فمنها ما يكون وزنه رطلين ونصفًا بالبغدادي، ومنها ما يكون وزنه على الصيد رطلين وثلثًا. ومنها ما يكون وزنه رطلين.
[ ٩٥ ]
صفة ضراءَتها
إذا صيد الصقر من الكوخ فيجب أن تخاط عيناه ولا يزال كذلك إلى أن يمضي له أسبوع ويهدأ على يد البازيار، وبيازرة المغرب لا يخيطونه وهو أقلّ لعمره والله أعلم بذلك وأحكم. فإذا هدأ فأفتحه وأجلس به بين الناس ليأنس. وله دليل يعرف به هدوّه، وذلك أنه يملأ زهركه طعمًا ولا تكثر عليه من رش الماء، وهو وحشي فأن ذلك يورثه السورنك فإذا أخذ الحَمام في الطوالة وجاءك من البعد ووثقت باجابته فأجعله في السباق وحده، فإذا جاءك من كل مكان ولم يبق في دَعْوِه شيء فإذا أضريت منها عدة على ما رسمنا لك فأدعها اثنين أثنين على الحمام أعني الصقور، فما كان منها مشابكًا فأفرده، وما اتفق منها على الدعو فأعْزله، فإذا أردت أن تكسر على الكسيرة فمنها ما يصلح للوبر ومنها ما يصلح للريش. فالجافي من الصقور للوبر، واللطيف الخفيف للريش، وهو لميح على البلشون لأنه يحتاج إلى أن يرقى في السماء وهو أملح ما يكون، وما يعرف في العراق هو طلق حسن نحن نذكره في كتابنا هذا إن شاء الله.
وهو أن تعمد إلى بلوشن فتخيط عينيه وتوصّي الكندرة إذا رأى بلشونًا وحشيًا فليطلب مكانه ولتكن معه شبكة ينصبها في موضع ذلك البلشون بعد أن يطرده، ويجعل ذلك البلشون المخيط في موضع البلشون الوحشيّ، فأنه إذا رآه في موضعه جاء إليه ليحمي مكانه، فيقع في الشبكة
[ ٩٦ ]
فخذه، وما أردت منها على هذه الصفة فأنت تأخذه. ولم أرَ أحكم من البَرَلُّسبين بذلك وهم يسمون البلشون البو (قردان) وإذا حصَّلته فأرجع إلى البيت، وأخرج من غد إلى الغيط، وليكن معك من يحمل البلشون وخط عينيه، وأشدد على صلبه قطعة لحم من الخريطة، فأن الصقر إذ رآه على تلك الحال نزل عليه، فإذا عملت به ذلك وأخذه الصقر فأنقص من الطعم الذي على صلبه في كل يوم، حتى يصير يخرج إليه بلا طعم، فإذ فعلت به ما رسمناه وصار يخرج إليه من كل ناحية فأخرج إلى الغيط وليكن معك بلشون مشرّق، وأستتر في خليج، وطيّره من يدك فأن كنت قد آخيت بين صقرين فأرسلهما عليه، فإذا أخذاه فأذبحه وأشبعهما عليه. ثم أغبّ الخروج إلى الصحراء غد ذلك اليوم، وأخرج بعد غده وليكن معك واحد مفتوح طري، وأستتر وطيّره، وأرسل عليه الصقور، فإذا صادته فأذبحه، وأشبعها عليه شبعًا جيدًا، ثم أغِبَّها غد ذلك اليوم، وأخرج إلى الغيط وأطلب نقعة ماء عليها بلشون فطيّره وأرسل عليه، فأن صادت فأشبع عليه، وأن أحسنت فأشبعها فأنها تصيده وتكون فُرْهًا، ما بعدها شيء طول الشتاء، فإذا كان الصيف فأعمد إلى إوَزّة بيتية زرقاء فخط على عنقها لبدًا أحمر، وخِطْ عينيها وأشدد على صلبها اللحم كما عملت في البلشون وأكتفها وثيقًا لئلا تضرب الصقر إذا جاءَها، فإذا خرج إليها من كل ناحية فأخرج إلى الغيط، وأوقفها في حلفاء وأجلس ناحية، وأكشف رأسك لئلا يعرفك الصقر، فأنه خبيث إذا عرف الخريطة لم يجيء منه شيء، وكل أسود العين كذلك فإذا فعلت ما رسمناه لك وخرج إلى الأوزّة على بعد، وصار كما يخرج يجلّي على يدك الغيط كله، فأقلع اللبد من عنق الاوزة
[ ٩٧ ]
