ولما علم واصل بن عطاء «٤» أنه ألثغ فاحش اللثغ، وإن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذا كان داعية مقالة، ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال، ومن الخطب الطوال وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق، وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وإن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة، كحاجته إلى الجزالة والفخامة، وإن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى به الأعناق، وتزين به المعاني، وعلم واصل أنه ليس معه ما ينوب عن البيان التام، واللسان
[ ١ / ٣٦ ]
المتمكن والقوة المتصرفة، كنحو ما أعطى الله ﵎ نبيه موسى ﵇ من التوفيق والتسديد، مع لباس التقوى وطابع النبوة، ومع المحنة والاتساع في المعرفة، ومع هدي النبيين وسمت المرسلين، وما يغشيهم الله به من القبول والمهابة. ولذلك قال بعض شعراء النبي صلّى الله عليه وآله:
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بداهته تنبيك بالخبر
ومع ما أعطى الله ﵎ موسى، ﵇، من الحجة البالغة، ومن العلامات الظاهرة، والبرهانات الواضحة، إلى أن حل الله تلك العقدة وأطلق تلك الحبسة، وأسقط تلك المحنة. ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان، وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة- رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله ويساجله، ويتأتى لستره والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، واتسق له ما أمل.
ولولا استفاضة هذا الخبر وظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلا، ولطرافته معلما، لما استجزنا الإقرار به، والتأكيد له. ولست أعني خطبه المحفوظة ورسائله المخلدة، لأن ذلك يحتمل الصنعة، وإنما عنيت محاجة الخصوم ومناقلة الأكفاء، ومفاوضة الإخوان.
واللثغة في الراء تكون بالغين والذال والياء، والغين أقلها قبحا، وأوجدها في كبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم.
وكانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، فإذا حمل على نفسه وقوم لسانه أخرج الراء. وقد ذكره في ذلك أبو الطروق الضبي فقال:
عليم بإبدال الحروف وقامع لكل خطيب يغلب الحق باطله
وكان واصل بن عطاء قبيح اللثغة شنيعها، وكان طويل العنق جدا، ولذلك قال بشار الأعمى:
[ ١ / ٣٧ ]
ما لي أشايع غزالا له عنق كنقنق الدوّ إن ولى وإن مثلا «١»
عنق الزرافة ما بالي وبالكم أتكفرون رجالا أكفروا رجلا
فلما هجا واصلا وصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وقال:
الأرض مظلمة والنار مشرقة والنار معبودة مذ كانت النار
وجعل واصل بن عطاء غزالا، وزعم أن جميع المسلمين كفروا بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله، فقيل له: وعلي أيضا؟ فأنشد:
وما شر الثلاثة أم عمرو بصاحبك الذي لا تصبحينا
قال واصل بن عطاء عند ذلك: «أما لهذا الأعمى الملحد المشنف «٢» المكني بأبي معاذ من يقتله. أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية «٣»، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ويقتله في جوف منزله وفي يوم حفله، ثم كان لا يتولى ذلك منه إلا عقيلي أو سدوسي» .
قال إسماعيل بن محمد الأنصاري، وعبد الكريم بن روح الغفاري: قال أبو حفص عمر بن أبي عثمان الشمري: ألا تريان كيف تجنب الراء في كلامه هذا وأنتما للذي تريان من سلامته وقلة ظهور التكلف فيه لا تظنان به التكلف، مع امتناعه من حرف كثير الدوران في الكلام. ألا تريان أنه حين لم يستطع أن يقول بشار، وابن برد، والمرعث، جعل المشنف بدلا من المرعث، والملحد بدلا من الكافر، وقال: لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية، ولم يذكر المنصورية ولا المغيرية «٤»، لمكان الراء، وقال: لبعثت إليه من يبعج بطنه، ولم يقل: لأرسلت إليه، وقال: على مضجعه، ولم يقل: على فراشه.
[ ١ / ٣٨ ]
وكان إذا أراد أن يذكر البر قال: القمح أو الحنطة. والحنطة لغة كوفية والقمح لغة شامية. هذا وهو يعلم أن لغة من قال بر، أفصح من لغة من قال قمح أو حنطة. وقال أبو ذؤيب الهذلي:
لا درّ دري إن أطعمت نازلهم قرف الحتيّ «١» وعندي البر مكنوز
وقال أمية بن أبي الصلت في مديح عبد الله بن جدعان:
له داع بمكة مشمعل وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزي عليها لباب البر يلبك بالشهاد «٢»
وقال بعض القرشيين يذكر قيس بن معديكرب ومقدمه مكة في كلمة له:
قيس أبو الأشعث بطريق اليمن لا يسأل السائل عنه ابن من
أشبع آل الله من بر عدن
وقال عمر بن الخطاب ﵀: «أترون أني لا أعرف رقيق العيش؟
لباب البر بصغار المعزى» .
