وقال المعترض على أصحاب الخطابة والبلاغة:
قال لقمان لابنه: «أي بنيّ، إني قد ندمت على الكلام، ولم أندم على السكوت» . وقال الشاعر:
ما أن ندمت على سكوتي مرة ولقد ندمت على الكلام مرارا
وقال الآخر:
خلّ جنبيك لرام وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير لك من داء الكلام
إنما المسلم من أل جم فاه بلجام
وقال الآخر في الاحتراس والتحذير:
اخفض الصوت إن نطقت بليل والتفت بالنهار قبل الكلام
[ ١ / ٢٢٤ ]
وقال آخر في مثل ذلك:
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ما في الضمير لهم من ذاك يكفيني
وقال حمزة بن بيض «١»:
لم يكن عن جناية لحقتني لا يساري ولا يميني جنتني
بل جناها أخ عليّ كريم وعلى أهلها براقش تجني
لأن هذه الكلبة، وهي براقش، نبحت غزّى، قد مروا من ورائهم وقد رجعوا خائبين مخفقين، فلما نبحتهم استدلوا بنباحها على أهلها واستباحوهم، ولو سكتت كانوا قد سلموا. (فضرب ابن بيض به المثل) .
وقال الأخطل:
تنقّ بلا شيء شيوخ محارب وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت فدلّ عليها صوتها حية البحر
النقيق: صياح الضفادع.
وقالوا: «الصمت حكم وقليل فاعله» .
وقالوا: «استكثر من الهيبة صامت» .
وقيل لرجل من كلب طويل الصمت: بحق ما سمتكم العرب خرس العرب. فقال: «أسكت فأسلم، وأسمع فأعلم» .
وكانوا يقولون: «لا تعدلوا بالسلامة شيئا» .
ولا تسمع الناس يقولون: جلد فلان حين سكت، ولا قتل فلان حين صمت. وتسمعهم يقولون: جلد فلان حين قال كذا، وقتل حين قال كذا وكذا.
وفي الحديث المأثور: «رحم الله من سكت فسلم، أو قال فغنم» .
[ ١ / ٢٢٥ ]
والسلامة فوق الغنيمة، لأن السلامة أصل والغنيمة فرع.
وقال النبي صلّى الله عليه وآله: «إن الله يبغض البليغ الذي يتخلّل بلسانه، تخلل الباقرة بلسانها» .
وقيل: «لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب» .
قال صاحب البلاغة والخطابة، وأهل البيان وحب التبيّن: إنما عاب النبي صلّى الله عليه وآله المتشادقين والثرثارين والذي يتخلّل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها، والأعرابيّ المتشادق، وهو الذي يصنع بفكيه وبشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباء أهل المدر، فمن تكلف ذلك منكم فهو أعيب، والذم له ألزم.
وقد كان الرجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعا ليتمثلوا بها إلا لما فيها من المرفق والانتفاع، ومدار العلم على الشاهد والمثل، وإنما حثوا على الصمت لأن العامة إلى معرفة خطأ القول، أسرع منهم إلى معرفة خطأ الصمت. ومعنى الصامت في صمته أخفى من معنى القائل في قوله، وإلا فإن السكوت عن قول الحقّ في معنى النطق بالباطل. ولعمري إن الناس إلى الكلام لأسرع، لأن في أصل التركيب أن الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، والسكوت عن جميع القول. وليس الصمت كله أفضل من الكلام كله، ولا الكلام كله أفضل من السكوت كله، بل قد علمنا أن عامة الكلام أفضل من عامة السكوت. وقد قال الله ﷿: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
. فجعل سمعه وكذبه سواء.
وقال الشاعر:
بني عدي ألا يا انهوا سفيهكم إن السفيه إذا لم ينه مأمور
وقال آخر:
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ضحكت له حتى يلجّ ويستشري
وكيف يكون الصمت أنفع، والإيثار له أفضل، ونفعه لا يكاد يجاوز رأس
[ ١ / ٢٢٦ ]
صاحبه، ونفع الكلام يعم ويخص، والرواة لم ترو سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين، وبالكلام ارسل الله أنبياءه لا بالصمت، ومواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواضع الكلام المحمودة كثيرة، وطول الصمت يفسد اللسان.
وقال بكر بن عبد الله المزني: «طول الصمت حبسة» كما قال عمر بن الخطاب ﵀: «ترك الحركة عقلة» .
وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلّدت نفسه، وفسد حسّه.