وأذبح في كف الصقر كل ثلاثة أيام، ولا تنس لأن تذبح في كفه أولًا، وأفعل ذلك ثلاث مرات فإذا انتهيت إلى ما رسمناه من ذلك فأطلب مكانًا فيه حُبرُج كبير وطيء، فبكر إليه قبل طلوع الشمس، فأن الصقر كما يدخل الحلفاءَ يجليه، فأمض معه حتى تحقّ أنه جبرج، ثم أرسله عليه، فأن صاده فأذبحه في كفه وأشبعه، وأن أحسن فأذبح في كفه حمامًا وأشبعه وأغبّ الخروج غدَ ذلك اليوم، واخرج بعد غده وأطلب به حبرجًا وطيئًا، فأنه يصيده إن شاء الله فإذا صاده فأشبعه من لحمه فأنه حلو طيب، وأن أحسن فأشبعه أربعًا أو خمس مرات، ثم نقله من واحد إلى أثنين، لتفره صقورك عليه، والذكر من الحبرج يسمى الخرَبَ والانثى فداده، ولقد شبرنا جناحي الخرب فكان طولهما ثمانية عشر شبرًا والأنثى دون ذلك، وله لحية ومذبحه تحتها، وما كل من صاد الحُبرج عرف أن يذبحه، وهذا مما تفرد به البرَلُّسيون دون غيرهم، وما يحسن بيازرة العراق من هذا شيئًا، وقد ذكرنا ما هو من صيدهم وصيد غيرهم ونحن نصف كيف يضرى الصقر على الغزال وبعد ذلك نذكر كيف يضرى على الكركي، وبه يفخر في العراق. وقد رأينا بيازرة من أهل العراق ممن يدعي صيد الكركي بالصقر ولم نرهم يصيدونه، ورأينا أهل مصر يصيدون به الكركي والحُبْرُج جميعًا، غير أنهم بصيد الحبرج أقعد.
ولقد بلغنا عن رجل كان في أيام الأخشيد يعرف بابن سعد الهائم أنه صاد الكركي بالصقر، وكان ذلك أعجوبة عندهم. وبعد فراغنا من ذكر الصيد نصف ما تحتاج إليه من آلة القرنصة ونذكر ما هو نافع من عللها إن شاء الله.
[ ٩٨ ]
صفة ضراءة الصقر على الغزال وذكر ما يحتاج إليه من الآلة
وكيف يضريه المغاربة وهم أقدر على الغزال من أهل المشرق ونبين ما نأتي به من ذلك ونبدأ بذكر ضراءة المشارقة وأي وقت تكون من السنة
أعلم أن أهل المشرق يبتدئون الضراءة على الغزال وقت الجدي، وذلك في الربيع، فأول ما يُعمل أن يُؤخذ جلد غزال صحيح فيحشى تبنًا حتى يقوم ويجعل له في موضع القوائم عيدان ويخيَّط كل فتق منه ويشد بين قرنيه اللحم شدًا وثيقًا، ويطعم عله الصقر إلى أن يخرج إليه، وكلما جاد خروجه نقص من اللحم، حتى يصير يخرج إليه بغير لحم، فإذا عمل ذلك بعدة من الصقور وصارت تخرج إليه، خرج الإنسان بها إلى الصحراء وأخذ معه من يعرقب لها الغزال ويجرّيه، وذلك أنه يأخذ حبل قنَّب يكون طويلًا، فيشده في رجل الغزال فوق العرقوب بأنشوطة وتجعل الصقور في موضع لا ترى منه الغزال، ويتوارى الإنسان الذي في يده حبل الغزال، وليكن مستقبلًا للريح، ثم تُخرج الصقور فإذا رأت الغزال فلترسل عليه، فإذا رآها الإنسان الذي حبل الغزال بيده خرج وصاح على الغزال، حتى يجري ويجري معه لتعمل عليه الصقور فإذا علقت به جرّه إلى الأرض وذبحه في أرجلها، وأشبعها عليه شبعًا جيدًا، وروّحها يومًا في البيت وأعادها، وأخذ معه غزالًا، وعمل به مثل عمله بالغزال الذي قبله في غير ذلك المكان، وأجراه أكثر من
[ ٩٩ ]
الجري الأول فإذا علقت به الصقور ذبحه وأشبعها عليه، وأراحها يومًا وجعل طعمها ذلك اليوم من قلب خروف أو من لحم حارّ وزن خمسة دراهم لكل واحد منها، ولا يطعمها عنقًا ولا رشأً فأنها تمسك إلى آخر النهار. ولقد كان عندي صقور قد تدهقنت فكان يصيبني معها ما ذكرته.
