(الحث على الإهداء وذكر فضيلته) قال النبي ﷺ: (تهادوا تحابوا) وقال: (الهدية تسل السخيمة) وقال عمر ﵁: نعم الشيء الهدية بين يدي الحاجة. وفي الخبر (إذا قدم أحدكم من سفر فليهد على أهله وليطرفهم وإن حجارة) وقيل: "اسكفة الباب تضحك من الهدية". وقيل: "الهدية هداية". وقال:
ما من صديق وإن تمت صداقته يوما بأنجح في الحاجات من طبق
لا تكذبن فإن الناس مذ خلقوا عن رغبة يعظمون الناس أو فرق
أما الفعال ففوق النجم مطلبه والقول يوجد مطروحا على الطرق
آخر:
إذا أتت الهدية دار قوم تطايرت الأمانة من كواها
وقيل: "الهدية بضاعة تيسر الحاجة ومن صانع بالمال لم يحتشم". قال الغاضري لأصحابه: أي راكب أحسن؟ فقال بعضهم: تمرة على زبدة، فقال: لا بل هدية على حمال. ومن أمثال الفرس: "الهدية تغالط العقول".
(الحث على قبول الهدية) قال النبي ﷺ: (إن الهدية رزق الله فمن أهدى إليه شيء من غير سؤال ولا إسراف فليقبه فإنما هو رزق ساقه الله إليه) وقال: (من سألكم بالله فأعطوه ومن استعاذكم فأعيذوه ومن أهدى إليه كراع فليقبله) .
وقال: (لو أهدى على كراع لقبلت ولو دعت على كراع لأجبت) .
(الحث على المقابلة) قال الله تعالى: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) .
فسره بعضهم بالهدية وجعل الثواب بها واجبا. وروى أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب علبها ما هو خير منها. أنشدني بعضهم:
رأيت الناس طرا في الهدايا كبيع السوق خذ منى وهات
* * * (طلب الهدية ومعاتبة من تركها) روى أن رجلا أهدى إلى الحسن والحسين ﵄ ولم يهد إلى ابن الحنيفة فأنشأ أمير المؤمنين على ﵁ يقول:
وما شر الثلاثة أم عمرو بصاحبك الذي لا تصحبينا
* * * وكتب رئيس على بعضهم: لا تهدين ما يجحف بحالك فإنه لا يزيد في مالي ولا يمنعك من ملاطفتي بيسير، واللطف استعظامك لمكاني فالكثير منك يسير واليسير عندنا كثير والسلام. المعيطي:
أتاني أخ من غيبة كان غابها وكنت إذا ما غاب أنشده الركبا
فجاء بمعروف كثير فدسه كما دس راعى السوء في حضنه وطبا
فقلت له: هل جئتني بهدية فقال: بنفسي، قلت: أطعمتها الكلبا
هي النفس لا أرثى لها من ملمة ولا أتمنى إن نأيت لها قربا
* * * (الهدية مشتركة) قال النبي ﷺ: (إذا أتى أحدكم بهدية فجلساؤه شركاؤه فيها)، وكان الهيثم بن عدى يحدث بهذا الحديث فما تمم حتى طلعت هدية فقال ما خلا هذه.
[ ٣٥ ]
(نهي الولاة عن قبول الهدية) صعد النبي ﷺ المنبر فقال (ما بال أقوام استعملتهم على الصدقات فيجئ أحدهم فيقول هذا مالكم وهذا أهدى على هلا جلس في حفش أمه فينظر أيهدى إليه والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله بحمله فليأتين أحدكم وعلى رقبته بعير له رغاء وبقرة لها خوار وشاة لها ثغاء ثم رفع يده وقال اللهم قد بلغت) . وروى: إياكم والهدية فإنها ذريعة الرشوة. ولعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي. قال الشيخ: وقد ذكرت خبر أنو شروان مع غيره في مثل هذا الباب في الولايات.
* * * (الممتنع من أخذ الهدية) سأل رجل الخيرزان حاجة فاستبطأها فأهدى إليه هدية فكتب إليه إن كان ما وجته ثمنا لرأيي فيك فقد بخستني في القيمة وإن كان استزادة فقد استغششتني في النصيحة.
