وكان أبو ظبيان التيمي العائشي خطيبا، فدخل عليه ابنه عبيد الله وهو يكيد بنفسه، فقال له: ألا أوصي بك الأمير. قال: لا. قال: ولم؟ قال:
إذا لم يكن للحيّ إلا وصيّة الميّت فالحي هو الميت.
وكان عبيد الله أفتك الناس، وأخطب الناس. وهو الذي أتى باب مالك ابن مسمع ومعه نار، ليحرّق عليه داره، وقد كان نابه أمر فلم يرسل إليه قبل الناس، فأشرف عليه مالك فقال: مهلا يا أبا مطر، فو الله إن في كنانتي سهما أنا به أوثق مني بك. قال: وإنك لتعدني في كنانتك، فو الله لو قمت فيها لطلتها، ولو قعدت فيها لخرقتها. قال مالك: مهلا، أكثر الله في العشيرة مثلك! قال: لقد سألت الله شططا! ودخل عبيد الله على عبد الملك بن مروان، بعد أن أتاه برأس مصعب بن الزبير، ومعه ناس من وجوه بكر بن وائل، فأراد أن يقعد معه على سريره فقال له عبد الملك: ما بال الناس يزعمون أنك لا تشبه أباك؟ قال: والله لأنا أشبه بأبي من الليل بالليل، والغراب بالغراب، والماء بالماء، ولكن إن شئت أنبأتك بمن لا يشبه أباه. قال: ومن ذاك؟ قال: من لم يولد لتمام، ولم تنضجه الأرحام، ومن لم يشبه الأخوال والأعمام. قال: ومن ذاك؟ قال: ابن عمي سويد بن منجوف. قال عبد الملك: أو كذلك أنت يا سويد؟ قال: نعم. فلما خرجا من عنده أقبل عليه سويد فقال: وريت بك زنادي! والله ما يسرني أنك كنت نقصته حرفا واحدا مما قلت له وأن لي حمر النّعم. قال: وأنا والله ما يسرني بحلمك اليوم عني سود النعم.
قال: وأتى عبيد الله عتّاب بن ورقاء، وعتاب على أصبهان، فأعطاه
[ ١ / ٢٦٥ ]
عشرين ألف درهم، فقال: والله ما أحسنت فأحمدك، ولا اسأت فأذمك، وإنك لأقرب البعداء، وأبعد القرباء.
قال: وقال أشيم بن شقيق بن ثور، لعبيد الله بن زياد بن ظيبان: ما أنت قائل لربك وقد حملت رأس مصعب بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان؟
قال: أسكت، فأنت يوم القيامة أخطب من صعصعة بن صوحان إذا تكلمت الخوارج.
فما ظنك ببلاغة رجل عبيد الله بن زياد يضرب به المثل! وإنما أردنا بهذا الحديث خاصة، الدلالة على تقديم صعصعة بن صوحان في الخطب. وأدل من كلّ دلالة استنطاق عليّ بن أبي طالب ﵁.
وكان عثمان بن عروة «١» أخطب الناس، وهو الذي قال: «الشكر وإن قلّ، ثمن لكل نوال وإن جلّ» .
وكان ثابت بن عبد الله بن الزبير، من أبين الناس، ولم يكن خطيبا.