وحدثني شيخ من لعَّاب الغزال أنه كان يأخذ من صوف فروٍ عليه فيجعله في الدم ويطعم منه الصقور يوم اللَّعِب وفيها الكريم والنذل. فإذا أرحتها وعزمت على الخروج فليكن معك غزال، وبكّر إلى الصحراء وأبعد بها إلى أن تيأس من العادة، وأعط الغزال لمن يخبأ في مخلاة وأقطع فرد عرقوبه، أو فشقّ بعض أظلافه بالسكين شقًا جيدًا وخلّه في الصحراء، ولا يكن معه أحد، وأخرج الصقور، فإذا رأته واشتهته فأرسلها عليه، وصح على الغزال ليجري ولا يقف، وليكن مع غلام كلب مفرد، فأن عملت عليه وصادته، فأذبحه وأشبعها عليه شبعًا جيدًا، وأن خشيتَ أن يسبق الغزال الصقور فأرسل عليه الكلب وأشبعها عليه، وأرحها كما رسمنا لك، فإذا عملت ذلك ثلاث مرات فأخرج إلى الصحراء وأطلب جديًا صغيرًا فأرسلها عليه، فأنها تصيده ولا ترجع عنه إن شاء الله. ولا تزال تصيد به الجِداء وكلما صادت أشبعتها حتى تزيد فراهتها على الجدي فحينئذ فأطلب بها شاة على ما رسمنا لك. ثم تدخل القرنصة وقد بقيت على ثلاث ريشات من كل جناح، ثم تطرح في القرنصة، وليس تطرح عندنا بمصر إلى أن يجيء الصقر الجديد وهو الفرخ، وذلك يكون قبل النوروز أو بعده.
[ ١٠٠ ]
وقد رأينا في سنة من السنين صقرًا صيدّ ببلبيس قبل النوروز بثمانية عشر يومًا، وما يحتاج الصقر إذا طرحته إلى علاج غير التقوية والطعم الحار والشيرج المقشَّر مع اللحم الحارّ في كل جمعة ثلاثة أيام، فإذا استراح وبردت عنه من البرود المقدم ذكره في كتابنا هذا، ومضى له عشرون يومًا سللت ذنبه فأنه يخرج بعد أربعين يومًا بمشيئة الله، وإن كنت عوّدته الماء فلا تقطعه عنه في كل جمعة وإن لم تكن عودته الماء فليس يشربه.
وقد شرحنا ما عندنا في الضراءة على الغزال وهو فعل أهل الشرق.
صفة ضراءة المغاربة
أعلم أن ضراءة المغاربة كضراءة أهل الشرق وما بينهما غير اختلاف الأوقات، وأول ما يضرّون الصقور يصيدون بها التيوس من أول السنة إلى آخرها ما يعرفون غير التيس والشاة، وقد رأيت من فراهة طيورهم أمرًا عجيبًا لأنها كانت تجيء من الغرب وبَرْقَة ومن عند ابن بابان، وما من الصقور شيء أقول أنني أضريته على الغزال، بل كنت ألعب بها فرهًا من الغرب.