وقال المدائني: أهدى رجل إلى مجوسي هدية فاغتم لذلك فقيل له فقال لئن ابتدأني: أهدى رجل إلى مجوسي هدية فاغتم لذلك فقيل له فقال لئن ابتدأني بها فإنه يدعوني إلى أن أتقلد منه منة ولئن كافأني على معروف عنده إنه ليروم أخذ ذلك فمن أي هذين لا أجزع.
وطلب عبد الله بن جعفر لأزادمرد حاجة من أمير المؤمنين ﵁ فأهدى إليه أزادمرد أربعين ألف درهم فامتنع عبد الله من أخذها وقال إنا أهل بيت لا نأخذ على معروفنا ثمنا.
وأهدى عبد الله بن السري على عبد الله بن طاهر لما ولاه مصر مائة وصيفة مع كل واحدة بدرة وبعثها إليه ليلا فردها وكتب إليه لو قبلت هديتك قبلتها نهارا (فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون) .
(من لان بعد لأخذ هدية) مر زياد بأبي العريان بالبصرة فقال من هذا فقالوا زياد بن أبى سفيان فقال ما أعرف في ولد أبى سفيان زيادا فبلغه ذلك فوجه غليه دنانير ثم مر به فقال من هذا فقالوا زياد بن أبى سفيان فقال لقد ذكرني شمائل أبى سفيان فبلغ ذلك معاوية ﵁ فكتب إليه:
ما لبثتك دنانير رشيت بها أن لونتك أبا العريان ألوانا
لله در زياد منذ قدمها كانت له دون ما يخشاه قربانا
فكتب له:
ابعث لنا صلة تحيا النفوس بها قد كدت يا ابن أبى سفيان تنسانا
من يسد خيرا يجده حيث يجعله أو يسد شرا يجده حيثما كانا
أما زياد فلا أنسيت نسبته ولم أرد بالذي حاولت بهتانا
* * * ولما ولى الحسن بن عمارة المظالم قيل ذلك للأعمش فقال ظالم ولى المظالم فأهدى إلى الأعمش رزمة ثياب فجعل يقول من بعد: إن الحسن كريم وحر سخي. وكان رؤية له حكومة فلم يكن يبلغ مراده فيها فأهدى لي الحاكم شيئا فنال ما رام فقال:
لما رأيت الشفعاء بلدوا أسوتهم برشوة فقردوا
وسهل الله بها ما شددوا
وكان بعض الولاة يخاشن بعض عماله فأضاه بما أهداه فسألته كيف حالك مع فلان فقال قد سد ابن بيض الطريق. وخبره معروف.
(استرداد ظروف الهدايا وتركها): قال الغنوي: استيموا الهدايا برد الظروف، وقال إسحاق بن إبراهيم: كنت مع الرشيد بالكوفة في شهر رمضان فقال لموسى ابن عيسى يا أبا عيسى حلواؤنا عليك وكان يوجه إليه كل ليلة عشر صحاف فلما كان بعد عشر ليال قطعها قال له الرشيد أصفوت فقطعت الحلواء فقال ما قطعها غيرك إن أنصفت قال كيف؟ قال إن من يأخذها منا لا يرد صحفة ولا منديلا ولا طبقا قال بئس ما عمل إن الهدايا تستدام برد الظروف فإذا صرت المتقاضى وأنت القاضي فلا تحتشم أحدا في استرداد الظروف. للصاحب وقد أهدى دنانير على طبق فضة فكتب بأبيات فيها: والظرف يوجب أخذه مع ظرفه.
(الاعتذار من إهداء شيء طفيف) كتب بعضهم: سهل لي سبيل الملاطفة فأهديت هدية من لا يحتشم على من لا يستغنم. كتب أحمد بن يوسف: للهدية معنيان كلاهما يوجب القبول وإن قل. وقيل إن كان لك عند المهدي يد فلا تستقصر بمزيدك وإن كان مبتدئا فالتفضل لا يستقل. الهدية أظرفها أخفها وأقلها أنبلها. وكتب آخر: قدمت المعذرة في إهداء ما اتسعت به المقدرة.