وسمع الحسن رجلا يعيب الفالوذق، فقال: «لباب البر، بلعاب النحل، بخالص السمن، ما عاب هذا مسلم!» .
وقالت عائشة: «ما شبع رسول الله صلّى الله عليه وآله من هذه البرة السمراء حتى فارق الدنيا» .
وأهل الأمصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ من ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر.
[ ١ / ٣٩ ]
حدثني أبو سعيد عبد الكريم بن روح «١» قال: قال أهل مكة لمحمد بن المناذر الشاعر: ليست لكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة. فقال ابن المناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، وأكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم. أنتم تسمون القدر برمة وتجمعون البرمة على برام، ونحن نقول قدر ونجمعها على قدور، وقال الله ﷿:
وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
. وأنتم تسمون البيت إذا كان فوق البيت علية، وتجمعون هذا الاسم على علالي، ونحن نسميه غرفة ونجمعها على غرفات وغرف. وقال الله ﵎: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ
وقال: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ
. وأنتم تسمون الطلع الكافور والا غريض ونحن نسميه الطلع. وقال الله ﵎: وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ
. فعد عشر كلمات لم أحفظ أنا منها إلا هذا. ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم، ولذلك يسمون البطيخ الخربز، ويسمون السميط الرزدق «٢»، ويسمون المصوص المزور «٣»، ويسمون الشطرنج الاشترنج، في غير ذلك من الأسماء وكذلك أهل الكوفة، فإنهم يسمون المسحاة بال، وبال بالفارسية.
ولو علق ذلك لغة أهل البصرة إذ نزلوا بأدنى بلاد فارس وأقصى بلاد العرب كان ذلك أشبه، إذ كان أهل الكوفة قد نزلوا بأدنى بلاد النبط وأقصى بلاد العرب.
ويسمي أهل الكوفة الحوك الباذروج «٤»، والباذروج بالفارسية، والحوك كلمة عربية. وأهل البصرة إذ التقت أربع طرق يسمونها مربعة، ويسميها أهل الكوفة الجهار سوك، والجهار سوك بالفارسية. ويسمون السوق والسويقة
[ ١ / ٤٠ ]
«وازار»، والوازار بالفارسية. ويسمون القثاء خيارا، والخيار بالفارسية. ويسمون المجدوم ويذي، بالفارسية.
وقد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها. ألا ترى أن الله ﵎ لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة. وكذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام. والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث. ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سموات لم يقل الأرضين. ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين، ولا السمع أسماعا. والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال. وقد زعم بعض القراء أنه لم يجد ذكر لفظ النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج.
والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفهما، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا وتدع ما هو أظهر وأكثر، ولذلك صرنا نجد البيت من الشعر قد سار ولم يسر ما هو أجود منه، وكذلك المثل السائر.
وقد يبلغ الفارس والجواد الغاية في الشهرة ولا يرزق ذلك الذكر والتنويه بعض من هو أولى بذلك منه. ألا ترى العامة أن ابن القرية «١» عندها أشهر في الخطابة من سحبان وائل. وعبيد الله بن الحر «٢» أذكر عندهم في الفروسية من زهير بن ذؤيب. وكذلك مذهبهم في عنترة بن شداد، وعتيبة بن الحارث
[ ١ / ٤١ ]
ابن شهاب. وهم يضربون المثل بعمرو بن معديكرب، ولا يعرفون بسطام بن قيس «١» .
وفي القرآن معان لا تكاد تفترق، مثل الصلاة والزكاة، والجوع والخوف، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجن والإنس.
