ذكر ابن بدرون في شرحه لقصيدة ابن عبدون عند ذكر كسرى وبنائه للسور المذكور في الباب السادس من هذا الكتاب: "ولما بنى كسرى هذا السور هادته الملوك وراسلته، فمنهم ملك الصين كتب إليه: من يعفور ملك الصين صاحب قصر الدر والجوهر الذي يجري في قصره بهران يسقيان العود والكافور، والذي توجد رائحة قصره على فرسخين، والذي تخدمه بنات ألف ملك، والذي في مربطه ألف فيل أبيض على أخيه كسرى أنوشروان. وأهدى غليه فارسا من در منضد، عينا الفارس والفرس من ياقوت أحمر، وقائم سيفه من الزمرد منضد بالجوهر، وثوبا حريرا صينيا وفيه صورة الملك على إيوانه وعليه حلته وتاجه، وعلى رأسه الخدم بأيديهم المذاب المصورة من ذهب تحمله جارية تغيب في شعرها يتلألأ جمالها. وغير ذلك مما تهديه الملوك إلى أمثالها" وكتب إليه ملك الهند: "من ملك الهند وعظيم ملوك الشرق وصاحب قصر الذهب وإيوان الياقوت والدر إلى أخيه كسرى أنوشروان ملك فارس صاحب التاج والراية. وأهدى إليه ألف من من عود يذوب في النار كما يذوب الشمع، ويختم عليه كما يختم على الشمع، وجاما من الياقوت الأحمر فتحه شير مملوء من در، وعشرة أمنان كافور كالفستق وأكبر من ذلك، وجارية طولها سبعة أذراع تضرب أشفار عينيها إلى وجنتيها كأن بين أجفانها لمعان البرق مع إتقان شكلها مقرونة الحاجبين، لها ضفائر شعر تجرها وفراشا من جلود الحيات الين من الحرير وأحسن من الوشى.
[ ٤١ ]
وكان كتابه في لحاء الشجر المعروف بالكاذي مكتوب بالذهب الأحمر وهذا الشجر يكون بأرض الهند والصين، وهو نوع من النبات عجيب ذو لون حسن وريح طيبة تتكاتب فيه ملوك الصين والهند.
وكتب ملك التبت: من ملك التبتان ومشارق الأرض المتاخمة للصين والهند إلى أخيه المحمود السيرة والقدر ملك المملكة المتوسطة في الأقاليم السبعة كسرى أنوشروان.
وأهدى إليه أنواعا مما تحمل من عجائب أرض تبت: منها مائة جوشن ومائة ترس مذهبة وأربعة آلاف من المسك في نوافج غزلانية.
* * * وأهدى يعقوب بن الليث الصفار خرسان على المعتمد هدية في بعض السنين، من جملتها: عشرة بزاة، منها بازي أبلق لم ير مثله، ومائة مهر، وعشرون صندوقا على بغال عشرة، فيهم طرائف الصين وغرائبه، ومسجد فضة برواقين يصلى فيه خمسة عشر إنسانا ومائة من مسك، ومائة من عود هندي وأربعة آلاف درهم.
* * * وأهدت ملكة فرنجة على المكتفى بالله في سنة ثلاث تسعين ومائتين خمسين سيفا وخمسين رمحا، وخمسين فرسا، وعشرين ثوبا منسوجا بالذهب، وعشرين خادما صقلبيا حسنا، وعشرة كلاب كبار لا تطيقها السباع، وست بازات، وسبعة صقور ومضرب حرير يجمع ثلاثة وعشرين ثوبا معمولا من صوف يكون في صدف يخرج من البحر يتلون بجميع الألوان كقوس قزح، يتلون كل ساعة لونا وثلاثة أطيار تكون في أرض فرنجة إذا نظرت إلى الطعام المسموم صاحت صياحا منكرا، وصفقت بأجنحتها ليعلم ذلك من حالها، وخرزا يجتذب النصول فتخرج من غير ألم. وقدم الرسول بكتابها وهديتها، وكان في فصل من كتابها: "وعرفت أن بينك وبين ملك قسطنطينية صلة، وأنا أوسع منه سلطانا، وأكثر جندا، وأشد سطوة، وملكي على أربع وعشرين مملكة لسانها لا يشبه الآخر، وفي مملكتي وطاعتي رومية الكبرى.
