وهم يمدحون الحذق والرفق، والتخلص إلى حبات القلوب، وإلى
[ ١ / ١٣٧ ]
إصابة عيون المعانى. ويقولون: أصاب الحق في الجملة. ويقولون: قرطس فلان، وأصاب القرطاس، إذا كان أجود إصابة من الأول. فإن قالوا: رمى فأصاب الغرّة، وأصاب عين القرطاس، فهو الذي ليس فوقه أحد.
ومن ذلك قولهم: فلان يفلّ الحزّ، ويصيب المفصل، ويضع الهناء مواضع النقب.
وقال زرارة بن جزء، حين أتى عمر بن الخطاب ﵀ فتكلم عنده ورفع حاجته إليه.
أتيت أبا حفص ولا يستطيعه من الناس إلا كالسنان طرير
فوفقني الرحمن لما لقيته وللباب من دون الخصوم صرير
قروم غيارى عند باب ممنّع تنازع ملكا يهتدي ويجور
فقلت له قولا أصاب فؤاده وبعض كلام الناطقين غرور
وفي شبيه بذلك يقول عبد الرحمن بن حسان حيث يقول:
رجال أصحاء الجلود من الخنا وألسنة معروفة أين تذهب
وفي إصابة فصّ الشيء وعينه، يقول ذو الرمة في مديح بلال بن أبي بردة الأشعري:
تناخي عند خير فتى يمان إذا النكباء عارضت الشمالا «١»
وخيرهم مآثر أهل بيت وأكرمهم وإن كرموا فعالا
وأبعدهم مسافة غور عقل إذا ما الأمر في الشبهات عالا «٢»
ولبّس بين أقوام فكل أعدّ له الشغازب والمحالا «٣»
وكلهم ألدّ له كظاظ أعدّ لكل حال القوم حالا «٤»
فصلت بحكمة فأصبت منها فصوص الحق فانفصل انفصالا
[ ١ / ١٣٨ ]
وكان أبو سعيد الرأي، وهو شرشير المدني يعيب أبا حنيفة، فقال الشاعر:
عندي مسائل لا شرشير يحسنها عند السؤال ولا أصحاب شرشير
ولا يصيب فصوص الحقّ نعلمه إلا حنيفية كوفية الدور
ومما قالوا في الإيجاز، وبلوغ المعاني بالألفاظ اليسيرة، قول ثابت فطنة:
ما زلت بعدك في هم يجيش به صدري وفي نصب قد كاد يبليني
لا أكثر القول فيما يهضبون به من الكلام، قليل منه يكفيني «١»
إني تذكرت قتلى لو شهدتهم في غمرة الموت لم يصلوا بها دوني
وقال رجل من طي ومدح كلام رجل فقال: «هذا كلام يكتفى بأولاه، ويشتفى بأخراه» .
وقال أبو وجزة السعدي، من سعد بن بكر، يصف كلام رجل:
يكفي قليل كلامه وكثيره ثبت إذا طال النضال مصيب
ومن كلامهم الموجز في أشعارهم العكلي، في صفة قوس:
في كفه معطية منوع موثقة صابرة جزوع
وقال الآخر، ووصف سهم رام أصاب حمارا، فقال:
حتى نجا من جوفه وما نجا «٢»
وقال الآخر وهو يصف ذئبا:
[ ١ / ١٣٩ ]
أطلس يخفي شخصه غباره في شدقه شفرته وناره «١»
هو الخبيث عينه فراره بهم بني محارب مزداره «٢»
ووصف الآخر ناقة فقال:
خرقاء إلا أنها صناع
يصف سرعة نقل يديها ورجليها، إنها تشبه المرأة الخرقاء، وهي الخرقاء في أمرها الطياشة. وقال الآخر ووصف سهما صاردا، فقال:
ألقى على مفطوحها مفطوحا غادر داء ونجا صحيحا
المفطوح الأول للقوس، وهو العريض، وهو ها هنا موضع مقبض القوس. والمفطوح الثاني: السهم العريض. يعني أنه ألقى على مقبض القوس سهما عريضا.
وقال الآخر:
إنك يا ابن جعفر لا تفلح الليل أخفى والنهار أفضح
وقالوا في المثل: «الليل أخفى للويل» . وقال رؤبة يصف حمارا:
حشرج في الجوف سحيلا وشهق حتى يقال ناهق وما نهق
الحشرجة: صوت الصدر. والسحيل: صوت الحمار إذا مدّه.
والشهيق: أن يقطّع الصوت.
