في ذكر من أهديت إليه هدية فشكر عنها بشعر
حدثنا الصداني قال: أهدى محمد بن علي القمى إلى البحتري غلاما فاشتغل به أياما عن حضور مجلسه، فكتب إليه محمد:
هجرت كأن الوصل أعقب هجرة وما خلت وصلا قبلها أعقب الهجرا
فأجاب البحتري:
فتى مذحج عفوا فتى مذحج غفرا لمعتذر جاءت إساءته تترى
أتاني قريض منك يحدوه نائل فأنطقني جودا وأفحمني شعرا
وأكسبني شغلا عن الوصل شاغلا تعاتبني فيه وتعتده هجرا
فإن كنت مشغوفا بقربي آنسا بشخصي فلم خولتني ذلك البدرا؟
وما هو إلا درة لم أجد لها سوى جودك الأمسى إذ برزت نحرا
حملت عليه في سبيل فتوة هي الثغر خلف المجد بل تفضل الثغرا
وجدت نداك اليوم ألطف موقعا ود كنت لي خلا فأصبحت لي صهرا
قال وأهدى إليه عبد الله بن السحين بن سعد القطربلي نبيذا أصفر في إناء زجاج أزرق فكتب إليه البحتري شعرا منه هذه الأبيات:
حبذا أنت من منمم بر يفرج الهم أو معظم رفد
طرقتنا تلك اهدية والصه باء من خير ما تبرعت تهدي
لبست زرقة الزجاج فجاءت ذهبا يستنير في لازورد
قال: وأهدى إليه محمد بن علي القمي نبيذا مع غلام حسن الوجه، فجمشه البحتري، وكتب معه إلى صاحبه هذه الأبيات:
أبا جعفر كان تجميشنا غلامك إحدى الهنات الدنية
بعثت إلينا بشمس المدا م تضيء لنا مع شمس البرية
فليت الهدية كانت رسولا وليت رسولك كان الهدية
فوهب له الغلام لما قرأ الأبيات.
[ ٥ ]
وحدثنا البرمكي عن أبي هفان قال: أهدى أحمد بن يوسف الكاتب إلى أبي الزرقاء الشاعر دابة، فكتب إليه أبو الزرقاء:
أيها السيد الذي شرفته أرومه
قد بعثت الجواد لي فعلى من قضيمه؟
فوقع على ظهر رقعته: "قضيمه على مهديه ما دام حيا فإن نفق أخلفنا عليك غيره".
قال: واستهدى بعض الشعراء من صديق له يكنى أبا العباس خطرا فلم يسعفه بما طلب، فكتب على معن بن زائدة وهو يتقلد بلاد اليمن يطلب منه ذلك فأنفذ إليه جراب خطر وفيه ألف دينار، وكتب إليه أن اختضب بالخطر، وانتفع بنخالته، فقال:
إذا ما أبو العباس ضن بخطره كتبنا إلى معن فأهدى لنا خطرا
وأهدى دنانيرا وأهدى دراهما وأهدى لنا بزا وأهدى لنا عطرا
فبلغ البيتان "معنا"، فوجه إليه ألف دينار ثانية وألف درهم وسفط بز وعتيد عطر.