قال قطرب: أنشدني ضرار بن عمرو «٢» قول الشاعر في واصل بن عطاء:
ويجعل البر قمحا في تصرفه وجانب الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجله فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر
قال وسألت عثمان البري «٣»: كيف كان واصل يصنع في العدد، وكيف كان يصنع بعشرة وعشرين وأربعين، وكيف كان يصنع بالقمر والبدر ويوم الأربعاء وشهر رمضان، وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الآخرة ورجب؟ فقال: ما لي فيه قول إلا ما قال صفوان:
ملقن ملهم فيما يحاوله جم خواطره جواب آفاق
وأنشدني ديسم «٤» قال: أنشدني أبو محمد اليزيدي:
وخلة اللفظ في الياءات إن ذكرت كخلة اللفظ في اللامات والألف
وخصلة الراء فيها غير خافية فاعرف مواقعها في القول والصحف
[ ١ / ٤٢ ]
يزعم أن هذه الحروف أكثر تردادا من غيرها، والحاجة إليها أشد. واعتبر ذلك بأن تأخذ عدة رسائل وعدة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم، فإنك متى حصلت جميع حروفها، وعددت كل شكل على حدة، علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشد.
قال أبو عثمان: فمن ذلك ما خبرنا به الأصمعي قال: أنشدني المعتمر ابن سليمان لإسحاق بن سويد العدوي:
برئت من الخوارج لست منهم من الغزال منهم وابن باب «١»
ومن قوم إذا ذكروا عليا يردون السلام على السحاب
ولكني أحب بكل قلبي وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصديق حبا به أرجو غدا حسن الثواب
وفي مثل ذلك قال بشار:
ما لي أشايع غزالا له عنق كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا
ومن ذلك قول معدان الشميطي «٢»:
يوم تشفى النفوس من يعصر اللؤ م ويثني بسامة الرحّال «٣»
وعدي وتيمها وثقيف وأميّ وتغلب وهلال
لا حرورا ولا النواصب تنجو لا ولا صحب واصل الغزال «٤»
[ ١ / ٤٣ ]
وكان بشار كثير المدح لواصل بن عطاء قبل أن يدين بشار بالرجعة، ويكفر جميع الأمة. وكان قد قال في تفضيله على خالد بن صفوان «١» وشبيب ابن شيبة «٢»، والفضل بن عيسى، يوم خطبوا عند عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي العراق:
أبا حذيفة قد أوتيت معجبة في خطبة بدهت من غير تقدير
وإن قولا يروق الخالدين معا لمسكت مخرس عن كل تحبير
لأنه كان مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء، كانت مع ذلك أطول من خطبهم. وقال بشار:
تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا وحبروا خطبا ناهيك من خطب
فقام مرتجلا تغلي بداهته كمرجل القين لما حف باللهب
وجانب الراء لم يشعر بها أحد قبل التصفح والإغراق في الطلب
وقال في كلمة له يعني تلك الخطبة:
فهذا بديه لا كتحبير قائل إذا ما أراد القول زوره شهرا
فلما انقلب عليهم بشار ومقاتله لهم بادية، هجوه ونفوه، فما زال غائبا حتى مات عمرو بن عبيد. وقال صفوان الأنصاري:
متى كان غزال له ابن حوشب غلام كعمرو أو كعيسى بن حاضر «٣»
أما كان عثمان الطويل ابن خالد أو القرم حفص نهية للمخاطر «٤»
له خلف شعب الصين في كل ثغرة إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر
[ ١ / ٤٤ ]
رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم تهكم جبار ولا كيد ماكر
إذا قال مروا في الشتاء تطوعوا وإن كان صيف لم يخف شهر ناجر
بهجرة أوطان وبذل وكلفة وشدة أخطار وكد المسافر
فأنجح مسعاهم وأثقب زندهم وأورى بفلج للمخاصم قاهر «١»
وأوتاد أرض الله في كل بلدة وموضع فتياها وعلم التشاجر
وما كان سحبان يشق غبارهم ولا الشدق من حيي هلال بن عامر
ولا الناطق النخار والشيخ دغفل إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر
ولا القالة الأعلون رهط مكحّل إذا نطقوا في الصلح بين العشائر «٢»
بجمع من الجفين راض وساخط وقد زحفت بدّاؤهم للمحاضر
- الجفان: بكر وتميم. والروقان: بكر وتغلب. والغاران: الأزد وتميم. ويقال ذلك لكل عمارة من الناس، وهي الجمع، وهم العمائر أيضا:
غار. والجف أيضا: قشر الطلعة-.
