مرّ بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السّكوني الخطيب، وهو
[ ١ / ١٢٨ ]
يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا من النظّارة، فقال بشر: اضربوا عما قال صفحا واطووا عنه كشحا. ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه، وكان أول ذلك الكلام:
خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرف حسبا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطاء، وأجلب لكلّ عين وغرّة، من لفظ شريف ومعنى بديع. وأعلم ان ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول، بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة. ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا، وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه. وإياك والتوعّر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك. ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فإن حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس إظهارهما، وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما. فكن في ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا، أما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت. والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامة.
وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المال. وكذلك اللفظ العامي والخاصيّ. فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، إلى أن تفعم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الاكفاء، فأنت البليغ التام.
قال بشر: فلما قرئت على إبراهيم قال لي: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء الفتيان.
[ ١ / ١٢٩ ]
قال أبو عثمان «١»: أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتّاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا. وإذا سمعتموني أذكر العوامّ فإني لست أعني الفلاحين والحشوة «٢» والصناع والباعة، ولست أعني أيضا الأكراد في الجبال. وسكان الجزائر في البحار، ولست أعني من الأمم مثل الببر والطيلسان «٣»، ومثل موقان وجيلان «٤»، ومثل الزنج وأشباه الزنج. وإنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب، وفارس، والهند، والروم. والباقون همج وأشباه الهمج. وأما العوام من أهل ملتنا ودعوتنا، ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا، فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم ولم يبلغوا منزلة الخاصة منا. على أن الخاصة تتفاضل في طبقات أيضا.
ثم رجع بنا القول إلى بقية كلام بشر بن المعتمر، وإلى ما ذكر من الأقسام.
قال بشر: فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك ولا تسمح لك عند أول نظرك وفي أول تكلّفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها ولم تصر إلى قرارها وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها، نافرة من موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يعبك بترك ذلك أحد. فإن أنت تكلفتهما ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما لشأنك، بصيرا بما عليك وما لك، عابك من أنت أقل عيبا منه، ورأى من هو دونك أنه فوقك.
فإن ابتليت بأن تتكلّف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعاصى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك وسواد ليتلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة
[ ١ / ١٣٠ ]
والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق. فإن تمنّع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض، ومن غير طول إهمال، فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفّها عليك، فإنك لم تشتهه ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسب، والشيء لا يحنّ إلا إلى ما يشاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات، لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود به مع الشهوة والمحبة. فهذا هذا.
وقال: ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات.
فإن كان الخطيب متكلما تجنّب ألفاظ المتكلمين، كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفا أو مجيبا أو سائلا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحنّ وبها أشغف، ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء، وأبلغ من كثير من البلغاء. وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكلّ خلف، وقدوة لكل تابع. ولذلك قالوا العرض والجوهر، وأيس وليس «١»، وفرقوا بين البطلان والتلاشي، وذكروا الهذية والهوية والماهية وأشباه ذلك. وكما وضع الخليل بن أحمد «٢» لأوزان القصيد وقصار الأرجاز ألقابا لم تكن العرب تتعارف تلك الأعاريض بتلك الألقاب، وتلك الأوزان بتلك الأسماء، كما ذكر الطويل، والبسيط، والمديد، والوافر، والكامل، وأشباه ذلك، وكما ذكر الأوتاد
[ ١ / ١٣١ ]
والأسباب، والخرم والزحاف. وقد ذكرت العرب في أشعارها السناد والإقواء والإكفاء، ولم أسمع بالإيطاء. وقالوا في القصيد والرجز والسجع والخطب، وذكروا حروف الرويّ والقوافي، وقالوا هذا بيت وهذا مصراع. وقد قال جندل الطهوي حين مدح شعره:
لم أقو فيهن ولم أساند
وقال ذو الرمة:
وشعر قد أرقت له غريب أجنبه المساند والمحالا
وقال أبو حزام العكليّ «١»:
بيوتا نصبنا لتقويمها جذول الربيئين في المربأه
بيوتا على الها لها سجعة بغير السناد ولا المكفأه
وكما سمى النحويون، فذكروا الحال والظروف وما أشبه ذلك، لأنهم لو لم يضعوا هذه العلامات لم يستطيعوا تعريف القرويين وأبناء البلديين علم العروض والنحو. وكذلك أصحاب الحساب قد اجتلبوا أسماء جعلوها علامات للتفاهم.