وقال بعض ولد العباس بن مرداس السّلمي، في فرس أبي الأعور السلمي:
[ ١ / ١٤٠ ]
جاء كلمع البرق جاش ناظرة يسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمس الأرض منه حافره
قوله: جاش ناظره، أي جاش بمائه. وناظر البرق: سحابه. يسبح، يعني يمد ضبعيه، فإذا مدهما علا كفله. وقال الآخر:
إن سرك الأهون فابدأ بالأشد
وقال العجّاج:
مكّن السيف إذا السيف انأطر من هامة الليث إذا ما الليث هر
كجمل البحر إذا خاض جسر غوارب اليمّ إذا اليم هدر
حتى يقال حاسر وما حسر
قالوا: جمل البحر سمكة طولها ثلاثون ذراعا. يقول: هذا الرجل يبعد كما تبعد هذه السمكة بجسارة، لا يردها شيء، حتى يقال كاشف وما انكشف البحر.
يقال: البحر حاسر وجازر. يقول: حتى يحسب الناس من ضخم ما يبدو من هذا الجمل، أن الماء قد نضب عنه، وإن البحر حاسر. وقال آخر:
يا دار قد غيّرها بلاها كأنما بقلم محاها
أخربها عمران من بناها وكرّ ممساها على مغناها
وطفقت سحابة تغشاها تبكي على عراصها عيناها
قوله: أخربها عمران من بناها، يقول: عمّرها بالخراب. وأصل العمران مأخوذ من العمر، وهو البقاء، فإذا بقي الرجل في داره فقد عمرها. فيقول:
إن مدة بقائه فيها وقام مقام العمران في غيرها، سمي بالعمران. وقال الشاعر:
يا عجّل الرحمن بالعذاب لعامرات البيت بالخراب
يعني الفار. يقول: هذا عمرانها، كما يقول الرجل: «ما نرى من خيرك ورفدك، إلا ما يبلغنا من خطبك علينا، وفتّك في أعضادنا» .
[ ١ / ١٤١ ]
وقال الله ﷿: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
. والعذاب لا يكون نزلا، ولكن لما قام العذاب لهم في موضع النعيم لغيرهم، سمي باسمه.
وقال الآخر:
فقلت أطعمني عمير تمرا فكان تمري كهرة وزبرا «١»
والتمر لا يكون كهرة ولا زبرا، ولكنه على ذا. وقال الله ﷿:
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
، وليس في الجنة بكرة ولا عشي، ولكن على مقدار البكر والعشيات. وعلى هذا قول الله ﷿: وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ
. والخزنة: الحفظة. وجهنم لا يضيع منها شيء فيحفظ ولا يختار دخولها إنسان فيمنع منها، ولكن لما قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن سميت به.
قوله: ممساها، يعني مساءها. ومغناها: موضعها الذي أقيم فيه.
والمغاني: المنازل التي كان بها أهلوها. وطفقت، يعني ظلت. تبكي على عراصها عيناها، عيناها ها هنا للسحاب. وجعل المطر بكاء من السحاب على طريق الاستعارة، وتسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه. ويقال لكل جوبة منفتقة ليس فيها بناء: عرصة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: اجتمع ثلاثة من الرواة فقال لهم قائل: أي نصف بيت شعر أحكم وأوجز؟ فقال أحدهم: قول حميد بن ثور الهلالي:
وحسبك داء أن تصح وتسلما
ولعل حميدا أن يكون أخذه عن النمر بن تولب، فإن النمر قال:
يحبّ الفتى طول السلامة والغنى فكيف ترى طول السلامة يفعل
وقال أبو العتاهية:
[ ١ / ١٤٢ ]
أسرع في نقص امرىء تمامه
ذهب إلى كلام الأول: «كل ما أقام شخص، وكل ما ازداد نقص، ولو كان الناس يميتهم الداء، إذا لأعاشهم الدواء» .
وقال الثاني من الرواة الثلاثة: بل قول أبي خراش الهذلي «١»:
نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي
وقال الثالث من الرواة: بل قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا ترد إلى قليل تقنع
فقال قائل: هذا من مفاخر هذيل: أن يكون ثلاثة من الرواة لم يصيبوا في جميع أشعار العرب إلا ثلاثة أنصاف، اثنان منها لهذيل وحدها. فقيل لهذا القائل: إنما كان الشرط أن يأتوا بثلاثة أنصاف مستغنيات بأنفسها، والنصف الذي لأبي ذؤيب لا يستغنى بنفسه، ولا يفهم السامع معنى هذا النصف حتى يكون موصولا بالنصف الأول، لأنك إذا أنشدت رجلا لم يسمع بالنصف الأول وسمع:
وإذا ترد إلى قليل تقنع
قال: من هذه التي ترد إلى قليل فتقنع. وليس المضمن كالمطلق.
وليس هذا النصف مما رواه هذا العالم، وإنما الرواية قوله:
والدهر ليس بمعتب من يجزع
ومما مدحوا به الإيجاز والكلام الذي هو كالوحي والإشارة، قول أبي دؤاد ابن حريز الإياديّ:
يرمون بالخطب الطوال وتارة وحي الملاحظ خيفة الرقباء
[ ١ / ١٤٣ ]
فمدح كما ترى الإطالة في موضعها، والحذف في موضعه.
