أعلم أن الصيد بالفهد ثلاثة أصناف، فمنها أن يُنزل إلى الوحش ولا تعلم به، ومنها ما يكون مُجاودة، ومنها ما يُخلَّى وتطرد له الوحش، وهي ثلاثة أبواب ملاح، وأحسنها ما كان مجاودة. وزعم أرسطاطاليس أن الفهد تولَّد من سبعٍ ونمرٍ، ومن شأنه إذا وثب على طريدة لم يتنفس حتى يأخذها، فيحمي لذلك وتمتلئ رئته من الهواء الذي حبسته.
[ ١١٩ ]
وسبيله أن يراح ريثما يخرج ذلك النفس، وتبرد تلك الغُلَّة، ويُشقّ له عن قلب الطريدة بعد تذكيتها، ويطعمه ويسقى ريه من الماء إن كان الزمان حارًا، ودون الري إن لم يكن الحر شديدًا، ثم يُبتغى به طريدة أخرى، ولا يُكلَّف في يومه أكثر من خمسة اطلاق، وقد يصاد به في اليوم نحو عشرة اطلاق، وإن لم يُرَح لم يُفلح بعد ذلك. ومن طباعه الحياء وكثرة النوم والغضب. ولا يعلم أنه عاظل أنثى وهو في يد الأنس، وقد عني بمراعاة ذلك واجتُهد فيه فلم يُعرف منه، والأسد كثيرًا يفعله.
وذكر بعض الفهادين العلماء بصيدها وطباعها، أنه يمسح الفهد والفهدة ويمر يده على جميع أعضائها فتسكن لذلك حتى تصيب يده موضع بعرها، فتقلق لذلك وتنعطف عليه لتعض يده. ونومه يضرب به المثل. قال بعض الشعراء يصف نومه:
فأما نومه في كل حين فعين الفهد لا تقضي كراها
وقال المكتفي ووصف يوم صيد بكثرة وحشه وضراءة فهوده:
فمضى يومنا بين فهود لا تشبع، وظباء لا تجزع. أخبر بذلك عنه أبو بكر محمد بن يحيى الصولي. وقال بعض الكتَّاب وعابة قوم بكثرة النوم ونُسِب إلى الإخلال بأعماله والتقصير في تنفيذ أموره:
رقدت مقلتي وقلبيَ يقظا نُ يجسّ الأمور جسًّا شديدًا
يُحمَدُ النومُ في الجواد كما لا يمنع الفهد نومه أن يصيدا
وفي طباع الفهد مشاكلة لطباع الكلب حتى في ادوائه ودوائه، والنوم الذي يعتريه شبيه بنعاس الكلب. ومن قول الأعشى في صفة بخيل مماطل:
لاقى مطالا كنعاس الكلبِ
ورجع بنا القول إلى استتمام شرح الصيد بالدسيس وسبيله في صيده
[ ١٢٠ ]
غير سبيل المصحر وهو ابله جدًا، لما يظهر منه في تعمُّله لستر شخصه وخفاء سره، ويرسل على بعد من الطريدة بعد أن يتشوّفها، ويتلطف لإرساله من غير قلق، فتراه يمر مثل عَناق الأرض رافعًا يدًا وواضعًا أخرى، على وزن وقدرٍ متناسب، ما دامت الظباء ناكسة رؤوسها ترتعي، فإذا شالتها وخاف منها التنبه عليه أمسك على الصورة التي تنتهي به الحال إليها، لا يقدم ولا يؤخَّر، ولا يرفع الموضوعة ولا يضع المرفوعة فإذا طأطأت رؤوسها سلك سبيله الأولى، حتى تقول إنه في تلك الحال كحال القانص الذي وصفه رؤبة فقال:
فبات لو يمضغ شريًا ما بصقْ
وهذه المشية يقال لها الدألان والدأل والدألى يقال دأل له يدأل إذا مشى مشية الختل وأدى له يأدو له ودأيت أدأى وفي المثل والذئب يأدو الغزال ليأكله. وفي اللفظ الأول يقول الراجز:
اهدموا بيتك لا أبا لكا وزعموا أنه لا أخا لكا
وأنا أمشي الدألى حوالكا
وقال آخر:
أدَوتُ له لآكله وهيهات الفتى حَذِرُ
وقد قال المحدثون في طرد الفهد شيئًا كثيرًا نحن نذكر ما استحسناه إلا صيد الدسيس، فما وصفه واصف على حق صفة سوى بعض الكتَّاب فقال:
قد أسبق الأخوان بالتغليسِ قبل غناء القَسّ والناقوسِ