وروى أن سليمان ﵊ مر بعش قنبرة فأمر الريح أن تتجنب عشها الذي فيه فراخها فجاءت القنبرة لما نزل سليمان فرفرفت على رأسه وألقت جرادة هدية له لما فعل فقال سليمان: هي مقبولة فكل يهدى على قدر وسعه. ومما يروى لأبى يوسف القاضي:
[ ٣٦ ]
علينا بأن نهدى إلى من نحبه وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكله
ألم ترنا نهدى إلى الله ماله وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
دعبل: هذى هدية عبد أنت ملبسه ثوب الغنى فاقبل الميسور من خدمك
الخبزأرزي: تفضل بالقبول على إني بعث بما يقل لعبد عبدك
أهدى بعض الأدباء إلى المعتز شيئا وكتب إليه لا يعيب العبد أن يهدى إلى سيده القليل من نعمته عنده ولا السيد أن يقبل ذلك وإن كان الكل له، والسلام.
* * * (المقتصر في الهدية على الشكر) قال المازني: أظرف من اعتذر للفقر واقتصر على الشكر في الإهداء أحمد بن إبراهيم كتب إليه ابن ثوابة:
إني جعلت هديتي في المهرجان إليك شكري
لما تعذر واجب فسح التعذر فيه عذري
فإذا مررت بذكر من جاءت هديته ببر
فادر على اسمي دارة واكتب عليه: أتى بعذر
محمد بن أبى حكيم:
رأيت كثير ما يهدى قليلا لعبدك فاقتصرت على الدعاء وقال آخر:
وافق المهرجان والعيد منى رقة الحال وهي داء الكرام
فاقتصرنا على الدعاء وفيه عون صدق على قضاء الذمام
* * * (المقتصر على إهداء النفس) افتصد المتوكل فلم يبق أحد من جواريه وحشمه إلا أهدى إليه فأخبرت قبيحة بذلك وكانت معشوقته فتزينت ودخلت عليه فأنشدته:
طلبت هدية لك باحتيال على ما كان من حسي وبسي
فلما أجد شيئا نفيسا يكون هدية أهديت نفسي
فقال المتوكل: نفسك والله أحب إلى.
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
حبيبي فصدت العرق من أجل علة فلم تهد لي فيه وصالا مجددا
فأهديت نفسي يوم فصدى بوصلها إليك فخذها كي تكون لك الفدار
(استهداء النفس) كتب أبو العباس بن رشيد إلى صديق كان مشغوفًا به:
الناس يهدون إلى المفتصد أحسن ما يلقونه في البلد
فاهد لي وجهك يا سيدي فإنه أحسن شيء يرد
* * * (المهدي شيئا معنيا) أهدى أبو عبادة الوزير على المأمون مصحفا في يوم مهرجان ووافق أول يوم من شهر رمضان فكتب إليه: عدلت عن هدايا السلطان إلى التيمن بالقرآن وما يرضى الرحمن، فوقع في رقعته: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) .
وأهدى أحمد بن يوسف على المأمون هدايا وكتب غليه رقعة فلم يستظرف من هديته شيئا إلا قوله في رقعته: هذا يوم جرت فيه العادة بألطاف العبيد للسادة. وبعث إبراهيم بن المهدي بجراب ملح وجراب أشنان وكتب معهما: قصرت البضاعة عن بلوغ الهمة فكرهت أن تطوى صحف البر خالية من ذكرى فبعثت بالمبدوء لبركته والمختوم به لنظافته والسلام.
وشرب الرشيد دواء فأهدت غليه الخيرزان جارية بكرا معها جام كتب عليه:
إذا خرج الإمام من الدواء وأعقب بالسلامة والشفاء
فليس له دواء غير شرب بهذا الجام ينزغ بالطلاء
وفض الخاتم المهدي إليه فهذا العيش من بعد الدواء
وفض رجل إلى آخر قلنسوة ونعلا فقال لقد أشواني فلان بكسوته: أي أصاب شواي.
