال آخر في الشغب:
إني إذا عاقبت ذو عقاب وإن تشاغبني فذو شغاب
وقال ابن أحمر بن العمرّد»
:
وكم حلّها من تيجان سميدع مصافي الندى ساق بيهماء مطعم
التيجان: الذي يعرض في كل شيء ليغنى فيه والسميدع: الكريم.
والندى: السخاء. واليهماء: الأرض التي لا يهتدى فيها لطريق.
طوي البطن متلاف إذا هبت الصّبا على الأمر غواص وفي الحي شيظم «٢»
وقال:
هل لامني قوم لموقف سائل أو في مخاصمة اللجوج الأصيد
[ ١ / ٢٢٣ ]
الأصيد: السيد الرافع رأسه، الشامخ بأنفه.
وقال في التطبيق:
فلما أن بدا القعقاع لجت على شرك تناقله نقالا
تعاورن الحديث وطبّقته كما طبقت بالنعل المثالا «١»
قال: وهذا التطبيق غير التطبيق الأول. وقال آخر:
لو كنت ذا علم علمت وكيف لي بالعلم بعد تدبّر الأمر
يعني إدبار الأمر.