وحدثنا البرمكي عن أبي هفان قال: وعد عبد الصمد بن المعذل خالي مسلمة بن مهزم غلاما يهديه إليه ثم أهدى إليه جارية فكتب إليه:
قد لعمري يا أبا القا سم ملحت الرسالة
قلت لي: أرسل ظبيا ثم أرسلت غزالة
قال: أهدى أبو القاسم التنوخي القاضي ﵁ إلى طيلسانًا فكتبت إليه:
قد أتي الطيلسان مستوعبا شك ري في حسن منظر ورواء
مثقلًا عاتقي وإن كان في الخف ة واللطف في قياس الهواء
تسرح العين منه والقلب في الآ ل وفي الماء والسنا والبهاء
يتلقى حر الصدود يبرد ال وصل والصيف في طباع الشتاء
يخفق الدهر في النسيم كما يفخ فق قلب الجبان في الهيجاء
كل جزء منه يمج إلى الأر واح روح المنى وبرد الوفاء
ليس فيه للنار والأرض حظ هو من جوهري هواء وماء
زاد في همتي ونفسي وتأمي لي علوا وزاد في كبريائي
فكأني إذا تبخترت فيه قد تطيلست نصف بدر السماء
قال: وأهدى الحسن بن وهب على أبي تمام غلاما جميلًا فكتب إليه:
قد جاءنا الرشأ الذي أهديته خرقا ولو شئنا لقلنا المركب
لدن البنان له لسان أعجم خرس معانيه ووجه معرب
يرنو فيثلم في القلوب بطرفه ويعن للنظر الحرون فيصحب
قد صرف الرانون خمرة خده وأظنها بالريق منه ستقطب
وأهدى إليه ثيابًا، فكتب إليه:
قد كسانا من كسوة الصيف قرم مكتس من مكارم ومساع
حلة ذات رونق ورداء كسحا القيض أو رداء الشجاع
كالسراب الرقراق بالقفر إلا أنه ليس مثله في الخداع
سابري يسترجف الريح متني هـ بأمر من الهبوب مطاع
رجفانا كأنه الدهر منه كبد الصب أو حشا المرتاع
لازمًا ما يليه تحسبه جز ء من المتنين والأضلاع
يطرد اليوم ذا الهجير ولو شب هـ في حره بيوم الوداع
خلعة من أغر أروع رحب الصد ر رحب الفؤاد رحب الذراع
سوف أكسوك ما يعفى عليها من ثناء كالبرد برد الصناع
حسن هاتيك في العيون وهذا حسنه في القلوب والأسماع
وأهدى بعض الرؤساء إلى صالح الديلمي ثيابا فكتب إليه صالح:
كسوت من تملكه كسوة جاءت إلى ملكك من ملككا
صنيعة أعطى نساجها أنموذج الرقة من وجهكا
فهي من الحسن ترينا الذي يعرفه الزائر من بشركا
طويلة في عرضها فضلة كأنما مرت على صدركا
أظنها من قبل إهدائها مرغها الخازن في خلقكا
فنشرها في وقت نشرى لها أذكى على الأنف من ندكا
وأهدى الحسن بن وهب إلى أبي تمام فرسا رائعا، فكتب إليه أبو تمام شعرا يقول فيه:
نعم متاع الدنيا حباك به أروع لا حيدر ولا جبس
اصفر منها كأنه محة الب يضة صاف كأنه عجس
هادية جذع من الأراك وما خلف الصلا منه صخرة جلس
يكاد يجري الجادي من ماء عط فيه ويجني من متنه الورس
ضمخ من لونه فجاء كأن قد كسفت في أديمه الشمس
هذب في جنسه فنال المدى بنفسه فهو وحده جنس
أحرز آباؤه الفضيلة مذ تفرست في عروقه الفرس
[ ٦ ]
وهو إذا ما ناجاه فارسه يفهم عنه ما تفهم الإنس
كل ثمين من التلاد له غير ثنائي فإنه بخس
وأهدى إليه فرسا آخر فقال فيه شعرا، منه هذه الأبيات:
ما مقرب يختال في أشطانه ملآن من صلف به وتلهوق
حوافر حفر وصلب صلب وأشاعر شعر وخلق أخلق