والروض مثل حلة الطاوسِ والريح مثل نكهة الكؤوسِ
أو مثل ما أنثوه عن جليسي بطالعٍ مصحَّحٍ مَقيسِ
[ ١٢١ ]
مبرّأٍ من نظر النحوسِ أسعد بالنثليث والتسديسِ
بذي دهاء مضحك عبوسِ جهم كُسي من صنعة القدوسِ
ديباجةً من أحسن اللَّبوسِ كأنما يُبتزّ من عروسِ
إبليسَ أو أمكر من إبليسِ ختَّالٍ أظبٍ مخبِتِ الحسيسِ
طبّ بصيد عفرِها والعيسِ لا مصحرٍ للوحش بل دسيسِ
لًطا لطوّ الحاملِ الحسيسِ والسطو سطو القادر الارّيسِ
له دبيبٌ ليسَ بالمحسوسِ مثل دبيب الماء في الغُروسِ
فعلٌ كمتن الجحفل الخميسِ وحشٌ يضاهي حيلة الأنيسِ
حتى إذا أفضى من التأنيسِ إلى سكون النافر الشَّموسِ
وحمّتِ الآجالُ للنفوسِ أبدلها من نعمةٍ ببوسِ
أسرع من عين إلى نفيسٍ لاهٍ عن الخشفان بالتيوسِ
مبتدئًا منهن بالرؤوسِ وجِدّة العيش إلى دروسِ
وما من الأيام من محروسِ
وقال آخر في صفة الفهد والطريدة:
بذلك أبغي الصيد طورًا وتارةً بمُخطفَة الاكفال رُحبِ الترائبِ
[ ١٢٢ ]
مرقّقةِ الأذناب نمرٍ ظهورها مخططة الآذان غُلب الغواربِ
مدرّبةٍ زرقٍ كأن عيونها حواجل تستذري متون المراكبِ
الحوجلة القارورة، وتستذري يصف مكانها خلف الراكب، وأن ظهره يذريها أي يسترها والذرى الستر ومنه:
إذ قلَّبتها في العجاج حسبتها سنا ضرَمٍ في ظلمة الليل ثاقبِ
مولعة فُطْس الجباه عوابس تخال على أشداقها خط كاتبِ
نواصب آذان لطاف كأنها مَداهِنُ للأجراس من كل جانبِ
ذوات أشافٍ رُكَّبت في أكفها نوافذَ في صم الصخور نواشبِ
فوارس ما لم تلق حربًا ورَجْلة إذا آنست بالبيد شهب الكتائبِ
تضاءلُ حتى ما تكاد تُبينها عيونٌ لدى الصيران غيرُ كواذبِ
[ ١٢٣ ]
حراص يفوت البرق أمكث جريها ضراء مِبَلاّت بطول التجاربِ
توسّد أجياد الفرائس أذرعًا مرمَّلةً تحكي عناق الحبائبِ
وهذه تشتمل على معانٍ كثيرة وقد سرقها عبد الصمد بن المعذّل فقال يصف الفهد:
قد أغتدي والشمس في أوراقها لم تأذن السَّدفة في اشراقها
وصحبتي الأمجاد في أعراقها على عتاق الخيل من عناقها
نُمر بنات القفر من أرزاقها تغدو منايا الوحش في أطواقها
قد واثقتنا وهي في ميثاقها وفيَّة ما الغدر من أخلاقها
مذمجةٌ هيِفٌ على أحناقها باعدها التنهيم من أشباقها
ترى بأيديها لدى اتساقها وصيدها بالقاع واتفاقها
مثل أشافي القين في انزلاقها تقدّ ما تحبط باعتلاقها
قد التجار العصب من شقاقها كأنها والخزر من حداقها
والخطط السود على أشداقها تركٌ جرى الأثمد من آماقها
باتت إلى الصيد من اشتياقها وجذبها الأعناق من ارباقها
كأسر العجم في أوهاقها تضرم في العزاء من تنزاقها
تلهُّب النيران في احتراقها حتى إذا آلت إلى متاقها
بالسهلة الوعساء من براقها في مأمن الصيران من طرّاقها
ورعيها الناضر من طبَّاقها وآنست بالطرف واستنشاقها
[ ١٢٤ ]
وجعلت تأشير من إقلاقها حُلَّت وسمَّينا على إطلاقها
وقد حدرنا الوحش من آفاقها يسوقها الحَينُ إلى مساقها
إدناءك الحور إلى عشاقها وهي على الغبراء في التزاقها
حدافة تخفى على رمَّاقها من ختلها للوحش من اسفاقها
كأنها الحيَّات في اطراقها أما رأيت الريح في انخراقها
