وذكر مواضعها التي تأويها وأسنانها وصيدها وما فيها من المنافع وما قيل في ذلك من الشعر
أعلم أن الظباء أصناف تختلف لاختلاف مواضعها، فالبيض منها يقال لها الآرام وهي تسكن الرمل وهي أشد الظباء حُضرًا، والحمر تسكن القفاف وهي المواضع العالية، ومنها العصم والوعول وهي التي في أكرُعها بياض. والفائدة في تمييزنا إياها علم المتصيد بهذه المواضع حتى أنه إذا رأى من هذه الأصناف شيئًا علم مَن أين أقتنص فينسبه إلى مكانه، والظبي أول ما يولد طِلّ ثم خِشف ثم شادنٌ إذا طلع قَرْنه، فإذا تمت قرونه فهو شقر، ثم جذع ثم ثنيّ وجمعها ثُنيان. لا تزيد على ذلك حتى تموت.
قال الشاعر:
فجاءت كسنّ الظبي لم نر مثلها شفاء قتيل أو حلوبة جائع
وسأل جعفر بن محمد صلوات الله عليهما أبا حنيفة فقال: ما على محرم كسر رباعية ظبي؟ قال؛ يا ابن رسول الله ما أعلم ما فيه. فقال ﵇: أنت فقيه زمانك، ولا تعلم أن الظبي لا تكون له رباعية، وهو ثني أبدًا.
وعدوُها يقال من الظبي يهقق ويدرق ويطفر وينقز إذا
[ ١٣٣ ]
جمع قوائمه ووثب، إذا تخلف من القطيع قيل خذل، وطمر إذا وثب من عال إلى أسفل، إذا طلعت الجوزاء من حمارة القيظ قالت الظباء في كناسها، ولها نومتان في مكنسين مكنس الضحى ومكنس العشي.
ويقال نقلت الظباء إذا انتقلت من مكانس الضحى إلى مكانس العشي، وإنما رعيها في ناجر وهو صفر في الليل، وفي برد الغدوات أحيانًا وتلزم الرمل وهو ما استطال، ومن الجبال ما ارتفع، وترعى في ذلك الحزن والقف لشدة حرهما. قال ذو الرمة في انتقالها:
إذا ذابت الشمسُ اتَّقى صقَراتها بأفنان مربوع الصريمة مُعبِلِ
إلى ظل بهوٍ ذي أخٍ يستعده إذا هجَّرت أيامه للتحولِ
المعبل ما ظهرت خوصبته من الأرطاب. والبهو كناس واسع له أخ إلى جنبه بالغداة والعشي قال وهو ظلف الظبي لمل يطأ عليه. وإبرة روقه قرنه أول ما يطلع، ومنه قول الشاعر وهو عدي بن الرقاع:
تزجي أغنّ كأن إبرة روقه قلم أصاب من الدواة مدادها
وقال آخر في حجم القرن:
كأنهما فَصّان من فوق فضةٍ من الجزء أوزرّانِ بالأمس سُوداّ
[ ١٣٤ ]
ويستدل عليها بآثارها في الرمل والخبار من الأرض وبأبعارها فيما سوى ذلك من الصلابة، وظلفها شديد الأثر فيما تطأ عليه، وشبهه بعض المجان بالهن فقال فيه:
وتكشف عن كظلف الظبي لطفًا وقعر البحر عمقًا واتساعا
وقال أعرابي:
كأن هَنْها عند لمس اللامس كوطأة ظبي في مكان يابس
وإذا مدح هذا الموضع يكون كما قالت أعربية:
إن هني لحسن كما ترى كوطأة الثور الثنيّ في الثرى
ويستدل على صيد الأرض بشكلها وموضعها من السهل والحزن والرمل والصفا والانخفاض والارتفاع والآثار والأبعار، وكذلك يقال لكل ذي خف وظلف غير البقر. فأما بعر الغزال فيفرك ويستدل عليه بريحه ولطفه وتدويره قال ذو الرمة:
ترى بعر الغزلان فيه وفرقه حديثًا وعلميًّا كحب القَر نَفْلُ
ويستدل على الظبي الكبير بنباحه، وإذا أسن الظبي نبح قال الشاعر:
وينبح بين الشعب نبحًا كأنه كلاب سلوق أبصرت ما يَريبها
والظبي يبيض إذا تهزل ويحكى أنه من أملح الحيوان سكرًا من الشراب ولا يدخل كناسه إلا مستدبرًا، يستقبل بعينه ما يخافه على نفسه وخشفه، وليس يحضر في الجبال،
[ ١٣٥ ]
قال الشاعر:
والظبي في رأس اليفاع تخاله عند الهضاب مقيّدًا مشكولا
ويصاد بالشرك والحبالة وايقاد النار بازائه، فأنه لا يزال يتأملها ويدمن النظر إليه، فيعشي بصره ويذهل عقله، وربما أضيف إلى النار تحريك أجراسٍ فيذهل لذلك ويؤخذ.
