كانت العرب تخطب بالمخاصر «١»، وتعتمد على الأرض بالقسيّ، وتشير بالعصي والقنا. نعم حتى كانت المخاصر لا تفارق أيدي الملوك في مجالسها، ولذلك قال الشاعر «٢»:
في كفّه خيزران ريحه عبق بكف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
إن قال قال بما يهوى جميعهم وإن تكلم يوما ساخت الكلم
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وقال الشاعر قولا فسر فيه ما قلنا. قال:
مجالسهم خفض الحديث وقولهم إذا ما قضوا في الأمر وحي المخاصر
وقال الكميت بن زيد:
ونزور مسلمة المهذ ب بالمؤبّدة السّوائر
بالمذهبات المعجبا ت لمفحم منا وشاعر
وأهل التجاوب في المحا فل والمقاول بالمخاصر
فهم كذلك في المجا لس والمحافل والمشاعر
وكما قال الأنصاري في المجامع حيث يقول:
وسارت بنا سيّارة ذات سورة بكوم المطايا والخيول الجماهر
يؤمون ملك الشام حتى تمكنوا ملوكا بأرض الشام فوق المنابر
يصيبون فصل القول في كل خطبة إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر
[ ١ / ٢٩٥ ]
وفي المخاصر والعصي وفي خدّ وجه الأرض بالعصي، قال الحطيئة:
أم من لخصم مضجعين قسيّهم صعر خدودهم عظام المفخر
وقال لبيد بن ربيعة في الإشارة:
غلب تشذّر بالذّحول كأنها جنّ البديّ رواسيا أقدامها «١»
وقال في خد وجه الأرض بالعصي والقسي:
نشين صحاح البيد كلّ عشية بعوج السّراء عند باب محجب
عوج: جمع عوجاء، وهي ها هنا القوس. السراء: شجر تعمل منه القسي. وفي مثله يقول الشاعر:
إذا اقتسم الناس فضل الفخار أطلنا على الأرض ميل العصا
وقال الآخر:
كتبت لنا في الأرض يوم محرّق أيامنا في الأرض يوما فيصلا
وقال لبيد بن ربيعة في ذكر القسي:
ما إن أهاب إذا السرادق غمّه قرع القسيّ وأرعش الرّعديد
وقال معن بن أوس المزني «٢»:
ألا من مبلغ عني رسولا عبيد الله إذ عجل الرّسالا
تعاقل دوننا أبناء ثور ونحن الأكثرون حصى ومالا
إذا اجتمع القبائل جئت ردفا وراء الماسحين لك السّبالا «٣»
[ ١ / ٢٩٦ ]
فلا تعطي عصا الخطباء فيهم وقد تكفي المقادة والمقالا
فإنكم وترك بني أبيكم وأسرتكم تجرون الحبالا
وودّكم العدي ممن سواكم لكالحيران يتبع الضلالا
ومما قالوا في حمل القناة قوله:
إلى امرىء لا تخطاه الرفاق، ولا جدب الخوان إذا ما استنشىء المرق
صلب الحيازيم لا هذر الكلام إذا هزّ القناة ولا مستعجل زهق
وكما قال جرير بن الخطفي:
من للقناة إذا ما عي قائلها أم للأعنة يا شبّ بن عمّار
وقال: ومثل هذا قول أبي المجيب الربعي: «ما تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة، فعند ذلك يفضحك أو يحمدك» . يقول: إذا قام يخطب.
وفي كتاب جبل بن يزيد: «احفظ أخاك إلا من نفسه» .
وقال عبد الله بن رؤبة: سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم، فقال:
«خداش بن لبيد بن بينة» يعني البعيث. وإنما قيل له البعيث لقوله:
تبعّث مني ما تبعّث بعدما أمرّت حبالي كل مرّتها شذرا
وزعم سحيم بن حفص أنه كان يقال: أخطب بني تميم البعيث إذ أخذ القناة.
وقال يونس: لعمري لئن كان مغلبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب.