قلت: فالمأمون؟.
قال: أقام بعد قدومه عشرين شهرًا لم يسمع حرفًا من الغناء. ثم سمعه من وراء حجابٍ، متشبهًا بالرشيد. فكان كذلك سبع حججٍ ثم ظهر للندماء والمغنين.
قال: وكان حين أحب السماع ظاهرًا بعينه، أكبر ذاك أهل بيته وبنو أبيه.
ويقال أنه سأل عن إسحق بن إبراهيم الموصلي، فغمزه بعض من حضر، وقالوا: يغادر تيهًا وبأوًا. فأمسك عن ذكره. قال: فجاءه زرزر يومًا، فقال له: يا اسحق! نحن اليوم عند أمير المؤمنين! فقال إسحق: فغنه بهذا الشعر:
[ ٤١ ]
يا سرحة الماء قد سدت موارده أما إليك طريق غير مسدود
لحائمٍ حام حتى لا حراك به محلأٍ عن سبيل الماء مطرود
فلما غناه به زرزر أطربه وأبهجه وحرك له جوارحه، وقال: ويلك! من هذا؟!
[ ٤٢ ]
قال: عبدك المجفو المطرح، ياسيدي إسحاق قال: يحضر الساعة.
فجاءه رسوله، وإسحق مستعد، قد علم انه إن سمع الغناء من مجيدٍ مودٍ أنه سيبعث إليه فجاءه الرسول؛ فحدثت انه لما دخل عليه، ودنا منه، مد يده غليه، ثم قال: ادن مني. فأكب عليه واحتضنه المأمون، وأدنا، واقبل عليه بوجهه مصغيًا إليه، ومسرورًا به.