وعلى أنه ربما كانت جفوة الملك أصلح في تأديب الصاحب من اتصاله بالأنس، وإن كان ذلك لا يقع بموافقة المجفو، لأن فيها فراغ المجفو لنفسه، وتخلصه لأمره، ولما كان لا يمكنه الفراغ له من مهم أمره. وفيها أيضًا أنه إن كان المجفو من أهل السمر، وأصحاب الفكاهات، فبالحرى أن يستفيد بتلك الجفوة علمًا طريفًا محدثًا له بالكتب ودراستها أو بالمشاهدة والملاقاة، وربما كان لا يمكنه قبل ذلك، وهو في شغله. ومنها أن جفوة الملك ربما أدبت الصاحب الأدب الكبير.
وذاك أنه كل من أنفس الملك مجلسه، وطال معه قعوده، وبه أنسه تمنى الفراغ، وطلبت منه نفسه التخلص والراحة والخلوة لإرادة نفسه. كما أنه من كثر فراغه وقل أناسه، جفي واطرح، وطلب الشغل والأنس وما أشبه ذلك.
فبهذه الأخلاق ركبت الفطر، وجبلت النفوس.
فإذا جاءه الفراغ الذي كان يطلبه ويتمناه من الجهة التي لم يقدرها، طلبت نفسه الموضع الذي يمله، والشغل الذي كان يهرب منه.
[ ١٣٦ ]
ومنها أنه كان في عز ومنعةٍ، وأمرٍ ونهيٍ، وكان مرغوبًا إليه، مرهوبًا منه، ثم لما حدثت جفوة الملك، أنكرها ما كان يعرف، وعصاه من كان له مطيعًا، وجفاه من كان به برًا.
ومنها أن جفوة الملك تحدث رقة على العامة، ورأفةً بهم، وتحدث للمجفو حسن نيةٍ.
ومنها أن الرضى، إذا كان يعقب الجفوة، وجب على المجفو شكر الله تعالى على ما ألهم الملك فيه، فتصدق وأعطى، وصام وصلى.
فكل شيءٍ من أمر الملك حسن في الرضا والسخط، والأخذ والمنع، والبذل والإعطاء، والسراء والضراء. غير أنه يجب على الحكيم المميز أن يجهد بكل وسع طاقته أن يكون من الملك بالمنزلة بين المنزلتين. فإنها أحرى المنازل بدوام النعمة، واستقامة الحال، وقلة التنافس، ومصارعة أهل الحسد والوشاة.