وأهدى ابن الحرون إلى بعض إخوانه أقلاما، وكتب إليه:
[ ٤٠ ]
إنه لما كانت الكتابة -أبقاك الله- أعظم الأمور وقوام الخلافة، وعمود المملكة، أتحفتك من آلتها بما يخف حمله وتثقل قيمته، ويعظم نفعه ويجل خطره، وهي أقلام من القصب النابت في الصحراء الذي نشف بحر الهجير في قشره ماؤه. وستره من تلويحه غشاؤه، فهي كاللآلئ المكنونة في الصدف، والأنوار المجوبة في السدف، وتبرية القشور، درية الظهور، فضية الكسور، قد كستها الطبيعة جوهرا كالوشى المحبر، ورونقا كالديباج المنير.
* * * قال ابن خفاجة وقد أهدى مهرا بهيما:
تقبل المهر من أخي ثقة أرسل ريحا به على المطر
مشتملا بالظلام من شية لم يشتمل ليلها على سحر
منتسبا لونه وغرته على سواد الفؤاد والبصر
تحسبه من علاك مسترقا بهجة مرأى وحسن مختبر
حن على راحة تفيض ندى فمال ظل به على نهر
ترى به والنشاط يحفزه ما شئت من فحمة ومن شرر
لو حمل الليل حسن دهمته أمتع طرف المحب بالسهر
أحمى من النجم يوم معركة ظهرا وأجرى به من القدر
اسود وابيض فعله كرما فالتفت الحسن فيه عن حور
فازدد سنا بهجة بدهمته فالليل أذكى لغرة القمر
ومثل شكري على تقبله يجمع بين النسيم والزهر
* * * وقال ابن نباتة في فرس أدهم أغر محجل أهدى إليه:
قد جاءنا الطرف الذي أهديته هاديه يعقد أرضه بسمائه
أولاية وليتنا فبعثته رمحا سبيب العرف عقد لوائه
تختال منه على أغر محجل ماء الدياجي قطرة من مائه
وكأنما لطم الصباح جبينه فاقتص منه فخاض في أحشائه
متمهلا والبرق من أسمائه متبرقعا والحسن من أكفائه
ما كانت النيران يكمن حرها لو أن للنيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافه إلا إذا كفكفت من غلوائه
* * *
أهدت إلى بنفسجا أحبب بمهدية البنفسج
فكأنه هي في اللطا فة والذكاء إذا تأرج
أوراقه اللهب المط ل على الذبالة حين تسرج
أو إثر قرص مؤلم في وجنة الخد المضرج
وقال الميكالي فيه متفائلا به:
يا مهديا لي بنفسجا أرجا يرتاح قلبي له وينشرح
بشرني عاجلا مصحفه بأن ضيق الأمور ينفسح
وتطير آخر به فقال:
يا مهديا لي بنفسجا سمجا أود لو أن أرضه سبخ
أنذرني عاجلا مصحفه بأن عقد الحبيب ينفسخ
١٨- مطالع البدور في منازل السرور لعلاء الدين البهائي الغزولي (المتوفي ٨٢٥ هـ) الطبعة الأولى بمصر ١٣٠٠ هـ.