ومن ولد المنذر: عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن هبيرة بن المنذر. وكان فقيها عالما قاضيا، وكان راوية شاعرا، وكان خطيبا ناسبا، وكان لاجتماع هذه الخصال فيه يشبه بعامر الشعبي، وكان يكنى أبا شبرمة. وقال يحيى بن نوفل فيه:
لما سألت الناس أين المكرمه والعز والجرثومة المقدّمة
وأين فاروق الأمور المحكمه تتابع الناس على ابن شبرمه
وابن شبرمة الذي يقول فيه ابن أبي ليلى:
وكيف ترجّى لفصل القضاء ولم تصب الحكم في نفسكا
وتزعم أنك لابن الجلاح وهيهات دعواك من أصلكا
قال: وقال رجل من فقهاء المدينة: من عندنا خرج العلم. قيل: من، فقال ابن شبرمة: نعم ثم لم يرجع إليكم.
قال: وقال عيسى بن موسى: دلوني على رجل أولّيه مكان كذا وكذا فقال ابن شبرمة: أصلح الله الأمير، هل لك في رجل إن دعوتموه أجابكم وإن تركتموه لم يأتكم، ليس بالملح طلبا، ولا بالممعن هربا؟
[ ١ / ٢٧٣ ]
وسئل عن رجل، فقال: إن له شرفا وبيتا وقدما. فنظروا فإذا هو ساقط من السفلة. فقيل له في ذلك، فقال: ما كذبت، شرفه أذناه، وقدمه التي يمشي عليها، ولا بد من أن يكون له بيت يأوي إليه.
قال أبو إسحاق «١»: قد لعمري كذب، إنما هو كقول القائل حين سأله بعض من أراد تزويج حرمته عن رجل، فقال: «هو يبيع الدواب» . فلما نظروا في أمره وجدوه يبيع السنانير، فلما سئل عن ذلك قال: ما كذبت، لأن السنور دابة.
قال أبو إسحاق: بل لعمري لقد كذب، هذا مثل قول القائل حين سئل عن رجل في تزويج امرأة فقال: «رزين المجلس، نافذ الطعنة» . فحسبوه سيدا فارسا، فنظروا فوجدوه خياطا! فسئل عن ذلك فقال: ما كذبت، لطويل الجلوس، جيد الطعن بالإبرة.
قال أبو إسحاق: بل لعمري لقد كذب، لأنه قد غرّهم منه.
وكذلك لو سأله رجل عن رجل يريد أن يسلفه مالا عظيما، فقال: «هو يملك مالا ما كان يبيعه بمائة ألف ومائة ألف»، فلما بايعه الرجل وجده معدما ضعيف الحيلة، فلما قيل له في ذلك قال: ما كذبت، لأنه يملك عينيه وأذنيه وأنفه وشفتيه ويديه. حتى عد جميع أعضائه وجوارحه.
ومن قال للمستشير هذا القول فقد غره وذلك ما لا يحل في دين، ولا يحسن في الحرية. وهذا القول معصية لله، والمعصية لا تكون صدقا وأدنى منازل هذا الخبر أن لا يسمى صدقا، فأما التسمية له بالكذب فإن فيها كلاما يطول.
[ ١ / ٢٧٤ ]