قال: حدثنا يزيد بن عمرو قال: حدثنا عمير بن عمران قال: حدثنا الحارث بن عتبة عن العلاء بن كثير عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ: (تصافحوا فإن المصافحة تذهب غل الصدور، وتهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة) .
وحدثني أبو الخطاب قال: حدثنا بشر بن النفضل عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: (لو أهديت لي ذراع لقبلت، ولو دعيت لي كراع لأجبت) .
وفي حديث آخر: (تهادوا تحابوا فإن الهدية تفتح الباب المصمت وتسل سخيمة القلب) .
قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله عن الأصمعي قال: سمعت نافعا يحدث قال: كان ابن عمر يقول: "الهدايا من أمراء الفتنة. " وروى الزبير بن بكار عن عمه قال: كان الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة يجلس وعمر بن عبيد الله بن صفوان، ما يكادان يفترقان، وكان عمرو يبعث إلى الحارث في كل يوم بقربة من ألبان إبله، فاختلف ما بينهما فأتى عمرو أهله (فقال): لا تبعثوا للحارث باللبن فإنا لا نأمن أن يرده علينا، وانقلب الحارث إلى أهله فقال: هل أتاكم اللبن؟ قالوا: لا، فلما راح الحارث بعمرو قال: يا هذا لا تجمعن علينا الهجر وحبس اللبن، فقال: أما إذا قلت هذا فلا يحملها إليك غيري، فحملها من ردم بنى جمح إلى أجياد * * * وبعث النضر بن الحارث إلى صديق له يسكن عبادان بنعلين مخصوفتين وكتب غليه: بعثت غليك بهما وأنا أعلم أن بك عنهما غنى، ولكني أحببت أن تعلم أنك منى على ذكر.
وقال بعض الشعراء:
إن الهدية حلوة كالسحر تجلب القلوبا
تدنى البغيض من الهوى حتى تصيره قريبا
وتعيد مضطغن العدا وة بعد نفرته حبيبا
أهدى رجل إلى صديق له عبدا أسود، فكتب إليه: أما بعد، فلو علمت عددا أقل من واحد أو لونا شرا من الأسود لبعثت به إلى. وهذا نظير قول الآخر وقد سئل كم لك من الولد؟ قال: خبيث قليل، قيل: وكيف؟ فقال: لا أقل من واحد ولا أخبث من بنت.
* * * أهدى رجل إلى بعض الأمراء هدية، فكتب إليه الأمير: قد قبلتها بالموقع ورددتها بالإبقاء.
وكان ابن عباس يقول: من أهديت إليه هدية وعنده قوم شركاؤه فيها، فأهدى غليه صديق ثيابا من ثياب مصر وعنده أقوام فأمر برفعها، فقال له رجل: ألم تخبرنا أن من أهديت غليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها! فقال: إنما ذلك فيما يؤكل ويشرب ويشم، فأما في ثياب مصر فلا.
* * * وقال خلف الأحمر:
أتاني أخ من غيبة كان غابها وكنت إذا ما غاب أنشده ركبا
فجاء بمعروف كثير فدسه كما دس راعى السوء في حضنه الوطبا
فقلت له هل جئتني بهدية فقال بنفسي قلت أتحف بها الكلبا
هي النفس لا أرثى لها (من) بلية ولا أتمنى أن رأيت لها قرابا
أهدى رجل إلى صديق له وكتب غليه: الأنس سهل سبيل الملاطفة فأهديت هدية من لا يحتشم، على من لا يغتنم.
* * *
[ ٢٤ ]
وحدثنا أحمد بن الخليل قال: حدثنا أبو سلمة عن حبابة بنت عجلان عن أمها أم حفص عن صفية بنت جرير عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية قالت: قلت للنبي ﷺ: ما جزاء الغنى من الفقير؟ قال: (النصيحة والدعاء) قلت: يكره رد اللطف؟ قال: (ما أقبحه، لو أهديت على ذراع لقبلت، ولو دعيت على كراع لأجبت، تهادوا فإنه يضعف الحب ويذهب بغوائل القلوب) .
* * * وحدثني محمد بن سلام الجمحي قال حدثني خلاد بن يزيد الباهلي قال: أهديت ليزيد بن عمر بن هبيرة في يوم المهرجان هدايا وهو أمير العراق فصفت بين يديه، فقال خلف بن خليفة وكان حاضرا:
كأن شماميس في بيعة تسبح في بعض عيداتها
وقد حضرت رسل المهرجا ن وصفوا كريم هدياتها
علوت برأسي فوق الرءوس فأشخصته فوق هاماتها
لأكسب صاحبتي صحفة تغيظ بها جاراتها
فأمر له بجام من ذهب، ثم أقبل يفرق بين جلسائه تلك الهدايا، وينشد:
لا تبخلن بدنيا وهى مقبلة فليس ينقصها التبذير والسرف
فإن تولت فأحرى أن تجود بها فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
* * * كتب رجل من أصحاب السلطان على بعض العمال يستهديه مهارة من ناحية عمله. فكتب إليه العامل: أما المهارة فإن أهل عملنا يصونونها صيانة الأعراض، ويسترونها ستر الحرم، ويسومون بها مهور العقائل، وأنا مستخلص لك منها ما يكون زين المربط وحملان الصديق، إن شاء الله.
وقال بعضهم: الهدية إذا كانت من الصغير إلى الكبير، فكلما لطفت ودقت كان أبهى لها، وإذا كانت من الكبير على الصغير، فكلما عظمت وجلت كان أوقع لها وأنجع.
وكتب أبو السمط:
بدولة جعفر حسن الزمان لنا بك كل يوم مهرجان
ليوم المهرجان بك اختيال وإشراق ونور يستبان
جعلت هديتى لك فيه وشيا وخير الوشى ما نسج اللسان
* * * أهدى حسام بن مصك نعلا رقيقة، فجعل قتادة يزنها بيده، وقال: إنك تعرف سخف عقل الرجل في سخف هديته.
وقال الشاعر:
سقى حجاجنا نوء الثراي على ما كان من بخل ومطل
هم جمعوا النعال وأحرزوها وسدوا دونها بابا بقفل
إن أهد نفسي فهي من ملكه أو أهد مالي فهو من ماله
* * * لما قدم معاوية المدينة منصرفًا عن مكة، بعث على الحسن والحسين وعبد الله ابن جعفر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن صفوان بن أمية بهدايا من كسى وطيب وصلات من المال، ثم لرسله: ليحفظ كل رجل منكم ما يرى ويسمع من الرد. فلما خرج الرسل من عنده، قال لمن حضر: إن شئتم أنبأناكم بما يكون من القوم، قالوا: أخبرنا يا أمير المؤمنين، قال أما الحسن فلعله ينيل نساءه شيئا من الطيب وينهب ما بقي من حضره ولا ينتظر غائبا. وأما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفين، فإن بقى شيء نحر به الجزر وسقى به اللبن.
وأما عبد الله بن جعفر فيقول: يا بديح اقض به ديني، فإن بقى شيء فأنفذ به على عداتي. وأما عبد الله بن عمر فيبدأ بفقراء بني عدي بن كعب، فإن بقى شيء ادخره لنفسه ومان به عياله. وأما عبد الله بن الزبير فيأتيه رسولي وهو يسبح فلا يلتفت غليه ثم يعاوده الرسول فيقول لبعض كفاته خذوا من: رسول معاوية ما بعث به. وصله الله وجزاه خيرا، لا يلتفت غليها وهى أعظم في عينه من أحد، ثم ينصرف على أهله فيعرضها على عينه ويقول: ارفعوا، لعلى أن أعود بها على ابن هند يوما ما. وأما عبد الله بن صفوان فيقول: قليل من كثير، وما كل رجل من قريش وصل إليه هكذا، ردوا عليه، فإن رد قبلناها. فرجع رسله من عندهم بنحوها مما قال معاوية، فقال معاوية: أنا ابن هند! أعلم من قريش.