وبشعلة تبدو كأن فلولها في صهوتيه بدو شيب المفرق
ذو أولق تحت العجاج وإنما من صحة إفراط ذاك الأولق
تغري العيون به ويفلق شاعر في نعته عفوا وليس بمفلق
صلتان يبسط إن ردى أو إن عدا في الأرض باعا منه ليس بضيق
مسود شطر مثل ما اسود الدجى مبيض شطر كابيضاض المهرق
قد سالت الأوضاح سيل قرارة فيه فمفترق عليه وملتق
صافي الأديم كأنما ألبسته من سندس بردا ومن استبرق
يرقى وما هو بالسليم ويغتدي دون السلاح سلاح أروع محلق
في مطلب أو مهرب أو رغبة أو رهبة أو مركب أو فيلق
أمطاكه "الحسن بن وهب" إنه داني ندى اليد من رجاء المملق
وحدثنا أحمد بن جعفر البرمكي قال: أهدى سعيد بن حميد الكاتب إلى أبي هفان قارورة من ماء الورد الفارسي فكتب إليه أبو هفان:
بعثتها حالية النحر بكرا وكل الخير في البكر
ملفوفة في حلل هن من خضر ومن صفر ومن حمر
تزر في الجيد ولكنها تجر أذيالا على الخصر
بيضاء في زرقاء كالش مس إذ تطلعت من زرقة الفجر
كجامد الياقوت أقطاره مملوءة مملوءة من ذائب الدر
جادت لمن ركب جثمانها روحها سيدة الزهر
ما حضرت والعطر في مجلس وإلا وكانت ربة العطر
نابت عن الورد كما نبت عن أبيك في العز وفي القدر
فعاد ذا منها إلى غصنه وقام ذا عنك من القبر
إن أنت حييت بها مسكة فمثلها الأبيات في النشر
ولم يضيع فارسي الندى في عربي الحمد والشكر
وحدثنا طاهر بن محمد الهاشمي قال: كان أبو بكر الصنوبري صديقًا لوالدي كثير الإلمام به والسلام عليه، وكان والدي محبًا له بارا به، وكنت وأنا غلام أميل إليه وأكتب شعره، فأهديت إليه يوما نبيذا ووردا فكتب إلي:
أهدى إلي فأي حسن معجب أو معوز في غيره لم يهده
الراح تضحك عن عتيق فرندها والورد يضحك عن حديث فرنده
فكأن حمرة ورده من راحه وكأن نكهة راحه من ورده
وكأن هذي تمترى من ريقه وكأن هذي تجتنى من خده
وأهديت إليه نعلًا صفراء فكتب إلي:
بخير الهدايا جدت يا خير منتم إلى خير باد في الأنام وحاضر
بمحذوة حذو اللسان شبيهة أوائلها في حسنها بالأواخر
مخالفة الوجهين قام خلافها مقام اتفاق عند أهل البصائر
فأما الذي من فوقها وجه عاشق وأما الذي من تحتها وجه شاعر
وحدثنا أبو منصور طلحة بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: أهديت إلي علي بن محمد المعروف بابن طباطبا العلوي الأصبهاني خاتما فصه عقيق حسن، فكتب إلي:
جاءتك إبهامي وسبابتي تشكر ما أوليته خنصري
فالتتا في قلم ناطق يفصح عن شكرهما المضمر
أعانتا أختهما بالتي سطرتا لمدح من أسطر
جزاء ما أوليتها بالذي قد زانها من رائق الجوهر
ألبستها فص عقيق غدا يزهى على ياقوتها الأحمر
قال: وأهدى أبو جعفر محمد بن حميد إلى البحتري فرسًا، فكتب إليه البحتري يشكره، ويصف الفرس ويستهديه سرجا ولجاما بشعر يقول فيه:
أما الجواد فقد بلونا يومه وكفى بيوم مخبرا عن عامه
جارى الجياد فطار عن أوهامها سبقا وكاد يطير عن أوهامه
جذلان تلطمه جوان غرة جاءت مجيء البدر تحت تمامه