ومما يدل على شغفهم وكلفهم، وشدة حبهم للفهم والإفهام، قول الأسدي في صفة كلام رجل نعت له موضعا من تلك السباسب التي لا أمارة فيها، بأقلّ اللفظ وأوجزه، فوصف إيجاز الناعت، وسرعة فهم المنعوت له، فقال:
بضربة نعت لم تعد غير أنني عقول لأوصاف الرجال ذكورها
وهذا كقولهم لابن عباس: أنّى لك هذا العلم؟ قال: «قلب عقول، ولسان سؤول» . وقال الراجز:
ومهمهين قدفين مرتين جبتهما بالنعت لا بالنعتين «١»
ظهراهما مثل ظهور الترسين قطعته بالأمّ لا بالسمتين
وقالوا في التحذير من ميسم الشعر، ومن شدة وقع اللسان، ومن بقاء أثره على الممدوح والمهجو، قال امرؤ القيس بن حجر:
ولو عن نثا غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد
وقال طرفة بن العبد:
بحسام سيفك أو لسانك والكلم الأصيل كأرغب الكلم
قال: وأنشدني محمد بن زياد «٢»:
لحيت شماسا كما تلحى العصي سبّا لو أن السب يدمي لدمي
[ ١ / ١٤٤ ]
من نفر كلهم نكس دني محامد الرذل مشاتيم السّري
مخابط العكم مواديع المطي متارك الرفيق بالخرق النّطي «١»
وأنشد محمد بن زياد:
تمنى أبو العفّاق عندي هجمة تسهّل مأوى ليلها بالكلاكل
ولا عقل عندي غير طعن نوافذ وضرب كأشداق الفصال الهوادل
وسب يود المرء لو مات قبله كصدع الصفا فلّقته بالمعاول
الهجمة: القطعة من النوق فيها فحل. والكلكل: الصدر. والفصال:
جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عنها. والهوادل: العظام المشافر.
والعقل ها هنا الدية. والعاقلة: أهل القاتل الأدنون والأبعدون. والصفا: جمع صفاة وهي الصخرة. وقال طرفة:
رأيت القوافي يتّلجن موالجا تضايق عنها إن تولّجها الأبر
وقال الأخطل:
حتى أقروا وهم مني على مضض والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
وقال العمانيّ:
إذ هن في الريط وفي الموادع ترمى إليهنّ كبذر الزارع
الريط: الثياب، واحدها ريطة، والريطة: كل ملاءة لم تكن لفقين.
والحلة لا تكون إلا ثوبين. والموادع: الثياب التي تصون غيرها، واحدها ميدعة.
وقالوا: «الحرب أولها شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى» .
وكتب نصر بن سيار، إلى ابن هبيرة، أيام تحرك أمر السواد بخراسان:
[ ١ / ١٤٥ ]
أرى خلل الرماد وميض جمر فيوشك أن يكون له اضطرام
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أولها الكلام
فقلت من التعجب ليت شعري أأيقاظ أمية أم نيام
فإن كانوا لحينهم نياما فقل قوموا فقد طال المنام
وقال بعض المولدين:
إذا نلت العطيّة بعد مطل فلا كانت، وإن كانت جزيله
فسقيا للعطية ثم سقيا إذا سهلت، وإن كانت قليله
وللشعراء ألسنة حداد على العورات موفية دليله
ومن عقل الكريم إذا اتقاهم وداراهم مداراة جميله
إذا وضعوا مكاويهم عليه، وإن كذبوا، فليس لهنّ حيله «١»
وقالوا: «مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها» .
ومما قالوا في صفة اللسان قول الأسدي، أنشدنيها ابن الأعرابي:
وأصبحت أعددت للنائبا ت عرضا بريئا وعضبا صقيلا «٢»
ووقع لسان كحد السنا ن ورمحا طويل القناة عسولا «٣»
وقال الأعشى:
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم لسانا كمقراض الخفاجيّ ملحبا
الملحب: القاطع.
الخفاجي: رجل اسكاف منسوب إلى خفاجة.
[ ١ / ١٤٦ ]
وقال ابن هرمة:
قل للذي ظل ذا لونين يأكلني لقد خلوت بلحم عادم البشم
إياك لا ألزمن لحييك من لجمي نكلا ينكل قرّاصا من اللجم «١»
إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله كفّاي، لكن لساني صائغ الكلم
وقال الآخر:
إني بغيت الشعر وابتغاني حتى وجدت الشعر في مكاني
في عيبة مفتاحها لساني
وأنشد:
إني وإن كان ردائي خلقا وبرنكاني سملا قد أخلقا «٢»
قد جعل الله لساني مطلقا