ذكر ما قالوا في مديح اللسان بالشعر الموزون واللفظ المنثور، وما جاء في الأثر وصح به الخبر.
قال الشاعر:
أرى الناس في الأخلاق أهل تخلق وأخبارهم شتى فعرف ومنكر
قريبا تدانيهم إذا ما رأيتهم ومختلفا ما بينهم حين تخبر
فلا تحمدن الدهر ظاهر صفحة من المرء ما لم تبل ما ليس يظهر
[ ١ / ١٥٠ ]
فما المرء إلا الأصغران: لسانه ومعقوله، والجسم خلق مصور
وما الزين في ثوب تراه وإنما يزين الفتى مخبوره حين يخبر
فإن طرّة راقتك منه فربما أمر مذاق العود والعود أخضر
وقال سويد بن أبي كاهل في ذلك:
ودعتني برقاها إنها تنزل الأعصم من رأس اليفع «١»
تسمع الحدّاث قولا حسنا لو أرادوا مثله لم يستطع
ولسانا صيرفيا صارما كذباب السيف ما مسّ قطع «٢»
وقال جرير:
وليس لسيفي في العظام بقية وللسيف أشوى وقعة من لسانيا
وقال آخر:
وجرح السيف تدمله فيبرا ويبقى الدهر ما جرح اللسان
وقال آخر:
أبا ضبيعة لا تعجل بسيئة إلى ابن عمك واذكره بإحسان
أما تراني وأثوابي مقاربة ليست بخز ولا من حر كتان «٣»
فإن في المجد همّاتي وفي لغتي علوية ولساني غير لحّان
وفيما مدحوا به الأعرابي إذا كان أديبا، أنشدني ابن أبي كريمة، أو ابن كريمة، واسمه أسود:
ألا زعمت عفراء بالشام إنني غلام جوار لا غلام حروب
[ ١ / ١٥١ ]
وإني لأهذي بالأوانس كالدمى وإني بأطراف القنا للعوب
وإني على ما كان من عنجهيتي ولوثة أعرابيتي لأديب «١»
وقال ابن هرمة:
لله درّك من فتى فجعت به يوم البقيع حوادث الأيام
هش إذا نزل الوفود ببابه سهل الحجاب مؤدب الخدام
فإذا رأيت شقيقه وصديقه لم تدر أيهما أخو الأرحام
وقال كعب بن سعد الغنوي:
حبيب إلى الزوار غشيان بيته جميل المحيا شبّ وهو أديب
إذا ما تراءاه الرجال تحفظوا فلم تنطق العوراء وهو قريب «٢»
وقال الحارثي.
وتعلم أني ماجد وتروعها بقية أعرابية في مهاجر
وقال الآخر:
وإن امرأ في الناس يعطى ظلامة ويمنع نصف الحق منه لرائع
أألموت يخشى أثكل الله أمّه أم العيش يرجو نفعه وهو ضائع
ويطعم ما لم يندفع في مريئه ويمسح أعلى بطنه وهو جائع
وأن العقول فاعلمن أسنة حداد النواحي أرهفتها المواقع «٣»
ويقولون: «كأن لسانه لسان ثور» .
وحدثني من سمع أعرابيا يمدح رجلا برقة اللسان فقال: «كأن والله لسانه أرق من ورقة، وألين من سرقة» «٤» .
[ ١ / ١٥٢ ]
وقال النبي صلّى الله عليه وآله لحسان بن ثابت: ما بقي من لسانك؟ فأخرج لسانه حتى ضرب بطرفه أرنبته. ثم قال: «والله ما يسرني به مقول من معد، والله إن لو وضعته على حجر لفلقه، أو على شعر لحلقه» .
قال: وسمعت أعرابيا يصف بلسانه رجل، فقال: «كان يشول بلسانه شولان البروق، ويتخلل به تخلل الحية» . وأظن هذا الأعرابي أبا الوجيه العكليّ.
يشول: يرفع. البروق: الناقة إذا طلبت الفحل فإنها حينئذ ترفع ذنبها.
وإنما سمي شوّال شوّالا لأن النوق شالت بأذنابها فيه. فإن قال قائل: قد يتفق أن يكون شوّال في وقت لا تشول الناقة بذنبها فيه، فلم بقي هذا الاسم عليه، وقد ينتقل ما له لزم عنه، قيل له: إنما جعل هذا الاسم له سمة حيث اتفق أن شالت النوق بأذنابها فيه، فبقي عليه كالسمة، وكذلك رمضان إنما سمي لرمض الماء فيه وهو في شدة الحر، فبقي عليه في البرد. وكذلك ربيع، إنما سمي لرعيهم الربيع فيه، وإن كان قد يتفق هذا الاسم في وقت البرد والحر.
قال: ووصف أعرابي رجلا فقال: أتيناه فأخرج لسانه كأنه مخراق لاعب «١» .
قال وقال العباس بن عبد المطلب للنبي صلّى الله عليه وآله: يا رسول الله، فيم الجمال؟ قال: في اللسان.
قال: وكان مجاشع بن دارم خطيبا سليطا، وكان نهشل بكيئا منزورا «٢»، فلما خرجا من عند بعض الملوك عذله مجاشع في تركه الكلام، فقال له نهشل: إني والله لا أحسن تكذابك ولا تأثامك، تشول بلسانك شولان البروق، وتخلل تخلل الباقرة.
وقالوا: أعلى جميع الخلق مرتبة الملائكة، ثم الإنس، ثم الجن.
[ ١ / ١٥٣ ]
وإنما صار لهؤلاء المزية على جميع الخلق بالعقل، وبالاستطاعة على التصرف، وبالمنطق.