وأسود ثم صفت لعيني ناظر جنباته وأضاء في إظلامه
مالت نواحي عرفه فكأنها عذبات أثل مال تحت حمامه
ومقدم أذنين تحسب أنه بهما يرى الشخص الذي لأمامه
يختال في استعراضه ويكب في اس تدباره ويشب في استقدامه
[ ٧ ]
وإذا التقى الثفر القصير وراءه فالطول حظ عنانه وحزامه
لانت معاطفه فخيل أنه للخيزران مناسب لعظامه
في ضعلة كالشيب مر بمفرقي غز لها عن شبيه بغرامه
ومردد بين القوافي يجتني ما شاء من ألف القريض ولامه
وكأن صهلته إذا استعلى بها رعد يقعقع في ازدحام غمامه
وكأن فارسه وراء قذاله ردف فليس تراه من قدامه
لا شيء أجود منه غير فتىً غدا من جوده الأوفى ومن إنعامه
وكأن كل عجيبة موصولة تتقسم اللحظات في أقسامه
والطرف أجلب زائر لمؤونة ما لم يزرك بسرجه ولجامه
حدثنا الأسباطي قال: أهدى بعض بني طولون إلى المريمي في يوم عيد هدية فيها دنانير جدد من ضرب السنة، فكتب إليه المرمي شعرا طويلا، يقول فيه:
لم ترض نيلا جاء يسبق موعدا حتى وصلت النيل منك بموعد
ورأيت في بر اللسان وإن حلا مذقا إذا لم تبله بر اليد
فحبوتني بعيون وشي مونق معه حباء من عيون العسجد
من كل ذي وجهين لم يقنع له في الحسن صانعه بوجه مفرد
واشتق من لونين مشرق لونه من أصفر في أحمر متوقد
لا روح فيه وما لذي روح غنى عنه ولا صبر إذا لم يوجد
مولى لمكرمة وعبد مهيبة وترى له الأحرار مثل الأعبد
قال: وامتدح عباس الخياط المصيصي علي بن عامر الحلبي، فدفع إليه دينارًا، فقال يشكره:
أبا حسن أصبحت زين الأقارب ودينارك البراق زين المواهب
رأته عيون الحاسدين فخلنه من الحسن في كفي إحدى الكواكب
ليهنك منه أنك الرجل الذي نجوت به من أمهات عقارب
وقال وامتدح أبا عثمان الأموي فدفع إليه دينارا، فقال:
يا عمرو يا مكنى بعثمان أصبح دينارك ذا شان
لما أتى في السبت صرنا به منك إلى معيار وزان
فلم يطق وزانه وزنه حتى وزناه بقبان
وفيه يقول أيضًا:
دينارك الواثقي نحن به نجلو عن العين ظلمة الغسق
إنك يا عمرو حين جدت به جاء على حاجة إلى الورق
حاولت تحريكه فأعجزني ورمت تعييره فلم أطق
حتى حملناه بين أربعة خشن إلى الصيرفي بالوهق
قال: وأهدى ابن يزداد إلى أبي القاسم الخبزأرزي البصري ثيابا وطيبا، ودراهم، ودنانير في بعض الأعياد، فقال يشكره، ويذكر الدراهم والدنانير في شعر طويل:
فأعطيتها تحكي أياديك في الورى بياضا وإن كانت أياديك أنصعا
زواهر أوضاحا لها أريحية إذا خامرت خمر القلوب تشعشعا
ومن بعدها قد نلت صفرا توقدت من السبك حتى صرن كالجمر لمعا
إذا اختلطا كانا كنور وزهره زكا بهما غرس النجار فأينعا
كأنهما بيض الوجوه تلألأت صفاء بتوريد الخدود مرصعا
وأهدى إليه بعض إخوانه وردا في طن آس وكان ذلك في ابتداء الورد، فكتب إليه:
أبدعت في كل المكارم سابقا حتى لقد أبدعت في إهدائكا
أتحفتني بالورد قبل أوانه في قضب آس غضة كإخائكا
فالورد عن نفحات عرضك مخبر والآس يخبر عن دوام وفائكا
فاسلم ونشر الورد حسن ثنائكا واعمر وعهد الآس طول بقائكا