* * * (ذكر الهدية بأنها أمارة لفضل صاحبها ونقصه) قيل: يعرف فضل المرء بفضل هديته وسخافته بسخافة بره. وقيل: ثلاثة تدل على عقول أربابها: الهدية والرسول والكتاب وقد حكى الله تعالى عن بلقيس أنها قالت (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) فجعلت جواب الهدية دلالة.
كشاجم: إن هدايا الرجال مخبرة عن قدرهم قللوا أو احتفلوا
* * * (المهدي هدية سخيفة) أهدى أبورهم السدوسي على قينة كان يتعشقها زنبيل بصل، فقال فيه ابن. المعدل: قالت جبل ماذا العمل هذا الرجل حين احتفل أهدى بصل.
أهدى رجل إلى إسماعيل الطالبي فالوذجة عتيقة قد زنخت وكتب معها إني اخترت لعملها سكر السوس والعسل الماذي، والزعفران الأصفهاني، فكتب إليه: برئت من الله إن كانت هذه الفالوذجة قد عملت إلا قبل أن يوحى ربك على النحل. وأهدى أبو على البصير على أبى العيناء كرينجان قد كتب على كل واحدة منها (ادخلوها بسلام آمنين) فردها أبو العيناء وقد كتب عليها (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن) وكان رجل قد شغف بصبي فأهدى غليه كلبا فقال أبو شبل:
[ ٣٧ ]
وما رأت عيني ولا قيل لي أن فتى مستهترا صبا
لما دنا من وصل أحبابه أهدى إلى أحبابه كلبا
الصولي: أهدى إلى هدية مذمومة وأذم منها عندنا مهديها
وكأنما هي في سماحة منظر تحكيه في قبح كما يحكيها
* * * (الممتن بهدية أهداها) أهدى رجل على الأعمش بطيخة فلما أصبح قال يا أبا محمد كيف كانت البطيخة؟ قال طيبة ثم أعاد عليه ثانيا وثالثا، فقال: إن خففت من قولك وإلا قئتها. وأهدى أبو الهذيل إلى أستاذ له ديكا فكان بعد ذلك إذا خاطبه أرخ بديكه فيقول: إنه كان يوم أهديت إليك الديك وإنه قبل الديك بكذا وبعد الديك بكذا.
وقدم زياد على معاوية وأهدى إليه هدايا كثيرة فأعجب بها معاوية فلما رأى زياد سروره بذلك قال يا أمير المؤمنين إني دوخت لك العراق وحبيت لك برها وبحرها وغثها وسمينها وحملت لك لبها وسروها فقال له يزيد: أما إذا فعلت ذلك فقد نقلناك من ولاء ثقيف إلى شرف قريش ومن عبيد إلى أبى سفيان وما أمكنك تدويخ العراق إلا بنا، فقال معاوية: حسبك فداك أبوك ووريت زناده فيك.
(الشاكر المهدي إليه):
أتتنا هدايا منه أشبهن فضله ومن علينا منعما متفضلا
ولو أنه أهدى على وصاله لكان إلى قلبي ألذ وأوصلا
١٢- درة الغواص في أوهام الخواص لأبى محمد القاسم بن على الحريري (المتوفي ٥١٢ هـ) طبعة القسطنطينية ١٢٩٩ هـ ويقولون لهذا النوع من المشموم: سوسن، (بضم السين) فيوهمون فيه، كما أن بعض المحدثين ضمها فتطير من اسمه وكتب إلى من أهدى له:
لم يكفك الهجر فأهديت لي تفاؤلا بالسوء لي سوسنه
أولها سوء وباقي اسمها يخبر أن السوء يبقى سنه
والصواب أن يقال فيه سوسن (بفتح السين)، وكذلك يقال روشن (بفتح الراء) ليلحقا بما جاء على وزن فوعل نحو جوهر نحو جوهر وجورب وكوثر وتولب إذ ما سمع في أمثلة العرب فوعل (بالضم) إلا جؤذر في قول بعضهم.