تلقب بالغزال واحد عصره فمن لليتامى والقبيل المكائر
ومن لحروري وآخر رافض وآخر مرجي وآخر جائر
وأمر بمعروف وإنكار منكر وتحصين دين الله من كل كافر
يصيبون فصل القول في كل موطن كما طبّقت في العظم مدية جازر
تراهم كأن الطير فوق رؤوسهم على عمة معروفة في المعاشر
وسيماهم معروفة في وجوههم وفي المشي حجاجا وفوق الأباعر
وفي ركعة تأتي على الليل كله وظاهر قول في مثال الضمائر
وفي قص هداب واحفاء شارب وكور على شيب يضيء لناظر
وعنفقة مصلومة ولنعله قبالان في ردن رحيب الخواصر «٣»
فتلك علامات تحيط بوصفهم وليس جهول القوم في علم خابر
[ ١ / ٤٥ ]
وفي واصل يقول صفوان:
فما مس دينارا ولا صر درهما ولا عرف الثوب الذي هو قاطعه
وفيه يقول أسباط بن واصل الشيباني:
وأشهد أن الله سماك واصلا وأنك محمود النقيبة والشيم
ولما قام بشار بعذر إبليس في أن النار خير من الأرض، وذكر واصلا بما ذكره به صفوان:
زعمت بأن النار أكرم عنصرا وفي الأرض تحيا بالحجارة والزند
وتخلق في أرحامها وأرومها أعاجيب لا تحصى بخط ولا عقد «١»
وفي القعر من لج البحار منافع من اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد
كذلك سر الأرض في البحر كله وفي الغيضة الغناء والجبل الصلد
ولا بد من أرض لكل مطير وكل سبوح في الغمائر من جد «٢»
كذاك وما ينساح في الأرض ماشيا على بطنه مشي المجانب للقصد «٣»
ويسري على جلد يقيم حزوزه تعمج ماء السيل في صبب حرد «٤»
وفي قلل الأجبال خلف مقطم زبرجد أملاك الورى ساعة الحشد
وفي الحرة الرجلاء تلفى معادن لهن مغارات تبجس بالنقد «٥»
من الذهب الإبريز والفضة التي تروق وتصبي ذا القناعة والزهد
وكل فلز من نحاس وآنك ومن زئبق حي ونو شاذر يسدي «٦»
[ ١ / ٤٦ ]
وفيها زرانيخ ومكر ومرتك ومن مرقشيشا غير كاب ولا مكدي «١»
وفيها ضروب القار والشب والمها وأصناف كبريت مطاولة الوقد «٢»
ترى العرق منها في المقاطع لائحا كما قدّت الحسناء حاشية البرد
ومن إثمد جون وكلس وفضة ومن توتياء في معادنه هندي
وفي كل أغوار البلاد معادن وفي ظاهر البيداء من مستو نجد
وكل يواقيت الأنام وحليها من الأرض والأحجار فاخرة المجد
وفيها مقام الخل والركن والصفا ومستلم الحجاج من جنة الخلد
وفي صخرة الخضر التي عند حوتها وفي الحجر الممهي لموسى على عمد «٣»
وفي الصخرة الصماء تصدع آية لام فصيل ذي رغاء وذي وخد «٤»
مفاخر للطين الذي كان أصلنا ونحن بنوه غير شك ولا جحد
فذلك تدبير ونفع وحكمة وأوضح برهان على الواحد الفرد
أتجعل عمرا والنطاسي واصلا كأتباع ديصان وهم قمش المد
وتفخر بالميلاء والعلج عاصم وتضحك من جيد الرئيس أبي الجعد
وتحكي لذى الأقوام شنعة رأيه لتصرف أهواء النفوس إلى الرد
وسميته الغزال في الشعر مطنبا ومولاك عند الظلم قصته مردي
- يقول: إن مولاك ملاح، لأن الملاحين إذا تظلموا رفعوا المرادي-.
فيا ابن حليف الطين واللؤم والعمى وأبعد خلق الله من طرق الرشد
أتهجو أبا بكر وتخلع بعده عليا وتعزو كل ذاك إلى برد
كأنك غضبان على الدين كله وطالب ذحل لا يبيت على حقد «٥»
رجعت إلى الأمصار من بعد واصل وكنت شريدا في التهائم والنجد «٦»
[ ١ / ٤٧ ]
أتجعل ليلى الناعظية نحلة وكل عريق في التناسخ والرد
عليك بدعد والصدوف وفرتني وحاضنتي كسف وزاملتي هند «١»
تواثب أقمارا وأنت مشوه وأقرب خلق الله من شبه القرد
ولذلك قال فيه حماد عجرد «٢» بعد ذلك:
ويا أقبح من قرد إذا ما عمي القرد
ويقال إنه لم يجزع بشار من شيء قط جزعه من هذا البيت.