* * * قال يونس بن عبيد: أتيت ابن سيرين فدعوت الجارية، فسمعته يقول: قولوا له: إني نائم -يريد: سأنام-، فقلت: معي خبيص، فقال مكانك حتى أخرج إليك.
قال رجل لبى الدرداء: إن فلانا يقرئك السلام، فقال: هدية حسنة ومحمل خفيف.
وبعث رجل إلى جارية يقال لها "راح" براح وكتب إليها:
قل لمن يملك الملو ك وإن كان قد ملك
قد شربناك فاشربي وبعثنا إليك بك
أهدى رجل إلى عبيد بن الأخطل شاة مهزولة، فكتب إليه عبيد:
وهبت لنا يا أخا منقر وعجل وأكرمها أولا
[ ٢٥ ]
عجوزا أضر بها دهرها وأنزلها الذل دار البلى
سلوحا حسبت بأن الرعاء سقوها الغريقون والحنظلا
وأجدب من ثور زراعة أصاب على جوعه سنبلا
فإن أهديت فاكهة وجديا وعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين طولهما ذراع وعشر من ردىء المقل حسل
فإن أهديت ذاك ليحملوني على نعل فدق الله رجلي
أناس تائهون لهم رواء تغيم سماؤهم من غير وبل
إذا انتسبوا ففرع من قريش ولكن الفعال فعال عكل
* * * كتب رجل إلى صديق له: لولا أن البضاعة قصرت بي عن بلوغ الهمة لأتعبت المسابقين على برك. وكرهت أن تطوى صفيحة البر، وليس لي فيها ذكر، فبعثت إليك بالمبتدأ بيمنه وبركته والمختوم بطيبه ورائحته: جراب ملح، وجراب أشنان * * * أهدى الطائي على الحسن بن وهب قلما وكتب إليه:
قد بعثنا إليك أكرمك الل هـ بشيء فكن له ذا قبول
لا تقسه على ندى كفك الغم ر ولا نيلك الكثير الجزيل
واغتفر قلة الهدية منى إن جهد المقل غير قليل
وبعث أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع بنعل وكتب معها:
نعل بعثت بها لتلبسها تسعى بها قدم إلى المجد
لو كان يمكن أن أشركها جلدي جعلت شراكها خدي
وقال بعض الشعراء في نحو ذلك:
أو ما رأيت الورد أتحفنا به إتحاف من خطر الصديق بباله
لو كان يهدى لامرئ ما لا يرى يهدى لعظم فراقه وزياله
لرددت تحفته عليه وإن علت عن ذاك واستهديت بعض خصاله
وقال المهدي:
تفاحة من عند تفاحة جاءت فماذا صنعت بالفؤاد
والله ما أدرى أأبصرتها يقظان أم أبصرتها في الرقاد
* * * قال: وكتب بعض العمال إلى صديق له: إني تصفحت أحوال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا على السادة في مثل هذا اليوم والتأسي بهم في الإهداء، وإن قصرت الحال عن قدرك، فرأيتني إن أهديت نفسي فهي ملك لك لا حظ فيها لغيرك ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدت أكثرها منك، فكنت إن أهديت شيئا منه كالمهدي مالك إليك ومنفق نفقتك عليك، وفزعت على مودتي وشكري فوجدتها خالصين لك قديمين غير مستحدثين: ورأيت إن أنا جعلتهما هديتي لم أجدد لهذا اليوم الجديد برا ولا لطفا. ولم اقس منزلة من شكري بمنزلة من نعمتك إلا كان الشكر مقصرا عن الحق، وكانت النعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة، ولم أسلك سبيلا ألتمس بها برا أعتد به أو لطفا أتوصل إليه، إلا وجدت رضاك قد سبقني غليه فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك، وقد قلت في ذلك:
وأزهد من جيفة لم تدع لها الشمس من مفصل مفصلا
فأهوت يميني إلى جنبها فخلت حراقيفها جندلا
وأهوت يساري لعرقوبها فخلت عراقيبها مغزلا
فقلت أبيع فلا مشربا تؤدى إلى ولا مأكلا
أم اجعل من جلدها حنبلا فأقذر بجنبلها حنبلا
إذا هي مرت على مجلس من العجب كبر أو هللا
رأوا آية خلفها سائق يحث وان هرولت هرولا
فكنت أمرت بها ضخمة بشحم ولحم قد استكملا
ولكن روحا عدا طوره وما كنت أحسب أن يفعلا
فعض الذي خانني حاجتي ناست أمه تطرها الأعرلا
فلولا مكانك خضبتها وعلقت في جيدها جلجلا
فجاءت لكيما ترى حالها فتعلم أنى بها مبتلى
سألتك لحما لصبياننا فقد زدتني فيهم عيلا
فخذها وأنت بها محسن وما زلت بي محسنا مجملا
؟؟؟ وبعث رجل إلى دعبل بأضحية، فكتب إليه:
بعثت إلى بأضحية وكنت حريا بأن تفعلا
ولكنها خرجت غثة كأنك أرعيتها حرملا
فإن قبل الله قربانها فسبحان ربك ما أعدلا
قيل لرجل قدم من مكة: كيف أثمان النعال بمكة؟ قال: أثمان الجداء بالعراق.
وقال مسلم بن الوليد:
جزى الله من أهدى الترنج تحية ومن بما يهوى عليه وعجلا
أتتنا هدايا منه أشبهن ريحه وأشبه في الحسن الغزال المكحلا
ولو أنه أهدى إلى وصاله لكان إلى قلبي ألذ وأوصلا
؟؟؟ وكتب رجل إلى صديق له شرب دواء:
[ ٢٦ ]
تأنق في الهدية كل قوم غليك غداة شربك للدواء
فلما أن هممت به مدلا لموضع حرمتي بك والإخاء
رأيت كثير ما أهدى قليلا لعبك فاقتصرت على الدعاء
وكتب رجل إلى صديق له: وجدت المودة منقطعة ما كانت الحشمة عليها متسلطة، وليس يزيل سلطان الحشمة إلا المؤانسة، ولا تقع المؤانسة إلا بالبر والملاطفة.
؟؟؟ حدثني زيد بن أخزم عن عبد الله بن داود قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إذا أردت أن تتزوج فأهد للأم. والعرب تقول: من صانع لم يحتشم من كلب الحاجة.
قال ميمون بن ميمون: إذا كانت حاجتك على كاتب فليكن رسولك الطمع. وقال علي بن أبي طالب -﵁-: نعم الشيء الهدية أمام الحاجة.
وقال رؤبة:
لما رأيت الشفعاء بلدوا وسألوا أميرهم فانكدوا
نامستهم برشوة فأفردوا وسهل الله بها ما شددوا
٢- الشعر والشعراء -لابن قتيبة الدينوري (المتوفي ٢٧٦ هـ) طبعة الشيخ أحمد محمد شاكر- بمصر ١٣٦٩ هـ.
وكان أبو العتاهية أتى أحمد بن يوسف الكاتب، فحجب عنه، فقال:
متى يظفر الغادي إليك بحاجة ونصفك محجوب ونصفك نائم
وبعث على بعض الملوك بنعل، وكتب إليه:
نعل بعثت بها لتلبسها تسعى بها قدم إلى المجد
لو كان يحسن أن أشركها خدي جعلت شراكها خدي
؟؟؟ وقال في الهدية:
جزى الله من أهدى الترنج تحية ومن بما يهوى عليه وعجلا
أتتنا هدايا منه أشبهن ريحه وأشبه في الحسن الغزال المكحلا
ولو أنه أهدى على وصاله لكان إلى قلبي ألذ وأفضلا
٣- الموشى -لأبى الطيب محمد بن إسحاق بن يحيى الوشاء (المتوفي سنة ٣٢٥ هـ) طبعة ليدن ١٣٠٢هـ- ١٨٨٦ م