قال: وهم وإن كانوا يحبون البيان والطلاقة، والتحبير والبلاغة، والتخلص والرشاقة، فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر، والتكلف، والإسهاب والإكثار، لما في ذلك من التزيد والمباهاة، واتباع الهوى، والمنافسة في الغلو. وكانوا يكرهون الفضول في البلاغة، لأن ذلك يدعو إلى السّلاطة، والسلاطة تدعو إلى البذاء. وكل مراء في الأرض فإنما هو من نتاج الفضول.
ومن حصّل كلامه وميزه، وحاسب نفسه، وخاف الإثم والذم، أشفق من الضراوة وسوء العادة، وخاف ثمرة العجب وهجنة النفج، وما في حب السمعة من الفتنة، وما في الرّياء من مجانبة الإخلاص.
ولقد دعا عبادة بن الصامت بالطعام، بكلام ترك فيه المحاسنة، فقال شدّاد بن أوس «٢»: إنه قد ترك فيه المحاسنة، فاسترجع ثم قال: «ما تكلمت بكلمة منذ بايعت رسول الله صلّى الله عليه وآله إلا مزمومة مخطوطة» .
[ ١ / ١٦٨ ]
قال: وروى حمّاد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم «١» قال:
«إنما يهلك الناس في فضول الكلام، وفضول المال» .
وقال: دع المعاذر، فإن أكثرها مفاجر» . وإنما صارت المعاذر كذلك لأنها داعية إلى التخلص بكلّ شيء.
وقال سلّام بن أبي مطيع: قال لي أيوب «٢»: «إياك وحفظ الحديث» خوفا عليه من العجب.
وقال إبراهيم النخعيّ: «دع الاعتذار، فإنه يخالط الكذب» .
قالوا: ونظر شاب وهو في دار ابن سيرين إلى فرش في داره، فقال: ما بال تلك الآجرة أرفع من الآجرة الأخرى؟ فقال ابن سيرين: «يا ابن أخي إن فضول النظر تدعو إلى فضول القول» .
وزعم إبراهيم بن السندي قال: أخبرني من سمع عيسى بن علي يقول:
«فضول النظر من فضول الخواطر، وفضول النظر تدعو إلى فضول القول، وفضول القول تدعو إلى فضول العمل، ومن تعوّد فضول الكلام ثم تدارك استصلاح لسانه، خرج إلى استكراه القول، وإن أبطأ أخرجه إبطاؤه إلى أقبح من الفضول» .
قال أبو عمرو بن العلاء: أنكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته معبد بن زرارة، فلما أخرجها إليه قال لها: «يا بنية أمسكي عليك الفضلين» . قالت:
وما الفضلان؟ قال: فضل الغلمة، وفضل الكلام.
وضرار بن عمرو هو الذي قال: «من سره بنوه ساءته نفسه» . وهو الذي لما قاله له المنذر: كيف تخلصت يوم كذا وكذا، وما الذي نجاك؟ قال:
«تأخير الأجل، وإكراهي نفسي على المق الطوال» .
[ ١ / ١٦٩ ]
المقّاء: المرأة الطويلة. والمق: جماعة النساء الطوال. والمق أيضا:
الخيل الطوال.
وكان أخوته قد استشالوه حتى ركب فرسه ورفع عقيرته بعكاظ، فقال:
«ألا إن خير حائل أم «١» فزوجوا الأمهات» . وذلك أنه صرع بين القنا، فأشبل عليه أخوته لأمه حتى أنقذوه «٢» .
قال: وكان أعرابي يجالس الشعبي «٣» فيطيل الصمت، فسئل عن طول صمته فقال: «أسمع فأعلم، وأسكت فأسلم» .
وقالوا: «لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب» .
وقالوا: «مقتل الرجل بين لحييه وفكيه» .
وأخذ أبو بكر الصديق، ﵀، بطرف لسانه وقال: «هذا الذي أوردني الموارد» .
وقالوا: ليس شيء أحقّ بطول سجن من لسان.
وقالوا: اللسان سبع عقور.
وقال النبي ﵇: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» .
وقال ابن الأعرابي، عن بعض أشياخه: تكلم رجل عند النبي ﵇ فخطل في كلامه، فقال النبي صلّى الله عليه وآله: «ما أعطي العبد شرا من طلاقة اللسان» .
[ ١ / ١٧٠ ]
وقال العائشي، وخالد بن خداش: حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان ابن جرير، عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخير وعن أبيه قال: قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وآله في وفد فقلنا: يا رسول الله، أنت سيدنا، وأنت أطولنا علينا طولا «١»، وأنت الجفنة الغراء «٢» . فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أيها الناس، قولوا بقولكم ولا يستفزنكم الشيطان، فإنما أنا عبد الله ورسوله» .
قال: وقال خالد بن عبد الله القسري، لعمر بن عبد العزيز: من كانت الخلافة زانته فقد زيّنتها، ومن كانت شرفته فقد شرّفتها. فأنت كما قال الشاعر:
وتزيدين أطيب الطيب طيبا أن تمسّيه أين مثلك أينا
وإذا الدر زان حسن وجوه كان للدر حسن وجهك زينا
فقال عمر: إن صاحبكم أعطي مقولا، ولم يعط معقولا.
وقال الشاعر:
لسانك معسول ونفسك شحّة ودون الثريا من صديقك مالكا
وأخبرنا بإسناد له، أن أناسا قالوا لابن عمر: ادع الله لنا بدعوات.