ولقد وصل من عند ابن بابان عدة صقور ومعها شاهين وكان من الفراهة على حالٍ تجوز الوصف. وإن مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين ركب ليلة إلى الجبل فرأى قطعة غزلان فأرسل عليها الصقور فانفردت منها شاة، فأخذ ذلك الشاهين من يدي وأرسله عليها ومضينا على الصقور وقد صادت، ونسينا الشاهين فرجعت أطلبه فما رأيته مع الطيور. وجاء البيازرة فسلمت الطيور إليهم، وقلت قد تلف شاهيني وركبت فلقيت مولانا صلى الله عليه صاحب العصر
[ ١٠١ ]
والزمان فقال: أين شاهينك؟ قلت: أحسبه تلف فقال: ما قصَّرت. وكان ذلك غاية ما عنده إذا حرد مضاهيًا لأخلاق جدّه رسول الله صلى الله عليه إذ يقول الله تعالى فيه ﵇ لحسن خلقه: وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم. وأخْلِق بمن كان ابن محمد بمن كان ابن محمد وعلي وفاطمة أن يكون خُلقُه كخلقهم صلوات الله عليهم أجمعين.
فرجعت وقد لحقني غمّ عظيم وكان تحتي فرس من جياد الخيل، ومعي جماعة من عبيدي. وتمادى صلوات الله عليه في الصيد، ولم أزل أطوف في الصحراء إلى قبل المغيب، فرأيت شيئًا عن بعد فقربت منه فنفر بي الفرس، فتماديت فإذا بالشاهين على الشاة قد قطع أذنيها وتلطخ بدمها، وهو وحده بغير كلب معه ولا معين، فركضت إليها فلما أحسَّت بي قامت فعدت طالعه في الجبل، وقلع الشاهين رجله عليها وتبعه فلحقها فأمسكها فَنفضَته وعَدَتْ فلحقها فصادها، ثم أحست بي فقامت فَعَدت إلى أن جاءت إلى سترة فرقدت فيها، وقلع الشاهين رجله عليها، ونزلت فكبَّرت وذبحتها وأشبعت الشاهين عليها.
ورجعت لأعرّف مولانا صلى الله عليه فلقيني عمي ﵁ فقال: يا مولاي وجدتَ الطير؟ قلت: نعم فقال: قد شغلت قلب مولانا صلى الله عليه وجئنا جميعًا إلى مولانا صلى الله عليه فقبَّلنا الأرض فقال: وجدتَ الطير؟ قلت: نعم فقال: كيف كانت الصورة؟ فحكيتها له صلى الله عليه فقال: ما سمعت قط نظيرًا لهذا، ولا سمع به سامع، ثم عاد إلى قصره المعظم المعمور بالعز الدائم وما رأيت قط مثله ولا احسبني أرى.
وقد رأيت من الصقور ما لم يسمع بمثله كثرةً تصيد الغزلان، ولكن يرسل ثلاثة على التيس واثنان وهذا ما لا يعرفه أهل الشرق إذ كانوا بعد
[ ١٠٢ ]
سنتين أو ثلاث سنين يصيدون التيس والمغاربة يصيدونه من أول سنة، فلذلك كثر التعجب منهم.
ولقد استأذنت مولانا صلى الله عليه سنة من السنين في الخروج إلى ترْنُوط، وانحدرتُ في البحر قبل العشاء، وكان ذلك في أشد ما يكون من الحر فبلغناها الصبح، ومعنا ثمانية أطيار ففرقتها فرقتين، فأخذت أنا أربعة ولم تكن من إصلاحي، وكان فيها واحد يسمى أبا غلبون، ونزلت إلى الابليز وطلعت الفرقة الأخرى فوق، فصادوا أربعة اطلاق، وصدنا نحن أيضًا أربعة اطلاق ثلاثة تيوس وشاة بفرد كلب، فصار الجميع ثمانية اطلاق، واشتد الحر، وأشبعت الطيور، وما رأيت قط من صاد ذلك بمصر، ولا تصاد أبدًا بمثل العِدة التي كانت معنا.
وقد رأينا من علل الطيور التي تأتي بها المغاربة ما لم نعرفه، فمن ذلك علةٌ تأخذ الطير في حنكة الأعلى مما يلي رأسه، وهم يسمونها الدكرارة، ومتى أصابت جارحًا قتله، ورأيت لهم في الحفا (كذا) شيئًا مليحًا، وذلك أنهم يعملون للجارح سفرة من أدم، ويجعلون فيها ثقبًا يخرج مخاليبه منها، وهي تجمع بخيط مثل السفرة وتشد تحت السباق ولا تضره ويصاد به.
[ ١٠٣ ]