ومن حق الملك أن لا يحدث على طعامه بحديث جدٍ ولا هزل. وإن ابتدأ بحديثٍ، فليس من حقه أن يعارض بمثله. وليس فيه أكثر من الاستماع لحديثه، والأبصار خاشعة.
ولشيءٍ ما، كانت ملوك آل ساسان، إذا قدمت موائدهم، زمزموا عليها، فلم ينطق ناطق بحرفٍ حتى ترفع. فإن اضطروا إلى كلام، كان مكانه إشارة وإيماء يدل على الغرض الذي أرادوا، والمعنى الذي قصدوا.
[ ١٦ ]
وكانوا يقولون: إن هذه الأطعمة بها حياة هذا العالم، فينبغي للإنسان أن يجعل ذهنه في مطعمه، ويشغل روحه وجوارحه فيه، لأن تأخذ كل جارحةٍ بقسطها من الطعام، فيغتذي بها البدن والروح الحيوانية التي في القلب، والطبيعة التي في الكبد، اغتذاءً تامًا، وتقبله الطبيعة قبولًا جامعًا.
وفي ترك الكلام على الطعام فضائل كثيرة، وهي في آيينهم تركنا ذكرها، إذ كانت ليست من جنس كتابنا هذا.
[ ١٧ ]
قال: وحدثني بعض المحدثين، قال: قال بعض الأمراء، وأظنه بلال بن أبي بردة، لأبي نوفل الجارود بن أبي سبرة: ماذا تصنعون عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كريز القرشي، إذ كنتم عنده؟ فيقول: ما عندك؟ فيقول: عندي لون كذا، ودجاجة كذا، ومن الحلواء كذا. قال: ولم يسأل عن ذلك؟ قال: ليقصر كل رجلٍ عما لا يشتهيه، حتى يأتيه بما يشتهي قال: ثم يؤتى بالخوان، فيتضايق ويتسع، ويقصر ويجتهد. فإذا استغنى، خوى تخوية الظليم، ثم أكل أكل الجائع المقرور.
قال: والجارود هذا هو الذي قال: سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل.
[ ١٨ ]