فقال: «اللهم ارحمنا وعافنا وارزقنا» . فقالوا: لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن.
قال: نعوذ بالله من الإسهاب.
وقال أبو الأسود الدؤلي «٣»، في ذكر الإسهاب، يقولها في الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة، والحارث هو القباع، وكان خطيبا من وجوه
[ ١ / ١٧١ ]
قريش ورجالهم. وإنما سمي القباع لأنه أتي بمكتل «١» لأهل المدينة، فقال إن هذا المكتل لقباع! فسمي به. والقباع: الواسع الرأس القصير. وقال الفرزدق فيه لجرير:
وقبلك ما أعييت كاسر عينه زيادا فلم تقدر عليّ حبائله
فأقسمت لا آتيه تسعين حجة ولو كسرت عنق القباع وكاهله
وقال أبو الأسود:
أمير المؤمنين جزيت خيرا أرحنا من قباع بني المغيرة
بلوناه ولمناه فأعيا علينا ما يمر لنا مريرة
على أن الفتى نكح أكول ومسهاب مذاهبه كثيرة
وقال الشاعر «٢»:
إياك إياك المراء فإنه إلى الشر دعّاء وللصرم جالب
وقال أبو العتاهية:
والصمت أجمل بالفتى من منطق في غير حينه
كلّ امرىء في نفسه أعلى وأشرف من قرينه
وكان سهل بن هارون يقول: «سياسة البلاغة أشد من البلاغة، كما أن التوقي على الدواء أشد من الدواء» .
وكانوا يأمرون بالتبين والتثبت، وبالتحرز من زلل الكلام، ومن زلل الرأي، ومن الرأي الدبريّ. والرأي الدبري هو الذي يعرض من الصواب بعد مضي الرأي الأول وفوت استدراكه.
وكانوا يأمرون بالتحلم والتعلم، وبالتقدم في ذلك أشد التقدم.
[ ١ / ١٧٢ ]
وقال الأحنف: قال عمر بن الخطاب: «تفقهوا قبل أن تسودوا» . وكان يقول ﵀: «السؤدد مع السواد» .
وأنشدوا لكثّير عزّة:
وفي الحلم والإسلام للمرء وازع وفي ترك طاعات الفؤاد المتيّم
بصائر رشد للفتى مستبينة وأخلاق صدق علمها بالتعلم
الوازع: الناهي، والوزعة: جمع وازع، وهم الناهون والكافون.
وقال الأفوه الأودي:
أضحت قرينة قد تغير بشرها وتجهمت بتحية القوم العدا
ألوت بإصبعها وقالت إنما يكفيك مما لا ترى ما قد ترى
وأنشد «١»:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى بالقول منك ويقبل التعليم
قالوا: وكان الأحنف بن قيس أشد الناس سلطانا على نفسه.
وقالوا: وكان الحسن أترك الناس لما نهي عنه. وقال الآخر:
لا تعذراني في الإساءة إنه شرار الرجال من يسيء فيعذر
وقال الكميت بن زيد الأسدي:
ولم يقل بعد زلة لهم عدّوا المعاذير إنما حسبوا
وأنشدني محمد بن يسير، للأحوص بن محمد:
[ ١ / ١٧٣ ]
قامت تخاصرني بقنّتها خود تأطر غادة بكر
كلّ يرى أن الشباب له في كلّ مبلغ لذة عذر
تخاصرني: آخذ بيدها وتأخذ بيدي. والقنة: الموضع الغليظ من الأرض في صلابة. والخود: الحسنة الخلق. تأطر: تتثنى. والغادة: الناعمة الليّنة.
وقال جرير في فوت الرأي:
ولا يتقون الشر حتى يصيبهم ولا يعرفون الأمر إلا تدبّرا
قال: ومدح النابغة ناسا بخلاف هذه الصفة، فقال:
ولا يحسبون الخير لا شر بعده ولا يحسبون الشر ضربة لازب
لازب ولازم، واحد، واللازب في مكان آخر: اليابس. قال الله ﷿: مِنْ طِينٍ لازِبٍ
. واللزبات: السنون الجدبة.
وأنشد:
هفا هفوة كانت من المرء بدعة وما مثله من مثلها بسليم
فإن يك أخطأ في أخيكم فربما أصاب التي فيها صلاح تميم
قال: وقال قائل عند يزيد بن عمر بن هبيرة: والله ما أتى الحارث بن شريح بيوم خير قط. قال: فقال الترجمان بن هريم: «إلا يكن أتى بيوم خير فقد أتى بيوم شر» . ذهب الترجمان بن هريم إلى مثل معنى قول الشاعر:
وما خلقت بنو زمّان إلا أخيرا بعد خلق الناس طرّا
وما فعلت بنو زمّان خيرا ولا فعلت بنو زمّان شرّا
ومن هذا الجنس من الأحاديث، وهو يدخل في باب الملح، قال الأصمعي: «وصلت بالعلم، ونلت بالملح» .
[ ١ / ١٧٤ ]
وقال رجل مرة: «أبي الذي قاد الجيوش، وفتح الفتوح، وخرج على الملوك، واغتصب المنابر» . فقال له رجل من القوم: لا جرم، لقد أسر وقتل وصلب! قال: فقال له المفتخر بأبيه: دعني من أسر أبي وقتله وصلبه، أبوك أنت حدث نفسه بشيء من هذا قط؟