وكانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل، وفي الكلام يوم الجمع آي من القرآن، فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة، وسلس الموقع.
[ ١ / ١١٥ ]
قال الهيثم بن عديّ: قال عمران بن حطّان: إن أول خطبة خطبتها، عند زياد- أو عند ابن زياد- فأعجب بها الناس، وشهدها عمي وأبي. ثم إني مررت ببعض المجالس، فسمعت رجلا يقول لبعضهم: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن.
وأكثر الخطباء لا يتمثلون في خطبهم الطوال بشيء من الشعر ولا يكرهونه في الرسائل، إلا أن تكون إلى الخلفاء.
وسمعت مؤمّل بن خاقان، وذكر في خطبته تميم بن مرّ، فقال: «إن تميما لها الشرف العود، والعز الأقعس، والعدد الهيضل «١» . وهي في الجاهلية القدام، والذروة والسنام. وقد قال الشاعر:
فقلت له وأنكر بعض شأني ألم تعرف رقاب بني تميم
وكان المؤمّل وأهله يخالفون جمهور بني سعد في المقالة، فلشدة تحدّبه على سعد وشفقته عليهم، كان يناضل عند السلطان كل من سعى على أهل مقالتهم، وإن كان قوله خلاف قولهم، حدبا عليهم.
وكان صالح المريّ، القاص العابد، البليغ، كثيرا ما ينشد في قصصه وفي مواعظه، هذا البيت:
فبات يروّي أصول الفسيل فعاش الفسيل ومات الرجل
وأنشد الحسن في مجلسه، وفي قصصه وفي مواعظه:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
وأنشد عبد الصمد بن الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، الخطيب القاص السجّاع، أما في قصصه، وأما في خطبة من خطبه، ﵀:
[ ١ / ١١٦ ]
أرض تخيّرها لطيب مقيلها كعب بن مامة وابن أمّ دواد
جرت الرياح على محلّ ديارهم فكأنهم كانوا على ميعاد
فأرى النعيم وكلّ ما يلهى به يوما يصير إلى بلى ونفاد
وقال أبو الحسن: خطب عبيد الله بن الحسن «١» على منبر البصرة في العيد وأنشد في خطبته:
أين الملوك عن حظّها غفلت حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
تلك المدائن بالآفاق خالية أمست خلاء وذاق الموت بانيها
قال: وكان مالك بن دينار يقول في قصصه: «ما أشد فطام الكبير» .
وهو كما قال القائل:
وتروض عرسك بعد ما هرمت ومن العناء رياضة الهرم
ومثله أيضا قول صالح بن عبد القدوس:
والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله كذي الضنى عاد إلى نكسه
وقال كلثوم بن عمرو العتابيّ:
وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى بلغت بأدنى نعمة تستديمها
ولكن فطام النفس أثقل محملا من الصخرة الصماء حين ترومها