في ذكر شيء من أخبار الهدايا
[ ١٣ ]
حدثنا الصولي عن يزيد بن محمد المهلبي قال: أهدى أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي إلى المأمون في يوم مهرجان مائة حمل زعفران في شبك إبريسم على مائة أتان شهب وحشية مرببة.
فجاءت الهدية والمأمون عند الحرم فقيل له: قد وجه القاسم بن عيسى مائة حمل زعفران (على مائة حمار) فأحب المأمون أن ينظر إليها على حالها، وكره أن يكون من الحمير شيء لا يصلح للنساء، فسأل سؤال مستثبت عن الحمر أهي أتن أم ذكور؟ فقيل له: بل هي أتن وحشية مرببة، وليس فيها ذكر، فسر بذلك وقال: قد علمت أن الرجل أعقل من أن يوجه بها على غير أتن.
وشبيه بهذا الخبر ما حدثناه جحظة قال: حدثني علي بن يحيى المنجم أن المتوكل كان يميل إلى جاريته "شجن" ميلا تماما، ويفضلها على سائر حظاياه، ويصفها لهن. فعاتبته على تفضيله إياها، وميله إليها وأثرته لها عليهن، فأقبل يصفها ويذكر أحوالها وتمام ظرفها وكمال مروءتها ثم قال: وهذا المهرجان قد قرب وقته، ولابد لكن من أن تهدين إلي فيه هدايا، وتهدى هي أيضا وننظر إلى هديتها وهداياكن، فتعلمن أن هديتها أطرف من هداياكن جميعا.
فلما كان في يوم المهرجان أهدين هدايا نفيسة، واحتفلن في ذلك؛ وجاءت هدية "شجن" وهي عشرون غزالا مرببة بعشرين سرجا صينيا، على كل غزال خرج صغير من ذهب مشبك فيه المسك والعنبر وأنواع الطيب المرتفعة؛ مع كل غزال وصيفة بمنطقة من ذهب في رأسه جوهرة ياقوت أو زمرد أو غيرها من الجواهر الجليلة القدر، فقال المتوكل لحظاياه واستلمح ذلك؛ من كان يحسن منكن مثل هذا قال جحظة: فحدثني علي بن يحيى أنهن عملن في قتلها بشيء سقينها إياه فماتت.
وحثنا محمد بن يحيى قال: حدثني يزيد بن محمد قال: كان موسى بن عيسى بن يزدانير من وجوه الكتاب وسرواتهم، وكان يكتب للفضل بن الربيع، فاتصل بالفضل أنه يهوى "عريب" المغنية، فقال له يوما: يا موسى بلغني أنك تهوى عريب هوى لا يهنيك معه مطعم ولا مشرب، وما نملكه فبين يديك، فإن كان لما بلغني حقيقة فعرفنيه حتى أبتاعها لك بما بلغت، ولو أتى ذلك على جميع ما أملك. واعلم أن هذه الحال ليست بناقصتك عندي، واحذر أن تكتمني فيتأدى إلي الخبر بصحة ما بلغني فأتنكر لك.
فأنكر موسى ذلك، ودفعه، وحلف على بطلانه.
فلما كان بعد ذلك بأيام تغدى الفضل، فقدم إليه في آخر الطعام لباء ظباء مع تمر من التمر السابري في طبق غضار صيني زمردي؛ فاستحسن الفضل ذلك. وكان يعرف كاتبه بالظرف، فقال: هذه هدية ظريفة تصلح لكاتبنا موسى. فدعا بطبق ومكبة، ووجه بذلك إلى موسى، فلما وضع بين يديه استحسنه وقال: لا أهدى إلى عريب شيئا أملح من هذا فوجه بالهدية على حالها (إليها) فلما نظرت إليها استطرفتها وقالت: لا أتحف الأمير- يعني الفضل - بأحسن من هذه الزلة فبعثت بها إليه، فدخلت داره كما خرجت منها لم تغير، فأمر بها، فعزلت.
وحضر موسى بالعشي على رسمه فقال له الفضل: كيف رأيت تلك الهدية يا موسى؟ قال: حسنة، والله يا سيدي! قال: فأكلت منها؟ قال: نعم وأطعمت من في منزلي تشرفا. فقال له الفضل: يا فاسق أما زعمت أنك لا تحب عريب، هذه هديتنا إليك قد أتحفتنا بها عريب أما أنك لو كنت صدقتني عن مكانها من قلبك عند عرضي عليك ما عرضت من أمرها كنت قد ابتعتها لك بما بلغت، فأما الآن فلا.
فقال موسى: ظلمتني يا سيدي إني لو أعلمتك أنى أهواها لوجب أن أسقط من عينك وتقل منزلتي عندك إذا أظهرت حبها، ولم أصبر على كتمانه؛ فقال الفضل: دع هذا عنك فقد خجلت، يا غلام أزل خجلة بعشرة آلاف دينار ينفقها على عريب؛ فدفعت إليه.
وحدثنا أيضا قال: تقدم الواثق إلى إيتاخ - وكان على خزن الكسوة - أن يتخذ له حلتي وشي على صورة، ودفعتها إليه، وأمره بتعجيل ذلك في يوم ذكره له. فتقدم إيتاخ إلى كاتبه سليمان بن وهب فجد في اتخاذها حتى فرغ منهما وأتى بهما إلى الواثق، فرضيهما وأمر بقطعها له دراعة وقميصًا.
[ ١٤ ]
وعرض لسليمان شغل فسأل أخاه الحسن بن وهب النيابة عنه في ملازمة الخياطين وحثهم حتى يفرغوا. وكان الحسن يهوى "بنان" جارية محمد بن حماد كاتب راشد المعرى، فلما خلا بالثوبين قطع أحدهما قميصا لبنان؛ واستحث الخياطين في أمره حتى فرغوا منه، وأخذه وانصرف إلى منزله، وأحضر "بنان" فخلعه عليها، وجلس يشرب معها. واتصل الخبر بأخيه سليمان، فقامت القيامة عليه، وأيقن بالقتل، وأحضر الوشائين فطلب شكلا للثوب فلم يجده، فابتاع حلة دونه بستة آلاف دينار، وصدق إيتاخ الخبر.
وألح الواثق في طلب القميص والدراعة وإيتاخ يدافعه إلى أن فرغ الخياطون من ذلك، فأحضرهما إياه؛ فلما لبسهما أنكر الحلة المبتاعة فسأل إيتاخ عن السبب، واستحلفه بحياته أن يصدقه فصدقه عن الخبر، فضحك حتى استلقى على فراشه.
وأنفذ خدما لإحضار الحسن و"بنان" على الصورة التي هما عليها، فأحضرا فيوقته، فلما رآهما والقميص على بنان قال للحسن: ويحك؛ تأخذ ثوبا قد اخترته لنفسي فتقطعه للتي تحب عن غير أمري. قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ولم؟ قال: لأنك الخليفة والدنيا كلها ملك يدك، وجميع أهلها رعيتك ولا يبعد عليك ما تطلب وأنا لا أقدر على مثله أبدا إلا أن تقطع حلة أخرى، ويستوى لي أن أتقلد أمرها فأسرقها.
فضحك الواثق أكثر من ضحكه الأول وأمر له بمائة ألف درهم، ول"بنان" بثلاثين ألف درهم وصرفها.
وكان في ناحية الحسان شاعر قد جفاه واطرحه، فقال في ذلك:
أهدى إليها قميصًا سلها فيه غيره
ففي السعادة حرها وفي الشقاوة تره
وحدثنا جحظة في كتابة الملقب "بكتاب المشاهدة" قال: كان الحسن بن مخلد شحيحا على الطعام، سمحا بالأموال الجليلة القدر، فسمعت علي بن يحيى المنجم يقول: كان الحسن بن مخلط يعمل لجاريته "لاثم" في كل يوم من مائدته وسطا ويهديه إليها، فتظهر السرور بذلك فأغفله يوما فعاتبته على ذلك، فعمل لها وسطا من ذهب في جوفه جوهرة بعشرة آلاف دينار فأهداه إليها.
قال: وكانت تسمى الوسط الذي يهديه إليها من المائدة في كل يوم "ما هناني". فقالت له عند إهدائه الوسط من الذهب: ليس هذا يا سيدي "ما هناني"؛ هذا ما أغناني.
حدثنا أحمد بن أبي خال قال: خرج الفيض بن أبي صالح، وأحمد بن الجنيد وجماعة من وجوه الكتاب من دار المأمون منصرفين إلى منازلهم، وكان يوما مطيرا، فتقدم الفيض بن أبي صالح، وتلاه أحمد ابن الجنيد فنضح دابة الفيض على ثياب أحمد بن الجنيد برجله من ماء المطر فتأفف أحمد وقال (للفيض) هذه والله مسايرة بغيضة، وما أدرى أي حق أوجب لك التقدم علينا؟ فأمسك الفيض حتى صار إلى منزله، ثم دعا وكيله، فأمره بإحضار مائة تخت في كل قميص وسراويل ومبطنة وطيلسان ففعل ذلك. فقال له: احمل هذه التخوت على مائة حمال، وصر بها إلى أحمد بن الجنيد، وقل له: أوجب لنا التقدم عليك أن لنا مثل هذا نهديه إليك إذا أفسدنا ثيابك فإن أهديت لنا مثله إذا تقدمت علينا وأفسدت دابتك ثيابنا قدمناك.
حدثنا الصولي قال: اختصم رجلان إلى قاض قد قدم أحدهما إليه هدية، فأراد القاضي أن يقضي عليه بحق وجب، فدنا منه فقال مسرا إليه: قد أهديت إلى القاضي شبابيط دجلية، وفراريج كسكرية، وحنطة بلدية، وجبنة دينورية، وشهدة رومية، فقال القاضي: قم! وصاح: ما هذا مما تسارني به، إذا كانت لك بينة بالرى انتظرناها وأخرنا الحكم وأجلناك. فقال: الغريم:
إذا ما صب في القنديل زيت تحولت الحكومة للمقندل
وعند قضاتنا حكم وعلم وبذر حين ترشوهم بسنبل
وحدثنا جحظة عن حماد بن اسحق الموصلي عن أبيه قال: طهرت بعض ولدي فكتب إلى إبراهيم بن المهدي: "لولا أن البضاعة قصرت عن بلوغ الهمة لتقدمت السابقين إلى برك، وشأوت المتقدمين إلى إكرامك، وكرهت أن تطوى صحيفة البر وليس لي فيها ذكر فوجهت إليك المبتدأ بنفعه والمختوم ببركته وطيبه: جراب ملح وجراب أشنان" ثم جائتني هداياه بما تقصر الألسن عن نعته.