ومن أخلاق الملوك اللهو.
غير أن أسعدهم من جعل للهوه وقتًا واحدًا، وأخذ نفسه بذلك. فإنه إذا فعل ذلك، استطاب اللهو والهزل والمفاكهة. وإذا أدمن ذلك خرج به اللهو من بابه، حتى يجعله جدًا لا هزل فيه، وحقًا لا باطل معه، وخلقًا لا يمكنه الانصراف عنه.
وليس هذا صفة الملك السعيد.
ومن أدمن شيئًا من ملاذ الدنيا، لم يجد له من اللذة وجود القرم النهم المشتاق.
وهذا قد نراه عيانًا. وذلك أن ألذ الطعام وأطيبه ما كان على جوع شديدٍ، وألذ الجماع وأطيبه إذا اشتد الشبق وطالت العزبة، وألذ النوم وأهنأه ما كان بعقب التعب والسهر.
[ ١٥٠ ]
وعلى هذا جميع ملاذ الدنيا.
فالملوك الماضية إنما جعلت للملاذ وقتًا واحدًا من اليوم والليلة، لهذه الفضيلة التي فيها.
فعلى الملك السعيد أن يقسم يومه أقسامًا: فأوله لذكر الله تعالى وتعظيمه وتهليله؛ وصدره لرعايا وإصلاح أمرها؛ ووسطه لأكله ومنامه، وطرفه للهوه وشغله. وأن لا يثابر على إدمان الشغل في كل يوم. وإن طالت هذه الأقسام بمواضعها، فلا يجد للهو لذته، ولا للنعيم موضعه الذي هو به.
وكانت الملوك الماضية من الأكاسرة تشرب في كل ثلاثة أيامٍ يومًا، إلا بهرام جور والأردوان الأحمر وسابور؛ فإنهم كانوا يدمنون الشرب في كل يوم.
وكان ملوك العرب، كالنعمان، وملوك الحيرة، وملوك الطوائف، أكثرها يشرب في كل يومٍ وليلةٍ، مرةً.
وكان ملوك الإسلام، من يدمن على شربه، يزيد بن معاوية. وكان لا يمسي إلا سكران، ولا يصبح إلا مخمورًا.
وكان عبد الملك بن مروان يسكر في كل شهر مرةً، حتى لا يعقل في السماء هو
[ ١٥١ ]
أو في الماء، ويقول: إنما أقصد في هذا إلى إشراق العقل، وتقوية منة الحفظ، وتصفية موضع الفكر.
غير أنه كان إذا بلغ آخر هذا السكر، أفرغ ما كان في بدنه حتى لا يبقى في أعضائه منه شيء؛ فيصبح خفيف البدن ذكي العقل والذهن، نشيط النفس، قوي المنة.
وكان الوليد بن عبد الملك يشرب يومًا، ويدع يومًا.
وكان سليمان بن عبد الملك يشرب في كل ثلاث ليالٍ، ليلةً.
ولم يشرب عمر بن عبد العزيز منذ أفضت إليه الخلافة إلى أن فارق الدنيا، ولا سمع غناءً.
وكان هشام يسكر في كل جمعة.
وكان يزيد بن الوليد والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشرب. فأما يزيد بن الوليد، فكان دهره بين حالين، بين سكر وخمارٍ؛ ولا يوجد أبدًا إلا ومعه إحدى هاتين.
وكان مروان بن محمد يشرب ليلة الثلاثاء، وليلة السبت.
وكان أبو العباس السفاح يشرب عشية الثلاثاء وحدها، دون السبت.
[ ١٥٢ ]
وكان المهدي والهادي يشربان يومًا، ويدعان يومًا.
وكان الرشيد يشرب ظاهرًا، إلا أنه كان يقعد هذين اليومين لندمائه.
وكان المأمون في أول أيامه يشرب الثلاثاء والجمعة؛ ثم أدمن الشرب عند خروجه إلى الشام في سنة خمس عشرة ومائتين، إلى أن توفي.
وكان المعتصم لا يشرب يوم الخميس، ولا يوم الجمعة.
وكان الواثق ربما أدمن الشرب، وتابعه. غير أنه لم يكن يشرب في ليلة الجمعة ولا يومها.
لبس الملوك وتطيبهم: وأخلاق الملوك تختلف في اللبسة والطيب. فمن الملوك من كان لا يلبس القميص إلا يومًا واحدًا أو ساعةً واحدةً. فإذا نزعه، لم يعد إلى لبسه.
ومنهم من كان يلبس القميص والجبة أيامًا، فإذا ذهب رونقه، رمى به فلم يلبسه بعد.
فأما أردشير بن بابك، ويزدجرد، وبهرام، وكسرى أبرويز، وكسرى أنوشروان،
[ ١٥٣ ]
وقباذ، فإنهم كانوا يلبسون القميص، ويغسل لهم، ثم يلبسونه ويغسل لهم. فإذا غسل ثلاث عركاتٍ لم يغسل بعدها، وجعل في الخلع التي تخلع على الولد والقرابات والعم وابن العم والأخ وابن الأخ. ولم يكونوا يخلعون ما قد لبسوه إلا على القرابات من أهل بيت المملكة خاصةً، لا يجاوزونهم إلى غيرهم. فأما الخلع التي تقطع وتتخذ للطبقات وسائر الناس، فتيك صنف آخر.
وكان ملوك العرب، منهم من يلبس القميص مرارًا، ويغسل له غسلاتٍ: معاوية وعبد الملك وسليمان وعمر بن عبد العزيز وهشام ومروان بن محمدٍ وأبو العباس وأبو جعفر والمأمون.
فأما يزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، والمهدي والهادي والرشيد والمعتصم والواثق، فإنهم كانوا لا يلبسون القميص إلا لبسةً واحدةً، إلا أن يكون الثوب نادرًا معجبًا غريبًا.
فأما الجباب والأردية، فلم تزل الملوك تلبسها السنة أو أكثر أيام السنة، ومنهم من كان يلبس الجبة والمطرف، السنين الكثيرة.
وليس الجباب والأردية، كالقميص والسراويل، لأن القميص والسراويل هما الشعار، وسائر الثياب الدثار. ولذلك كره من كره إعادة لبسها.
[ ١٥٤ ]
وأخلاق الملوك في البطر ومس الطيب وتغلل الغالية تختلف.
فمن الملوك من إذا مس الطيب وتغلل بالغالية، لم يعد إلى مس طيبٍ ما دام عبقها في ثوبه.
ومن الملوك من كان إذا مس الطيب، وتغلل بالغالية، فتضوعت منه وعلقت بثيابه، أمر بصب ماء الورد على رأسه حتى يسيل. فإذا كان من غدٍ، فعل مثل ذلك.
فأما من كان لا يمس طيبًا ما دام يجد عبق الطيب في ثيابه: فأردشير بن بابك، وقباذ بن فيروز بن يزدجرد، وكسرى ابرويز، وكسرى أنوشروان؛ ومن ملوك العرب: معاوية وعبد الملك والوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز وهشام ومروان بن محمد؛ ومن خلفاء بني العباس، وأبو جعفر، والمأمون.
وكان المعتصم قلما يمس الطيب. وكان يذهب في ذلك إلى تقوية بدنه وإعانته على شدة البطش والأيد. وأما في أيام حروبه، فكان من دنا منه، وجد رائحة صدأ السلاح والحديد من جسمه.
[ ١٥٥ ]