وفيما يذكر عن سيرة أنوشروان أن رجلًا من خاص خدمه جنى جناية اطلع عليها أنوشروان، والرجل غافل عنه. وكانت عقوبة تلك الجناية توجب القتل في الشريعة؛ فلم يدر كيف يقتله: لا هو وجد أمرًا ظاهرًا يقتل بمثله الحكام فيسفك به دمه، ولا قدر على كشف ذنبه لما في ذلك من الوهن على الملك والمملكة، ولا وجد لنفسه عذرًا في قتله غيلة، إذ لم يكن ذلك في شرائع دينهم ووراثة سلفهم. فدعا به بعد جنايته بسنةٍ، فاستخلاه وقال: قد حزبني أمر من أسرار ملك الروم، وبي حاجة إلى أن أعلمها، وما أجدني أسكن إلى أحدٍ سكوني إليك إذ حللت من قلبي المحل الذي أنت به. وقد رأيت أن أدفع إليك مالًا لتحمل إلى هناك تجارة وتدخل بلاد الروم فتقيم بها لتجارتك؛ فإذا بعت ما معك، حملت مما في بلادهم من تجارتهم وأقبلت إلي. وفي خلال ذلك تصغي إلى أخبارهم، وتطلع طلع ما بنا حاجة إليه من أمورهم وأسرارهم.
فقال الرجل: أفعل أيها الملك، وأرجو أن أبلغ في ذلك محبة الملك ورضاه.
فأمر له بمالٍ، وتجهز الرجل، وخرج بتجارة؛ فأقام ببلاد الروم، حتى باع واشترى ولقن من كلامهم ولغتهم ما يعرف به مخاطبتهم وبعض أسرار ملكهم. ثم انصرف إلى
[ ٦٠ ]
أنوشروان بذلك، فاستبشر بقدومه، وزاد في بره، ورده إلى بلادهم، وأمره بطول المقام، والتربص بتجارته. ففعل، حتى عرف واستفاض ذكره.
فلم تزل تلك حاله ست سنين، حتى إذا كان في السنة السابعة، أمر الملك أن تصور صورة الرجل في جامٍ من جاماته التي يشرب فيها، وتجعل صورته بإزاء صورة الملك، ويجعل مخاطبًا للملك، ومشيرًا إليه من بين أهل مملكته، ويدني رأسه من رأس الملك في الصورة كأنه يسر إليه. ثم وهب ذلك الجام لبعض خدمه، وقال له: إن الملوك ترغب في هذا الجام، فإن أردت بيعه، فادفعه إلى فلان إذا خرج نحو بلاد الروم بتجارته، فإنه إن باعه من الملك نفسه نفعك، وإن لم يمكنه بيعه من الملك، باعه من وزيره أو من بعض حامته.
فجاء غلام الملك بالجام ليلًا، وقد وضع الرجل رجله في غرز ركابه، فسأله أن يبيع جامه من الملك، وأن يتخذ بذلك عنده يدًا. وكان الملك يقدم ذلك الغلام، وكان من خاص غلمانه وصاحب شرابه. فأجابه إلى ذلك، وأمره بدفع الجام إلى صاحب خزانته، وقال: احفظه! فإذا صرت إلى باب الملك، فليكن فيما أعرضه عليه.
فلما صار إلى ملك الروم، دفع صاحب الخزانة إليه الجام، فعزله فيما يعرض على الملك. فلما دفع الجام في يدي الملك، نظر إليه، ونظر إلى صورة أنوشروان فيه، وإلى صورة الرجل وتركيبه، عضوًا عضوًا، وجارحةً جارحةً، فقال: أخبرني، هل يصور مع الملك صورة رجل خسيس الأصل؟ قال: لا قال: فهل يصور في آنية الملك صورة لا أصل لها ولا علة؟ قال: لا قال: فهل في دار الملك اثنان يتشابهان
[ ٦١ ]
في صورةٍ واحدةٍ حتى يكون هذا كأنه هذا في الصورة، وكلاهما نديما الملك؟ قال: لا أعرفه. فقال: قم! فقام، فتأمله قائمًا، فوجد صورته قائمًا في الجام. ثم قال: أدبر، فأدبر، فتأمل صورته في الجام مدبرًا. ثم قال: أقبل، فأقبل، فتأمل صورته في الجام مقبلًا، فوجدها بحكاية واحدة، وتخطيط واحد.
فضحك الملك، ولم يجتريء الرجل أن يسأله عن سبب ضحكه، إجلالًا له وإعظامًا. فقال ملك الروم: الشاة أعقل من الإنسان، إذ كانت تأخذ بمديتها فتدفنها، وأنت أهديت إلينا مديتك بيدك!.
ثم قال له: تغديت؟ قال: لا. قال: قربوا له طعامًا. فقال الرجل: أيها الملك! أنا عبد ذليل، والعبد لا يأكل بحضرة الملك. فقال: أنت عبد ما كنت عند ملك الروم، متطلعًا على أموره متتبعًا لأسراره، بل أنت ملك ونديم ملك إذا قدمت بلاد فارس. أطعموه!. فأطعم، وسقي الخمر حتى إذا ثمل، قال: إن من سنن ملوكنا أن تقتل الجواسيس في أعلى موضع تقدر عليه، وأن لا تقتله جائعًا ولا عطشان.
فأمر أن يصعد به إلى صرحٍ كان يشرف منه على كل من في المدينة، إذا صعد. فضربت عنقه هناك، وألقيت جثته من ذلك الصرح، ونصب رأسه للناس.
فلما بلغ ذلك كسرى، أمر صاحب الحرس أن يأمر المغرد بصوت الحراسة، إذا ضرب بأجراس الذهب، أن يقول إذا مر على دور النساء الملك وجواريه:
[ ٦٢ ]
كل نفسٍ وجب عليها القتل ففي الأرض تقتل، إلا من تعرض لحرم الملك، فإنه يقتل في السماء.
فلم يدر أحد من أهل مملكته ماذا أراد بذلك حتى مات فليس في الأرض نفس تصبر على مضض الحقد، ومطاولة الأيام بها صبر الملوك. ولذلك بطل القياس على أخلاقهم، ووجهت آراء ذوي الحجى والتمييز في العمل عليها والمقابلة بها حتى تخرج على وزنٍ واحدٍ، وينظم مؤتلف.