* * * (ومن طرائف الهدايا) ما أهدته شجرة الدر جارية المتوكل، وكان يميل إليها ميلا كبيرا ويفضلها على سائر حظاياه. فلما كان يوم المهرجان أهدى إليه حظاياه هدايا نفيسة واحتفلن في ذلك، فجاءت شجرة الدر بعشرين غزالا مرببة، عليهن عشرون سراجا صينيا، على كل غزال خرج صغير مشبك حرير فيه المسك والعنبر والغالية وأصناف الطيب، ومع كل غزال وصيفة بمنطقة ذهب وفي يدها قضيب ذهب في رأسه جوهرة. فقال المتوكل لحظاياه وقد سر بالهدية: ما فيكن من تحسن مثل هذا وتقدر عليه، فحسدنها وعملن على قتلها بشيء سقينه لها فماتت.
* * * عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أبو عبد الرحمن الأمير ولى المدينة للرشيد، ثم ولى الشام والجزيرة للأمين.
وجه إلى الرشيد فاكهة في أطباق خيزران وكتب إليه: أسعد الله أمير المؤمنين وأسعد به، دخلت على بستان أفادنيه كرمك وغمرته لى نعمك قد أينعت أشجاره وتهدلت ثماره فوهبت على أمير المؤمنين من كل شيء شيئا على القدرة والإمكان في أطباق القضبان ليصل إلى من بركة دعائه مثل ما وصل إلى من بركة عطائه. فقال رجل: يا أمير المؤمنين، لم أسمع بأطباق القضبان. فقال: يا أبله كنى عن الخيزران بالقضبان إذ كان اسما لأمنا.
* * * أنشدني في المجدي فضل الله بن مكانس وقد أهدى له والده تحفا جليلة:
تناهيت في برى على أن هديتني وقد كنت قبل في الغي ساريا
وأهديت لي ما حير الفكر حسنه فلا زلت في الحالين للعبد هاديا
* * * وأهدى بعض ملوك الهند إلى الرشيد قضيب زمرد أطول من ذراع وعلى رأسه تمثال طائر ياقوت أحمر لا قدر له نفاسة، قوم هذا الطائر على حدته لمائة ألف دينار.
* * * ودفع مصعب بن الزبير حين أحس بالقتل إلى مولاه زياد فصا من الياقوت الأحمر، وقال له: انج بهذا، وكانت قيمته ألف ألف درهم. وسقط من يد الرشيد في ارض كان يتصيد فيها فاغتم لفقده، فذكر له فص ابتاعه صالح صاحب المصلى بعشرين ألف دينار، فأحضره ليكون عوضا عما سقط منه، فلم يره عوضا عنه.
* * *
[ ٤٢ ]
ووهب المأمون للحسن بن سهل عقدا قيمته ألف ألف درهم، وقوم الجوهر الذي سلم من النهب عند فتنة المأمون بألف ألف ألف مائة ألف وستة عشر ألف درهم. ووجد في تركة السيدة بنت المعز العبيدي طست وإبريق من البلور، ومدهن ياقوت أحمر وزنه تسعة وعشرون مثقالا، وكان الناس يستعظمون الطست والإبريق إلى أن قبض على أبي محمد اليازوري وزير المستنصر العبيدي، فوجد عنده تسعون طستا بأباريقها من صافى البلور وجيده كبارا وصغارا، فهان عليهم ما استعظموه.
* * * وأهدى صاحب قلعة "اصطخر" إلى السلطان الملك العادل ألب أرسلان السلجوقي قدح فيه منوا مسك مكتوب عليه: "جم شاد" أحد ملوك الفرس الأول.
١٩- المستطرف في كل فن مستظرف للشيخ شهاب الدين أحمد الأبشيهي (المتوفي ٨٥٠ هـ) طبعة القاهرة ١٢٧٩ هـ.
(ذو الرياستين) الفضل بن سهل لأنه دبر أمر السيف والقلم، وولى رياسة الجيوش والدواوين، ودخل عليه شاعر يوم المهرجان وبين يديه الهدايا فقال:
اليوم يوم المهرجان هديتي فيه اللسان
لك دولتان حديثة وقديمة ورياستان
لك في الورى من هاشم نبت وبيت خسروان
علم الخليفة كيف أنت فصرت في هذا المكان
فأمر له بجميع الهدايا.