١٣- بدائع البدائه لعلى بن ظافر الأزدي (المتوفي ٦٢٣ هـ) طبعة مصر ١٢٧٨ هـ وذكر عبد الرحمن بن نصر الدمشقي في كتابه المسمى بالتحفة والطرفة أن الوزير المزدقاني خرج للتنزه فرأى امرأة في بعض القصور فأعجبته فوقف متأملا لها، فأشارت إليه، فآنس منها قبولا، فأرسل إليها رسولا يعلمها بشدة شوقه ووجده بها.
فردت رسوله ومعه تفاحة عنبر فيها زر من ذهب ولم تكلمه بشيء فلم يفطن هو ومن حضره لتأويل ذلك، فقال له ابنه أحمد: قد فهمت ما أرادت، ونظمه في الحال في بيتين وأنشد:
أهدت لك العنبر في جوفه زر من التبر خفي اللحام
فالزر في العنبر معناهما زر هكذا مختفيا في الظلام
١٤- التذكرة -لابن العديم (المتوفي ٦٦٠ هـ) مخطوطة دار الكتب المصرية رقم ٢٠٤٢ أدب كتب أحمد بن مهران الكاتب إلى رجل أهدى له أقلاما. ونقلت من خط على بن مقلة أو غيره حضور المعنى: "أكرمك الله بحبيب عليه الهوى، واللسان بينه وبين القلب مترجم عن النجوى، وقليل البر بخلوص المحبة يتجاوز الكثير منه مع ضعف المودة، وموقع اللطف كموقع صاحبه من النفس، فإذا خص بها لطف، وإذا نبت عنها جفا، وهذه أبيات في الأقلام التي وضعها بين يدى:
أهدت إلى أنامل أقلاما كادت لرقتها تكون مداما
تبدى حروفا بالضمير نواطقا وتكون من دون الكلام كلاما
شبهتها قد ألمحت فضاضة ونحافة ولطافة وسقاما
خرساء تكلم في البلاد ولم ترم وتذيع عنك محبة وسلاما
وتبث شكواك الحبيب إذا نأى وترد نفرته إليك غراما
وتكاد رقة ما تخاطبه به تجرى كما جرت الدموع سجاما
وتحمل القرطاس ما حملته سيرا حياة تارة وحماما
تثنى قفا الخطى حد شباتها وتفل سيفا حين شيم حساما
١٥- وفيات الأعيان -لا بن خلكان (المتوفي ٦٨١ هـ) طبعة مصر ١٣١٠ هـ أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري- وله في وصف فرس أهداه إليه ممدوحه:
يا واهب الطرف الجواد كأنما قد أنعلوه بالرياح الأربع
لا شيء أسرع منه إلا خاطري في وصف نائلك اللطيف الموقع
ولو أنني أنصفت في إكرامه لجلال مهديه الكريم الألمعي
[ ٣٨ ]
أقضمته حب الفؤاد لحبه وجعلت مربطه سواد المدمع
وخلعت ثم قطعت غير مضيع برد الشباب لجله والبرقع
١٦- غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة لأبى إسحق إبراهيم الكتبي المعروف بالوطواط (المتوفي ٨١٨ هـ) طبعة مصر ١٢٨٤ هـ.
ومما يورد من المحبة أعذب الموارد هدية يستعطف بها القلب الشارد قال رسول الله ﷺ: (تهادوا تحابوا وتذهب الشحناء) . وقال ﵊: (تهادوا فإن الهدية تذهب وغر الصدور) وكان ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها. وقال: (لو أهدى إلى كراع لقبلت ولو دعيت إلى كراع لأجبت) وقالت عائشة ﵂: "اللطفة عطفة تزرع في القلوب المحبة والإلفة" وفي الأثر: (الهدية تجلب المودة إلى القلب والسمع والبصر) شاعر:
إن الهدية حلوة كالسحر تجلب القلوبا
تدنى البغيض من الهوى حتى تصيره حبيبا
وتعدي مضطعن العدا وة في تباعده قريبا
ومن أمثالهم: إذا قدمت من سفر فأهد لأهلك ولو حجر.
وقال الجاحظ: ما استعطف السلطان ولا استرضى الغضبان ولا أزيلت السخائم ولا استدفعت المغارم بمثل الهدايا، وقالوا: في نشر المهاداة طي المعاداة.