قالوا: وقبيح بالخطيب أن يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين، أو على منبر جماعة، أو في سدة دار الخلافة، أو في يوم جمع وحفل، أما في إصلاح بين العشائر، واحتمال دماء القبائل، واستلال تلك الضغائن والسخائم، فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشأن، رفيع المكان: «ثم إن الله ﷿ بعد أن أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّن لهم، لاشاهم فتلاشوا» . ولولا أن المتكلم افتقر إلى أن يلفظ بالتلاشي لكان ينبغي أن يؤخذ فوق يده.
[ ١ / ١٣٢ ]
وخطب آخر في وسط دار الخلافة، فقال في خطبته: «وأخرجه الله من باب الليسية، فأدخله في باب الأيسية» .
وقال مرة أخرى في خطبة له: «هذا فرق ما بين السارّ والضارّ، والدفاع والنفاع» .
وقال مرة أخرى: «فدلّ ساتره على غامره، ودل غامره على منحله» .
فكاد إبراهيم بن السّندي يطير شققا، وينقد غيظا. هذا وإبراهيم من المتكلمين، والخطيب لم يكن من المتكلمين.
وإنما جازت هذه الألفاظ في صناعة الكلام حين عجزت الأسماء عن اتساع المعاني. وقد تحسن أيضا ألفاظ المتكلمين في مثل شعر أبي نواس وفي كل ما قالوه على وجه التظرّف والتملّح، كقول أبي نواس:
وذات خد مورّد قوهية المتجرد «١»
تأمّل العين منها محاسنا ليس تنفد
فبعضها قد تناهى وبعضها يتولد
والحسن في كل عضو منها معاد مردد
وكقوله:
يا عاقد القلب مني هلا تذكّرت حلا
تركت مني قليلا من القليل أقلا
يكاد لا يتجزا أقلّ في اللفظ من لا
وقد يتملح الأعرابي بأن يدخل في شعره شيئا من كلام الفارسية، كقول العماني للرشيد، في قصيدته التي مدحه فيها:
[ ١ / ١٣٣ ]
من يلقه من بطل مسرند في زغفة محكمة بالسرد «١»
تجول بين رأسه والكرد
يعني العنق. وفيها يقول أيضا:
لما هوى بين غياض الأسد وصار في كفّ الهزبر الورد
آلى يذوق الدهر آب سرد «٢»
وكقول الآخر:
ودلهني وقع الأسنة والقنا وكافر كوبات لها عجر قفد «٣»
بأيدي رجال ما كلامي كلامهم يسومونني مردا وما أنا والمرد
ومثل هذا موجود في شعر (أبي) العذافر الكندي وغيره، [ويمكن] أيضا أن يكون الشعر مثل شعر بحر وشاذ، وأسود بن أبي كريمة. وكما قال يزيد ابن ربيعة بن مفرغ «٤» .
آب است نبيذ است عصارات زبيب است
سميّه روسبيد است «٥»
وقال أسود بن أبي كريمة:
لزم الغرّام ثوبي بكرة في يوم سبت «٦»
[ ١ / ١٣٤ ]
فتمايلت عليهم ميل زنكي بمستي «١»
قد حسا الداذي صرفا أو عقارا بايخست «٢»
ثم كفتم دور باد ويحكم آن خركفت «٣»
إن جلدي دبغته أهل صنعاء بجفت «٤»
وأبو عمرة عندي آن كوربد نمست «٥»
جالس! ندر مكناد أيا عمد ببهشت «٦»