في ذكر شيء من أشعار من قصرت يده عن الهدية فاقتصر على الدعاء واعتمد على الشكر والثناء
حدثنا علي بن حيان الأهوازي قال: قال لي الحسن بن دعبل: وافى النوروز في بعض السنين وما عندي شيء أرتضيه هدية لمحمد بن واصل التميمي، فكتبت إليه:
الجود يغرق في المنهل من ديمك والمجد مفتخر بالغر من شيمك
أما ترى غرة النوروز مشرقة كأنها بعض ما تسديه من كرمك
يوم جديد وعز أنت لابسه فافخر بمجدك إن الملك في ذممك
تذل في عزك الأيام صاغرة وتغرق الراسيات الشم في همك
الدهر طوعك، والدنيا بأجمعها في راحتيك، وأهل الأرض في نعمك
هذي هدية عبد أنت ملبسه ثوب الغنى فاقبل الميسور من خدمك
فلما قرأ الأبيات استخفه الطرب، وحركته الأريحية، فوقع تحت كل بيت منها ألف درهم، ودابة وخلعة، وأحضرني جميع ذلك، فأقمت يومي عنده، وانصرفت بما ذكرت.
وحدثنا الإيذجي القاضي: أنه كتب إلى بعض الرؤساء في يوم مهرجان هذين البيتين:
وافق المهرجان والعيد مني رقة الحال وهو داء الكرام
فاقتصرنا على الدعاء وفيه عون صدق على قضاء الذمام
فوقع على الرقعة: "هذا القول يستحسن من المساكين، وجوابه أن تقول: صنع الله لك". فلم تمض عليه إلا أيام يسيرة حتى اجتاحته جائحة من السلطان أتت على ماله، وألجأته إلى سؤال الناس.
وحدثنا ابن أبي خالد قال: قال أبو علي البصير كتبت إلى الفتح ابن خاقان في يوم مهرجان:
إني جعلت هديتي في المهرجان إليك شكري
لما تعذر واجب فسح التعذر فيه عذري
فإذا أجزت على اسم من وافت هديته ببر
فأدر على اسمي دارة واكتب عليه طليح فقر
فضحك وقال: وقعوا على اسمه مائتي دينار وخلعة.
قال أبو هفان: كتبت إلى بعض إخواني في يوم النوروز:
دخلت السوق أبتاع وأستطرف ما أهدي
فما استطرفت للإهدا ء إلا طرف الحمد
إذا نحن مدحناك قضينا حرمة المجد
ونشر المدح في مثل ك أذكى من ثنا الند
وكتب بعض الشعراء، وكان ممتحنا إلى رجل جليل في يوم نوروز:
[ ١٩ ]
جعلت فداك للنوروز حق وأنت علي أعظم منه حقا
ولو أهديت فيه جميع ملكي لكان جليله لك مستدقا
فأهديت الثناء بنظم شعر وكنت لذاك مني مستحقا
لأن هدية الألطاف تفنى وإن هدية الأشعار تبقى
وحدثنا جحظة قال: دخلت على أبي الصقر بن بلبل، وهو وزير في يوم نوروز، فقال: أين هدية النوروز يا جحظة؟ فقلت: "في صدري أيد الله الوزير" قال: "أحب الهدايا هاتها"، فأنشدته: ب"أبي الصقر" علينا=نعم الله جليله
ملك في عينه الدن يا لراجيه قليله
فأمر لي بمائتي دينار، وخلع علي، وحملني.