قال: وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة.
قال: وقال رجل لخالد بن صفوان: ما لي إذا رأيتكم تتذاكرون الأخبار وتتدارسون الآثار، وتتناشدون الأشعار، وقع عليّ النوم؟ قال: لأنك حمار في مسلاخ إنسان «١» .
وقال صاحب المنطق «٢»: حد الإنسان الحي الناطق المبين.
وقال الأعور الشني «٣»:
وكائن ترى من صامت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
ولما دخل ضمرة بن ضمرة، على النعمان بن المنذر، زرى عليه، للذي رأى من دمامته وقصره وقلته. فقال النعمان: «تسمع بالمعيديّ لا أن تراه» .
فقال: أبيت اللعن! إن الرجال لا تكال بالقفزان، ولا توزن بالميزان، وليست بمسوك يستقى بها، وإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إن صال صال بجنان، وإن قال قال ببيان» .
واليمانية تجعل هذا للصقعب النهدي. فإن كان ذلك كذلك فقد أقروا بأن نهدا من معد «٤» .
[ ١ / ١٥٤ ]
وكان يقال: «عقل الرجل مدفون تحت لسانه» .
أبو الحسن: قال: قال الحسن: «لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام تفكر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل من وراء لسانه، فإن همّ بالكلام تكلم به له أو عليه» .
قال أبو عبيدة: قال أبو الوجيه: حدثني الفرزدق قال: كنا في ضيافة معاوية بن أبي سفيان، ومعنا كعب بن جعيل التغلبي، فقال له يزيد: إن ابن حسان- يريد عبد الرحمن بن حسان- قد فضحنا! فاهج الأنصار. قال: أرادّي أنت إلى الإشراك بعد الإيمان، لا أهجو قوما نصروا رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولكني أدلك على غلام منا نصراني كأن لسانه لسان ثور. يعني الأخطل.
وقال سعد بن أبي وقاص، لعمر ابنه حين نطق مع القوم فبذّهم، وقد كانوا كلموه في الرضا عنه. قال: هذا الذي أغضبني عليه، إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: «يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم، كما تلحس الأرض البقرة بلسانها» .
قال: وقال معاوية لعمرو بن العاص: «يا عمرو، إن أهل العراق قد أكرهوا عليّا على أبي موسى، وأنا وأهل الشام راضون بك، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي، فأجد الحز، وطبق المفصل، ولا تلقه برأيك كله» .
والعجب من قول ابن الزبير للأعراب: «سلاحكم رث، وحديثكم غث. وكيف يكون هذا وقد ذكروا أنه كان من أحسن الناس حديثا، وأن أبا نضرة وعبيد الله بن أبي بكرة إنما كانا يحكيانه. فلا أدري إلا أن يكون حسن حديثه هو الذي ألقى الحسد بينه وبين كلّ حسن الحديث.
وقد ذكروا أن خالد بن صفوان تكلم في بعض الأمر، فأجابه رجل من أهل المدينة بكلام لم يظن خالد أن ذلك الكلام كان عنده، فلما طال بهما المجلس كأن خالدا عرض له ببعض الأمر، فقال المدني: «يا أبا صفوان، ما لي من ذنب إلا إتفاق الصناعتين» . ذكر ذلك الأصمعي.
[ ١ / ١٥٥ ]
قال فضّال الأزرق: قال رجل من بني منقر: تكلم خالد بن صفوان في صلح بكلام لم يسمع الناس قبله مثله، فإذا أعرابي في بتّ «١»، ما في رجليه حذاء، فأجابه بكلام وددت والله أني كنت متّ وإن ذلك لم يكن، فلما رأى خالد ما نزل بي قال: يا أخا منقر، كيف نجاريهم، وإنما نحكيهم، وكيف نسابقهم وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم، فليفرخ روعك فإنه من مقاعس، ومقاعس لك. فقلت: يا أبا صفوان، والله ما ألومك على الأولى، ولا أدع حمدك على الأخرى.
قال أبو اليقظان: قال عمر بن عبد العزيز: «ما كلمني رجل من بني أسد إلا تمنيت أن يمد له في حجته حتى يكثر كلامه فأسمعه» .
وقال يونس بن حبيب «٢»: ليس في بني أسد إلا خطيب، أو شاعر، أو قائف، أو زاجر، أو كاهن، أو فارس. قال: وليس في هذيل إلا شاعر أو رام، أو شديد العدو.
الترجمان بن هريم بن عدي بن أبي طحمة «٣» قال: دعي رقبة بن مصقلة، أو كرب بن رقبة إلى مجلس ليتكلم فيه، فرأى مكان أعرابي في شملة، فأنكر موضعه، فسأل الذي عن يمينه عنه فخبره أنه الذي أعدوه لجوابه، فنهض مسرعا لا يلوي على شيء، كراهة أن يجمع بين الديباجتين فيتضع عند الجميع.
وقال خلاد بن يزيد: لم يكن أحد بعد أبي نضرة أحسن حديثا من سلم ابن قتيبة. قال: وكان يزيد بن عمر بن هبيرة يقول: احذفوا الحديث كما يحذفه سلم بن قتيبة.
[ ١ / ١٥٦ ]
ويزعمون أنهم لم يروا محدثا قط صاحب آثار كان أجود حذفا وأحسن اختصارا للحديث من سفيان بن عيينة «١» . سألوه مرة عن قول طاوس في ذكاة الجراد، فقال: ابنه عنه: «ذكاته «٢» صيده» .