ولمعة البارق في ائتلاقها وغيبة الشؤبوب في انبعاقها
وطيرة الأقداح في انمراقها تهوي هويّ الدلو في أرشاقها
ما أدرك الطرف سوى لحاقها وهصرها الآرام واعتناقها
وخصفها الأيدي إلى أعناقها شرك الضباع النعل في طراقها
شاصية تنشج في آماقها تفحص في التامور من مهراقها
بطح الغواة الوفذ من زقاقها لا نصطفي منها سوى حُذاقها
بورك للأمير في رفاقها
وقال عبد الله بن المعتز يصف فهدة:
ولا صيد إلا بوثَّابةٍ تطير على أربع كالعذَبْ
فإن أطلقت من قلاداتها وطار الغبار وجدّ الطلبْ
فزوبعة من بنات الرياح تريك على الأرض شيئًا عجبْ
[ ١٢٥ ]
تضم الطريد إلى نحرها كضم المحبة من لا يحب
قوله من لا يحب مبالغة في وصف تشبثها لأن ضم المحب من يعلم أنه لا يساعده على المحبة أشد توثقًا ولزامًا. وأخذ هذا من قول العرجي:
فتلازما عند الوداع صبابة أخْذَ الغريمِ ببعض ثوب المعسِرِ
والمعسر كاره لتعلق الغريم به، وكان الصواب أن يوقع تشبيهًا يدل على أن كل واحد منهما مضاهٍ لصاحبه بالملازمة، كما قال القائل وهو الجيد:
ثم اعتنقنا عناقًا ليس يبلغه تلاصق الطلع في طي الكوافير
وتشبيه ابن المعتز في هذا حسن لأن الفهد مجتهد في التشبث بالظبي (والظبي مجتهد في التشبث بالظبي) والظبي مجتهد في مغالبته وكذلك ضمّ المحب من لا يحبه:
إذا ما رأى عدوها خلفه تناجت ضمائره بالعطبْ
ألا رب يومٍ لها لا يُذَمّ أراقت دمًا وأغاثت سَغِبْ
لها مجلس في مكان الرديف كتركية قد سبتها العربْ
ومقلتها سائلٌ كحلُها وقد حُلّيت سُبَجًا في ذهبْ
غدت وهي واثقة أنها تفوز بزاد الخميس الجِبْ
فظلت لحوم ظباء الفلاة على الجمر معجلة تُنتهبْ
كأن سكاكينهم نَشَّرتْ معصفرةً فوق جزل الحطبْ
[ ١٢٦ ]
والبيتان اللذان فيهما المعنى مأخوذان من قول عبد الصمد وهما:
كأنها والحُزرْ من حداقها تُركٌ جرى الأثمد من آماقها
وزاد ابن المعتز عليه في ذكر الرديف. وقال الرقاشي في صفته:
لما غدا للصيد آل جعفرِ رهطُ رسول الله آل المفخرِ
بفهدة ذاتِ شوىً مضبّرِ وكاهل ناتٍ وعنق أزبرِ
ومقلة سال سوادُ المحجرِ منها إلى شدق رُحاب المفغر
وذنَبٍ طال وجلد أنمرِ وأيطلَيْ مستأسدٍ عضنفرِ
وأذن مكسورة لم تجبرِ فطساء فيها رحب في المنخرِ
مثل وَجار التتفُل المغوّرِ أدبها اسحق في تقدّرِ
بالنقل والأشلاء غير ممترِ كأن فوق الأعوجيّ الأشقرِ
مَلْكًا ترقى عتبات منبرِ طرّاحة بالطرف ذي التسعرِ
[ ١٢٧ ]
بين الصوى والصحصان الأغبرِ حتى إذا ما آنست كالأصورِ
سرب ظباء بكثيب أعفرِ جاذبت المقود في تأمّرِ
وعلم العبدُ وإن لم يُخبَرِ بحالها أطلقها كالقسورِ
تنساب كالحية في تستّرِ فمرّ بين مقبل ومدبرِ
مَرًّا كلمع البرق لم يُفَتَّرِ كأن نضج الأرجوان الأحمرِ
منها على الخدين والمعذّر
والمسنّ منها إذا صيد كان أسرع انسًا وأقبل للتأديب من الجرو الذي يربى ويؤدب، لأن الجرو يخرج خِبًّا والمسنّ يخرج على التأديب صيودًا غير خِب، وليس شيء في مثل جسم الفهد إلا والفهد أثقل منه وأحطم لظهر الدابة التي يحمل على مؤخرها والأنثى أصيد وكذلك عامة إناث الجوارح وهو من الحداد الأسنان، ويدخل بعضها في بعض، وكذلك الأسد والكلب.