قال امرؤ القيس:
كأنها حين فاض الماء واختلفت صقعاء لاح لها بالصراحة الذيبُ
فأقبلت نحوه في الجو كاسرة يحتثُّها من هواء الجو تصويبُ
صُبَّت عليه ولم تنصبّ من أمم أن الشقاء على الأشقين مصبوبُ
كالدلو بُتَّت عراها وهي مثقلة إذ خانها وذم منها وتكريبُ
وقال آخر:
أمير يأكل الأسلاب منا ألا قبحًا لذلك من أمير
وينهى أن نُغير فأن أغرانا على جيّ أغار على المغيرِ
كلقوة مرقب ترعى صقورًا لتأخذ ما حوت أيدي الصقورِ
وقال آخر:
قليلًا ما تريث إذا استفادت غريضَ اللحم عن ضرمٍ جزوعِ
[ ١١٤ ]
فما تنفك بين عُويرضاتٍ تجرّ برأس عكرشة زَموعِ
تعوذ ثعالب الشرقين منها كما لاذ الغريم من التبيعِ
وأول من سبق إلى هذا المعنى امرؤ القيس فبلغ منه غايةً كل أحد يرومها بعده يقصر عنها وذلك قوله:
كأني بفتخاء الجناحين نِضوةٍ على عجل منها اطأطئ شملالِ
وذكر حالها ثم قال:
كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا لدى وكرها العنَّاب والحشف البالي
فجمع بين تشبيهين في بيت ثم أتعبه الناس.
وقال الهُذَليّ:
ولله فتخاء الجناحين لِقوةٌ توسّدُ فرخيها لحوم الأرانبِ
كأن قلوب الطير في جوف وكرها نوى القسب يلقى عند بعض المآدبِ
[ ١١٥ ]
فخاتت غزالًا جاثمًا بصُرت به لدى سمُرات عند ادماءَ ساربِ
فمرت على ريْدٍ فأعنتَ بعضَها فخرت على الرجلين أخيب خائِبِ
وقال آخر وهو امرؤ القيس:
فأدركته فنالته مخالبها فأنسل من تحتها والدف مثقوبُ
لا مثلها في ذوات الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبُ
يلوذ بالصخر منها بعد ما فترت منها ومنه على العقب الشآبيبُ
ثم أستعان بدحلٍ وهي تحفره وباللسان وبالشدقين تتريبُ
فظلَ منجحرًا منها يراصدها ويرقب الليل إن العيش محبوبُ
وقال آخر:
يا ربما أغدو مع الأذانِ والنجم قد رنَّق كالوسنانِ
[ ١١٦ ]
والصبح مثل الأشمط العريانِ والليل كالمنهزم الجبانِ
بلقوةٍ موثقة الأركان غرثى وكم تُشبع من غرثانِ
كأنما تضمر للرهانِ كريمة النجر من العقبانِ
بمخلب يهتك دستبانيِ يفلّ حد السيف والسنانِ
أشبه معطوف بصولجانِ ومنسر من الدماء قانِ
كأنه في رؤية العيانِ سبَّابة من قيمةٍ هجانِ
مخضوبة تُلوى على دستانِ ومقلة طحّارة الأجفانِ
كأنما صيغت من العقيانِ تضمن صيد الجأب والأتانِ
والطير في ربقتها عوانِ لم تأل أن صادت بلا زمانِ
[ ١١٧ ]