وكانوا يروون صبيانهم الأرجاز، ويعلّمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتق اللهاة، ويفتح الجرم «١» .
واللسان إذا أكثرت تقليبه رق ولان، وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسأ وغلظ.
وقال عباية الجعفيّ: «لولا الدربة وسوء العادة لأمرت فتياننا أن يماري بعضهم بعضا» .
وأية جارحة منعتها الحركة، ولم تمرّنها على الاعتمال، أصابها من التعقّد على حسب ذلك لمنع. ولم قال رسول الله صلّى الله عليه وآله للنابغة الجعدي: «لا يفضض الله فاك»؟ ولم قال لكعب بن مالك: «ما نسي الله لك مقالك ذلك»؟ ولم قال لهيذان بن شيخ: «ربّ خطيب من عبس»؟ ولم قال لحسان: «هيّج الغطاريف على بني عبد مناف، والله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام، في غبش الظلام» «٢»؟
وما نشك أنه ﵇ قد نهى عن المراء، وعن التزيد والتكلف، وعن كل ما ضارع الرياء والسمعة، والنفج والبذخ، وعن التهاتر والتشاعب، وعن المماتنة والمغالبة «٣» . فأما نفس البيان، فكيف ينهى عنه.
[ ١ / ٢٢٧ ]
وأبين الكلام كلام الله، وهو الذي مدح التبيين وأهل التفصيل. وفي هذا كفاية إن شاء الله.
وقال دغفل بن حنظلة: إن للعلم أربعة: آفة، ونكدا، وإضاعة، واستجاعة. فآفته النسيان، ونكده الكذب، وإضاعته وضعه في غير موضعه، واستجاعته أنك لا تشبع منه.
وإنما عاب الاستجاعة لسوء تدبير أكثر العلماء، ولخرق سياسة أكثر الرواة، لأن الرواة إذا شغلوا عقولهم بالازدياد والجمع، عن تحفظ ما قد حصلوه، وتدبّر ما قد دونوه، كان ذلك الازدياد داعيا إلى النقصان، وذلك الربح سببا للخسران. وجاء في الحديث: «منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم، ومنهوم في المال» .
وقالوا: علم علمك، وتعلم علم غيرك، فإذا أنت قد علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت.
وقال الخليل بن أحمد: اجعل تعلمك دراسة لعلمك، واجعل مناظرة المتعلم تنبيها على ما ليس عندك.
وقال بعضهم- وأظنه بكر بن عبد الله المزنيّ-: لا تكدّوا هذه القلوب ولا تهملوها، فخير الفكر ما كان عقب الجمام، ومن أكره بصره عشي. وعاودوا الفكرة عند نبوات القلوب، واشحذوها بالمذاكرة، ولا تيأسوا من إصابة الحكمة إذا امتحنتم ببعض الاستغلاق، فإن من أدام قرع الباب ولج.
وقال الشاعر:
إذا المرء أعيته السيادة ناشئا فمطلبها كهلا عليه شديد
وقال الأحنف: «السؤدد مع السواد» . وتقول الحكماء: «من لم ينطق بالحكمة قبل الأربعين لم يبلغ فيها» . وأنشد:
[ ١ / ٢٢٨ ]
ودون الندى في كل قلب ثنية لها مصعد حزن ومنحدر سهل
وودّ الفتى في كل نيل ينيله إذا ما انقضى، لو أن نائله جزل
وقال الهذلي:
وإن سيادة الأقوام فاعلم لها صعداء مطلبها طويل
أترجو أن تسود ولا تعنّى وكيف يسود ذو الدّعة البخيل
صالح بن سليمان، عن عتبة بن عمر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: «ما رأيت عقول الناس إلا وقد كاد يتقارب بعضها من بعض، إلا ما كان من الحجاج وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس» .
أبو الحسن قال: سمعت أبا الصغدي الحارثي يقول: كان الحجّاج أحمق، بنى مدينة واسط في بادية النبط ثم حماهم دخولها. فلما مات دلفوا إليها من قريب.
وسمعت قحطبة الخشني يقول: كان أهل البصرة لا يشكون أنه لم يكن بالبصرة رجل أعقل من عبيد الله بن الحسن، وعبيد الله بن سالم.
وقال معاوية لعمرو بن العاص: إن أهل العراق قد قرنوا بك رجلا طويل اللسان، قصير الرأي، فأجد الحزّ وطبّق المفصل، وإياك أن تلقاه برأيك كله.
[ ١ / ٢٢٩ ]