* * * وقال ضياء الدين ابن الأثير في رسالة يذكر فيها الهدية: الهدية رسول يخاطب عن مرسله بغير لسان ويدخل على القلوب من غير استئذان وبهدية المرء يستدل على عقله كما ذكر: أن رجلا أهدى على قتادة نعلا رقيقة فجعل النعمان يرزنها بيده ويقول: يعرف قدر الرجل في سخف هديته اللهم إلا أن يهدى شيئا سخيفا حقيرا فيصيره بالاعتذار عنه شريفا خطيرا.
كما فعل أبو العتاهية فإنه أهدى إلى الفضل بن الربيع نعلا وكتب له معها:
نعلا بعثت بها لتلبسها قدم تسير بها على المجد
لو كان يحسن أن اشركها جلدي جعلت شراكها خدي
وأهدى الأخيطل الأهوازي إلى ابن حجر في يوم نوروز طبقا فيه وردة وسهم ودينار ودرهم وكتب معه:
قل لابن حجر ذي السماح الخضرم لا زلت كالورد نضير المبسم
ونافذا مثل نفاذ الأسهم في عز دينار ونجح درهم
* * * وقال بعضهم: من امتنع من إهداء القليل لجلالة قدر المهدي إليه انقطعت سبل المودة بينه وبين إخوانه ولزمه الجفاء من حيث التمس الإخاء.
أبو العتاهية:
هدايا الناس لبعض تولد في قلوبهم الوصالا
وتزرع في القلوب وودا وتكسوهم إذا حضروا جمالا
آخر:
ما من صديق وإن تمت صداقته يوما بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثم بالمنديل منطلقا لم يخش نبوة بواب ولا غلق
لا تكذبن فإن الناس مذ خلقوا لرغبة يكرمون الناس أو فرق
وبالجملة إذا كانت من الصغير إلى الكبير فلطفت ودقت كان أبهي وأحسن، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فعظمت وجلت كان أوقع لها وأنجع.
* * * أهدى يعقوب الكندي إلى بعض إخوانه سيفا وكتب معه: "الحمد لله الذي خصك بمنافع ما أهدى إليك فجعلك تهتز للمكارم اهتزاز الصارم، وتمضى في الأمور مضاء المأثور، وتصون عرضك بالإرفاد كما تصان السيوف في الأغماد، ويظهر دم الحياء في صفحة خدك المشروف كما يشف الرونق في صفحات السيوف، وتصقل شرفك بالعطيات كما تصقل متون المشرفيات" * * * وأهدى الصابى دواة ومرفعا وكتب معهما: " قد خدمت مجلس مولانا بدواة يداوى بها مرض عفاته، ويروى بها قلوب عداته على مرفع يؤذن بدوام رفعته وارتفاع النوائب عن ساحته.
وأهدى أيضا على بعض الأصحاب فرسا وكتب معه: قد قدمت إليك فرسا والله تعالى يبارك لك فيه، ويجعل الخير معقودا بنواصيه والإقبال غرة وجهه، ونيل الأماني طلق شده، وفتح الفتوح غاية شأوه، وإدراك المطالب تحجيل قوائمه، وسلامة العواقب منتهي عنايه. والسلام.