وذكر الشاعر وذكر أخويه لأمه فقال:
لقد ولدت أم الأكيمه أعرجا وآخر مقطوع القفا ناقص العضد «٣»
وكانوا ثلاثة مختلفي الآباء والأم واحدة، وكلهم ولد زمنا «٤» . ولذلك قال بعض من يهجوه:
إذا دعاه الخال أقعى ونكص وهجنة الأقراف فيه بالحصص»
وقال الشاعر:
لا تشهدنّ بخارجي مطرف حتى ترى من نجله أفراسا «٦»
[ ١ / ٤٨ ]
وقال صفوان الأنصاري في بشار وأخويه، وكان يخاطب أمهم:
ولدت خلدا وذيخا في تشتمه وبعده خززا يشتد في الصعد
ثلاثة من ثلاث فرقوا فرقا فاعرف بذلك عرق الخال في الولد
الخلد: ضرب من الجرذان يولد أعمى. والذيخ: ذكر الضباع، وهو أعرج. والخزز: ذكر الأرانب، وهو قصير اليدين لا يلحقه الكلب في الصعد.
وقال بعد ذلك سليمان الأعمى، أخو مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، في اعتذار بشار لإبليس وهو يخبر عن كرم خصال الأرض:
لا بد للأرض إن طابت وإن خبثت من أن تحيل إليها كل مغروس
وتربة الأرض إن جيدت وإن قحطت فحملها أبدا في أثر منفوس
وبطنها بفلّز الأرض ذو خبر بكل ذي جوهر في الأرض مرموس
- الفلّز: جوهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس والآنك وغير ذلك-.
وكل آنية عمت مرافقها وكل منتقد فيها وملبوس
وكل ماعونها كالملح مرفقة وكلها مضحك من قول إبليس
وقال بعض خلعاء بغداد:
عجبت من إبليس في كبره وقبح ما أظهر من نيّته
تاه على آدم في سجدة وصار قوادا لذريته
وذكره بهذا المعنى سليمان الأعمى، اخو مسلم الأنصاري، فقال:
يأبى السجود له من فرط نخوته وقد تحول في مسلاخ قواد
وقال صفوان في شأن واصل وبشار، وفي شأن النار والطين في كلمة له:
[ ١ / ٤٩ ]
وفي جوفها للعبد أستر منزل وفي ظهرها يقضي فرائضه العبد
تمج لفاظ الملح مجا وتصطفي سبائك لا تصدا وإن قدم العهد
وليس بمحص كنه ما في بطونها حساب ولا خط وإن بلغ الجهد
فسائل بعبد الله في يوم حفله وذاك مقام لا يشاهده وغد
أقام شبيب وابن صفوان قبله بقول خطيب لا يجانبه القصد
وقام ابن عيسى ثم قفاه واصل فأبدع قولا ما له في الورى ند
فما نقصته الراء إذ كان قادرا على تركها واللفظ مطرد سرد
ففضل عبد الله خطبة واصل وضوعف في قسم الصلات له الشكد «١»
فأقنع كلّ القوم شكر حبائهم وقلل ذاك الضعف في عينه الزهد
قد كتبنا احتجاج من زعم أن واصل بن عطاء كان غزالا، واحتجاج من دفع ذلك عنه، ويزعم هؤلاء أن قول الناس واصل الغزال، كما يقولون خالد الحذّاء، وكما يقولون هشام الدستوائي «٢» . وإنما قيل ذلك لأن الإباضية «٣» كانت تبعث إليه من صدقاتها ثيابا دستوائية، فكان يكسوها الأعراب الذين يكونون بالجناب، فأجابوه إلى قول الاباضية، وكانوا قبل ذلك لا يزوجون الهجناء، فأجابوه إلى التسوية وزوجوا هجينا، فقال الهجين في ذلك:
إنا وجدنا الدستوائيينا الصائمين المتعبدينا
أفضل منكم حسبا ودينا أخزى الإله المتكبرينا
أفيكم من ينكح الهجينا «٤»
وقال: إنما قيل ذلك لواصل لأنه كان يكثر الجلوس في سوق الغزالين، إلى أبي عبد الله مولى قطن الهلالي، وكذلك كانت حال خالد الحذّاء الفقيه
[ ١ / ٥٠ ]
وكما قالوا: أبو مسعود البدري، لأنه كان نازلا على ذلك الماء. وكما قالوا:
أبو مالك السدي، لأنه كان يبيع الخمر في سدة المسجد.
وهذا الباب مستقصى في كتاب «الأسماء والكنى»، وقد ذكرنا جملة منه في كتاب «أبناء السراري والمهيرات» .