قال الشاعر:
سوى نار بيض أو غزال بقفرة (؟) أغنّ من الخُنس المناخر توأم
ويصاد بالناقة وهو أن تُتّخذ له ناقة تسمى الدرية، ويتوغلون بها في المرعى حتى تكثر الظباء النظرَ إليها، ويخفي صاحبها نفسه ويكمن ويستتر، ويأتي متخفيًا يمشي إلى جنبها، حتى إذا دنا من الظبي قبض عليه أو رماه من كشب.
قال أبو الطمحان:
حنتني حانيات الدهر حتى كأني قانص أدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من يراني ولست مقيّدًا أمشي بقيد
ويصيده الأعراب الشديدو العدو بالجري حتى يقبض على قرنه، وربما حيل بينه وبين المياه، ونُصب له حذاء الحبالة ماء فيهمّ بوروده، فيقع في الحبالة والاشراك، ويصيده الطير والعقاب وقال الشافعي أن ما صيد بالحديد الذي يكون في الحبالة إذا قتله ذلك الحديد لم يكن ذكيًا، لأنه لا يقوم مقام السهم الذي يرمى به فيقتله، لأن فعل ذلك الحديد لم يتصل
[ ١٣٦ ]
بيده في فعل واحد، وإذا رماه بسهم وهو على رابيةٍ فتردّى فوقع فمات فهو متردّ لا يجوز أكله، وليست هذه حال الطائر لأن الطائر مما لا سبيل له إليه إلا بعد وقوعه، وليس يموت من السقوط كما يموت الظبي وما أشبهه مّما تردّى ولم يصبه سهم.
ولحم الظبي يُوَلّدِ دمًا قريبًا من السواد وهو أقل ضررًا من لحم البقر والأيّل، وطبخه بالماء والملح أحمد، والكشتابية منه عجيبة جدًا وهو الكوشت وهو ماء البصل بالمر، وتفسيره بالفارسية لحم هذا العضو. والقديد المبزّر منه أكثر ضررًا وأكثر لتحريك السوداء لأنه يزداد يبسًا ويجود فعله ويقوى.
وكتب بعضهم إلى أخ له يقول:
لنا جَدي إلى التربيع ما هو (؟) كأن القطن يُنْدَف تحت جلده
عنينا بالرضاع له زمانًا نُسَمِنّه فجاء نسيج وحده
وكشتابية من لحم ظبي أتتك به الجوارح بعد كدّه
إذا شئنا نضحناه براحٍ كنكهة شادنٍ وكَلَون خدّه
فإن لم تأتنا عجِلًا حثيثًا فعاقبَك الحبيب بطول صدّه
وأطيب ما في الظبي كبده (مشوية) وشحوم الظباء تغذو غذاء كثيرًا منافعه.
وزعم الحكماء أن دم التيس منها ومن كل ماعزٍ مانعٌ من السموم وأنه إذا صُبّ حارًا على الحجر الذي يُضرب عليه النحاس فتّته.
[ ١٣٧ ]
وإذا خلط مع الزنجفر صبغ الياقوت، ويُخلط معه وهو يابس قرطاس محروق، ويعجن بشيرج ويُضمّد به البواسير فأنه ينفع منها. ومرارته تنفع من العشا في العين، وكبده إذا شُويت واكتحل بمائها نفعت، وكذلك كبد كل ماعز.
وإذا دهن إنسان مذاكيره بشحم خصية التيس مع شيء من عسل وجامَعَ وجد له لذة.
وإذا عجن بعره بخلّ ودقيق شعير وضمد به الطحال نفع منه.
وإذا أحرق بعره وسحق بالخل نفع من داء الثعلب.
وإذا شرب مع الخل أيضًا نفع من لدغ الهوام.
وإذا خلط دمه يابسًا بلادنٍ ودُهن به الشعر غلّظه وطوّله.
والغزال يصادق من الحيوان الحجل.
وقال بعضهم في صيده بالحبالة:
لما غدا القانص في غداتهِ غدوّ مغوار إلى غاراتهِ
يحمل ما يحمل من أداته من شركٍ أوثق أنشوطاته
وناط أوتادًا إلى حافاته تأنُّقَ الكاتب في واواته
إذا لوهنّ على مشقاته يغتال والغيلة من عاداته
ظبي فلاه القفر في فلاته مبتغيًا للصيد من مَبْغاته
وقفت أستمع من مرآته إذ لَذَتي في الصيد من لذاته
وإن علا همي على هِمّاته في ساعةٍ غراء من ساعاته
وفّى بماء السعد أعطياته ما كاد أن يلبث في مرياته
[ ١٣٨ ]
حتى رأيت العفر من عُناته محمومة الحين مقدّراته
مشدودة الاسار موثَقاته وقلّ من طفت بأفنِياته
أو من رأى شخصي في حاجاته إلا انكفا بنيل أمنياته
قال وللحبالة خشبة يقال لها الجرة تعلق فيها لتُثقلها إذا جذبها الظبي ومن الأمثال: فاوض الجرة ثم سالمها. يضرب للرجل يحاول الأمر ثم يسالم.
تم باب الظباء.
[ ١٣٩ ]