(من أهدى هدية حقيرة واعتذر عنها) كتب بعضهم مع هدية حقيرة:
قبول الهدية أرومة وحاشاك أن ترد الكرم
فإن الملوك على قدرها لتقبل نشابة أو قلم
ابن التعاويذي:
هدية المرء تنبي عن مروءته وعن حقارة مهديها وخسته
وما يحيط من المهدي إليه إذا كانت محقرة عن قدر رتبته
[ ٣٩ ]
فاغفر جريمة من خست هديته وتلك منه على مقدار قدرته
وكتب آخر مع هدية أهداها ليلا:
بعثت عشيا إلى سيد بما هو من خلقه مقتبس
هدية خل صحيح الإخاء جرى منه ذكرك مجرى النفس
فجد بالقبول وأيقن بأن لفرط الحياء أتت في الغلس
آخر:
يأيها المولى الذي عمت أياديه الجميلة
أقبل هدية من يرى في حقك الدنيا قليلة
آخر:
قد بعثنا إليك الل هـ بشيء فكن له ذا قبول
لا تقسه على ندى كفك الغم ر ولا نيلك الكثير الجليل
فاغتفر قلة الهدية منى إن جهد المقل غير قليل
ومن ظرائف الهدايا التي هي من أحسن ما يسطر في الصف ويذكر، ما يروى: أن يحيى بن خالد بن برمك عزم على ختان ولده فأهدى إليه وجوه الدولة كل منهم بحسب حاله وقدرته، فصنع بعض المتجملين العاجزين خريطتين وملأ إحداهما ملحا مطيبا وملأ الأخرى سعدا معطرا، وكتب معهما رقعة فيها: "لو تمت الإرادة لأسعفت العادة، ولو ساعدت القدرة على بلوغ النعمة لتقدمت السابقين إلى خدمتك وأتعبت المجتهدين في كرامتك، لكن قعدت بي القدرة عن مساواة أهل النعمة، وقصرت بي الجدة عن مباهاة أهل المكنة، وخشيت أن تطوى صحيفة البروليس لي فيها ذكر فأنفذت المفتتح بيمنه وبركته وهو الملح والمختتم بطيبه ونظافته وهو السعد، باسطا يد المعذرة، صابرا على ألم التقصير متجرعا غصص الاقتصار على اليسير، والقائم بعذري في ذلك (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) والخادم ضارع في الامتنان عليه بقبول خدمته ومعذرته والإحسان إليه بالإعراض عن جراءته، والرأي أسمى. " ثم دخل دار يحيى ووضع الخريطتين والرقعة بين يديه فلما قرأ الرقعة أمر أن تفرغا وتملأ إحداهما دنانير والأخرى دراهم.
* * * ومن الحكايات المستظرفة: ما يحكى أن بعض القيان افتصدت فأهدى لها محبوها هدايا فكان من جملتهم من أهدى ثلاث سلال مخيطة ففتحت سلة منها فوجدتها مملوءة ماشا وفيها رقعة مكتوب فيها: ماش خير من لاش. وفتحت الأخرى فإذا هي مملوءة عصافير فطاروا، وفيها رقعة مكتوب فيها: "هذه أعتقتها لوجه الله تعالى شكرا له على سلامتك من فصدك" وفتحت الأخرى فإذا هي فارغة لا شيء فيها إلا رقعة مكتوب فيها: "لو كان لنا شيء لأهديناه" فضحك من كان حاضرا، ولم تدع القينة شيئا مما أهدى غليها إلا أعطته منه.
(اعتذار من لم يهد شيئا)
تأنق في الهدية كل قوم غليك غداة شربك للدواء
فلما أن هممت بها مدلا لموضع حرمتي بك والإخاء
رأيت كثير ما أهدى قليلا لديكم فاقتصرت على الدعاء
آخر:
إن أهد نفسي فهو مالكها ولها أصون كرائم الذخر
أو أهد مالا فهو واهبه وأنا الحقيق عليه بالشكر
أو أهد شكرا فهو مرتهن بجميل فعلك آخر الدهر
آخر:
وافق المهرجان حاشاك منى رقة الحال وهي داء الكرام
فاقتصرنا على الدعاء وفيه عون صدق على قضاء الذمام
آخر:
هديتي تقصر عن همتي وهمتي تفضل عن مالي
فخالص الود ومحض الولا أحق ما يهديه أمثالي
* * * وكان في قلب الأمين من إسحق الموصلي شيء فأهدى له جارية فردها، فكتب إليه إسحق:
هتكت الضمير برد اللطف وكشفت أمرك لي فانكشف
فإن كنت تحقد شيئا مضى فهب للخلافة ما قد سلف
وجد لي بالعفو عن زلتي فبالفضل تأخذ أهل الشرف
فلم يفعل فكتب إليه:
أتيت ذنبا عظيما وأنت أعظم منه
فخذ بحقك أولا فامنن بصفحك عنه
١٧- نهاية الأرب -لشهاب الدين النويري (المتوفي ٧٣٣ هـ)